دور الصين القادم في الشرق الأوسط الجديد

على الدول الخليجية أن تتابع وتضغط على الصين حتى لا تطوّر علاقتها مع إيران في اتجاهات غير مرغوبة للمصالح الخليجية.

خلال مجريات الحرب الإقليمية الدائرة، لا يخلو يوم من حضور التأثير الأمريكي المباشر فيها، وفي مستقبل الشرق الأوسط وتشكيله القادم.

غير أن مؤثرًا آخر قد لا يقل دوره أهمية عن الدور الأمريكي، وتغفل عنه كثير من التغطيات، وهو المؤثر الصيني.

تنظر مقالة هذا العدد في هذا المؤثر، وشكل تأثيره الممكن في الشرق الأوسط الجديد، وكيف يمكن التعامل معه خليجيًّا.

قراءة ماتعة.

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

دور الصين القادم في الشرق الأوسط الجديد

كريم الوادي ومحمد السديري

عندما دخل الوفد الصيني (الذي ترأسه خيه ويه، نائب رئيس اللجنة العليا لمجلس الشعب) القاعة لتقديم العزاء عند جثمان آية الله خامنئي، تُليت آية من سورة آل عمران: «وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم». الاختيار لافت لأنه يختزل الرسالة (وهذا تفسير واحد من عدة) التي تحاول أن تبعثها طهران إلى بكين: أهمية إيران الاستراتيجية للصين تكمن في أن صمود نظامها وبقاءه، بل وتضحياته وانتصاراته، في وجه العدوان الأمريكي يشتت قوة الأخيرة، وتبعًا لذلك يحد من قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الصين ومنافستها. بصيغة أخرى: نصرنا من نصركم. 

هذه السردية طبعًا لها أصداؤها مع خطابات كثير من الأنظمة الأخرى، مثل النظام الأسدي البائد، بل وتلعب مباشرة على مخاوف الولايات المتحدة من وجود تحالف أوراسي - قاري يمر من موسكو غربًا إلى بيونق يانق شرقًا. ولكنها تأتي في لحظة صعبة تحاول فيها طهران تعميق علاقاتها مع بكين، وحتى تأطيرها مؤسساتيًّا. في منتصف مايو مثلًا، عُيِّن محمد باقر قاليباف -أهم شخصية في المنظومة الإيرانية حاليًّا والمفاوض الرئيس مع أمريكا- مبعوثًا رسميًّا «موحدًا» للجمهورية الإسلامية إلى الصين (وكان يُفصل في الماضي بين ممثلي الرئيس الجمهوري والمرشد الأعلى)، وقد أشرف على عدة لقاءات في الأسابيع الماضية مرتبطة كلها بتذليل العقبات التجارية واللوجستية بين البلدين.

وينبغي التنويه أنه في ذروة الأزمة حول هرمز حُيِّد عدد من السفن التي تحمل العلم الصيني من دفع الأتاوات، وقد صرح السفير الإيراني في بكين بأن الصين «ستتمتع بامتيازات خاصة» كدولة صديقة حالما يُنتهى من إنشاء الجهاز الإداري على المضيق. 

يمكن أن نصف هذا بطورٍ جديد في سياسة إيران «للتوجه شرقًا» منذ 2005، وهو برأينا يعكس تدهور الاقتصاد الإيراني والضائقة المالية المتفاقمة من جهة (مع خسائر مقدرة بحسب الحكومة الإيرانية بأكثر من 270 مليار دولار وتضخم يقارب 70%)، والحاجة الماسة إلى إعادة بناء قدرات إيران القتالية والدفاعية من جهة أخرى (من توطيد سلاسل إمداد للمواد الأولية للصواريخ الإيرانية إلى الحصول على منظومة الدفاع الجوي S-400، أو حتى المقاتلات الجوية المتقدمة J-20). 

الصين كانت، ولا تزال، أهم وجهة للصادرات النفطية الإيرانية قبل الحرب وبعدها، فالمصافي الصينية «المستقلة» التي تسمى «أباريق الشاي» من أهم المستهلكين للنفط الإيراني، (وإن بدأ هذا الوضع بالتغير مع فرض الحكومة الأمريكية عقوبات على بعض هذه المصافي منذ مايو الماضي). ولذا هناك اتكالية وعدم تكافؤ هيكلي بين الطرفين، وهذا يجبر إيران، بحكم عزلتها الدولية النسبية، على «كسب» الصين في صفها. وإن كان ينبغي التنويه أن هناك استياءً في الأوساط الإيرانية من ضعف الرد الصيني الرسمي على هذه الحرب، وقبلها حرب «الاثني عشر يومًا»، وهي تشبه النقاشات الدائرة حول عدم تحقق أي من وعود اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين الطرفين الموقعة في 2021.

الحقيقة هي أننا عندما نلقي نظرة على التحليلات الصينية المتوفرة على المستويين الحزبي والإعلامي، فإن التداعيات والمكاسب الاستراتيجية للحرب واضحة بالنسبة إلى ما تمثله من أزمة في السيادة الأمريكية الدولية، والتحول الحاصل في طبيعة موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط. وإن كان هناك إقرار بأنها لم تنتهِ بعد وهناك جولات مستقبلية قادمة، لكن لا يوجد ما يوحي بتحول جوهري قادم في العلاقات مع إيران. على المستوى الشعبي أيضًا هناك بالطبع احتفاء بإيران ومقاومتها أمريكا، والحكومة الصينية تغذي مثل هذه المشاعر من وقت لآخر، كما يتجلى في مقطع منتج عبر الذكاء الاصطناعي بُثَّ على القناة المركزية الصينية (CCTV)، لاقى رواجًا كبيرًا على المنصات الاجتماعية المختلفة في مارس الماضي. الفيديو يظهر مجموعة من القطط الفارسية المقاومة لغزو الصقور الأمريكية المتعجرفة وانتصارها عليها عبر فن «الووشو» القتالي. اللافت هو أنه على جميع هذه المستويات لا يوجد حديث ملموس عن الحاجة إلى تدخل مباشر من بكين لمساعدة طهران، أو أي تصور يقدم العلاقات على أنها تحالفية.

قد تستفيد الصين من المواجهة الأمريكية - الإيرانية كونها مغامرة منهكة لمنافستها، ولكنها لا ترغب في استمرار الحرب، وذلك لأن تداعياتها السلبية على أمن طاقتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية في أنحاء الخليج ستكون مكلفة على المدى المنظور. (وإن كانت ربما أكثر دولة قادرة على تحمل تكلفة الاضطرابات في الواردات بحكم مخزونها الاستراتيجي الضخم المقدر بما يعادل 220 يومًا من الاحتياجات). الإمارات والسعودية تمثلان «أثقل» مراكز التواجد الصيني في المنطقة بصفتهما أكبر شريكين تجاريين وأهم وجهتين للشركات ورأس المال الصيني. وهناك بلا شك ضغوط متزايدة من تلك الأطراف تُلتمس من توافد الشخصيات السعودية والإماراتية إلى بكين، فقد أجرى ولي عهد أبوظبي زيارة رسمية في ذروة الحرب، وزار وزير الخارجية السعودي بكين زيارة مهمة الشهر الماضي. ولهذا السبب حاولت الصين أن تلعب دورًا إيجابيًّا -وإن كان في حدود متحفظة وفي نطاق سياستها الخارجية المتوقعة- في تسهيل المحادثات بين طهران وواشنطن، وتحديدًا عبر التنسيق مع باكستان، والقيام بتحركات دبلوماسية توازنية كما تراها، مثل الفيتو الذي وظفته في مجلس الأمن لمنع أي تكتلات دولية من الدخول في الحرب لفتح مضيق هرمز.

 قد لا تستسيغ الصين سقوط النظام الإيراني ولكنها لن تستنفد موارد جمة لإنقاذه، بل ستتعامل مع خلفائه أيًّا من كانوا (وهنا نستذكر أن الزعيم الصيني هوا قوفنق، خليفة ماو، كان آخر من زار الشاه رسميًّا قبل أن تُطيح به الثورة الخمينية)، وستتكيف مع الواقع الجديد، مثلما حدث في فنزويلا بعد خطف مادورو.

وإذا انتصر النظام وبقي (وصيغة البقاء هذه ستعتمد على ما إذا وقعت اتفاقية مع أمريكا أو لا)، ستدعو بكين إلى رفع العقوبات. وقد تنفتح تحت هذا السيناريو على بيع السلاح لطهران، ولكن بما لا يضر بعلاقاتها مع الخليج. وربما ستبيع للطرفين مثلما حدث في ذروة الحرب الإيرانية - العراقية. 

المحسوم تحت كل هذه السيناريوهات أمران: أولًا، ستسرع الصين من وتيرة ثورتها الجارية نحو الطاقة المتجددة (من ناحية القدرة الإنتاجية للطاقة، تعدت النسبة 52% هذا العام) لتقليل اعتمادها على الواردات النفطية من المناطق المضطربة ومن ضمنها، الآن، الخليج. وثانيًا، ستبقى العلاقات نفعية على نحو خالص ولن توهب إيران أي امتيازات أو مساعدات في محنتها القائمة من الصين، بمعنى أن أي تكنولوجيا أو مواد أولية تصل إلى إيران ستكون عبر ديناميكيات تجارية بحتة ومتأثرة بمنظومة العقوبات الأمريكية القائمة. ثمة مقولة رائجة على الإنترنت الصيني لها أصول أمريكية تختزل واقع هذه العلاقة: «تحت السماء لا يوجد غداء مجاني.»

الخلاصة أن الصين في تعاملها مع أزمة الخليج تعتمد على مبدأ البراغماتية البحتة مع تقيَّة تعرفها (وتمارسها أيضًا) طهران جيدًا. ولكن الحدود الهيكلية في العلاقات الإيرانية - الصينية (وهي تشبه تلك التي تؤثر في العلاقات الروسية - الصينية) التي تحد من أخذها عمقًا استراتيجيًّا لا تعني أن على دول الخليج أن تدع الأمور وشأنها، بل عليها أن تتابع وتضغط على بكين حتى لا تتطور الأمور في اتجاهات غير مرغوبة لمصالحهم على المدى الطويل، وبالذات إذا ما دخلنا مرحلة جديدة في منطقتنا مع تضاؤل الانهماك الأمريكي فيها.


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

أي معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة لن تكون على حساب علاقات السعودية مع الدول الأخرى؛ فعالم اليوم متعدد الأقطاب.

في مقالة «لن تتخلى السعودية عن الصين لأجل أمريكا» المنشورة على نشرة الصفحة الأخيرة، يحلّل الدكتور هشام الغنام موازنة السعودية بين العلاقة مع أمريكا والعلاقة مع الصين، والمؤثرات الجوهرية في كلٍّ منهما، والمستقبل الممكن لهذا التوازن.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+20 متابع في آخر 7 أيام