محطات حياتي المختلفة مع اضطراب الهلع

شُخصت باضطراب الهلع، وهو من اضطرابات القلق. كان ذلك رفيقي وعدوي اللدود في آن واحد خلال محطات حياتي المختلفة.

عندما نفتش في ذاكرتنا عن تجاربنا الأولى التي تحدد ما نحن عليه لاحقًا، تظهر لنا واضحة وجلية. قبل عشرين سنة من اليوم، شُخصت باضطراب الهلع، وهو من اضطرابات القلق. كان ذلك رفيقي وعدوي اللدود في آن واحد خلال محطات حياتي المختلفة. هزمني مرات، وكتب لي الله العون على غلبته مراتٍ أُخَر، حتى بتنا الصاحبين المتلازمين الراضيين عن حظ كل منهما من الآخر.

فالحياة مع نوبات الهلع تُحيلها صاحبة لك، تكبران معًا، تمضيان في مسيرة الحياة جنبًا إلى جنب، فيصل بك الأمر إلى تفقّد تلك النوبة التي تعرف أنها حانت عند موقف ما أو أمام مشهد ما. وبمقدار ماتجد من ألم ورهبة وخوف وتطلع لتسارع نبضات قلبك، تقوى عليها ويشتد عودكَ على بأسها. 

نوبة الهلع الأولى 

في ظهيرةِ أحد الأيام من فصل الصيف، كنت أستعد لمناسبة عائلية فشعرت لدقائق معدودة بعدم القدرة على التنفس. كانت نبضات قلبي تتسارع. وفي اللحظة نفسها، بدأت الأفكار تتقافز إلى عقلي. حاولت تفسير ما يحدث، إذ لم أر له أسبابًا منطقية ولا وُجِد أي من محفزات تلك المشاعر. كان التفسير الوحيد حينها أنها نتيجة لخلل عضوي، ربما مشكلة في القلب أو الرئة. 

في اليوم نفسه، ذهب بي والدي إلى المستشفى لإجراء بعض الفحوصات، وكانت كل النتائج سليمة. سارت أيامي بهدوء، لا يعكر صفوها سوى تكرار تلك النوبات التي أجهل أسبابها. ومما يزيدها صعوبة عدم قدرتي على التنبؤ بموعد قدومها. قد تهاجمني خلال مناسبة سعيدة، أو في السيارة على الطريق السريع. 

معركتي مع اضطراب الهلع 

في تلك المرحلة المبكرة من حياتي، وأنا في الثانية عشرة من العمر، كنت أجهل أسباب ما يحدث. حاولت التأقلم مع تلك النوبات لعدة سنوات، لكن تأثيرها امتد إلى جوانب عدة من حياتي، ولعل أهمها الجانب الدراسي. كنت أحمل ثقلي كل صباح للذهاب إلى المدرسة. ولعل أصعب المواقف كان شعوري بالعجز أمام الأعراض، ودخولي في نوبات بكاء أمام الطالبات في الصف، لأتغيب عن المدرسة لعدة أيام.

من حسن حظي أن المدرسة كانت متفهمة جدًا لهذا العارض النفسي ومتعاونة معي. بلغت الخامسة عشرة، ولا أزال أجهل ما يحدث لي. بعد إحدى النوبات، شعرت أنني في دوامة لأيام متتابعة لا تنفكُّ فيها عني. فضَّلت البقاء في البيت حينها لأني اعتقدت أنَّ هذه النوبات تحتاج مني أن ألتقيها وحيدة، حتى لا تظهر آثار المعركة أمام زميلاتي وهن يرينني أعترك معها.

لم أدرك أن الحل الأول لهزيمة تلك النوبات هو مواجهتها وسط هذا العالم، في كل هذا الضجيجِ وحوله. لكن حين تماسكت أمام سطوة النوبات عليّ، أصبحنا أنا والهلع صاحبين ندًا لند، وإن كنت أرجو هجر صاحبي وأسعى لمفارقته. Click To Tweet

هكذا، بعد أيام من البقاء في المنزل، بدأت أستجمع قواي لمواجهة تلك المخاوف. وعدت لحضور الحصص الدراسية تدريجيًا، وبدأت في الوقت نفسه تعويض ما فاتني من دروس. 

البحث عن العلاج في العيادة النفسية 

‏قبل عشرين سنة من الآن، لم يكن الوعي بالاضطرابات النفسية والعلاج النفسي كما هو اليوم بوجود وسائل التواصل الاجتماعي. لهذا لم تكن العيادة النفسية هي المحطة الأولى لمحاولتي للتعافي. وكان من الطبيعي في ذلك الوقت أن تتعدد التفسيرات الخاطئة عند ظهور أي عارض نفسي. وقد اقتصرت محاولات التعافي في البداية على التردد على الرقاة بالقرآن دوريًا. 

بعد استمرار النوبات، اقترح والدي زيارة إحدى العيادات النفسية لعلي أجد ضالتي. ما زلت أذكر المرة الأولى التي قرأت فيها عن العيادة التي قصدتها في قسم العيادات النفسية. كان عالمًا جديدًا، لا أعرفه إلا بما كونته في مخيلتي من بعض المسلسلات التي شاهدتها. أثناء جلوسي في غرفة الانتظار، لمحت منشورًا عن نوبات الهلع. كانت حبل نجاةٍ لي، إذ أدركت أخيرًا ما يحدث معي، ووجدت جميع الإجابات التي كنت أبحث عنها لسنوات مضت.

بداية رحلتي للتعافي

بدأت رحلتي العلاجية من خلال العلاج الدوائي مع الطبيب النفسي، والجلسات النفسية مع المعالج النفسي، وبدأت أرى بوادر التحسن خلال الشهور الأولى. كان العلاج النفسي، بشقيه الدوائي والسلوكي، ولا يزال، جزءًا من رحلتي في الحياة. إذ يعيدني في كل مرة إلى نقطة التوازن بعد كل انتكاسة. عندما بدأت الجلسات النفسية، بدأت أرى بوضوح كيف لتلك الأفكار التي يزيد حجمها كبالون، أن تغذي المشاعر التي تتحول بدورها إلى أعراض جسدية. 

ساعدتني الجلسات أيضًا على تعلم بعض الاستراتيجيات التي تساعد على مواجهة النوبات، ومنحتني القدرة على استبصار كل ما يحدث. ولعلي أضيف نقطة في هذا الجانب، إذ يعتقد البعض أن رحلة العلاج جهد يقدمه فقط المعالج للعميل، لكنها في الحقيقة رحلة يشترك فيها الاثنان.

التحدي الأكبر في السفر للخارج

ربما كان التحدي الأكبر لي عزمي على الذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الماجستير. كانت تحاصرني أسئلة كثيرة: ماذا سأفعل إن هاجمتني نوبات الهلع؟ هل سأتمكن من مواجهتها وحدي في ذلك البلد البعيد؟ عادت إلى الظهور الأسئلة والمخاوف التي تضاءل حجمها خلال سنوات مضت، وواجهتها بصفتها احتمالات واردة الحدوث. وبدأت أسأل نفسي: ما أسوأ ما قد يحدث؟ 

جاء يوم الرحلة، وأنا غير متيقنة إذا كنت سأتجاوز المحطة الأخرى من حياتي بتحقيق الهدف. نبضات قلبي لا تزال ترن في أذني كلما تذكرت اليوم الـذي اتجهت به إلى السيارة للانطلاق إلى المطار. كنت أدفع نفسي دفعًا إلى تلك الرحلة لإيماني بهذا الحلم في قلبي.

هبطت الطائرة في مطار دالاس في فرجينيا، واحتوتني حينها. كانت الأسابيع الأولى في البلد البعيد الجزء الأصعب من تلك المرحلة. حاولت السيطرة على مخاوفي والإمساك بزمام الأمور بطرق عدة، أهمها المتابعة مع الطبيب في الرياض، والتطبيقات التي تقدم المساعدة عبر الاستشارات والجلسات النفسية، وأصدقاء الغربة قطعًا. 

حياتي المزدهرة مع اضطراب ثنائي القطب

على الحديث عن الصحة النفسية أن يصبح جزءًا من حياتنا اليومية، وأمرًا طبيعيًا، نستخدم فيه المفردات التي لا ترفع سقف «الوصمة» بل تخفضها.

31 يوليو، 2022

في عام 2020، خلال أزمة كورونا عقدت العزم على العودة إلى أمريكا للتركيز على متطلبات القبول للجامعات. في الرحلة من الرياض إلى واشنطن وبعد ربط الأحزمة، انتابتني أعراض الهلع. فككت الحزام واتجهت إلى طاقم الطائرة متلعثمة، وأنا أطلب إيقاف الطائرة. من حسن حظي أن الطائرة لم تتوقف، وتفهّم الطاقم مخاوفي وتلقيت منهم الدعم طوال الرحلة. 

لماذا أشاركك تجربتي مع اضطراب الهلع؟ 

مشاركة تجربتي الشخصية مع نوبات الهلع ليس قرارًا سهلًا. وتساءلت قبل كتابة المقال عن قيمة مشاركة الآخرين تجربة شكَّلتني خلال مراحل حياتي المختلفة. حينها تراءى لي وميض ذلك الأمل الذي أشعر به في نوبات الهلع كلما شاركني الآخرون تجاربهم، وكيف أمدت قوة كلماتهم روحي بالتوهج من جديد بعد كل نوبة. لذا هنا أريد أن أضيء الطريق لكل من يعاني الاضطراب نفسه، وأن أهمس في أذنه: «أنت لست وحدك.» 

وبينما ألتفت اللحظة إلى كل السنوات خلفي، إلى كل محطات حياتي مع نوبات الهلع، أبتسم سعيدة بنور الله وتثبيته وضيائه، وعضد والدي الذي كان وأعان، وانتشلني من هلعي.

الإنسانالصحة النفسيةرعاية الذاتالثقافة
مقالات حرةمقالات حرة