حجلة الأرض البور 🪶
زائد: لماذا أحب غسل المواعين؟ 💧

أثار الإعلان التشويقي لمسلسل «هاري بوتر» الجديد من إنتاج (HBO) جدلًا بين محبي السلسلة، وتباينت الردود بين متحمس ورافض.
عبّر بعض المعجبين عن سعادتهم الكبيرة بهذا المشروع، حيث شعروا بالحنين إلى ذكريات الطفولة عند مشاهدة الإعلان. وقد أُعجب هؤلاء بالاهتمام بالتفاصيل المأخوذة من السلسلة، التي لم تتسع لها الأفلام الأصلية، مؤكدين أن المسلسل سيتيح فرصة لاستكشاف العوالم السحرية للرواية بدقة.
في المقابل، أعرب بعض المتابعين عن تحفظهم تجاه بعض الخيارات الفنية. فقد لاحظ البعض اختلافاتٍ في التصوير البصري مقارنة بالأفلام التي اعتادوا عليها، كما أثارت اختيارات التمثيل نقاشًا حول مدى انسجامها مع التصورات التي ترسخت في أذهانهم عن الشخصيات المحبوبة.
وفي رأيي، يتعلق الأمر فقط بمحاولة خلق أسطورة للجيل الجديد، خاصةً وأطفال سلسلة الأفلام السابقة لم يختفوا بل كبروا أمام أنظارنا، وأحيانًا الكبر يفقد الأسطورة ألَقها.
في هذا العدد، تحكي لنا الروائية المغربية كريمة أحداد عن ملهمتها الأولى، وأحدثكم في فقرة هامش عن أسباب حبي لغسل المواعين، ونعرّج في التوصيات على إصدارات جديدة في عالم الكتب.
إيمان العزوزي


حجلة الأرض البور 🪶
كريمة أحداد
رحلت جدتي في مساء حزين من شهر مارس عام 2011. كانت في السبعين. امرأةً أُميّة، لا تعرف القراءة أو الكتابة. عاشت طفولةً صعبة ومعذَّبة، وقضت حياتها، كحال كثير من النساء، في خدمة بيتها وأسرتها. لم تسمع قط بحقوق النساء، ولم تفهم الخطابات التي تُعرض على التلفزيون، ولم تصلها تحديثات مدوّنة الأسرة.
وُلِدت جدتي في زمن لم تكُن تُسجَّل فيه تواريخ الميلاد رسميًّا، بل تُعَرّف شفهيًّا، اعتمادًا على الذاكرة وحوادث الحروب والجفاف والأوبئة... أي أنها تنتمي إلى تاريخ مشحون بالأحداث الدامية والمؤلمة، إلى زمن الاستعمار والحرب والظلم والجوع. هناك شمال المغرب، في منطقة الريف المنسية والمُهمَّشة، حيث الطبيعة الوعرة، وثقل العادات والتقاليد، وعناد الرجال.
لم تصمت جدتي مع ذلك، بل كانت تُعبِّر عن رأيها في العالم والحياة والأشياء من حولها. تروي القصص والحكايات، وتدندن الأغاني الشعبية التي توثّق فتراتٍ معيّنة من تاريخ الريف، والمشاعر والعواطف، والحب والرفض والألم، والهجرة والسفر، والتجارب الإنسانية، والحياة عمومًا.
عشقَتْ الحكايات، تمامًا مثل معظم الجدات المغربيات من جيلها، اللواتي عشن الاستعمار والجوع والنزوح وقساوة الحياة، فكُنّ يروين القصص. ولعل ذلك يفسر أن جزءًا كبيرًا من الثقافة المغربية، وخاصةً الثقافة الأمازيغية، ثقافة شفهية حفظتها النساء ونقلنها من جيل إلى جيل عبر الحكي المستمر، بإصرار وشغفٍ لا مثيل لهما. مَن منّا من جيل التسعينيات لم تروِ له جدته قصة؟ مَن منّا لم تأخذه من يده لتسرد له وقائع قاسية من حياتها؟
يدهشني كيف كانت جدتي تحب الحكي. وربما أحبَّته أكثر مما أحببتُه، أنا التي أصبحتُ لاحقًا كاتبة وروائية، أصدرتُ كتبًا وقرأتُ أدب العالم واستطعتُ الولوج إلى الكتابة وعوالمها وقواعدها، أتحدث أمام الجمهور وأُسمِع صوتي عبر الميكروفون.
استمدّت جدتي حكاياتها من الأرض والتراب والجبال، من دموع النساء اللواتي يتزوجن قسرًا، من الأرض الجافة، من المشي مسافاتٍ طويلة من مدينةٍ إلى مدينة ومن بلدٍ إلى آخر، في الطرق والمنعرجات الوعرة من أجل البقاء على قيد الحياة، من اختفاء الرجال في هذه الأرض الواسعة أثناء سعيهم الشاق لكسب لقمة العيش، من بقاء النساء وحدهن، ومن الأطفال اليتامى الذين يمشون حفاةً ويمضغون التين المجفّف وهم يرعون الماعز، من موتِ الأطفال والرضَّع، من الفقد والفراق.

من أين جاء ذلك الإصرار عند جدتي على الحكي؟ هل كان ذلك مجرد ردّ فعلٍ طبيعيٍّ نابع من غريزة البقاء، من الخوف من الموت والنسيان والاندثار، أم كان الأمر أعمق من ذلك، شيئًا آخر لم أستطِع إدراكه بعد؟
أحسبُني ورثتُ عنها شغف الحكي، والعزم والمثابرة على المشي في هذا الدرب. فهي كانت تروي، حتى وإن لم يستمع إليها أحد، حتى لو كانت الآذان حولها مأخوذةً بمشاغل الحياة الحاضرة ولهوها. كانت تحكي دون مقابل، لا تنتظر شيئًا من الحكي غير التذكر. التذكر بما هو قيمة إنسانية تقاوم الزوال، وتصل الماضي بالحاضر، وتربطنا بأسلافنا. لم تسعَ جدتي عبر الحكي إلى شهرة ولا مجد ولا مال، وربما لم تكُن تعرف أصلًا أن الحكايات يمكن تسجيلها وكتابتها ونشرها وبيعها في الأسواق، وأن هناك فئة من الناس يكتبون هذه القصص، ويسمَّون كُتّابًا وروائيين.
باستثناء بعض المحاولات لتجميع القصص الشفهية الأمازيغية، لم تُسجَّل حكايات جداتنا، ولم تُنشر في العالم، ولم تنَل الشهرة التي حظيت بها قصص عالميّة مثل «سندريلا» و«بياض الثلج». لم يدوِّن أحدٌ شيئًا يضاهي القصص الواقعية التي كانت جدتي ترويها، وما رأته تلك المرأة وسمِعته. لقد كانت تروي بأسلوبها الخاص، الممتع والمشوّق، الذي يمنح القصص بُعدًا عجائبيًّا مدهشًا، يستحيل معه الفصلُ بين الواقع والخيال، وبين ما حدث فعلًا وما لم يحدث.
فقدنا بموت جداتنا تاريخًا كاملًا من الخيبات والخسارات والأمجاد والتجارب. يقولون إن من لا يعرف ماضيه لا يمكنه فهم حاضره أو التقدم نحو مستقبله. ونحن، وقد ذهب ماضينا مع رحيلهن، وفاتنا إلى الأبد تدوينه والاحتفاظ به. كيف نفهم حاضرنا، وكيف نمضي نحو مستقبلنا إذن؟
في صغري، كانت جدتي لأبي تنشد أغنيةً عن طائر الحَجَل، المعروف بانتشاره في المناطق الجبلية الوعرة والمرتفعات الصخرية. هي ليست أغنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل مزيجًا بين الأغنية والقصيدة، يُسمى في الريف باسم «إيزران»، له إيقاع وقافية، غير أن من أبدعه ليسوا بشعراء أو كتّاب كلمات، بل من عامّة الناس، الذين استخدموه للتعبير عن آلامهم وأفراحهم.
تقول القصيدة/الأغنية:
ثاسكّورث أومسّوكي
نارزو خاس أوتنوفي
وتعني حرفيًّا باللغة العربية:
حجَلة الأرض البور
بحثنا عنها ولم نجدها

ظل هذان السطران يرنّان في أذنيّ بصوت جدتي الدافئ طيلة حياتي، ولكنني لم أعرف أبدًا تتمّتهما، إذ توفيت جدتي، ورحلت معها القصيدة إلى الأبد. أدرك الآن، وقد أصبحتُ كاتبة ومغتربة، معنى الفقد. فقدان الأشياء وفقدان الثقافة التي تشكِّل جزءً مهمًّا من هويتنا؛ أمازيغ ومغاربة وبشرًا. لم تعد جدتي جالسةً على تلك الكنبة لتروي لي قصة حياتها لأكتبها. وقد حلمتُ دائمًا أن أفعل، لهدف واحد، أن تبقى جدتي حية في حكاياتها، وبهذا أحافظ على حنانها في دفء الكلمة.
أحببت القصص التي روتها نساء العائلة، مأخوذات بعوالمها الكبيرة والشاسعة التي تنسيهنّ ضيق حياتهن ومحدوديتها. كانت هذه القصص في أغلبها مؤلمةً وملأى بالهموم، حيث يواجه أبطالها الأهوال والشدائد، ولا يخرجون منها دائمًا بسلام. ومثل الحياة تمامًا، لم تكُن هذه القصص رومانسية كما يشتهي المستمع، ولم تُتوَّج دائمًا بنهاياتٍ سعيدة.
كُنّ يروين قصصًا مرعبة، ولم يحاولن قط تجميل الواقع، تحدّثن عن الظلم والزواج القسري والطغيان والفساد والخيانة والموت. كنّ يعرضن وجه الحياة عاريًا، بعيوبه ونقائصه، ويسمّين الأشياء بأسمائها، دون خجلٍ ولا خوف، يشعرن بالأمان لأنهن في مجالسهنّ الحميمية، بمنأى عن أعين المجتمع وسياطه. ما يهمهنّ هو متعة الحكاية وصدقها والدروس المستفادة منها فحسب.
مذ كنت طفلة، حلمت أن أصبح كاتبة لأجمع القصص التي ترويها جدتي في كتاب، وأنشرها، بما في ذلك قصة حياتها نفسها. لكنني لم أكُن أعرف لحظتها، وأنا أصغي إلى حكاياتِها بانتباه وشغف، أنها ستشكِّل شخصيتي في ما بعد، وستكون نواة أسلوبي في الكتابة، وجوهر اختياراتي الأدبية كلها.

لم أفهم إلا لاحقًا أن كتابتي، التي تميل إلى الواقعية وتمزج بين الخيال والواقع، نابعةٌ أولًا من حكاياتها، من موروثنا الأمازيغي الشفهي في الريف، وليس من قراءاتي لأدب نجيب محفوظ وأونوريه دو بلزاك. فالنساء اللاتي يقاومن ظلم القوانين وأهوال الحياة في روايتي الأولى «بنات الصبّار»، و«شهرزاد» في «المرأة الأخرى»، و«إيمان» في «حلم تركي»، يشبهن جميعًا نساء جدتي. يهربن باستمرار من الظلم، ويخُضن مغامراتٍ طويلة يُعِدن فيها اكتشاف أنفسهن وقدراتهن والعالم من حولهن، ويتحدثن إلى أنفسهنّ بصوت الحقيقة الذي لا يشوبه خوف، ويغيّرن مصائرهنّ بأيديهن.
كما لم أعِ تمامًا، في أثناء الكتابة، أن مسألة الآباء الغائبين بشكلٍ أو بآخر في رواياتي، لم تكن سوى استرجاع لغياب الرجال عن أسرهم، الذي أثّر في حياة النساء عبر التاريخ الذي حكته جدتي. وهو الغياب الذي يغلب اختياراتي الأدبية اليوم، إذ لا أزال أحمله على كاهلي حتى الآن.
في الحقيقة، أنا أعيد صياغة المحكي الشفهي ليصبح نصًّا مكتوبًا. وهذا لا يعني أنني أنسخ القصص كما رُوِيت، لأني لا أتذكر معظمها، لكنني أستلهم نبرتي من روحها ومن راوياتها. أولئك النساء اللواتي كنّ يروين القصص عن نساء أخريات في الليالي الطويلة وراء جبال الريف. كنّ يروين بلغتهنّ الأم شفهيًّا، وأنا أروي باللغة العربية كتابيًّا. وكم أخشى أن تتلاشى قصصهنّ الشفهية بسبب كتابتي، وأن تكون محاولاتي لإحيائهنّ بمثابة ضربةٍ قاضية لذلك الإرث الشفهي الذي طالما تمسّكن به وحافظن عليه عبر العصور!
عندما أُسأل الآن في الحوارات والمقابلات التلفزيونية عن سبب اختياري لشخصيات نسائية بطلاتٍ لقصصي، أتعجب وأندهش وأفكر، كيف كانت النساء الأمازيغيات في الريف يفعلن الشيء نفسه دون خوف من المحاسبة. وأستطيع الجزم أنهنّ لم يفكّرن في هذا الموضوع قط، حتى وهنّ يتحدثن عن شخصياتٍ نسائية غير نمطية، شخصياتٍ قوية وقادرة على مواجهة مصيرها بشجاعة، بعيدًا عن صورة المرأة الضحية أو القدّيسة.
كُنّ يُبقين على تلك الحكايات وعلى ذلك التاريخ الإنساني الحقيقي بشكلٍ لا واعٍ، تُحركهنّ فطرتهنّ الإنسانية المجبولة على الحكي. كنّ فقط يروين العالم من وجهة نظرهن، بعيدًا عن أضواء الكاميرات وأسئلة الصحافيين وأحكام النقّاد التي تنظر إلى العالم من زاوية واحدة فقط. ويا لها من مفارقة غريبة، أن آخذ الحكي وأرِث الشغف بالحكايات عن النساء وأنا طفلة، وحين كبرت وجدتُ عالم الأدب رجاليًّا بامتياز، يُشَكّكُ فيه بقدرات الكاتبات وموهبتهنّ وخيالهن!
قبل مارس 2011، كنتُ تلميذة في الثانوية بالكاد تستطيع توفير دفاترها المدرسية، وظننتُ أنّ لديّ وقتًا وفيرًا، وأنّ جدتي خالدة، وستظل جالسةً على كنبتها تروي الحكايات، وأنني سوف أحكي للعالم كله قصتها. لكن الموت أدركها، فسكتت عن الكلام المباح، ولن أعرف أبدًا تتمّة تلك القصيدة عن حجَلة الأرض البور التي بحثنا عنها ولم نجدها، وأظن أن كتاباتي، السابقة واللاحقة، ماهي إلا حفرٌ في الذاكرة لمحاولة استرجاع تكملة تلك القصيدة وتخليدها كتابةً إلى الأبد.
عندك فكرة وتبيها تُسمع؟ 🎧
«معمل الصوت» في «المشتل» بالتعاون مع بروفه، مساحة مجهزة للتسجيل والإنتاج، مع فريق مختص يساعدك تبني هويتك الصوتية من الفكرة إلى النشر 🎙️.


لماذا أحب غسل المواعين؟ 💧
إيمان العزوزي
زارتني صديقة في أواخر شهر رمضان في بيتي. فدخلنا المطبخ سويّة لإعداد وجبة الإفطار، فوجئت صديقتي أن مطبخي لا يتوفر على غسالة صحون. أخبرتها أنني لا أحتاجها وأفضّل غسل المواعين بيدي، رفعت حاجبيها وقالت باستغراب: «لم أرَ من يستمتع بـ"الكرف" مثلك قط!». ابتسمتُ واكتفيتُ بقول إنني قد أفكر في شرائها مستقبلًا. كان لدي تبرير مقنع للاحتفاظ بعادتي تلك، لكن شرحه سيثير دهشتها أكثر، فآثرتُ الصمت.
صديقتي بالتأكيد لن تفهم أن وقوفي أمام حوض المواعين، هو بمثابة لحظة، وإن كنت أُجبَر عليها، تمنحني حالة من الصفاء الذهني، وهذه اللحظة أعيشها في مكانين فقط: تحت الدش وأمام الحوض، والعامل المشترك بينهما هو الماء المتدفق. تفسر تأملات الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار شيئًا من هذه العلاقة التي تجمعني بالماء. فهو يرى، في كتابه «الماء والأحلام»، أن الماء بالإضافة إلى عناصره الماديّة، هو عنصر محفز للخيال والتأمل، يدعونا إلى حالة من «التأمل الحالم» التي تذيب الحدود بين الذات والعالم.

وهذا ما تؤكده بعض الدراسات الحديثة. ففي بحث نُشر في مجلة «علم نفس الجماليات والإبداع والفنون»، وجد باحثون من جامعة فيرجينيا وجامعة مينيسوتا تفسيرًا لما يُعرف بـ«تأثير لحظة الاستحمام». يقول البروفسور زاك إيرفينغ، أحد المشاركين في الدراسة: «عندما تعلقْ بحل مشكلة، ما الذي تفعله؟ غالبًا لا تفعل شيئًا مملًا للغاية، مثل مشاهدة الطلاء وهو يجف، بل تشغل نفسك بنشاط مثل المشي أو البستنة أو الاستحمام». ويؤكد الباحثون أن السر لا يكمن في الفراغ الذهني المطلق، ولكن في «المشاركة المعتدلة» التي يوفرها النشاط؛ فهو يشغل جزءًا من وعيك تاركًا الباقي حرًّا ليحلق في فضاءات الخيال.
صوت الماء المنتظم، ودفئه أو برودته الملامسة للجلد، وإحساسي به يتدفق بين أصابعي، كلها تخلق فقاعة حسية تعزل العقل عن المؤثرات المزعجة وتفتح أبواب الخيال على مصراعيها، فإذا بي على المغسل أوفِّق بين عملية الغسل وأخلق ملاذًا يوميًّا يسمح لوعيي بالاسترخاء بينما يعمل لاوعيي في الخفاء يحل العقد ويرتب الأفكار ويبتكر حلولًا لمشكلات كنت أعتقد أنها لن تُحَّل.
لكن هل كل شرود ذهني يؤدي إلى الإبداع؟ دراسة جامعة فيرجينيا تقول لا. فقد صمم الباحثون تجربة ذكية قسموا فيها المشاركين إلى مجموعتين؛ الأولى شاهدت مقطعًا مملًا لرجلين يطويان الملابس، والثانية شاهدت مقطعًا مشوّقًا من فِلم «عندما التقى هاري بسالي» (When Harry Met Sally) . كانت النتيجة أن أحلام اليقظة -أو شرود الذهن- لم تؤدِّ إلى الإبداع إلا لدى المجموعة الثانية التي شاهدت المقطع المشوق. أي أن النشاط الذي نقوم به يجب أن يكون محفزًا باعتدال، كالمشي أو البستنة أو مشاهدة فِلم، كي يتحول شرود أذهاننا من مجرد تشتت إلى مختبر خفي للحلول الإبداعية. وهذا هو بالضبط ما يحدث على مغسلتي، فالماء الجاري والرغوة المتشكّلة والأطباق المتسخة تخلق ذلك المستوى المثالي من الانشغال الذي يحرر العقل الباطن.
خاصّةً وقد ارتبط حرصي على غسل المواعين بابتعادي عن هواياتي اليدويّة الأخرى مثل الرسم والزراعة، وكأن يديّ كانتا جائعتين إلى لمس العالم بعد أن أسرتهما الشاشات الباردة التي لا تقدم مقاومة حقيقية. وقد انتقد الفيلسوف ماثيو كروفورد في كتابه «في مديح الأعمال اليدوية» المجتمع المعاصر الذي قدس العمل الذهني المجرد واحتقر العمل اليدوي، فالعمل المكتبي يبقي الإنسان منغمسًا في رموز ومفاهيم مجردة بعيدًا عن الواقع الملموس، مما يخلق اغترابًا وفراغًا وجوديًّا.

الباحثون في دراسة «تأثير الاستحمام» يلتقون مع هذا النقد، إذ يشيرون إلى أن الدراسات المخبرية القديمة فشلت في تفسير الظاهرة لأنها استخدمت مهماتٍ جامدة لا تشبه حياة الناس، كالنقر على أرقام على شاشة الحاسوب. أما النشاط اليدوي الطبيعي، فهو الذي يسمح للعقل بالشرود المنتج. والمدهش في غسل المواعين أنه يجمع بين عنصري باشلار وكروفورد معًا: الماء واليد، في ممارسة تأملية يدوية فريدة. الماء يدعو إلى الشرود التأملي ويفتح أبواب الخيال، واليد تعيد الاتصال بالواقع وتقدم يقينًا لحظيًّا، وهذا المزيج النادر هو ما يفسر ذلك الشعور بأن ذهني «ينظف نفسه بنفسه» على المغسل.
دهشة صديقتي مفهومة بالطبع في مجتمع استهلاكي يعدنا بأن الآلة تحررنا من «الكرف». لكن الآلات التي تعدنا بالتحرر تسلبنا فرصة التفاعل المباشر مع العالم، فغسالة الصحون توفر وقتًا لكنها تلغي علاقة كاملة كانت تمنحنا فرصة أن نكون مع أنفسنا، كما أنها تقطع العلاقة التأملية مع الماء فتفقد فرصة سماع خريره والشعور بعناصره ومشاهدة الفقاعات وهي تتشكل وتختفي. صحيح أن التأمل قد يحدث بجانب نهرٍ ما أو شلّال متدفق، لكنه يحدث أيضًا في البيت في انتظار بلوغ تلك الأماكن.
أنا لم أختَر «الكرف» كما تؤكد صديقتي، ولكني اخترت وعيًا لا توفره الآلة. اخترت ذلك المستوى المعتدل من الانشغال الذي تحدث عنه الباحثون، حيث يتحول العمل اليدوي إلى فضاءٍ تأملي. هذه العادة اليومية تمنحني مساحة ألتقي فيها مع نفسي، لأتحرر، لتظل يداي على اتصال بالواقع في وقت توشكان فيه أن تنسيا ملمس الأشياء الحقيقية، وأمنح نفسي دقائق من التأمل الباشلاري والعمل الكروفوردي. هو وقت مستقطع في عالم يموج بالتشويش والسرعة، حيث تصبح الحركة الدائرية الدافئة والمستمرة لتنظيف الطبق بديلًا لتلك الحركة العمودية الباردة في التنقل بين «الرييلات».
وفي الحقيقة، وفي انتظار أن أجد تمويلًا لخلوات روحية في أعماق الهند، دعونا نلتقي في المطبخ، بعد وجبة عشاء أُعدّت باليد وعلى نار هادئة بعيدة عن الآير فراير، فهي تفاصيل تعيدنا إلى أنفسنا، إلى حواسنا، وهذه الدعوة صالحة لأربعة أشخاص فقط لاغير.
ليس كل الأدب يُقرأ؛ بعضه يُسمع 🎧
تجعل «سحابة أدب» لحظات الانتظار والأنشطة الروتينية مساحةً للأدب. 📚
اكتشف «سحابة أدب»

نحن نتقدّم في العمر لكن جوهرنا لا يتغيّر؛ نصبح أكثر نضجًا، ولكن في أعماقنا نظلّ كما كنّا صغارًا: كائنات تتوق بشغف لسماع قصة تلو الأخرى.
بول أوستر

معنى الحياة
.jpeg)
تأليف: باسكال شابو/ ترجمة: سعيد بوكرامي/ الناشر: منشورات نادي كتاب
يوجد المعنى في كل مكان، لكن تعريفه غير موجود في أي مكان.
بهذه العبارة المُكثَّفة يضع الفيلسوف باسكال شابو يده على المفارقة الكبرى لعصرنا: لم يعُد الحديث عن المعنى حكرًا على الفلاسفة والمتصوفة، بل أصبح هاجسًا يوميًّا يطارد الإنسان العادي، في عمله وفي علاقاته الاجتماعية وعلاقته مع الأنظمة المعقدة التي تحكم حياته. لكن السؤال الذي يطرحه شابو بحدة، في كتابه الصادر عام 2024، والمُترجَم حديثًا عن منشورات نادي الكتاب: ما الذي نبحث عنه حقًّا عندما نبحث عن المعنى؟
ما يثير الدهشة في تحقيق شابو الفلسفي هو ملاحظته أن البحث عن المعنى أصبح أهم من البحث عن السعادة ذاتها. لقد تحول المعنى إلى الجائزة الكبرى التي نسعى وراءها، وكأننا نعتقد أن العثور عليه سيمنح حياتنا ما ينقصها. لكن المشكلة، كما يرى شابو، أننا نبحث عن شيء لا نعرف ماهيّته، ونطارده في كل اتجاه دون أن ندرك طبيعته المتعددة الأبعاد.
يقدم شابو مفهومًا مبتكرًا للمعنى، فهو يؤكد أنه ليس فكرة مجردة ثابتة، فهو يظل في حركة ديناميكية بين ثلاثة أقطاب: ما نشعر به (الإحساس)، وما نفهمه (الدلالة)، وما نرغبه (التوجّه). «هذا هو المغزى من عبارة "خلق معنى"، أن يجول بين هذه الأقطاب الثلاثة». فالمعنى ليس شيئًا نمتلكه أو نعثر عليه مرة واحدة، بل هو عملية مستمرة من التنقل بين تجربتنا الحسية للعالم، وقدرتنا على تأويل وفهم هذه التجربة، والغايات التي تمنح حياتنا اتجاهًا.
لكن البيئة الرقمية التي نعيش فيها، كما يشخّص شابو، تُعطل هذا التوازن الدقيق. فبدلًا من التنقل الحيوي بين الأقطاب الثلاثة، تقدم لنا التقنيات الرقمية وفرة من الاتجاهات، بينما تضعف قدرتنا على الإحساس العميق والتأويل الهادف. من هنا تنشأ «أمراض الرقمنة» (Digitoses)، و«الاحتراق النفسي» (Burn-out)، و«القلق البيئي» (Eco-anxiété)، والتنافس مع الذكاء الاصطناعي، وظاهرة «الإنسان الآلي»، الذي يغمرنا بأدواته الرقمية مما يبعدنا عن طبيعتنا البشرية.
الكتاب إذن لا يكتفي بالتحقيق الفلسفي النظري، إذ يقدم فلسفة ملموسة تجعل من البحث عن المعنى علاجًا للحضارة. إنه يدعونا إلى استعادة حركية المعنى بمرونته وتعدديته، عوضًا عن التعلق بأوهام المعنى الواحد الجاهز الذي تبيعه لنا خطابات الاستهلاك والإيديولوجيا واليقين الرقمي.
الشم: سيرة حاسة تتلاشى

تأليف: بيورن بيرجيه/ ترجمة: محمد حبيب/ الناشر: آفاق
يقدم كتاب «الشم: سيرة حاسة تتلاشى» للمهندس المعماري والمؤلف النرويجي بيورن بيرجيه، سردًا فكريًّا لتاريخ حاسة الشم، عادًّا إياها الحاسة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الإنساني والذاكرة، ولكنها أيضًا الأكثر تهميشًا في العصر الحديث. يبني المؤلف أطروحته على فكرة مفادها أن الشم يرتبط بطبيعته بما سعت الحداثة إلى قمعه: «العتمة، والهمجية، والجانب المعادي للمجتمع»، أي كل ما يتعارض مع مُثُل التقدم والنظام والنظافة التي صاغت المجتمعات المعاصرة.
هذا الإقصاء التدريجي لحاسة الشم تجاوز التحول الحسّي ليشمل تحولات مست وجود الفرد ذاته؛ إذ كان الإنسان القديم يعتمد عليها لفهم بيئته واستشعار مخاطر الطبيعة، لكن مع تطور المدن والتكنولوجيا وانتقال البشر إلى بيئات معقمة وخالية من الروائح، أصبح الاعتماد على حاسة البصر هو المهيمن، مما أدى، وفقًا لبيرجيه، إلى فقدان جزء من الذاكرة والتجربة العاطفية، فحاسة الشم هي أقوى الحواس استحضارًا للذكريات وأكثرها ارتباطًا بالمشاعر.
يتتبع المؤلف هذا التحول عبر محطات تاريخية كبرى، منذ العصور القديمة ومرورًا بالعصور الوسطى التي شهدت أوبئة غيّرت العلاقة بالروائح، وصولًا إلى الثورة الصناعية التي أطلقت العنان للروائح الكيميائية، ثم العصر الحديث الذي يسعى إلى تعقيم الأماكن وإلغاء الرائحة تمامًا، ولنا في مرحلة وباء كورونا خير مثال.
ووفقًا لهذه التحولات، يناقش بيرجيه كيف أن المجتمعات المعاصرة تفضّل «اللارائحة» وتجعلها معيارًا للرقي والنظافة، مما أدى إلى تلاشي هويات ثقافية كاملة، فالروائح في الماضي كانت تحمل دلالات اجتماعية عميقة، مثل تحديد الفروقات بين الطبقات، وتمييز الأماكن المقدسة من المدنسة، والتفريق بين الجسد النظيف والجسد المُهمَّش.
يستعرض الكتاب مجموعة من عشرين رائحة مختلفة تمثل جوانب متعددة من الحياة، موزّعةً بين روائح الطبيعة كالزهور والتربة والدم، وروائح اجتماعية تكشف عن البنى الطبقية والتفضيلات الثقافية، مثل رائحة البذخ والعرق. كل رائحة تُعرض من خلال تركيبها الكيميائي، وعبر تاريخها الثقافي والدلالات الاجتماعية التي حملتها عبر العصور. هذا التنوع في المقاربة جعل من الكتاب تجربة فكرية متكاملة، حيث يتشابك السرد العلمي مع التأمل الفلسفي والاستقصاء التاريخي، في أسلوب يجذب القارئ ويأخذه في رحلة حسية غير تقليدية.
ما يميز عمل بيرجيه هو إصراره على أن تهميش حاسة الشم ليس ظاهرة بيولوجية محايدة، بل هو جزء من مشروع حداثي أوسع يسعى إلى السيطرة على الجسد وتنظيم الحواس وفق معايير النظافة والعقلانية. كما يلفت النظر إلى أن اختلال التوازن بين الحواس، حين نقمع بعضها ونفرط في الاعتماد على أخرى، يجعلنا أكثر عرضة لـ«اختراع حياتنا» والانجراف وراء الأوهام، وهو أمر يكتسي أهمية خاصة في عصر بات فيه التمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة تحديًا متواصلًا.
لهذا، فإن الدعوة إلى استعادة حاسة الشم هي دعوة إلى إبطاء إيقاع الحياة، والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة المهملة، ومقاومة النزعة إلى التجانس والتعقيم التي تطمس التنوع الحسي والثقافي معًا.
Theo of Golden

تأليف: آلان ليفي/ الناشر: Atria Books
صادفت هذه الرواية أول مرة على إنستقرام، في حساب أوبرا وينفري التي أحبت الرواية وشاركت اقتباسًا منها: «لكي يكون أي شيء جيّدًا وناجحًا بحق، لا بد أن يحمل في ذاته الحب.»، ربما يبدو هذا الاقتباس بسيطًا أكثر ممّا ينبغي، لكنه يصلح مدخلًا دقيقًا إلى عالم رواية «ثيو في قولدن»، التي أثارت ضجة وتصدرت قائمة المبيعات على الرغم من أنها صدرت عن دار نشر مغمورة، رواية لا تراهن على تقيّد في الحبكة بقدر ما تراهن على أهم شيء نفتقده حاليًّا وهو «الانتباه» و«الإصغاء».
تميل الحكايات المعاصرة إلى تفكيك الإنسان وكشف ضعفه عبر السخرية أو القسوة، لكن هذه الرواية، وبهدوء، تقف في الجهة المقابلة. حكاية بسيطة تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الناس. «ثيو»، الرجل الغامض الذي يبلغ السادسة والثمانين، يصل إلى بلدة صغيرة تدعى «قولدن». يكتشف مجموعة مُكوّنة من اثنين وتسعين رسمًا رصاصيًّا في مقهى محلي، فيقرر شراءها وإعادتها شخصيًّا إلى أصحابها، مفتتِحًا بذلك سلسلة من اللقاءات الإنسانية المدهشة.
في كل لقاء، يحدث شيء صغير، من شأنه أن يحدث تغييرًا لطيفًا دون أي أحداث دراميّة بالمعنى التقليدي. لم يغيّر «ثيو» حياة الناس ولم يسعَ إلى ذلك، كل ما فعله الإصغاء إليهم ومنحهم الفرصة لإعادة النظر في مشاكلاتهم وحكاياتهم، يمنحهم انتباهًا نادرًا، ويتدخل أحيانًا دون استعراض ليقدم مساعدة مالية هنا، ودعم قانوني هناك، لكن الأثر الحقيقي الذي أحدثه كان في حضوره.
ما يمنح الرواية فرادتها هو هذا الإصرار على اللطف. يقول المؤلف أن القصد لم يكُن الكتابة حول اللطف، ولكن أسبابه ونتائجه. ولبلوغ ذلك، لم تسقط الكتابة في التهكم ولم تقتصد في عاطفتها، بل تمضي في فكرتها حتى النهاية لتؤكد حقيقة واحدة: أن الانتباه شكل من أشكال الحب، وأن الإصغاء قد يكون فعلًا كافيًا. وبهذا تؤكد الرواية على العلاقة الإنسانية بصفتها جوهرًا وليست مجرد خلفية لتمرير الفكرة.
لكن هذا الإخلاص لهذه الفكرة يضعفها أحيانًا. فـ«ثيو»، بوصفه شخصية، يبقى أقرب إلى مبدأ منه إلى كائن روائي معقّد؛ طيبته المطلقة تقلِّص التوتر السردي، وتجعل بعض التحولات تبدو سهلة أكثر مما ينبغي. كما أن البناء القائم على تكرار اللقاءات يمنح النص إيقاعًا متشابهًا، حيث تتجاور الحكايات دون أن تترسخ جميعها بالقدر نفسه.
وفي الحقيقة، ربما يعود نجاح الرواية إلى حاجة تتجاوز النص ذاته، حاجة القراء إلى سرد أقل صخبًا، وإلى معنى نبلغه دون السقوط في التعقيد، خاصة ونحن نعيش في عالم تتسارع فيه الحكايات نحو التعقيد والتجريب. لذا قد يكون نجاح العمل مرده الأول اقتراحه للُّطف حلًّا لنجاة الفرد المعاصر.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.