هل تستحق السينما المصرية اتهامها بالتراجع؟

من الخمسينيات إلى اليوم.. رحلة ترصد تحولات السينما المصرية بوصفها صدى لواقع صُنّاعها


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

هل تستحق السينما المصرية اتهامها بالتراجع؟ 

وديع الأحمدي

لست ناقدًا سينمائيًّا ولا أدبيًّا ولا اجتماعيًّا ولا حلمنتيشيًّا، ولو كنت ناقدًا أمرًا، فلست إلا ناقدًا نفسي، وهذا أضعف الإيمان. أقدّم بهذه الإِشارة كيلا يؤخذ هذا المقال على محمل النقد المتخصص، فكل ما ستجده هنا ناتجٌ عن متابعةٍ -أحسبها جيّدة- للسينما المصريّة، فأحضر كوب قهوتك وتفضل بالجلوس.

ولنبدأ مما نشاهده اليوم؛ فلا أعتقد أن المتابع لعروض السينما في الخليج مؤخرًا يغفل عن موجة الأفلام المصرية الرديئة التي ما يلبث أحدها أن ينزل، حتى يتبعه راكضًا زميله في الرداءة. وهكذا تتوالى مسيرات هذه الأفلام، معيدةً إلى الذاكرة المتتبعة موجة أفلام المقاولات في ثمانينيات القرن الماضي.

ولا يخفى عليك، عزيزي القارئ، أن الفنّ، حتى في أقصى درجات خياله، يظل صدى لواقع صنّاعه على المستويين العام والخاص، فلا ينفك الفن عن التأريخ لحقب صناعته ورصدها، موضوعيًّا وبصريًّا. ومن هنا نستطيع الانطلاق لتتبع الحقب المهمة في تاريخ السينما المصرية.

عقود الازدهار الفني

معظم صنّاع أفلام الثمانينيات وأوائل التسعينيات شهدوا نكسة 1967 في بداية إقبالهم على الحياة والفن، ثم الانتصار والعبور في 1973، بل إن منهم من شارك فعليًّا في معارك تلك الحقبة. ثم توالت أحداث السبعينيات بالانفتاح الاقتصادي واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع الاحتلال الإسرائيلي، وتصاعُد موجة عنف الجماعات الإرهابية، موصلة إلى اغتيال السادات في بداية الثمانينيات، وما تبع كل هذا من تغيرات اجتماعية. 

ولكن هل نحن بصدد الحديث عن السياسة والاقتصاد والآثار الاجتماعية؟ بالطبع لا، لكن كيف ينفصل الفن عن كل هذا؟

فمع الأحداث التاريخية الصاخبة في الخمسينيات والستينيات، بزغ عهدٌ سينمائي خالد، برزت فيه الأفلام المقتبسة عن القصص والروايات لأدباء بقيمة نجيب محفوظ ويوسف إدريس ولطيفة الزيّات ويحيى حقي وطه حسين، في مشاركة مثرية للأدب في صناعة الأفلام، مثل: «دعاء الكروان» و«قنديل أم هاشم» و«بداية ونهاية» و«الحرام» و«الباب المفتوح».

كذلك برز كتّاب سيناريو بحرفية عالية في الاقتباس عن الأدب أو الكتابة المستقلة، مثل سعد الدين وهبة ويوسف جوهر وعبدالحي أديب، وبرع مخرجون مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ وفطين عبدالوهاب وغيرهم. لكن هل كانت هذه الحقبة، التي يصفها كثير من النقّاد بأنها أقوى حقبة في تاريخ السينما المصرية، خالية من الأفلام الرديئة؟!

فقد انتشرت في تلك الحقبة موجة أفلام -ليست بالقليلة- وصفت بأنها ضعيفة فنيًّا، لكن رداءتها كانت من نوع مختلف. لم تكن أفلامًا فقيرة الإنتاج بالضرورة، بقدر ما كانت نتاجًا للاستسهال واستثمار نجاح الصيغ المضمونة، فتتكرر الحبكات والشخصيات والمواقف الكوميدية، ويصبح النجم أحيانًا أكبر من الحكاية نفسها. ويظهر ذلك في بعض أفلام إسماعيل ياسين المتكررة في أفكارها وحبكاتها، مثل «إسماعيل يس طرزان» و«إسماعيل يس في متحف الشمع»؛ وهي ظاهرة انتقد فيها الناقد مجدي الطيب اعتماد بعض أفلام إسماعيل ياسين على المبالغة والتكرار في الأداء، وإقحام الأغاني والاستعراضات دون ضرورة درامية. 

ويمكن أن نضع في السياق نفسه أفلامًا مثل «من أجل حنفي» و«الرجال لا يتزوجون الجميلات»؛ إذ لم تكن حتى بمستوى الأفلام الترفيهية جيدة الصنع، مثل «مراتي مدير عام» و«العتبة جزاز» و«صغيرة على الحب».

ثم أتت السبعينيات حقبةً فاصلة بين مرحلتين ذهبيتين؛ إذ في بدايتها توقفت الدولة عن الإنتاج المباشر للأفلام. ومع ذلك حملت هذه الحقبة في جعبتها أفلامًا عظيمة مثل «عودة الابن الضال» و«العصفور» و«الكرنك» و«السقا مات». وفي المقابل، ظهرت أفلام استغلت انتصار أكتوبر 1973، وقامت على سيناريوهات ضعيفة ومتعجلة، مثل «بدور» و«حتى آخر العمر». وهو ما يلتقي مع رأي الناقد طارق الشناوي، الذي يرى أن أغلب أفلام أكتوبر صُنِعت لمواكبة الحدث ضمن توجه تجاري، فلم تحظَ بالعمق الكافي. 

كذلك ظهرت أفلام أخرى من إنتاج لبناني أو مشترك، مثل «سيدة الأقمار السوداء» وغيرها، شارك فيها ممثلون مصريون وحُسِبت جماهيريًا على السينما المصرية.

بعدها أتت حقبة الثمانينيات وأوائل التسعينيات غزيرة إنتاجيًّا. وظهرت فيها موجة الواقعية الجديدة بجودة مذهلة، على أيدي صُنّاعٍ تأسسوا فنيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا في حقبة مغايرة من التاريخ العربي والمصري، تحديدًا عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة، بمعيّة كتّاب سيناريو محترفين، مثل وحيد حامد وبشير الديك ومحمود أبو زيد. وازدهرت سينما المؤلف مع صُنّاع مثل رأفت الميهي وداود عبدالسيد. وبزغت أفلام مثل «سواق الأتوبيس» و«الحرّيف» و«الغول» و«الكيف» و«الراقصة والطبال» و«الأفوكاتو».

لكن أفلام المقاولات كانت السمة المعيبة لتلك الحقبة. ولمن لا يعرف أفلام المقاولات، فهي أفلام منخفضة التكلفة والجودة والقيمة الفنية، ارتبط ظهورها بازدهار سوق الفيديو، واستهدفت بصورة خاصة أسواق الخليج والسعودية. ويؤرخ الناقد علي أبو شادي بداية موجتها في عام 1984، حين قفز عدد الأفلام المعروضة إلى ثلاثة وستين فلمًا، كثير منها أُنتِج بميزانيات محدودة ومستوى فني متواضع لتعبئة شرائط الفيديو وتصديرها إلى الخليج، قبل أن يبلغ الإنتاج خمسة وتسعين فلمًا عام 1986، في ذروة هذه الموجة.

ويشرح الناقد طارق الشناوي جانبًا آخر من التسمية؛ إذ ارتبطت بأفلام تُنجَز سريعًا خلال أسبوع أو أسبوعين، بمستوى مادي وفكري وتقني محدود، ثم تُنقَل إلى أشرطة الفيديو لتسويقها في الخليج. ومع الوقت، كما يقول الشناوي، أصبحت تسمية «فلم مقاولات» في ذاتها دلالة على الرداءة.

وعلى الرغم من انتشار هذه الأفلام فإن ثمانينيات القرن الماضي تُعد حقبة ازدهار فنّي. ودائمًا ما أحتار في المفاضلة بينها وبين حقبة الخمسينيات والستينيات في قيمتهما الفنيّة، فيما أرى حقبة الثمانينيات وأوائل التسعينيات امتدادًا ونتاجًا طبيعيًّا لأحداث العقود الثلاثة التي سبقتها.

ماذا عن بداية حقبة الألفية؟

حسنًا، بالاستعراض السريع والمبسّط، أخذنا جولة تاريخية في عصور السينما المصرية الزاهية، متجاوزين حقبة قريبة تحمل طابعًا مختلفًا عمّا سبقها، وهي نهاية التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي. لا لعدم أهميتها، فقد شهدت أفلامًا رائعة مثل «عفاريت الأسفلت» و«بحب السيما» لأسامة فوزي و«عرق البلح» لرضوان الكاشف، وعددًا من الأسماء الجميلة في كافة مجالات الصناعة مثل بلال فضل وتامر حبيب كتابةً، وكاملة أبو ذكري وساندرا نشأت إخراجًا. 

لكنّها، في متوسطها العام، لم تبلغ كثافة الإنتاج في العصور السابقة، على أنها لا تختلف في طبيعة المزاوجة بين الأفلام القيّمة فنيًّا والمتواضعة كذلك. كما يصعب عدُّ أفلام الحقبة الحالية امتدادًا مباشرًا لها، في ضوء التغيُّر الكبير سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا بعد ثورة يناير 2011.

السينما المصرية اليوم

الآن تستطيع، عزيزي القارئ، تحضير كوب قهوة آخر والجلوس، لنرصد بتمعن حقبتنا الحالية، فـ«خذ طلّة أخرى، وهبني طلّة» على رأي أحمد بخيت، لنرى: 

أتستحق هذه الحقبة أن تُوصَف بأنها حقبة تراجع فنّي؟!

إنَّ معظم صنّاع هذه الحقبة تشكّلت طفولتهم على وجود التلفزيون في صالات البيوت مع تنوُّع محتواه، وهيمنة الفيديو واتساع خياراته. ثم كبروا مع ظهور الإنترنت وتسارع خطواته، من البدايات الخجولة إلى منصات عرض الأفلام والمسلسلات، وحتى الذكاء الاصطناعي.

ومع كل هذا التطور التقني الهائل، تطورت تقنيات الرقابة، وأصبحت أكثر شراسة. وفي ظل تتابع الأحداث السياسية، ضاقت مساحة النقد السياسي والاجتماعي الجريء في مصر أكثر فأكثر. على الرغم من ذلك، جازف بعض صنّاع هذا الجيل وخاضوا معاركهم مع الرقابة وانتصروا، ولو جزئيًّا. وفي كثيرٍ من الأحيان دُفِعوا إلى التضمين والإيحاء ببراعة، يعيهما جيّدًا من يبحث بين سطور الحكايات وزوايا الكادرات.

ومن شواهد هذه المواجهات «شيخ جاكسون»، الذي أُجيزَ رقابيًّا قبل أن يواجه مطالبات بالمنع وبلاغات ضد مخرجه. وفلم «رحلة 404» الذي واجه أزمات مع الرقابة خلال عامه الأخير قبل العرض، وخضع إلى تعديلات وإعادة تصوير بعض مشاهده قبل وصوله إلى الشاشة.

ولنعد الآن إلى الأفلام المعروضة من بعد أحداث ثورة يناير 2011 وحتى عامنا هذا، وهي نحو 500 فلم، من بينها أفلام مثل «أسماء» و«القصص» و«برشامة» و«رحلة 404» و«البحث عن منفذ لخروج السيّد رامبو» و«ديكور» و«شيخ جاكسون» و«اشتباك» و«الأصليين» و«نوّارة» و«فيلا 69»، لكتّاب أمثال: أحمد مراد وخالد دياب وشيرين دياب ومحمود عزّت، ولمخرجين أمثال: محمد دياب وعمرو سلامة ومروان حامد وأحمد عبدالله السيد وآيتن أمين وهالة خليل وأبو بكر شوقي وهاني خليفة؛ مع استمرارية جلية لسينما المؤلف في بعض أفلامهم.

تعكس أفلام هذه الحقبة وصنّاعها جودة تستحق الإنصاف، وجمع كثيرٌ منها بين الجودة الفنية والنجاح التجاري، بل إنّ مستوى الجودة التقنية في أفلامهم يتجاوز نظيره في أفلام الحقب الموصوفة بالقوة. وتبقى المفاضلة بينها وبين أفلام تلك الحقب سينمائيًّا، في جانب كبير منها، مسألة ذوقية، لا تعدي فيها على قيمة السابقين، ولا انتصار فيها للمعاصرين. 

والأكيد أن هذه الحقبة -مثل غيرها- تشهد أفلامًا أراها رديئة الصنع، يبدو معظمها موجهًا إلى السوق الخليجية استجابةً لتزايد الطلب على كوميديا الهزل (Farce) بنسختها الرديئة والإفيهات المستهلكة، باعتبارها «سينما بوب كورن» سريعة الاستهلاك مضمونة الربح. 

ولعل الفارق اليوم أن السوق الخليجية لم تعد سوقًا ثانوية للفلم المصري، بل أصبحت جزءًا مؤثرًا من معادلته الاقتصادية. ففي عام 2025 وحده استحوذت الأفلام المصرية على نحو 21% من إجمالي إيرادات شباك التذاكر السعودي. وتكشف الأرقام كذلك عن ثقل الكوميديا في هذا السوق، وهو ما يجعل نجاح صيغة تجارية بعينها قابلًا للاستنساخ: فلم خفيف، ونجوم معروفون، ومواقف كوميدية متلاحقة، وحكاية يسهل تسويقها واستهلاكها جماهيريًّا. وحين تنجح هذه الخلطة مرة، يصبح تكرارها أقل مخاطرة من المغامرة بفلم مختلف.

ولا تخلو صناعة هذه الأفلام من منطق اقتصادي مفهوم؛ فالسينما صناعة قبل أن تكون فنًّا، واستمرار عجلة الإنتاج يعني استمرار عمل الممثلين والكتّاب والفنيين ودور العرض وشركات التوزيع. كما أن وجود سوق متقبّلة لهذا النوع من الترفيه يمنح المنتج سببًا منطقيًّا للاستمرار فيه.

فهل تراجعت السينما المصرية فعلًا؟

إنَّ هذا السؤال أعقد مما يبدو، ويحتاج إلى تحديد معيار رئيس للتراجع: أهو الكم الإنتاجي؟ أم المستوى الفنّي؟ أم الإقبال الجماهيري؟ فمصر كما يقول المثل «ولّادة»؛ والمبدعون لا يكفّون عن التتابع في كافة مجالات صناعة السينما. والظروف السياسية والاقتصادية لا تقف دائمًا على حالٍ واحدة، ومعها تتغير الظروف الاجتماعية كذلك، وكلها روافد تؤثر في صناعة السينما ولا يمكن عزلها.

وكما رأينا، فإنَّ كل الحقب المزدهرة إنتاجيًّا وفنيًّا لم تخلُ من أفلامٍ رديئة الصنع. وعلى الرغم من اختلال التوازن في بعض الحقب، فإنني أجد هذه الخلطة طبيعيّة، كما اتضح من تتبعنا لجزءٍ من التاريخ السينمائي المصري؛ فالمزج بين الجودة والرداءة في حقبةٍ ما لا يقتصر على مصر، بل يظهر في كل مكان يُعنَى بصناعة السينما.

لذا آمل أنك استمتعت، عزيزي القارئ، بالمقال والقهوة معًا، واسمح لي أن أودّعك بسؤالٍ أترك لك حرية الإجابة عنه دون فرضٍ أو تدخل: 

هل للفن زمن جميل فعلًا؟ أم أنّ الحنين والنوستالجيا يؤثران في أحكامنا ونظرتنا للأشياء؟!


السينما ليست مجرد ترفيه،

إنها ذاكرة وثقافة وطريقة لفهم العالم.

أبواب «مكتبة سينماء» مشرّعة لكم على منصة «سينماء».

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.