حين تضيق البيوت بكتبنا


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

قرأتُ مؤخرًا مقالًا في صحيفة نيويورك تايمز يروي قصة الكاتب والمترجم مندل أوماينر، الذي هددته كتبه بفقدان شقته؛ فقد جمع أوماينر، المقيم في مانهاتن، نحو عشرة آلاف كتاب في شقته الصغيرة، حتى زحفت الكتب لتملأ الحمَّام، وتحجب النوافذ، وتحيط بسريره. ونظرًا لكون هذا التراكم يشكل خطرًا يهدد سلامة البناية، وبخاصة خطر الحرائق، أرسلت إليه إدارة المبنى إنذارًا، ثم بدأت إجراءات إخلاء الشقة، وبعد أشهر من المماطلة القانونية، رضخ أوماينر في النهاية وغادرها. قرأتُ هذه القصة وأنا أفكر في اللحظة التي تتحول فيها علاقتنا الحميمة بالكتب إلى عبءٍ يصطدم بقيود المكان الذي نتشاركه مع الآخرين.

ربما يتذكر قراء نشرة «إلخ» مقالي «كيف ساعدتني كتبي على فقدان الوزن»، الذي رويت فيه قصة انتقالي ومكتبتي من شقة في عمارة وسط البلد مزودة بمصعد، إلى شقة متواضعة في بناية تفتقر إليه. اشترطت قبل الزواج أن تسبقني كتبي إلى بيت الزوجية، ثم أخذت مساحتها تتسع مع اتساع الأسرة وتعدد احتياجاتها، وبدأت المشكلات تتفاقم مع توسع الأرفف. وحين اشتد ضيق المكان، بدأتُ بنقل الكتب تدريجيًّا إلى شقتي القديمة في الطابق الخامس؛ فصار صعود الدرج حاملةً الصناديق الثقيلة تمرينًا أعاد ترتيب علاقتي بجسدي. انتهت التجربة بانتقال الأسرة أيضًا، ووجدت مكتبتي يومها مساحة أرحب فشرعتْ في التمدد من جديد، كأن عناء الانتقال شفع لها ممارسة هذا الحق الحيوي في النمو.

تُعيدني حكاية أوماينر إلى تلك التجربة. يحتاج القارئ إلى المال لشراء كتابه، وإلى المال مجددًا لحفظه، وإلى الوقت لترتيبه والعناية به، فكل كتاب يدخل البيت يشارك، بِحجمه المتواضع، في صياغة تفاصيل الحياة داخله. ومع مرور السنوات، تتراكم هذه الكتب حتى يغدو قرار التعامل مع المكتبة قرارًا مصيريًّا يمسُّ البيت وأهله ومواردهم، إذ يمكن للمرء أن يُؤجِّل القراءة، لكن المكان ومن يسكنه يفرضان مطالبهما يوميًّا.

غلاف «المكتبة»
غلاف «المكتبة»

رصد الكاتب الصربي زوران جيفكوفيتش هذه المعضلة في قصة «المكتبة المنزلية» إحدى قصص روايته الموزاييك¹ «المكتبة». يعرف راويها، المقيم في شقة صغيرة، أن اقتناء الكتب يستدعي تخصيص مكان لها ثم توسيعه باستمرار، فيقرر أن يحمي مساحته من هذا المصير بتجاهل شراء الكتب. لكنها تأخذ طريقها إليه عبر صندوق البريد، قادمةً من مصدر مجهول، وتتوالى حتى يغدو استقبالها مشكلة تفرض نفسها عليه. لكنه لم يشغل باله بالأثاث الذي يخرج من بيته ليترك مكانًا للكتب، كل ما كان يهمه أن يتأمل بهاءها: «أعود عصرًا إلى منزلي لأمتع ناظري بمرأى الكتب حتى أرتوي. سوف أجلس في الردهة أمام باب الغرفة المفتوح، وأحدق في هذا الكنز الأصفر. وإلى ماذا يحتاج المرء غير هذا؟ كرسي، ربما!».

تُضفي الكتب التي تتراكم على صندوق بريد الراوي طابعًا غرائبيًّا على رغبةٍ أصيلة لدى القراء، وهي استمرار تدفق الكتب، وظهور عناوين جديدة تستحق الاكتشاف. وتتغذى هذه الرغبة عبر حسابات القراء التي تحركها الحماسة أو المقابل المادي، وما تطرحه من ترشيحات كثيرًا ما تخيِّب التوقعات. أيضًا تعززها ظاهرة «الفومو» (FOMO)؛ إذ يوقظ فينا كل كتاب يستعرضه قارئ على حسابه الخوفَ من تفويت فرصة اقتناء ما اقتناه الآخرون أو قرؤوه. عند جيفكوفيتش، ينفصل هذا السيل عن إرادة صاحبه، ويواصل اندفاعه حتى بعد أن تضيق الشقة بمحتوياتها. لقد اختار الكاتب صندوق البريد، ذلك التفصيل اليومي المألوف، ليكون معبرًا للوفرة العجيبة، فمن فُتحته الصغيرة يتدفق عالم من الكتب يتجاوز سعة المكان، وهي صورة تلامس واقعنا اليوم، حيث تصل الطرود إلى أبوابنا من كل أصقاع الأرض بضغطة إصبع.

تتيح لنا الفانتازيا تأمل عاداتنا بتضخيم نتائجها، فتبرير اقتناء كتاب واحد أمر يسير، ولكل عنوان سببه المقنع. يدرك القارئ أن وقته محدود، ومع ذلك يواصل الشراء، لأن اهتماماته تتجدد، ولأن العثور على كتاب مرغوب فيه يمنحه متعة فورية، وقد يشتريه متوهمًا أن أيامه المقبلة ستكون أهدأ، وأنه سيتفرَّغ أخيرًا لما يؤجِّله. لكن هذا الوقت يأتي بانشغالات جديدة، وتظل الكتب مكانها؛ موسوعة تاريخ الحضارة تنتظر مني تفرغًا، ورسائل فان جوخ تنتظر مزاجًا ملائمًا، وسباعية بروست تنتظر تقاعدي، ومراجع الفلسفة ومختلف العلوم تصطف تأهبًا لمقال قد أكتبه. يضم الرفُّ ماضينا ومستقبلنا المحتمل معًا، فيصبح التخلي عن بعض محتوياته مراجعةً لوعودٍ قطعناها على أنفسنا، واعترافًا بتغير اهتماماتنا. وهذا الاعتراف يتطلب قدرًا من الرفق والتفهم، فالإنسان في تغير مستمر، بينما تظل الكتب شاهدةً على الهيئة التي كنا عليها عند اقتنائها.

يجد محبو اقتناء الكتب في أمبرتو إيكو، الذي احتوت مكتبته الشخصية على قرابة ثلاثين ألف مجلد، خيرَ مُدافعٍ عن هوايتهم أمام تساؤلات الآخرين حول جدوى تكديس كل هذه الكتب. ففي مقالته «عن كتاب لم نقرأه»، التي كتبها في عموده الأسبوعي بمجلة لسبريسو وضمَّها فيما بعد كتابه الرائع «وقائع مجتمع سائل»، يناقش إيكو أطروحة بيير بيار في كتابه «كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه»، مُستعيدًا عملية حسابية طمأن بها بيار القراء؛ إذ بيّن أن مَن يقرأ كتابًا واحدًا يوميًّا بين سن العاشرة والثمانين سيصل رصيده إلى قرابة 25,200 كتاب، وهو رقم ضئيل مقارنة بالملايين التي تكتنزها المكتبات الكبرى. 

غلاف «وقائع مجتمع سائل»
غلاف «وقائع مجتمع سائل»

في لقاء جمع إيكو وبيار في مكتبة نيويورك العامة، تحدَّث إيكو عن الكتب التي تظلُّ مركونة في المكتبة طويلًا حتى يفتحها صاحبها يومًا ليكتشف أنها مألوفة لديه. وقد طرح بروحٍ مرحة تفسيرًا سحريًّا، كأنَّ جوهر الكتاب يتسرَّب إلى الذهن عبر ملامسة صفحاته، ثم أشار إلى تفسيرات أكثر واقعية، كتصفح الكتاب على فترات، أو العثور على أفكاره في كتب أخرى. كنتُ أعدُّ حكاية تسرب جوهر الكتاب عبر الأصابع مبالغة، حتى وجدتُ في علاقتي بكتبي شيئًا من هذه الألفة؛ فأحيانًا يكفي أن أتناول مجلَّدًا وأقلِّب صفحاته كي أستعيد ما فيه، أو أستحضر أثره في قراءاتي، قبل أن أشرع في قراءته من جديد. ويحدث هذا غالبًا مع الكتب التي تتيح إمكانية قراءة أجزاء منها دون غيرها، كأمهات الكتب التي نستخدمها مراجع، أو كتب الرسائل أو المؤلفات غير الروائية التي يمكنك فتحها من أي فصلٍ شئت.

أنا ومكتبتي في حوار دائم
أنا ومكتبتي في حوار دائم

لا يقتني أوماينر كتبه للزينة، وهي تهمة واجهتنا جميعًا في لحظة ما من حياتنا، فهو يقرؤها، ويوظِّفها في أعمال الترجمة، كما اتخذ من شقته مقرًّا لمجلته الأدبية، يلتقي فيها الكتَّاب لمناقشة الأدب والسياسة وسط أكوام الكتب. يؤكد أوماينر حاجته إلى كل كتاب يملكه، رابطًا بين القراءة وثقافته ونشأته، لذا أتفهم ما يسببه له الإنذار من ألم، فهو مطالب بالتخلص منها، وعليه اختيار ما سيُبقي عليه من بين عشرة آلاف مجلد، ومواجهة حكمٍ يمسُّ أسلوب حياة وجد فيه راحته. وفي الوقت ذاته، أتفهَّم مخاوف إدارة المبنى، فكثيرًا ما أعدل عن إشعال شمعة عند انقطاع الكهرباء، إذ أنظر إلى كومة الورق المتراكمة بالبيت، فآخذ احتمال الحريق في الحسبان.

فقدت توني موريسون منزلها المُطِلَّ على نهر هدسون ليلة عيد الميلاد عام 1993، وذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر على فوزها بجائزة نوبل، حين امتدت شرارة من المدفأة إلى الأريكة ثم المكتبة فاشتعل البيت. أنقذت موريسون بعض كتبها، وضاعت مخطوطات كثيرة، لكنها صرَّحت بأن أكثر ما آلمها حقًّا هو فقدان الصور، والنباتات التي رعتها لعشرين عامًا، ودفاتر أطفالها المدرسية. يدور الخلاف حول الكتب ذاتها، لكنَّ لكل طرف تصورًا مختلفًا لقيمتها ولسبل التعامل مع ما قد تمثِّله من خطر.

عندما نقلتُ مكتبتي، توفَّر لي امتياز الحصول على مساحة تستضيف كتبي. لذا، أتريَّث في الحديث عن حلٍّ لمشكلة أوماينر، فقد اتخذتُ خيارًا صعبًا غيَّر مصير أسرةٍ كاملة، بدأت أعي تبعاته اليوم، أما هو فالخيار قد يكلِّفه كثيرًا، خاصة في مدينة مثل نيويورك. جربت الكاتبة النيويوركية فران ليبوفيتز هذه التكلفة حين اشترت شقةً تفوق قدرتها المالية بثلاثة أضعاف، لتتسع لمكتبتها التي تجاوزت اثني عشر ألف كتاب، معترفةً بأن كثيرًا منها يصل إليها من الناشرين دون طلب، كأنها تعيش قصة فانتازية أخرى لجيفكوفيتش.

أتوقف مليًّا عند قول أوماينر إنه قد يُضطر إلى التوقف عن تنمية مكتبته لبعض الوقت، فربما كان شراء الكتاب التالي أسهل قرار في هذه الحكاية، بينما كان تأجيله أصعبها. أعرف الحماسة التي تصاحب اقتناء عنوانٍ جديد، كما أعرف ما يتطلبه حمل صناديق الكتب على الدرج. وبين تلك الحماسة وهذا التعب تتحدد الكلفة الفعلية للمكتبة التي نرغب في الاحتفاظ بها… وهذا المقال لن يفهمه محبو الألواح الباردة بطبيعة الحال.

  1. روايةٌ تتألف من قصص أو فصولٍ شبه مستقلة، لكلٍّ منها شخصياتها ووجهة نظرها وراويها الخاص أحيانًا. تتجاور هذه الأجزاء كما تتجاور قطع الفسيفساء، ولا تكتمل صورتها إلا حين يجمع القارئ شتاتها.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام