بيونغ تشول هان و«اللّا-أشياء»، اليد والصورة والذاكرة
.png)
حيث لا شيء ثابت كالأشياء، يضيع كل استقرار.
فتحتُ العليّة مؤخرًا بحثًا عن بعض الأوراق، فعثرت على كنز من ذكرياتي القديمة. وبين الصناديق المغبّرة، وقعت عيناي على صورةٍ لطفلي في سنواته الأولى. كان المكان خلفه مألوفًا رغم ضبابية تفاصيله، بينما بقيت ملامح وجهه واضحة. وحين قلبت الصورة، وجدت التاريخ مدوَّنًا بخطّ يدي مع تعليقٍ بسيط. بدت الصورة كأنها تختزن في طيّاتها حكايةً كاملة.
تأملت صوري اليوم، مئاتٌ منها في هاتفي، وبعضها في حاسوبي، وأخرى مخزنة في السحابة (Cloud). صار الهاتف يختزل في يوم واحد ما كان يحتاج إلى صندوقٍ كاملٍ قبل سنوات. ومع ذلك، حين أردت استعادة صور طفلي، أخذت أبحث عنها في شتات الأجهزة والملفات والأقراص الصلبة والهواتف القديمة، لأصاب بالإحباط حين اكتشفت أن أغلبها قد ضاع. كانت الصورة قديمًا شيئًا ملموسًا يمكن امتلاكه، أما الصور اليوم فباتت معلقة في مكانٍ ما.
هذا المثال بين ما تمنحه الصورة القديمة والصورة الرقمية هو ما يتناوله الفيلسوف الألماني الكوري بيونغ تشول هان في كتابه، الذي تُرجم عن الألمانية مباشرة وصدر حديثًا عن مكتبة أما بعد، «اللَّا-أشياء، تحوّلات عالم الحياة». الكتاب قصير (قرابة 178 صفحة)، لكنه يحمل واحدًا من أكثر الأسئلة التي تشغل النقاشات المعاصرة: ماذا يحدث للإنسان حين تتغير البيئة التي يسكنها، وحين تتحول الأشياء التي كانت تمنح العالم ثباته إلى معلومات وصور وبيانات تتدفق بلا توقف؟

يستهل هان فكرته بمقارنة نستطيع إدراكها ببساطة في حياتنا اليومية، هناك «الأشياء» وهناك «اللّا-أشياء»، يستخدم هان التمييز الألماني بين (Dinge)، أي الأشياء، و(Undinge)، أي اللّا-أشياء؛ الأشياء لها مادة ومكان ووزن ومقاومة، يمكن لمسها، واستعمالها، والاحتفاظ بها، وتوارثها من شخص إلى آخر، أما اللّا-أشياء فهي المعلومات والصور والبيانات التي تدخل حياتنا في صورة رقمية. وقد استعار هان المصطلح نفسه من الفيلسوف التشيكي - البرازيلي فيليم فلوسر، الذي رأى منذ عقود أن المعلومات بدأت تحل محل الأشياء في بيئتنا: «الأشياء المادية غير الملموسة تدخل بيئتنا حاليًّا من الجهات جميعها، وتدفع الأشياء المادية الملموسة بعيدًا، تُسمّى هذه الأشياء معلومات.»
لا يتحدث هان عن الأشياء باعتبارها ممتلكات فقط، فالشيء عنده يقوم بوظيفة وجودية، الكرسي الذي نجلس عليه يوميًّا، والطاولة التي نأكل عليها، والكتاب الذي نقرؤه، والصورة التي نحتفظ بها سنوات، كلها تشكل نقاط ثبات في عالم دائم التغير. إن الأشياء تمنح الزمن شكلًا محسوسًا، وتجعل الماضي حاضرًا في حياتنا بطريقة مادية.
لهذا تكتسب الصورة التي وجدتها في العليّة قيمة تتجاوز كونها مجرد معلومة، فبإمكاني في ثوانٍ تحويلها إلى ملفٍ رقمي، ورفعه إلى السحابة، وإرساله إلى عشرات الأشخاص. ومع ذلك، تظل للصورة الورقية ميزة لا يمكن نقلها عبر البيانات، فهي تحمل تاريخًا من العلامات التي أصبحت جزءًا من سيرتها وسيرتي.
يؤكد الكاتب أن الأشياء تكتسب حميميتها مما يترسب حولها من زمن وتجربة، فتغدو جزءًا من حياتنا بفعل الاستعمال والتكرار. ويتجلى ذلك في استشهاده بالتصوير الفوتوغرافي التناظري وبالأفكار التي طرحها رولان بارت في كتابه «الغرفة المضيئة»، إذ يرى بارت أن الصورة تتجاوز موضوعها لتصبح شاهدًا على وجودٍ حقيقي كان حاضرًا ذات يوم، مما يربط لحظة المشاهدة بزمنٍ مضى، ويستحضر الذاكرة ومشاعر الفقد. ومن اللافت أن بارت استهل كتابه بالإشارة إلى صورة قديمة لأخ نابليون، حين قال مندهشًا: «إني أرى العيون التي رأت الإمبراطور».
لا يكتفي هان ببارت، فخلف دفاعه عن الأشياء تحضر «يد هايدغر» أيضًا. فاليد عند هايدغر تتجاوز وظيفتها الفيزيولوجية، إذ هي إحدى طرائق انخراط الإنسان في العالم، بها نلمس الأشياء ونستخدمها ونكتب ونصنع، حتى بات التفكير ذاته قريبًا من فعل اليد. وفي كتابه «اللّا-أشياء»، يضع هان اليد في مقابل الإصبع، فاليد ترتبط بالعمل والتعامل مع الأشياء، بينما يتحول الإصبع في العالم الرقمي إلى أداة للضغط والاختيار والإعجاب، ومن هنا تتجلى دلالة كلمة «رقمي» (Digital) المرتبطة باللاتينية «Digitus» أي الإصبع؛ فنحن نلمس الأشياء بأيدينا، بينما نتعامل مع عالم المعلومات بأصابعنا.
وهذا الإصبع قادنا من عالم الأشياء إلى عالم المعلومات. العالم الرقمي عند هان هبة قُدّمت إلينا بمخاطرها، فقد حولت علاقتنا بالعالم، وتراجع «نظام الأشياء» أمام «نظام المعلومات»، وأصبحنا نعيش في «الفضاء المعلوماتي» (Infosphäre)؛ بيئة استُبدل فيها جوجل إيرث وكلود بالأرض والسماء.
ليست المعلومات بريئة لمجرد كونها غير مادية، فكثافتها بحد ذاتها تمثل مشكلة. وحين تتراكم المعلومات لدرجة تفقد الإنسان قدرته على التمييز والتأمل، تتحول وفرتها إلى نوع من الجهل؛ فالمعرفة الحقيقية تتطلب زمنًا وتريّثًا، وقدرةً على ربط المعلومات بسياقها ومعناها. هذه الكثافة تحوّلت إلى نوع من «الإنتروبيا المعلوماتية»¹ ومجتمع ما بعد الحقيقة، حيث تكتسب المعلومات قدرة على الدوران بمعزل عن الواقع. ثم إن هذه الكثافة تؤدي إلى تلاشي المسافات التي يراها هان ركيزة أساسية للعلاقة الإنسانية، مؤكدًا أن: «البشر كائنات حميمة، لكن الحميمية لا تعني انعدام المسافة، فالمسافة جزءٌ منها، يرتبط القرب بالبعد.»
مع أهمية طرح هان إلا أنه لا يخلو من إشكالات، إذ يميل إلى رسم حدود قاطعة بين عالم الأشياء الذي يمثل الثبات واللمس والذاكرة، وعالم المعلومات الذي يمثل السرعة والتدفق والنسيان. تساعدنا هذه الثنائية على استيعاب خطورة انخراطنا بالكامل في الأنفوسفير، إلا أنها تبدو غير مقنعة إذا تخيلنا أنها تمثيل صادق للواقع. فهو يعرض الحياة كأنها اختيار حاسم بين النظام الرقمي والنظام المادي المتجذر، في حين يمكن للإنسان أن يجمع بين التجربتين معًا.
للصورة الرقمية ذاكرتها الحميمية أيضًا، فأنا غالبًا ما ألتقط صورًا شخصية لمختلف أحداث حياتي عبر سناب شات دون مشاركتها، لعلمي بأن التطبيق سيذكرني بها في التاريخ ذاته من كل عام. ولعلّ ذاكرة سناب شات في هذه الحالة أفضل من صندوقٍ في العليّة نخرتْه الأرضة، ونسيتُ معظم ما فيه. ليست المادة وحدها من تمنح الشيء قيمته، فالإنسان يدخل في علاقة مع هذا الشيء ويمنحه تاريخًا. لذا تتجاوز المسألة كونها صراعًا بين «الرقمي» و«المادي»، لتصبح تساؤلًا عن نوع العلاقة التي نقيمها مع ما هو مادي وما هو أثيريّ.
تظل قراءة هان ضرورية، ليست لأنها تثبت أن العالم الرقمي أسوأ من العالم المادي، فهذه معضلة نقاشها أوسع مما يسمح به الكتاب نفسه، ولكن لأنها تجبرنا على رؤية ما نخسره ونحن نكسب شيئًا آخر. فمع كل تقنية جديدة تدخل حياتنا نتنازل طوعًا عن أشيائنا التي كانت إلى وقت قريب كافية وعملية، وهذا أربك سلوكنا تجاه ما نملكه حقًّا لصالح التقنية، ومتى أدركنا خساراتنا استطعنا التعامل معه.
منحنا هان إحدى طرق التعامل مع هذا الفقد حين عاد إلى قيمة البطء والاقتناء، وإلى الأشياء التي تتيح لنا التوقف، ويستدعي هنا والتر بنيامين وصورة «الجامع»، الإنسان الذي ينقذ الأشياء من الهلاك والضياع بأن يجمعها ويصغي إلى تاريخها. فالجامع عند بنيامين هو «منقذ الأشياء المستقبلي»، فيمنحها حياة تتجاوز وظيفتها، ويعيد إليها فرادتها وسيرتها.
فالشيء حين يطول مقامه إلى جانبنا، يكف عن أن يكون مجرد شيء، يصبح جزءًا من سيرتنا. وهي الفكرة التي وجدتها أيضًا في كتب هان الأخرى عن الطقوس والتأمل والجمال؛ الحاجة إلى مساحات نخرج فيها من إيقاع الإنتاج والاستهلاك والسرعة، ونستعيد فيها قدرتنا على الإقامة مع الأشياء: «الأشياء لا تكتسب روحًا إلا بإطالة استعمالها، أشياء القلب فقط هي التي تنبض بالحياة.» وقد أحببت هنا اسشهاده بـ«الأمير الصغير» وعلاقته بوردته وفكرة الألفة والعشرة.
أفكر في معنى هذه الألفة كلما نظرت إلى حاسوبي الأحمر، قطعًا لا أحتفظ به لأنه أفضل جهاز أستطيع الكتابة عليه، وقطعًا سيأتي يوم يصبح فيه قديمًا وبطيئًا وغير عملي. لكنني، مثل هان في علاقته مع الـ«جوك بوكس» خاصته، أريد أن أطيل عمره معي. فقد صار يحمل شيئًا من سنوات الكتابة التي عشتها معه، نجاحاتي وإخفاقاتي، من النصوص الأولى إلى تلك التي لم تكتمل، ومن الساعات الطويلة أمام الشاشة إلى اللحظة التي بدأت فيها كتابة هذا المقال. أفهم الآن تمامًا معنى الاقتناء في زمن الرقمنة؛ نحن لا نجمع الأشياء، ما يحدث حقًّا أن الأشياء هي من تجمع أجزاءً منا.
الإنتروبيا المعلوماتية: مفهوم في نظرية المعلومات يقيس مقدار الغموض أو عدم القدرة على التنبؤ في مجموعة من المعلومات، وتزداد كلما تنوعت النتائج الممكنة وصعب توقعها.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.