كيف تبني «خوارزمياتك» القرائية؟ 📚
زائد: الجد الذي يقرأ كل شيء 👴

أصبحت التطبيقات تتحكم في «خوارزمياتنا»؛ كل ما يطال قناعاتنا وأفكارنا، وما يجب أن نشاهده، وما علينا أن نمتنع عنه. وهذا التحكم مصحوب بفكرة عن الكتب: أن علينا البدء من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، دون توقف ولا تنوع في ما نقرأ.
لكن، ماذا لو أصبحت الكتب هي خوارزمياتنا، وأصبحنا ننتقل بين كتابٍ وآخر ونعيش فيها حياةً كاملة، عوض الانتقال بين تطبيق وآخر ولا نجني منها سوى معلومات منقوصة؟
في هذا العدد أناقش نوعًا جديدًا من القراءة: «القراءة المتفرقة»، التي ربما تكون سلاحنا ضد اختطاف هواتفنا لانتباهنا.
فيصل آل عمر


كيف تبني «خوارزمياتك» القرائية؟ 📚
فيصل آل عمر
في إحدى جلساتي مع الأصدقاء، كان الحديث عن ذلك المرض الذي لا أعلم مصدره، ولا أصل الكلمة التي اختيرت له: «التعفن الدماغي».
بدأ الجميع بإلقاء اللوم على الأشياء التي وجدوها سببًا في تعرّض عقولنا لما يجعلها مشتتة وغير قادرة على الإمساك بشيء حتى النهاية؛ إذ أصبح من الصعب على الشخص أن يتابع فِلمًا مدته ثلاث ساعات، بل قد يتّجه إلى تلخيصٍ له من خمس دقائق أو أقل، وربما لا يكمله! (الأوديسة استثناءً) وأصبح المرء مشغولًا بمتابعة أخبار زواج المشاهير، وارتفاع أسعار الغذاء في الهند، وسرقة نفط نيجيريا، وسيل من المعلومات عديمة القيمة التي تجعل الإنسان ربيبًا لها، فيصنع له الهاتف عالمًا خاصًّا من الاهتمامات التي لم يخترها ولا يعرف عنها شيئًا ويعجز عن التعمق فيها.
اقترحت عليهم أن يبدأ كلٌّ منهم بمحاكاة تجربتي في «القراءة المتفرقة»، التي بحثت كثيرًا عن نماذج تشبهها ولم أجد؛ وهي أن تصنع «إكسبلورك»، وتتحكم في مصادر اهتماماتك وتنتقل بين ما تقرأ، ولكن بحسب احتياجك ومعرفتك.
فماذا تكون القراءة المتفرقة؟
هي ليست تصفحًا عابرًا يكتفي بالقشور، ولا قراءة بطيئة تحصي الحروف، بل هي اختيارات عميقة تمنح القارئ القدرة على تشكيل خريطته المعرفية لما يجب أن يشاهد قبل أن يستثمر فيه أيامه وساعاته. إنها الشجاعة الذهنية التي تجعل المرء يطل على النص من علٍ، ليفهم اتجاه أفكاره قبل أن تتعرّض للتشتيت.
لقد ورثت الأجيال وهمًا ثقيلًا يحصر القراءة النافعة في مسارٍ صارم يفترض أن الكتاب كائنٌ مغلق لا يُمس إلا بالترتيب؛ تبدأ من كلمته الأولى، ولا تجرؤ على التفكير في غيره حتى تطوي صفحته الأخيرة. هذا الاعتقاد الخاطئ تحوّل مع الوقت إلى سجنٍ اختياري، وجعل فعل القراءة لدى كثيرين محاطًا بشعور خفي بالذنب والتقصير لمجرد أنهم تركوا روايةً في منتصفها، أو أخذهم الشغف إلى فتح ثلاثة كتب في ليلة واحدة. ويخاف أحدهم من أن يستثمر وقته في اكتشاف كتاب معين أو البحث في سلسلة مقالات عن موضوع ما، فيتجه إلى تك توك ليشرح له.
وتأتي القراءة المتفرقة هنا لتهدم هذا السور المستبد، وتنطلق من إدراكٍ واعٍ بأن النص مُلكٌ لمن يقرؤه، وأن الفهم الحقيقي لا يتطلّب المكوث الطويل في الممرات التمهيدية إذا كانت الفكرة المركزية تجلس بوضوحٍ في الفصل الثالث. فالكتب، ولا سيما المراجع الفكرية والعلمية والثقافية، تتشكّل كالبناء الشبكي؛ فيها أعمدة تحمل الثقل الأساسي، وفيها جدران جانبية وستائر استعراضية يمكن الاستغناء عنها دون أن يتداعى السقف المعرفي للموضوع، ويمكن أيضًا أن «يفتح الله» على القارئ المستعجل فيجد نفسه تعمّق في الكتاب أكثر.
قبل شهر، تعرّضت لموجة قلقٍ عارمة، تداعى لأجلها عقلي بالسهر وذهني بالإرهاق. بدأت أبحث عن تفسيرٍ لما أمر به، فاتجهت إلى المكتبة لأبحث عن كتبٍ تشرح القلق (أحدها كتاب «مدمن على القلق» الذي ذكرته في توصيات العدد السابق)، فوجدت بين يديّ كتابًا يشرح القلق وتأثيره في الإنسان، وفي فصلٍ منه أشار إلى هرمون الكورتيزول، فبحثت عن كتاب يشرح هرمونات جسم الإنسان ومخاطر ارتفاعها ونقصها؛ لأجد نفسي أمام مرضٍ يسمى «متلازمة كوشينق»، ينتج عن ارتفاع الكورتيزول. لم تلفتني صفات المتلازمة أكثر مما لفتني الشخص الذي سُميت باسمه «كوشينق»! وإذ هو طبيب أمريكي يُلقب بـ«أبي جراحة الأعصاب الحديثة»، ودرس في جامعة هارفارد. ومنها بدأت أبحث عن كتاب يتكلم عن سبب عراقة الجامعة.
وكما ترى، بسبب فضولٍ انتابني عن القلق، وجدت نفسي باحثًا عن هارفارد وقصص الحرب الأهلية الأمريكية، في عالَمٍ متفرّق صنعته بنفسي، أقرّر فيه أين أبحث وأين أرحل. نعم لم أكمل بعض الكتب، لكن وصلت إلى مرحلةٍ أمتلك فيها وقتي ونوع معرفتي. ربما لو بحثت في قوقل سيخبرني أن أجهّز كفني (وهنا لن أبحث عن أنواع الأكفان طبعًا، وإنما سأتوقف عن البحث)، أو لو بحثت في تك توك لوجدت طبيبًا بلا رخصة مزاولة ينصحني بأن أتوقف عن أكل الرز وأستبدل به «النوتيلا» مثلًا!
تزداد الحاجة إلى هذا الأسلوب القرائي في عصرنا أكثر من أي وقت مضى؛ حيث نعيش تحت وطأة تدفّق معلوماتي يفرض علينا المرونة والقدرة على الربط السريع بين العلوم. وهنا يبرز مفهوم الاقتصاد النفسي المعرفي بوصفه درعًا يحمي شغف القارئ من الإنهاك. إن إكراه النفس على مضغ كتابٍ واحد لا تتلاءم موضوعاته مع مزاجك الحالي هو نوع من الهدر العاطفي والفكري الذي ينتهي غالبًا بهجر القراءة برمتها. القراءة المتفرّقة تمارس دور الرئة الثقافية التي تتنفّس بأساليب متعددة، وتسمح لك أن تُخضع خياراتك القرائية لمزاجك «المعرفي» دون أدنى شعور بالذنب. إنها تعترف بأن الإنسان كائن متغيّر الرغبات، وأن ما يثير فضولك في شتاءٍ دافئ قد لا يستهويك في ظهيرة صيف حار. ومن ثَم، فإن مطاوعة الذات في تنقُّلها بين الكتب تحفظ شعلة الشغف متقدة، وتجعل من فعل القراءة عادةً حيّة مرنة تستمر مدى الحياة.
تتجاوز القراءة المتفرقة فكرة أنها مجرد طريقة للتعامل مع الكتب لتبلغ مرتبة التحرر النفسي ومصادقة الذات، فهي تغيِّر علاقتك بالمكتبة وتلغي هيبة القراءة التي تصيبك بحبسة القراءة، لأنك ما إن تتذكر الكتب ستذكر كتابًا مُملًّا اضطررت إلى إنهائه وأنت كاره؛ فبدلًا من أن تكون الكتب المفتوحة على طاولتك مصدرًا للشعور بالتقصير، تحوّلها القراءة المتفرّقة إلى خريطةٍ تفاعلية حية تعكس ثراءك الداخلي وتنوع اهتماماتك. إن عودتك إلى أجزاءٍ متفرّقة من كتبٍ متعددة تعيد إليك صياغة ذاكرتك الفكرية، فتكتشف كيف تطوّرت ذائقتك، وكيف اتسعت مداركك، وكيف أصبحت قادرًا على استيعاب الرؤى المتضاربة دون حرج. إنك تدرك، مع الوقت، أن الغاية ليست إفراغ الرفوف من كتبها، إنما إثراء الروح بوعيها، وأن الصفحات المتناثرة التي قرأتها بشغف صادق أشد أثرًا في بنيانك الفكري من مجلدات ضخمة طالعتها بآلية وجفاف لمجرد استيفاء تحدي قراءة خمسين كتابًا في عام.
إن اكتساب مهارة التنقل المعرفي يمنح الذهن حاسةً نقدية وإنسانية رفيعة تتجاوز صفحات المطبوعات، لتشمل رؤيتك للحياة والناس والظواهر من حولك. فالمرء الذي اعتاد أن ينظر إلى الأفكار من زوايا متعددة لا يقع في فخ التعصب أو النظرة الأحادية للشرور والخيرات. إذ يصبح عقله مُدرّبًا على قبول التعدد، وعلى البحث عن الخيط الرفيع الذي يربط بين المفهوم العلمي والمشاعر الإنسانية واللوحة الفنية. أن تصنع عالمك الخاص مما تقرأ يجعلك تمتلك سلاح البحث، حيث تؤكد أنت المعلومات أو تنفيها، لن يخدعك باحث عابر يدّعي المعرفة، ولن تجذبك قصة مزيفة عن شعب ما، ستعرف كيف تجد الحقيقة، ستدرك المصادر ومواقعها؛ فالعقل وهبه الله القدرة على سعة الاطلاع والفهم.
ومن يدري، ربما يمكنك أن تقرأ اليوم «تهافت الفلاسفة» و«تهافت التهافت» في آنٍ واحد!

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

الجد الذي يقرأ كل شيء
كان الجد عبدالله عوض أولَ زائر رأيته عند عملي أمينًا للمكتبة. وقد انتشرت صوره كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي.
اعتاد الجد عبدالله أن يدخل المكتبة ساعات الصباح الأولى بكل بشاشة ويحيّي الجميع من الباب وصولًا إلى قاعة المكتبة.
لا أذكر أنه سألني عن كتابٍ إطلاقًا (وهذا ليس معتادًا عند زوّار المكتبات العامة). فقد كان يمشي بهدوء بين أرفف المكتبة، ينظر إلى عناوينها بشغفٍ مذهل، قبل أن تلتقط يداه كتابًا عشوائيًّا من الرف، ثم يمشي بسكينة لأقرب كرسي ويبدأ في القراءة بالساعات، ولا يطلب شيئًا، لدرجة أنك لن تشعر أنه موجود أصلًا.
في الأيام التي يغيب فيها، كنت أشعر باشتياقٍ لأن أراه يتسلّل بين الكتب ويبحث دون ضجر عن الطبعات وأصناف الكتب. حاولت مرارًا أن أسرق معه أي حديث؛ فقد كان يهمني أن أعرف ماذا يفضّل القرّاء. كنت أعرف كل ما يحبه مرتادو المكتبة، فأبشّر محبي الشعر أن الديوان الذي ينتظرونه قد وصل، وأبشّر عشّاق الروايات بتوفّر الرواية التي استعارها شخص ما لفترة طويلة. فعلاقتي مع الزوار عميقة للغاية، إلا الجد عبدالله، فهو لم يفصح لي يومًا عن الكتب التي يحب. حتى حينما أسترق النظر لما يقرأ، لم أرَ محدِّدًا معينًا لقراءاته، فهو يقرأ بالاقتصاد والأدب والإدارة والشعر.
وبعد محاولات حثيثة حصلت على حوار بسيطٍ معه بعدما انتهى من قراءته الصباحية.
كان سؤالي الأول: لماذا تحرص على زيارة المكتبة باستمرار؟
لم يُطِل في الإجابة، لكنه قدّمها بكل شغف وبساطة، إذ قال: «لأنها احتياج للإنسان، مثل الأكل والشرب، فالقراءة مهمة للإنسان بأهمية الغذاء.»
ثم جاء دور السؤال الأهم: ماذا تفضل أن أوفّر لك من أصناف الكتب؟
هنا قدّم الإجابة التي برّرت لي طريقته بالقراءة: «كل شيء. أقرأ أي شيء، جميع الكتب جميلة.»
ومع انتشار صوره بالمكتبة في مواقع التواصل الاجتماعي وزياراته المتكرّرة، تسبب ذلك في شغف الآخرين بزيارة المكتبة لأخذ صورة معه أو أن يشاهدوا ما يقرأ. عرفت بعدها أنه بدأ يشعر بالضجر من بعض الأشخاص الذين لم يحترموا خصوصيته ليلتقطوا له صورة مفاجئة. لكن خشوعه بالقراءة كان عجيبًا، كنت أعتقد أنه لا يلاحظ أن هناك من يدور وراءه بحثًا عن لقطة مناسبة، وهذه من مآخذي على بعض الزوّار في اختراق خصوصية كبار السن عندما يقرؤون، كأنه حدثٌ نادر، رغم أنهم كانوا جيلًا يعشق القراءة.
تعلمت من الجد عبدالله، بعد رحيلي عن المكتبة، تجربة القراءة العشوائية؛ أن أمرّ بالرف وأجعل قلبي يختار ليستفيد عقلي، وألّا أكون متطلبًا بين الأرفف، وأن أسمح للمكتبة بأن تقرر بالنيابة عني ماذا يجب أن أتعلم اليوم.

شيء من الأعين:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
الإمام الشافعي
شيء من الصدود:
أقَلُّ صُدودي أنّني لكَ مُبْغِضٌ
وأيْسَرُ هَجْري أنني عنكَ راحلُ
أبو العلاء المعري
شيء من الاعتدال:
بغيت أعدل مايل الناس وأزريت
أزريت أعدل مايلٍ في ضميري
ساير الحربي

عبودية الكراكيب - كارين كينقستون

بدأت القصة في مساء هادئ، حين وقفتُ مصدومًا أمام خزانتي المكتظّة وأدراجي التي تمقت الإغلاق. كان الغبار يكسو أشياء لم ألمسها منذ سنوات: أوراق قديمة وأجهزة معطلة وملابس ينتظر بعضها مناسبةً لن تأتي أبدًا. في تلك اللحظة بالذات، أطبق شعور خفي على صدري دون سبب واضح، كنت أحتاج إلى أن أفهم لماذا غرفتي -أصلحها الله- تكركب نفسها بنفسها؟
فوقع بين يدي كتاب «عبودية الكراكيب» للكاتبة كارين كينقستون، وتمنيت أن أجد فيه السبب لكركبة غرفتي (وأحيانًا سيارتي)، عدا أن يكون أنا.
تأخذنا الكاتبة نحو أركان النفس الإنسانية قبل زوايا المنازل التي نهرب منها. وعبر فصول الكتاب، اكتشفت حقيقة صدمتني: «الكراكيب» ليست أدوات زائدة تجمع الغبار على الرفوف وتنتظر منا إعادة ترتيبها أيام السبت، إنما هي طاقة متجمدة، ومخاوف مُجسّدة، وعوائق خفية تقف سدًّا بيننا وبين السلام الداخلي.
يشرح الكتاب كيف تتحول المقتنيات من خُدّام يلبون احتياجاتنا إلى أسياد يكبّلون حريتنا، فنعيش أسرى وهمٍ يتغذّى على جملتين: «سأحتاج إلى هذا الشيء يومًا ما»، ولن يأتي. و«هذه تذكّرني بالماضي»، ولن يعود!
يناقش الكتاب، بتعمق، الجذر النفسي للاحتفاظ بالأشياء، موضحًا أن الرغبة في التكديس نابعة غالبًا من الخوف من الفقد في المستقبل أو التعلق العاطفي المَرَضي بما مضى. بالبداية خشيتُ أن يبقى الكتاب يدور في فضاء شرح العلاقة النفسية بالكراكيب، لكنه رحل لاحقًا لتقديم حلول عملية لكيفية تصنيف الأشياء، والتعامل بحزم ولطف مع الأغراض ذات القيمة العاطفية، وتحويل عملية التنظيف من عبءٍ ثقيل إلى طقسٍ ممتع للتطهر والحرية.
لم يعطِني الكتاب كل ما كنت أحتاج إليه (والأمر لا يقف عند تبرئتي من كركبة الغرفة)، لكنه شرح لي الأسباب التي تدفعنا للاحتفاظ بالأشياء من حولنا، وربما ساعدني ذلك في التخلص منها. كانت فكرة الكتاب تتلخّص في أن تتبرّع بما لا تحتاج إليه. ورغم أنها تبدو فكرة بديهية، تستطيع أن تقول إنها التخلُّص من شيء من ماضيك لصنع شيء من حاضر شخص آخر.
شعرت أن مفردة «عبودية»، التي أطلقها الكتاب على علاقتنا بالكراكيب ثقيلة، لكن الأمر كان مرعبًا حينما تكتشف أن الأمر أكبر من جمع الأشياء في رفٍّ ما: ماذا لو أصبحت تعشق جمع الكراكيب حتى تصل للكراكيب الحياتية؟
مكتشف المسار المهني - جيل هاسون

أحب أن أحكي للجميع دومًا عن مساراتي المهنية ردًّا على من يقول: «وما أدراك أنت؟» فأخبره أنني درست الإدارة ونظم المعلومات عامين، ثم انتقلت إلى الصيدلة وحصلت على شهادة فيها، ثم عملت فيها فترةً بسيطة قبل أن أصبح أمين مكتبة، وبعدها عملت في إدارة الفعاليات الثقافية، وصولًا لكتابة المحتوى… والآن أراقب في صمتٍ المجالات الأخرى.
الحقيقة أنني أعشق التحدي الوظيفي؛ أتنازل عن بعض الوظائف عالية الدخل إن كانت تخلو من التحديات، مقابل تلك التي سأخرج منها منتصرًا. وقبل كل هذا، كنت دومًا أرافق كتابًا لن يشعر مؤلفه بالدهشة على تغيير مساري المهني، وهو «مكتشف المسار المهني». ساعدني الكتاب في شرح فكرة عدم حصر عملك في المجال الذي تحمل شهادةً فيه، أو في ما ورثته عن آبائك وأجدادك، وربما أحيانًا لا يجب أن تعمل في ما تُحب!
العمل هو من يختارك أحيانًا ولست من تختاره. هذه التحديات الوظيفية قد تختارك وتجذبك إليها، فلا يوجد بقاءٌ أبدي في أي وظيفة ما دمت تمتلك شغفًا ومهارة. صحيح أن الشغف والمهارة من أهم العوامل التي ستحدد استمرارك في عملك فترةً طويلة أم لا؛ فالشغوف في مجالٍ غير مجال عمله سيدفعه شغفه بذلك المجال إلى الشعور بعدم الرضا عن عمله. أما المهارة فهي، في نظر الكاتب، مهارةٌ تتفوّق أحيانًا على الشهادة الجامعية في بعض التخصصات؛ فالماهر الموهوب مرغوبٌ مهما كانت شهادته بعيدة عن الشاغر الوظيفي الذي سيقدّم عليه. وهذا ما كان الكتاب يرمي إليه: هي محاولة تطمين لكل من يعتقد أن الشهادة وحدها من يحدّد ما ستكون عليه مستقبلًا.
صحيح أن الكتاب تجاهل بعض الأشياء المهمة كالراتب والحاجة والتوافر، لكن يكفي أن تتعلم منه الاستعداد لوظيفتك الجديدة القادمة.
استعرض الكتاب تجارب مختلفة لأشخاصٍ غيّروا مسارهم المهني طواعيةً منهم، وهو شيء مميز بالتأكيد، لكن يبقى الأمر يتعلّق بأهمية اكتساب مهارة جديدة تجعلك قادرًا على الخروج من وظيفتك الحالية بضمير مرتاح.
ديوان سيف العشق - مساعد الرشيدي

يشكل مساعد الرشيدي حالة خاصة لدى كثير من الجماهير، فهو شاعر ذو أسلوب فريد في الشعر، وله شخصيته الخاصة التي يظهر بها للجمهور. وهذه إحدى مميزات الشعراء الذين يخلد ذكرهم: يتذكر الناس أشعارهم وشخصياتهم معًا.
كنت أقرأ له متفرقات من القصائد، وأحب ما يكتب. وقد جُمعَت بعض أهم قصائده في ديوان «سيف العشق» الذي اقتنيته من معرض الكتاب الأخير. وفي كل مرة أنتقل بين قصائد مساعد الغزلية أُذهَل في كيفية تعبيره عن شعور صادق بلذّة كبيرة. هناك شيء دائمًا ما يذهل في قصائد الغزل: حينما تكون المبالغة فيها مذهلة. حينها يشعر القارئ أن ما دام المحبوب أوصل الشاعر لما وراء الخيال، فحتمًا قد سرق الحُب قلبه. أما مساعد فأوجد طريقة بين الخيال والرغبة الصادقة في إشعار المحبوب بالحب من القصيدة. يقول مثلًا في وصف الوصل للمحبوب:
جيتك بقايا حي كل أكثره مات
وصلت لك بآخر رمق من حياتي
وهو دائم التفنّن في وصف الطريق لمن تُحب، فيقول في قصيدة أخرى واصفًا الوصل أيضًا:
آخر عباراتي وداع .. آخر مشاويري رحيل
جيتك وكبدي ناشفة وأقفيت كبدي ناشفة
وفي رائعة ديوان «سيف العشق»، تلك القصيدة التي اشتهر بها، والتي يصف فيها العشق حينما يقتُل:
ما قلت لك عمر سيـف العشق ما يقتلك
ماتشوفني حي قدامك وأنا أموت فيك
هذه التعابير الواقعية من عمق المحبة تخبرك بموهبة شعرية فذّة. بعض القصائد أبحث عنها بإلقائه، فتعجبني طريقته في التشديد على الكلمات التي ينوي أن يوضّح فيها لأي حدٍّ وصل به العشق والألم. وهذه الحالة الشعرية خاصة بمساعد، فهو يحب العزّة حينما ترتبط بالمصير:
يوم صارت ما بين القلب والهامة
وش أبي بالحياة إليا انحنى راسي؟
هذا الصراع الذي يجعلك تعيش معه بين عاشق يحب وصف من يحب، ولحظات يرفض فيها الاستمرار في الركض وراءه. لكنه لا يتوقف عن ذكرى الترحال في الحب حينما يصف شعور الترحال من بداية الطريق إلى نهايته:
يا رجا العمر لو حفّتك الأشواك
ليتك أول طريق القلب ليتك
ودّع البرد كف ضم يمناك
صافح الود قلبي يوم جيتك
هذا المشاعر التي تصلك مع الشعر تجعلك في رحلة يحميك فيها «سيف العشق».

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.