من ظَلَم الفعاليات الثقافية وجعلها «كرنج»؟ 🫣
زائد: صناعة خيال الطفل 💭

الفعاليات جزءٌ مهم من الحركة الثقافية، فعندها يمكن إنشاء مجتمعات مهتمة بقضيةٍ ثقافية محدّدة، أو حتى التعرف على اهتمامات مشتركة تجعل من اللقاءات في الفعاليات الثقافية ذات قيمة حقيقية وعامل جذب للآخرين. لكن مؤخرًا باتت الفعاليات الثقافية لا تستطيع جذب سكان الحي حتى، ويهرب البعض منها وتوصف بالـ«كرنج». ذات مرة سألت الجمهور عن رأيهم بالفعاليات الثقافية وكانت الردود صادمة.. ولهذا نبحث عن إجابة عن سبب تدهور الفعاليات الثقافية.
فيصل آل عمر


من ظَلَم الفعاليات الثقافية وجعلها «كرنج»؟ 🫣
فيصل آل عمر
كنت ممن اختبر الله صبرهم واعترضني مقطعٌ لتجمّع ثقافي يظهر فيه مجموعة من المثقفين -أطال الله بقاءهم- في غرفة بإضاءة ضعيفة وطاولات زجاجية وعصير برتقال (المصدر الرئيس للنكد في الاجتماعات)، ومايكروفون يصدر صدًى مزعجًا كأنك تتكلم من وسط وادٍ. وهناك شاعرة تصدح بقصيدة عذبة من بنات أفكارها (ونقول لها: «صح لسانك»، ولو كانت متأخرة!).
إشكاليتي لم تكُن مع قصيدتها، فلست بحّارًا جيدًا في بحور الشعر لأقيّم شعرها، معاذ الله أن أكون من المُقيّمين، وقد تحدثت عنهم في مقالٍ سابق ولا أريد أن أكون ممن قيل فيهم «لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي بمثله… عارٌ عليك إذا فعلت عظيم». لكن سأتحدث عن الفعاليات الثقافية داخل المقاهي. ورغم أني سبق وكتبت عنها، سأحتاج، ويا للعجب، إلى أن أتحدث عنها في مواطنها!
لماذا تتّسم اللقطات المنتشرة للتجمعات الثقافية بشيءٍ يُعبّر عنه بالـ«كرنج»؟ فنجد تصويرها بجودة رديئة، وحضورها يجلسون في مقاعد جلدية ملوّنة كأنها من مقاهي بداية الألفية، وشخصًا يصور وهو يمسك هاتفه بكلتا يديه، وآخر يبتسم بلا سبب. وحسبنا أن يتكلّف المتكلم في حديثه حتى ينتشر المشهد كالنار في الهشيم، ليقول الآخرون عن الفعاليات الثقافية: «أخجل من أن أكون فردًا منهم»، ويتوارى المثقفون الحقيقيون عنها، وينتظرون دعوة من مقهى ليقيم لهم أمسية ثقافية، وهنا ندخل في إشكاليات المحتوى والترويج وغيرها.
فمن ظلم الفعاليات الثقافية يا تُرى؟
يجب أن أبدأ بشرح ما يُتوقع من الأمسيات والفعاليات أن تكونه. في البداية، عزيزي المتعهد، أقدّر حماسك في بناء فعاليةٍ عن قضية تهمك، لكن لنجعل الأمر أكثر تنظيمًا. لنبدأ بنشر المسألة بين الناس، وجمع المهتمين، واكتشاف المجتمعات المهتمة. بعد ذلك لنساعد الأفراد في التعرف على بعضهم بعضًا وتبنّي هذا التوجه الثقافي. وما إن تصبح لدينا صورة واضحة عن هذه المجموعة، ننتقل بهم إلى مرحلة أكبر، وهي الاجتماعات الشهرية التي يجب أن يتبناها شخص مهتم بتنظيم الفعاليات الداخلية.
لا يتطلب الأمر ميزانية ضخمة إطلاقًا، فكل ما يحتاج إليه وجود مكانٍ يحتضن الفعالية بتنظيم حقيقي واهتمام بالثقافة، مثل بيوت الثقافة التي تحتضن الفعاليات الثقافية بتنظيمٍ عالٍ، ولم ألحَظ أيًّا من فعالياتهم كان فيها تقصير تنظيمي، وعلى أقل تقدير: الفعاليات الثقافية. أو بإمكانك أن تجعل من أحد المقاهي راعيًا رسميًّا للاجتماعات الشهرية، ولأن المقر واحدٌ فهذا يسهّل على المُنظمّين حديثًا الالتحاق بكم.
بعد ترتيب التنظيم الداخلي، ننتقل إلى مرحلة التواصل الفعّال مع الجمهور الراغب بالقراءة، لكن واقع الحال أن بعضهم لم يمسك بورقةٍ حتى!
صنع الإعلام، وعلى مدى سنوات، صورةً رديئةً للمثقف؛ فالمثقف هو الشخص البائس الحزين الذي يدخن بشراهة في مكتبه الخشبي ولا يطرب إلا للحديث مع النساء فقط، ويكره المجتمع ويزدريه، ويستمع لفيروز صباحًا وأم كلثوم ليلًا، ويقضي إجازته في باريس. وكل هذا خاطئ ولا صحة له، وهو من ضمن القوالب الإعلامية التي يضعونها في عباءة درامية يسهل ارتداؤها. لذلك، من دور المثقف أن يتعامل مع الجمهور بطريقةٍ تساعد على تغيير هذه النظرة الخاطئة تمامًا.
وأنا هنا لست بصدد أن أشرح الفرق بين المثقف الحقيقي وبين من يجعل الثقافة وسيلةً للحصول على صك الغفران يقيه من الاستنقاص المعرفي، لكن يعيب بعض المثقفين أن الواحد منهم لا يرضى بالنزول إلى منزلة «الوسيط الثقافي»، وهو من يساعد في تبسيط المعلومات والمعرفة وتقديمهما للعامة ليجعل النقاش معهم مفهومًا، وليرغِّب الجمهور بما يُقدم.
هذا مثلًا يحدث حينما تلاحظ الفرق بين ما يفعله الشعراء النبطيون المثقفون مقارنةً ببعض شعراء الفصحى الذين لا يتنازلون حتى في تفسير الكلمات الصعبة للجمهور، بينما الشاعر النبطي يمكن أن يستوقف الأمسية فقط ليسرد قصةً قبل أن يقول قصيدته، وهذه هي الوساطة الثقافية التي تسمح للآخرين بفهمك وفهم ما تقول.
لكن الواقع الآن أن الفعاليات الثقافية في تطوّر، وصرت أجد من بدأ يحضر الأمسيات الثقافية والفعاليات طواعيةً، رغبةً منه بفهم المجال. وهنا يبقى على المثقفين أن يجعلوا الأمسيات مفهومة ولها طابع ممتع. ضع بالحسبان أن ليس الجميع مهتمًّا بالشخص وإنما بالقصة والقضية ذاتها.
ومن باب أن الشيء بالشيء يُذكر، حينما حضرت يومًا أمسية غنائية، كان المسرح ممتلئًا عن بكرة أبيه لمغنٍّ يغني أغاني محمد عبده فقط، وشتان طبعًا بينهما، لكن الناس أتت للأغنية وليس للشخص. وكذلك بالفعاليات الثقافية، يجب أن يدرك مُقِيموها أن الناس تهتم بالقضية، وما أجمل أن يكون الشخص متبنيًا لها ويمتلك قاعدةً جماهيرية واسعة تجعل من الحضور لافتًا وصاحب أثر.
تمر على ذاكرتي ورش معرض الكتاب، حينما تقام فعالياتها في الوقت المناسب وبالضيوف المناسبين، أجد المقاعد ممتلئة؛ لأن الفعالية الثقافية من صلب اهتمام الجمهور. ولا أعلم لماذا تغفل بعض المجتمعات الثقافية عن قيمة الجماهير! تبدأ المشكلة عندما يقرر مثقفٌ أنه يعرف دوره المجتمعي، فيبدأ في توجيه خطابه للعامة محاكيًا لهمومهم وفهمهم للأمور والمعارف، مستعينًا بالثقافة للتعامل معهم، فيُنعت بالـ«شعبوي» لتفسير وصوله إلى الجماهير، بينما هم لم يصلوا حتى لمتبني القضية الثقافية ذاتها في الحي الذي يسكنون فيه. ثم ينكرون حينما يقيم المثقف «الشعبوي» أمسيةً ويملأ الحضور المسرح، بينما يقيم المثقف الآخر فعاليته الثقافية في الغرفة الصفراء الشهيرة مع عصير البرتقال والمايكروفون.
الثقافة جزء من المجتمع، كل ما يتعرّض له الإنسان من سلوكيات وتعامل يصب في صلب الثقافة؛ فتشتهر شعوب بثقافة التعامل أو الثقافة العمرانية أو الموسيقية والأدبية وغيرها؛ وهذا مما لا ضرر فيه. وهناك شعوب تقيم فعالياتها الثقافية في مراكز الثقافة لنشر توجهات الدولة أو المدينة الثقافية، وتخيل، قد يكون المستهدف هو السائح أولًا، ثم عامة الناس ثانيًا، لنشر فكرة محددة يتبناها المجتمع فتصبح في صميم ثقافتهم.
الفعاليات الثقافية الشهرية والأسبوعية يجب أن تحصل على احترام أكبر، وتقدير يتجاوز كونها أمسية «كرنج» تُقام لفرد العضلات الثقافية، وقراءة القصائد ذات الرمزيات التي لا يفهمها سوى شاعرها (ومن حوله يبتسمون له وهم لا يفهمون ما يقول)، فيصبح المرء يأنف من الحضور للتجمعات الثقافية، رغم ما فيها من فائدة للمجتمع وبناء الثقافة.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

صناعة خيال الطفل
كنت أمين مكتبة للكبار، نعم، لكنني بين الحين والآخر أشعر برغبة في مساعدة الأطفال على القراءة، وتحدثت في عدد سابق عن أهمية بناء مكتبة منزلية للأطفال، وأرجو أن يتسع حديثي هنا لقلوب الآباء والأمهات، لأهمية أن يستقطعوا وقتًا من اليوم للمساعدة في صنع خيال أطفالهم، فما يتعرض إليه الأطفال اليوم من مواد غير مفهومة المصدر والقيمة سبّبت لهم «فرطًا في التعرض»، فيشاهد زرافة تتكلم مع شجرة، وأفعى تسافر للقمر، وإسفنجة تطبخ، وهلُمّ جرًّا، لكن من يشرح له كل هؤلاء؟ من يخبره أين تسكن الزرافة؟ كم عدد فصول السنة التي تمر على الشجرة؟ لماذا الأفعى خطِرة؟
حينما يتعرض الطفل للمعرفة المنقوصة، سيتسبب الأمر في استمرار جهله بالحياة من حوله، والصفات التي سيتعرّض لها مستقبلًا، فأنّى لطفلٍ يتعرّض لأمٍّ تحميه من كل شيء أن يعرف ماذا يعني الغدر أو الخيانة أو المكر والحيلة وغيرها من سيئ الصفات؟
ولكي نحصل على طفلٍ موهوب، علينا توسيع منطقة الخيال لديه، وأن يعيش والداه معه هذه الرحلة والتجربة؛ فتوفّر الأم الفرصة في التعليم والمشاركة، قبل أن ينتقل التعليم المحسوس للأب، فالقراءة للصغار لها أثر بالغ في استرعاء الانتباه وتمرير الرسائل والأفكار التي سيقبلها من محبته للشخصيات.
حينما كنت بالمكتبة، كان يزورنا في منتصف اليوم ضيفٌ يبلغ من العمر اثني عشر عامًا تقريبًا، ولا يعرف عن المكتبة شيئًا إلا أنها مركز قريب من منزله، يزوره وينتظر فيه والده ليأتي ويأخذه للمنزل بعد نهاية عمله، ولا يقوم بشيء سوى النظر إلى الكتب والمرور بينها، قبل أن يستقرّ بكل أدب جالسًا بينها، خائفًا من أن يكتشف أن الطفل زار مكتبة الكبار، قبل أن أكتشف وجوده السري، وأطلب منه أن يرافقني لمكتبة الطفل، فرفض بشكل أذهلني، فهو يرى أنه تجاوزها ولا فائدة منها، وأنه يريد أن يقرأ نوعًا جديدًا من الكتب، فنظرت مباشرة لرف القصص المصورة لأرى ما يقرأ... ومن سيكون غير أقاثا كريستي رفيقًا لاكتشاف الجانب الآخر من الحياة الجانب الآخر من الحياة؟ وكانت قصة «موعد مع الموت».
كانت قصة «موعد مع الموت».
جلس كلٌّ منا بنسخته يقرأ (متجاهلًا السيد الأمين مهامه الوظيفية حينها ليكسب قارئًا جديدًا)، وكانت جلسةً ماتعة حينما بدأ في تخيل الأحداث وفق ما يحب ويشتهي، لينتقل بعدها ليقرأ لأقاثا كل رواياتها، وكان يستعير الكتاب ويقول: «سأقرؤه على أمي»، ويغيب أربعة أيام قبل أن يعود ليقرأ معي كتابًا جديدًا ويشاركه والدته، وبقي على هذا الحال فترة طويلة، قبل أن يشارك في مسابقة قرائية ومعرفية مع عددٍ كبير من أقرانه. ويجب أن أذكر أنه خجول (وهي عادة في الموهبين لا أعرف مصدرها)، لكنه أظهر جانبًا فذًّا في التعبير والكتابة، وتخيل أن هذه الموهبة البسيطة كانت محرّكًا له لأن يستمر زائرًا للمكتبة، لكن هل يكفي أن يكون موهوبًا؟
القراءة توسّع الخيال وتصقل الشخصية، وعندما توجد الموهبة، فذلك يساعد في التعبير عن الذات وإيجاد متنفس حقيقي في الحياة. ولا يوجد ما يعطي الطفل قوةً مثل أن يكون ذا علم وموهبة، فالقراءة تعطيه ما يجعله فخورًا بنفسه، ولا يمكن كسره بسهولة أو التقليل منه، وتجعله يمتلك خياله الخاص الذي يهرب إليه إن ضاق به الواقع. وصدقني، لا يمكن أن يتحقق كل ذلك من دون اهتمام الأبوين وإدراك حقيقة أن الطفل يولد قابلًا للتعلّم وراغبًا فيه، وهو الأمر الذي يجعل من أهمية التركيز على تعليمه واجبًا مهمًّا. والقراءة مفتاحٌ لباب الخيال الذي لن يقفل ما دام يهرب له كل ما أغلقت أبواب الحياة.


انتهى البث؟ تابع الملخص 🎮
هل كنت تستمتع بمشاهدة أخاك الكبير وهو يلعب؟ تراقب محاولاته للفوز، وتتحمس في كل لحظة حماسية أو فاجعة. أغلبنا مرّ بهذه المرحلة في طفولته، سواء أكان مشاهدًا أم لاعبًا محاطًا بالمشاهدين.
ومع تطور الإنترنت، اتسعت تجربة مشاهدة اللعب حتى بات المؤثرون يوثّقون تختيماتهم على مرأى من الألوف، فتتابعهم بحماس، تترقب تصرفاتهم في المواقف الحاسمة، وتضحك على تعليقاتهم وتعيش الأجواء معهم.
والآن يمكنك عيش هذا الجو مع ثمانية! أطلقنا برنامج «الحاصل في البثوث»، أحد برامج «ألعاب ثمانية»، يلخص لك أبرز أحداث بثوث اللاعبين وصناع المحتوى كل أسبوع، مع مساحة للتفاعل معها والرجوع إليها متى أردت.
تابع «الحاصل في البثوث» على قناة «ألعاب ثمانية».

شيء من التُخمة:
صابتني التخمة من العذر السمين
ما عاد في جوفي مكانٍ للعذر
نجم الأسلمي
شيء من التعجّب:
وما عجبي موت المحبين في الهوى
و لكن بقاء العاشقين عجيبُ
عروة بن حزام
شيء من التشابه:
تحيا بكم كل أرضٍ تنزلونَ بها
كأنّكم في بقاع الأرض أمطارُ
وتشتهي العين فيكم منظرًا حسنًا
كأنّكم في عيون الناس أزهارُ
ونوركم يهتدي الساري لرؤيتهِ
كأنّكم في ظلام الليل أقمارُ
أبو مدين التلمساني

مدمن على القلق - أوين كوين

بطبعي لست شخصًا قلقًا، أكره هذه الصفة وأهرب منها هروبي من ناب الأسد، ولكن الحياة تفرض عليك ما لا تقوى على مقارعته أو مهادنته؛ فالمستقبل المهني والحياة، وللأسف، الوزن، أشياء نقلق حيالها حتى لو لم ننطق بكلمة، وهذا قلق بحد ذاته، ولكن الذي يفرّقنا عن غيرنا من القلقين أنهم قادرون على النطق، بينما نحن، معشر «القلقين بصمت»، لا نتحدث أبدًا.
بالبداية لاحظت تغيرات كبيرة تحدث لي، وأعتقد أنها آثار غير مباشرة للقلق، لكنها مؤخرًا ظهرت على السطح، كعادة كل الصفات التي نقمعها حتى تتمكن منّا، فاتجهت للمكتبة لشراء كتاب «مدمن على القلق»، بعد أن وجدت رفًّا ممتلئًا بالقلق والقلقين، فذاك مدمن على القلق، وهذا كتاب يساعد على التعايش مع القلق (هنا شعرت بخوف التعايش مع ما لا يمكن التعايش معه)، وآخر يقول: القلق والعلاج السلوكي المعرفي!
فأخذت أخفّهم اسمًا على أذني، (ولو أن كلمة «مدمن» ثقيلة هي الأخرى)، وكان الكتاب يحاول أن يربت على كتفك، ويخبرك أن القلق حالة مؤقتة. يحاول الكتاب، مشكورًا، أن يتدرّج معك في القلق، مُبينًا أن سبب إدماننا على القلق هو «إعطاء الشعور بالأمان». فندمن القلقَ طواعيةً، ونستدعيه ليعطينا الشعور بأننا نعمل بجدية، آمنين بخوفنا، والحقيقة أنه لا يفعل شيئًا من هذا، فالشعور الآني غير متوافق مع الداخلي والمستقبلي، فالقلق يعمل على التسبب في اضطرابات أكبر في حياتك، فيصبح من الصعب السيطرة عليها بعد حين من الزمن.
ما الحل؟ كعادة بعض الشؤون في الحياة، قد تكون النصيحة الفاصلة كلمةً بسيطة، فمثلًا قد أختصر ما يقوله الكتاب بقول: لا تقلق. تخيل! بهذه البساطة يقولها لك. لكن أشعر بأن واجبي أن أخبرك عن حل القلق. بكل بساطة، إن كنت تهرب إلى القلق بحثًا عن الأمان، فماذا لو جعلت القلق هو من يهرب منك لأنك مسلّحٌ بالإيمان؟ إن آمنت بأن رزقك قادم لأنه بيد الله، وآمنت بقدراتك التي تدفعك للعمل بلا توقف، عاملًا بالأسباب، وآمنت أن ما قُسم لك قادم، فالقلق سيكون فقط عاملًا لحظيًّا يصيبك قبل مباريات فريقك المفضل.
تاريخ التعب: من القرون الوسطى إلى يومنا هذا - جورج فيقاريلو

لماذا نقول: «أنا متعب»؟
ماذا عن: «أنا مرهق»؟ «أنا منهك»؟
لن أدخل في نقاش عن معاني الكلمات، لقد أشبعتكم بهذا سابقًا (وبالعافية)، لكن مؤخرًا وجدت عنوانًا لافتًا في المكتبة يتحدث عن «تاريخ التعب». اعتقدت في البداية أنه محاولة للحديث عن تاريخ الأمراض، لكن الأمر كان أبعد من ذلك، فقد شرع المؤرخ الفرنسي جورج فيقاريلو في تفكيك مفهوم التعب في كتابه.
يقدم الكتاب دراسةً فكرية تكشف كيف يتشكل التعب كبناء ثقافي واجتماعي متجدد، يتغير بتغير الأزمنة والمجتمعات، متجاوزًا الفكرة التقليدية التي تضع الإرهاق في دائرة رد الفعل الحيوي الطبيعي للجهد البدني (وهذا ما لم أُرده)، ليثبت أن للتعب أشكالًا متعددة، وأنه مختلف من جيل لآخر؛ فالجيل الذي كان يعتمد الزراعة أسلوبًا للحياة، مثلًا، سيختلف نوع الإرهاق السائد لديهم عن جيلنا الحالي الذي يعمل خلف الشاشات
يبدأ فيقاريلو تاريخ التعب، متتبِّعًا التحوّل التدريجي في ماهية المعاناة البشرية ومصادرها. يبدأ من العصور الوسطى وعصر النهضة، حيث يتركّز التعب بالكامل على العضلات والجسد مباشرة، بسبب المشاق اليومية للفلاحين في الحقول، وثقل دروع الفرسان، ومكابدة السفر الطويل عبر المسالك الوعرة.
ما أثار انتباهي هو تفسيره لتحول التعب مع حلول القرن التاسع عشر وبزوغ الفجر الصناعي. حدثت قفزة نوعية حاسمة في فهم الإرهاق؛ إذ تحوّل الجسد في المخيلة العلمية والاجتماعية إلى «محرّكٍ حراري»، يُقاس إنتاجه بمدى استهلاكه للطاقة الفسيولوجية. وأصبح الإرهاق موضوعًا لقياسات دقيقة في المصانع، مما أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالعمل، وفتح الباب لولادة التشريعات العمالية التي تطالب بتحديد ساعات العمل وحق الراحة والاستجمام.
ويتجلى التحول الأكثر دراماتيكية وعمقًا، كما يرى فيقاريلو، في القرن العشرين، وينساب متسارعًا حتى عصرنا الحالي، حيث انتقل العبء الساحق من العضلات المنهكة إلى الجهاز العصبي والنفسي. فقد أضحى التعبُ المعاصر ثمرةَ التوتر النفسي المستمر، والمسؤولية الفردية المطلقة، والتدفق المعرفي الهائل، والشاشات المتصلة التي لا تتوقف.
جيلنا، على سبيل المثال، من أكثر الأجيال إرهاقًا حيال فكرة: المستقبل والوظيفة، وهي فكرة قادرة على بث التعب النفسي المرهق. ومن هنا يحاول فيقاريلو جاهدًا أن يقول في الكتاب إن شعورنا الدائم بالإرهاق اليوم يمثل صدًى لثقافة كاملة تقدّس السعي المتواصل بلا نهاية، وتطالب الإنسان بأن يكون حاضرًا ومستعدًا ومبدعًا في كل لحظة، وهو في الحقيقة أمرٌ متعب.
نفدت الكمية - جيمس ريكاردز

كم مرة سمعت بتخصص «سلاسل الإمداد»؟ بين الحين والآخر أشعر أن هناك تخصصات تصبح مدهشةً للآخرين، ومنها هذا التخصص، وبالتأكيد تخصصات الذكاء الاصطناعي، لكن سلاسل الإمداد من التخصصات التي أخذها من حولي بعين اعتبار جائحة كورونا، بعد أن أصبح الناس رهن سلعٍ «نفدت».
يكتب الخبير الاقتصادي والمحلل المالي جيمس ريكاردز عن مشهد الاقتصاد العالمي المعاصر بنظرة تحذيرية شديدة الواقعية، حيث يرصد كيف أصبحت شبكات التوريد الحديثة تعاني هشاشةً هيكلية غير مسبوقة.
يوضح المؤلف أن أسطورة الكفاءة المطلقة التي تغنّت بها العولمة لعقودٍ طويلة، والاعتماد المفرط على نموذج التصنيع والتوزيع «في الوقت المناسب»، قد تحولا إلى نقطة ضعف قاتلة في جسد الاقتصاد التجاري الدولي، فالنظام الذي بُني ليعمل بدقة في الأوقات المستقرة سرعان ما ينهار عند التعرض لأول هزة، مما ينعكس مباشرة على حركة الأسواق، ويؤدي إلى ظاهرة الرفوف الخاوية وشح البضائع الأساسية في مختلف دول العالم.
ويشير الكتاب إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية والصراعات الدولية المتزايدة تزيد الوضع تعقيدًا، إذ تؤدي إلى تفكّك نموذج العولمة المفتوحة وصعود سياسات الحماية التجارية والتحالفات الإقليمية الضيقة. وتتسبب هذه العوامل مجتمعة في تعقيد مسارات الشحن، وتضاعف تكاليف النقل والإنتاج، مما يدفع الشركات العالمية إلى تحميل هذه الأعباء المالية مباشرة على كاهل المستهلك النهائي، الذي يجد قدرته الشرائية تتآكل باستمرار.
يحاول الكتاب، في منتصفه (وهو مأخذي عليه)، أن يزيد بث حالة الهلع عند القارئ، وأن العالم يمر بخطر محدق، ولعل هذا ما لا يروق لي في بعض الكتب، إذ أني لست ضليعًا في الاقتصاد، فحينما أواجه حالات نادرة تشعرني بالهلع أحاول الهرب منها، لأني لا أقوى على فهمها.
الكتاب أشبع فضولي في معرفة كيف يكون التوريد، وانتقال الموارد، وكيف تتم الصفقات والتحديات والنجاحات، فالعالم من حولنا ممتلئ بإنجازات سلاسل الإمداد التي لا نراها لأننا اعتدناها، فمن الذي أحضر كل ما نعيش به الآن، قادمًا من البحر والبر، عابرًا للمحيطات والبحار؟ هي نعمة يجب أن نحمد الله عليها أولًا، وأن نعرف تحدياتها ومشكلاتها حتى وصلت إلينا، وصارت جزءًا من يومنا.
يقدم الكتاب في خاتمته وثيقة اقتصادية تعطي القارئ حقائق العالم الجديد، مؤكدًا أن عصر الوفرة الدائمة والرخيصة لن يدوم بلا نهاية، وأن على الأفراد والمؤسسات التكيف مع مرحلة جديدة تتسم بالاضطراب.
ويقدم لنا الكتاب تنبيهًا يحث على إعادة التفكير في إدارة الثروات والمدخرات، والتحوّط العقلاني من المخاطر الاقتصادية القادمة، واكتساب المرونة الكافية للتعامل مع واقعٍ يتطلّب الاستعداد الدائم للندرة والتقلبات المتلاحقة في أسواق التجارة والمال، فربما في نهايته سيصيبك الهلع الاقتصادي، وتبدأ في محاولة الترشيد، وتفهُّم نصائح والدك الاقتصادية.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.