ما الذي يحاول فلم «Digger» قوله؟ ⛏️
عمل يصعب مقارنته بسواه من الأعمال اليسارية


ما الذي يحاول فلم «Digger» قوله؟ ⛏️
علي حمدون
شَبَّه مُذلِّل الفلسفة جوستاين غاردر العالم بالأرنب، وما نحن سوى دويبات مجهرية ملتصقة بفرائه، تكاثرت عبر التاريخ. بينما العلماء والمفكرون والفلاسفة هم من يتسلَّقون سنام الشعرة الدقيقة، ليستجلوا المخبوء ويحدِّقوا في فضاء الحقيقة، سواء أكانت صادمةً في خيبتها أم مريحةً في مآلها!
ولا يختلف المخرج أليخاندرو إيناريتو عنه فلسفيًّا في فلمه الحديث المتناول للهشاشة الوجودية «Digger»، حين بسَّط لنا في التمهيد رؤيته المشبعة بالكوميديا السوداء. إذ إنه ربط احتضار الأرض باحتضار كائن فرائي آخر، وأقصد القطة «ماغي». فبينما كانت الأخيرة ترتعش وتموء بوجع، ويتسرب بولها الصنان على فراش صاحبها الحامل لها بين ذراعيه «ديغر روكويل»، كانت الأرض تهتز وتميد وتفرز بين تصدعاتها غاز الميثان، لافظةً أنفاسها الأخيرة بالتزامن. كأن السقم نفسه أصاب الجسدين معًا، بل كأن الأرض كائنٌ قابل للاستيلاب والاستنزاف والفناء والإهمال. بينما نحن، المشاهدين برفقة العلماء، جُذِبنا من تلابيبنا إلى أعلى قمة إحدى شعيرات «ماغي» البيضاء، نتأمل قسرًا الإخفاق المميت لقيادةٍ أمريكية راديكالية متزمتة، تنفرد باتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن العالم وبكل انتشاء غريزي، كما لو كانوا بذكوريتهم ينبرون لإخضاع الأرض، بعدما أسبغوا عليها صورةً أنثوية. ثم تمتد هذه الهيمنة إلى التحكم بالسردية المشرعة للعامة، فيما الكارثة مقبلة بلا حول منا ولا قوة، والقرارات تُتخذ غير عابئة بما قد تجرُّه تبعاتها.
والمفارقة تكمن في أن بطل الفلم، رجل الأعمال الكوبوي «ديغر روكويل»، الذي يؤدي دوره الممثل توم كروز، ويعيش حياةً أبيقورية في قصرٍ مُخضَلٍّ ينهش أخشابَه عفنُ الطبيعة، يظهر منذ البداية مسؤولًا عن انهيار الاثنين، الأرض والقطة. نراه يتجاهل تحذيرات العلماء من تبعات استمرار عمليات تنقيب شركته النفطية في جرينلاند، مثلما يتجاهل تشخيص الطبيب البيطري لقطته الكهلة، واقعًا فيما يشبه انحيازًا معرفيًّا يُعرف بتأثير دانينغ - كروغر. إذ تدفعه محدودية معرفته إلى الثقة بحكمه أكثر من أصحاب الاختصاص، ويمضي في الحالتين فارضًا رغباته رغم علامات الهلاك التي تتكشف أمام ناظريه، موليًا ماكينةَ الربح جلَّ اهتمامه!
ومن هنا نتعرف ببساطة على القصة ذات الطابع الميتاسردي، ونتعرف على «ديغر»، الرجل الأبجر الذي حفر النجاح تعاريجه بوضوح على وجهه، المتسبب في الأزمة البيئية والساعي في الوقت ذاته إلى احتوائها. كما نتبيَّن عقلية القيادة الأمريكية المتورطة، الذين تحزَّبوا إليه ليبتُّوا في أمر كتلة جليدية هائلة، تعادل مساحتها خمسة أضعاف مساحة واشنطن العاصمة، انفصلت وأخذتها الرياح والتيارات البحرية في مسار يُرجَّح أن يقودها نحو أوربا!
في هذا التجمع نستشف مراتب العلم والجهل كتلك التي أوردها ابن الجوزي في «أخبار الحمقى والمغفلين»: رجلٌ يعلم ويُدرك مقدار علمه، وذلك «غانيش» الذي يؤدي دوره ريز أحمد، العالم المدرك لحجم الكارثة وتبعاتها ويشعر بمسؤولية الإفصاح. ورجلٌ لا يعلم لكنه واعٍ بجهله، وذلك الرئيس «كومبسون» الذي يؤدي دوره جون غودمان، إذ يدرك قصور معرفته ويلتفت إلى أهل الاختصاص. ثم رجلٌ يجهل ولا يدرك جهله، وذاك الأحمق في تقسيم ابن الجوزي، ممثَّلًا هنا في وزير الدفاع والجهاز العسكري، اللذين يتصدران القرار بثقة تفوق مقدار معرفتهما، حتى يقترح الوزير تفجير الجرف الجليدي بالنووي، في خطوة غير مدروسة العواقب. في استدعاء يكاد يعيد إلى الذاكرة كثيرًا من التجارب العبثية، مثل مشروع «A119» الأمريكي أواخر الخمسينيات، حين دُرست إمكانية تجريب تفجير قنبلة نووية على سطح القمر في ذروة الحرب الباردة. فكرة لم تُنفَّذ، لكنها تكشف العقلية ذاتها التي تلوِّح في كل مناسبة بالقوة التدميرية كما لو كانت حلًّا لمشكلة تتجاوز القدرة على التنبؤ بعواقبها.
أما الصنف الذي يعلم لكنه لا يعي مقدار ما يعلم، أو يعرف ثم يتردد في الثقة بمعرفته، فنكاد نجده موزعًا بين بعض الجالسين إلى الطاولة، حيث يتحول الاجتماع إلى نسخة سياسية من تجربة سولومون آش للامتثال؛ أفرادٌ قد يدركون خطأ الاتجاه الذي تمضي إليه الجماعة، لكنهم يلوذون بالصمت أو يسايرون رأي الأغلبية، حتى يصبح الإجماع نفسه أقوى من المعرفة. ويبقى خارج هذه المراتب صنفٌ غاب عن ابن الجوزي، لا يحتكم إلى العلم أو الجهل أصلًا، وإنما يحتكم إلى يقينٍ اصطفائي يرى في العناية الإلهية ضمانًا للنجاة دون سعيٍ إلى أسبابها، وفي الانتماء إلى الشعب المختار حصانةً من الهلاك.
ومن هذا الموقف نستشف أننا في عالم سقطت فيه سلطة المعرفة الأكاديمية في أغلب تخصصاتها!
وفي خضم هذا الاندماج مع المشهد الهجائي الذي تقوده حماقة القوى العظمى، ندرك فجأة أن كل ما سبق لم يكن سوى مسرحية أوهمنا المخرج أليخاندرو بأنها واقع الفلم. قبل أن يهدم هذا الوهم على نحو يستدعي المسرح البريختي وتقنية التغريب التي تقطع اندماج المتلقي بالحكاية، وتذكِّره بأنه أمام بناء مصنوع يدعوه إلى التأمل فيه لا الاستسلام له.
ويحدث ذلك الكبح الهزلي من خلال خطأٍ سينوغرافي، إذ تختل وتهوي شجرة معمِّرة، تصر سيقانها كصواري السفن الغارقة، كانت ضمن إطلالة منزل «ديغر» على أرض مِنْسعة، لنكتشف أنها جزء من نموذج مصغَّر، فيدخل عامل لضبطها يدويًّا، ويظهر الأخير عملاقًا قياسًا بعالم الغابة، ليغدو هذا التفاوت الهائل في الأحجام امتدادًا بصريًّا لفكرة الفلم عن سطوة الإنسان على الأرض وعبثه ببيئتها الرابضة تحت قدمه.
حتى ينقلنا الفلم إلى حكايته الأخرى خلف الكواليس، حيث نكتشف الممثل «كيرتس» الذي يؤدي شخصية «ديغر»، وحياته خارج الدور، رجل عائلة بعيد كل البعد عن الشخصية الذميمة المناقب، والكثيرة المثالب، مجرد أب يستمد التشجيع من ابنته التي تستعد لرحلة جوية عائدة من جامايكا، بينما يتحضَّر للمشهد التالي، الذي يحضره مع فريق البيت الأبيض في أحد الملاجئ. حيث تتحول ساعة الصفر إلى فرجة مثيرة للحماسة، يشاهدون فصولها عبر شاشات الكاميرات الموزعة في أنحاء أوربا، يأكلون الفشار ويتفاعلون مع مشاهد، ويصابون بالغثيان من حجم الفاقة الساحقة للبشر. كما لو أنهم يشاهدون فلمًا من أفلام الكوارث الطبيعية، في انعكاسٍ رأيتُ فيه شيئًا من التلغيز. ولعلّ المفارقة أن صخب العالم خارج الشاشة يجعل من جلوسنا أمام الفلم، والفشار في أيدينا، امتدادًا خافتًا لسخريته، كأن فنيات العمل تستعير شيئًا من روح الحركة الدادائية، في تمرُّدها على الفن البرجوازي.
ثم تحضر لحظة المساءلة الفارقة في الفلم، وهي اللحظة الأدائية الأعظم -برأيي- في تاريخ توم كروز، بمثابة الكرزة فوق كعكة مسيرته، وذلك مباشرة بعد أن اعترف «غانيش» بمسؤولية «ديغر» وشركته عن الكارثة خلال جلسة استماع علنية، تستحضر جلسات مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي الشهيرة، حين يُستدعى أباطرة الشركات وكبار التنفيذيين للمساءلة أمام المشرِّعين. يبدأ المشهد بدخول «ديغر» الممر كرجل روديو، سائسًا مستعدًا لترويض الهيجان، واثقًا بأن براهينه لائحة وناصعة، وأن في مقدوره الإمساك بزمام المجلس كما أمسك طويلًا بزمام عالمه. ومن هنا يتسيَّد كروز الشاشة بأداء خطابي واستعراضي، متأهبًا لمواجهة التقريع الجمعي، فيقلب المساءلة على مُساءليه، ويواجههم بنفاقهم الاستهلاكي، ملقيًا عليهم درسًا في أبجديات الرأسمالية بقوله: «أنتم تطلبون، وأنا أُلبِّي»، بما معناه: لولاكم لما كنت موجودًا! حتى تُخرسه جزمةٌ طائرة يقذفها أحد الحضور فترتطم بوجهه، في إسقاط بصري قد يكون إحالةً إلى حادثة قذف الصحفي العراقي منتظر الزيدي الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بحذائه في بغداد عام 2008.
حتى ينسدل الستار لنعود مجددًا إلى الواقعية التي تفرضها مشاهد كواليس البروفات المسرحية. ويؤدِّي ظهور الممثل جيسي بليمونز تحديدًا إلى منح الفلم الرتم الهادئ، قبل أن نتعرف عليه بوصفه منتجًا ذا نفوذ، حيث تكشف قدرته على معرفة موقع ابنة «كيرتس»، والوصول إليها لتطمئنه عليها، عن حجم سلطته بعدما واجهت رحلتها إعصارًا مداريًّا. ثم تظهر الحقيقة الأهم: أنه ابن أخت «ديغر»، خاله المتسبب بدمار العالم، الذي يؤدي شخصيته «كيرتس» على الخشبة!
وهنا يتخذ البناء الميتاسردي منعطفًا آخر. فابن الأخت لم يرث نفوذ خاله فحسب، وإنما استحوذ على قصته أيضًا وأعاد تقديمها مسرحيًّا، في صورة أخرى من الاستيلاء على السردية.
وهو ما يفسِّر النهاية التي يُفترض أن تستدر تعاطف الجمهور مع «ديغر». فبعد فشل مهمة عسكرية، تتصدَّرها القاذفة الشبحية (B-2) أيقونة التفوق الجوي الأمريكي، في التخلُّص من الجرف الثلجي، تمضي السنوات وينحسر المدُّ الذي خلفته الفيضانات، وتتبدَّد سلطته، بعدما شُعِب الصدع، ورُئب القطع، وحيص الشق. فلا يبقى من ذلك الرجل الكوبوي، صاحب المجرفة، سوى مستجدٍ بمعدة فارغة، ولسان حاله يقول: «لا تجفواني، وانبلاني بكسرة!»، منفيًّا في البحر على متن سفينة، برفقة طاقم عمل يتشكَّى من خواء المطبخ وشحّ المؤن. ما يجعل نهايته الانتحارية ذروةً دراماتيكية يُفترض أن تستفز العواطف، وتستحضر المثل القائل: «ارحموا عزيز قومٍ ذلّ». غير أن الجمهور يستقبلها بانتشاء، لكنه انتشاء وقتي، كون تكرار الادعاء يزيد قابلية تصديقه. وهذا ما كان يطمح إليه ابن أخته، حسب توقعي، فالحكاية في النهاية رواية قريبٍ عن قريبه، يملك من خلالها سلطة تحديد صورته الأخيرة.
وعلى ذكر النهاية، فنحن أمام عملٍ يصعب مقارنته بسواه من الأعمال اليسارية؛ فلا هو يشبه «Dr. Strangelove»، ولا «Don’t Look Up»، بل ويصعب مقارنته بأعمال إيناريتو نفسه، لفرادته في الطرح والمعالجة. ولا يمكن وصف العظمة التي اجتمعت لصناعته، من المخرج وشريكه البصري إيمانويل لوبيزكي، الحائز ثلاث جوائز أوسكار، إلى الموسيقا التي وضعها كوزمو شيلدريك. طاقمٌ قد يساهم في إهداء توم كروز أوسكاره الأول، وريز أحمد أوسكاره الثاني، ويضع جون غودمان في قلب سباق الجوائز.
وفي حال تساءلنا بعد نهاية العمل، قبل خروجنا من قاعة السينما بانبهار شديد: إن كان الفن كذبًا، فكيف استطاع إيناريتو أن يصنع منه كل هذه الحقيقة النقدية التهكمية للنظام الأمريكي؟
هنا علينا أن ندع الأفلام تجيب عن تساؤلات الأفلام!
كأن نستحضر قولًا من فلم «V for Vendetta»: الفنانون يستخدمون الكذب لقول الحقيقة وإظهارها، والساسة يستخدمون الكذب لإخفائها!

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.