كيف أنقذتني إيلينا فيرانتي 🛟

زائد: أنا أمشي إذن أنا أفكر 🚶

حين نتحدث عن الأدب الإيطالي، غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا أعظم ما كُتب فيه: «الكوميديا الإلهية» لدانتي. ولكن يزاحمه كتابٌ آخر أراه لا يقل عنه سحرًا وإبداعًا، وهو «الديكاميرون».

في عام 1348، عندما كانت فلورنسا تُحصي موتاها بالآلاف يوميًّا بفعل الطاعون، تخيّل جيوفاني بوكاتشيو عشر شخصيات (سبع نساء وثلاثة رجال) يهربون من المدينة المنكوبة، ليعتزلوا في فيلا ريفية هادئة على مشارف فيزولي. فيقرّر هؤلاء تزجية الوقت بشيء واحد: الحكايات. على مدى عشرة أيام، يروي كل واحد منهم حكاية، فتتوالد «الديكاميرون»، مئة حكاية، في عشرة أيام، وُلدت كلها من رحم الخوف من الموت.

هذه المفارقة هي جوهر الأدب الإيطالي منذ بداياته؛ يُكتب الجمال في قلب الخراب، وتصبح اللغة ملجأً حين ينهار كل شيء آخر. فبينما كانت أوربا تبحث عن ترياق للطاعون، كان بوكاتشيو يقترح ترياقًا من نوع آخر: السرد بوصفه فعل نجاة وحياة مضادة للفناء.

ننطلق في هذا العدد لنقرأ الأدب الإيطالي، تشاركنا رزان الزيادي تجربتها مع الأدب الإيطالي وكيف ساعدها في معالجة فتور القراءة، وأشارككم في فقرة «هامش» مراجعة آخر ما قرأت من الأدب الإيطالي، بينما خصَّصنا زاوية التوصيات لأعمالٍ تعكس ملامح هذا الأدب وخصائصه.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

كيف أنقذتني إيلينا فيرانتي 🛟

رزان الزيادي

مررت في عام 2020 بحالة فتور قرائي كانت الأطول في حياتي، إذ استمرت لأكثر من عامين ونصف، باءت فيها كل محاولاتي للعودة إلى القراءة بالفشل. كنتُ أضجر سريعًا من أي كتاب أبدؤه، وأتهرّب منه لأيام حتى أتوقف تمامًا عن قراءته ولا أعود إليه أبدًا. في تلك الفترة، لم تكفّ أختي عن توصيتي بقراءة «رباعية نابولي» للكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي، آملةً أن يعيدني ترشيحها إلى القراءة، التي تعرف أنها جزء حيّوي في حياتي، وكان ردي دومًا ضحكة ساخرة، فإذا كنت أعجز عن إكمال كتابٍ لا تتجاوز صفحاته المئة، فكيف لي أن أنهي رباعيةً كاملة؟ لكنها ما فتئت تؤكد لي، دون كلل، أنني سأفعل ذلك بلا شك.

دفعتني حبسة القراءة هذه إلى تجاهل توصياتها مرارًا، حتى قررت في أحد أيام عام 2023 البدء بقراءة الجزء الأول من الرباعية «صديقتي المذهلة». ضحكت حين رأيت الصفحة الأولى مخصصة للتعريف بالشخصيات والعائلات، وأيقن عقلي فورًا أن الكتاب معقد، وسأهجره بعد بضعة أيام. لكن ما حدث أنني لم أترك الكتاب، ولم أتوقف عن القراءة إلا بعد شهر، وقد أنهيت الرباعية بأكملها، بصفحاتها التي تجاوزت الألفي صفحة. لقد كان ما ظننته تعقيدًا بوابةً لعالمٍ من الدهشة بدّد حبسة القراءة المزمنة فورًا.

ما زلت حتى اليوم أفكر وأتساءل: كيف أنهيت أربعة كتب ضخمة في شهرٍ واحد، وكيف استطعت تذكر كل تفاصيل الكتب الأربعة، بكل شخصياتها وعوائلها التي بدت لي في البداية معقَّدة للغاية؟ تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات في إيلينا فيرانتي نفسها وأسلوبها الفريد. فقد تكرر الأمر معي قبل عام، حين واجهت فتورًا جديدًا تجاه القراءة، فوجدتني أقرأ روايتها الأخرى «أيام الهجران»، لتنقذني فيرانتي مرة أخرى وتعيد إليّ شغف القراءة. وهكذا ترسخ في ذهني أن هذه الكاتبة المجهولة أصبحت، بطريقةٍ ما، ملاكي الحارس.

رباعية نابولي

تتميز كتب إيلينا فيرانتي بواقعية شديدة، لدرجة أن صديقتي، عندما أوصيتها بقراءة الرباعية، وصفتها بأنها مُنفِّرة إلى حدٍّ كبير، لأنها تعكس حياتنا اليومية كما هي دون تجميل. وصديقتي، التي اعتادت اللجوء إلى الخيال للهروب من الواقع، وجدت في هذه الواقعية شيئًا مزعجًا. ولأكون صريحة، أنا شعرت أيضًا بما وصفَتْه في أثناء القراءة، ففيرانتي لم تحاول تغيير الواقع أو تجميله، بل كان جوهر واقعيتها يكمن في تصوير شخصياتها وصفاتهم وتفاصيل حياتهم بكل أمانة. وأنا متأكدة أنني قابلت كثيرين يحملون الصفات نفسها التي تتحدث عنها في كتبها، بل إنني وجدتُ أنني نفسي أحمل عديدًا من تلك الصفات.

«رباعية نابولي» 
«رباعية نابولي» 

على سبيل المثال، وصفها للفقر في الرباعية ومدى تأثيره في حياة الإنسان كان مختلفًا ومميزًا، إذ يستحيل على القارئ أن يتجاهل حقيقة أن الفقر هو العامل الأهم في بناء جميع شخصيات الرواية. والمذهل في قلمها أنها استطاعت شرح التباين بين قسوة الفقر وأهميته في الحياة. فحين أضافت في الجزء الثالث من الرباعية، «الهاربون والباقون»، شخصياتٍ ثريةً أو نشأت بعيدًا عن رحمة الفقر، صوّرتهم غرباء، يفتقرون إلى الأخلاق والمبادئ، ولا يملكون أي رحمة تجاه أي شيء، على النقيض تمامًا من شخصياتها الأساسية التي عاشت في الفقر طويلًا وتميزت بقيم مختلفة.

فالشخصيات التي عشنا معها منذ بداية الرباعية، وعانوا فقر نابولي ومشاقها، حملوا في داخِلهم صفاتٍ ميّزتهم عن سواهم، وربما جعلتهم أكثر إنسانية من غيرهم، كما امتلك كلٌّ منهم مبدأً أخلاقيًّا أصيلًا. بينما الطرف الآخر، الأغنياء، افتقروا إلى تلك المبادئ تمامًا. ولو كان كاتبٌ غير فيرانتي مَن قدّم هذه الصورة، لربما أُسيء فهمه، وظن البعض أنه يحاول تحويل الفقر والمعاناة إلى مادةٍ شاعرية جذّابة. لكن فيرانتي تميزت بقدرتها الفائقة على التأثير في القارئ والوصول إلى أعماق تفكيره، ليدرك مباشرةً ما تحاول إيصاله وشرحها.

أعتقد أن ما يُميّز الرباعية عن غيرها هو شخصياتها، إذ تضمُّ أكثر من خمسين شخصية تخلو جميعها من المثالية المطلقة، فلكلٍّ منها جوانبها المزعجة والغريبة، تمامًا كواقعنا البشري. فلو تأملنا شخصيتَي «ليلا» و«إيلينا» وحدهما، لوجدنا أن لكلٍّ منهما ما يزيد على عشر صفات سلبية كالغيرة والتنافس والشعور بالخزي والندم، وهي صفاتٌ غالبًا ما تطغى في أعيننا على سماتهما الإيجابية. ففيرانتي لم تخطِّط لكتابة رباعية بقصة وشخصيات تقليدية، بل أرادت أن تُظهر الجانب المظلم في كل إنسان، وفق سرد مستفيض.

لذا، حين نناقش الرباعية، نجد أن القراء يتماهون مع إحدى الشخصيتين، وإذا ما تعمّقنا في تحليلهما، يصعب الانحياز لأي منهما، فلكل شخصية رؤيتها وتجربتها الخاصة التي تصقلها، مما يجعل القارئ قد يتفهم دوافع إحداهما بينما يعجز عن استيعاب مبررات الأخرى.

فيرانتي ليست رباعية نابولي فقط

قرأتُ قبل عدة سنوات مقالًا على منصة «ثمانية» بعنوان «عبدالرحمن منيف ليس مدن الملح»، يوضح فيه كاتبه كيف طغى النجاح الباهر لخماسية «مدن الملح» على بقية كتب عبدالرحمن منيف، مما أدى إلى تهميشها وإغفال قيمتها. وكمحبة وعاشقة لمنيف، أؤيد هذه الفكرة تمامًا، وهذا دفعني للبحث عنه أكثر. وهذا ما يسري على إيلينا فيرانتي كذلك، إذ أدى النجاح المذهل لـ«رباعية نابولي» إلى طمس باقي أعمالها، حتى بات البعض يندهش حين يعلم أن لها مؤلفات أخرى لا تقل روعة عن تلك الرباعية.

حين قرأت «أيام الهجران»، تملّكني شعورٌ بالأسى أجبرني على التوقف عن القراءة لأيامٍ لاستعادة توازني؛ فقد جسّدت فيرانتي معاناة امرأة وأمٍّ هجرها زوجها فجأة، وخانها مع فتاةٍ كان يرعاها منذ صغرها. وبين صدمة الخيانة وفداحة الفعل، عاشت «أولقا» أيامًا عصيبة انعكست على نفسيتها وسلوكها وجسدها، وطالت آثارها طفليها. ومع هذا القهر، لم يسعني إلا الانبهار بقوة قلم الكاتبة، وتعجبتُ من عدم نيل هذا الكتاب ما يستحقه من رواجٍ وتوصيات بين القراء.

غلاف «أيام الهجران» 
غلاف «أيام الهجران» 

وحين تُرجم كتاب «الحب المقلق» مؤخرًا، غمرتني حماسة كبيرة لقصته، خاصة لعبارته الاستهلالية التي تتفوّق في نظري على افتتاحية رواية «الغريب» لألبير كامو، إذ تقول: «غرقت أمي في ليلة الثالث والعشرين من شهر مايو، يوم عيد ميلادي». تستفيض الكاتبة بعدها في سرد تفاصيل رحيل والدتها، ثم تنتقل لتصوير علاقتهما المعقدة وما شابها من تناقضات.

غالبًا ما نكتفي عند قراءة كاتبٍ ما بأشهر أعماله، متجاهلين مشروعه الأدبي الكامل الذي يُشكّل أسلوبه الذي يُعرف به مع مرور الوقت. وبعد قراءتي لكل أعمال فيرانتي، أجزم بأنها أصبحت أيقونة من أيقونات الأدب الإيطالي والعالمي.

من الكتاب إلى الشاشة

يُعدّ العمل الأدبي، في نظري، ناجحًا إذا استوفى شروطًا عدّة، أبرزها رغبة صنّاع السينما والدراما في تحويله إلى عمل بصري، إذ من النادر أن يُعجب منتِج بعملٍ إلى هذا الحد. وقد نجحت هذه الرباعية في استيفاء تلك الشروط كافة، واقتُبست تلفزيًّا إلى مسلسلٍ حظي باهتمام واسع ونقدٍ لافت.

وبسبب حبي للرواية، شعرت بتوتر في أثناء متابعتي حلقات المسلسل، خشية أن يعجز صنّاع العمل عن تجسيد مشاعر الشخصيات بالشكل المطلوب. ومع اعتقادي بأنهم أغفلوا بعض الجوانب وركزوا على أخرى، فإن ذلك لا ينفي نجاح المسلسل، الذي يعود لسببين رئيسين: أولهما التزام العمل بالنَّص الأصلي، دون مبالغة في التغيير أو تحريف تفاصيل القصة، فتفوَّق على معظم الاقتباسات الأدبية التي تقع في فخ محاولة التفوق على الأصل بدل تصويره بأمانة.

أما السبب الثاني فكان الاختيار الموفق لطاقم التمثيل، فأكاد أجزم أن «ليلا» التي تخيّلتها في أثناء قراءة الرواية هي ذاتها التي جسّدتها الممثلة جايا جيرازي، وكأنها خُلقت لهذا الدور. ولا شك أن للأداء التمثيلي دورًا جوهريًّا في تحقيق هذا النجاح، إذ جاءت نظرات الممثلتين، وتفاوت طبقات صوتيهما، وأسلوب التفاعل بينهما مطابقًا تمامًا لما وُصف في الرواية.

بين أعمال فيرانتي الأدبية وما اقتُبس منها للشاشة، أتأمل مكانتها الرفيعة في عالم الأدب؛ فقصصها التي تلامس -في نظر كثيرين- سيرتها الذاتية، تتجاوز حدود الوصف في شموليتها وقدرتها على مخاطبة مختلف القراء. كما أقف مبهورةً أمام قوة كاتبةٍ تظل مجهولة وتتوارى خلف اسم مستعار، مستحضرة قولها حين سُئلت عن سرِّ تواريها: «أنا أؤمن بأن الكتب، بمجرد أن تُكتب، لا تعود بحاجة إلى كُتّابها». لقد أثبتت بهذه الكلمات أن غايتها السامية هي تقديم أعمالٍ جريئة وواقعية، تمنح القارئ مساحةً للتخيّل والارتباط بالحكاية وكأنها جزءٌ من تجربته الشخصية، وهو ما نجحت فيه مع الكثير من القراء.. وأنا أوّلهم.


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

أنا أمشي إذن أنا أفكر 🚶

إيمان العزوزي

في كلّ مرّة نفتح فيها رواية جديدة، ثمّة من يبحث عن حكاية تُروى أو شخصيات يتتبّع مصائرها، وثمّة من يبحث عن تلك اللحظة النادرة التي يتوقّف فيها شيء ما في أعماقه، ليشعر بأنّه يرى العالم بنظرةٍ مغايرةٍ تمامًا لما اعتاده. وما يميّز هذا النوع من القراءة أنها تقدّم لنا ما هو مألوف بلغةٍ مختلفة وزاويةٍ لم نختبرها من قبل، فالأدب الحقيقي لا يضيف إلى العالم معلومات جديدة، بقدر ما يعيد صياغة علاقتنا بما نراه يوميًّا، ليجعل المألوف قابلًا للتأمّل من جديد.

وجدت كل هذا في رواية «الخمسة عشر ألف خطوة» للكاتب الإيطالي فيتاليانو تريفيزان، وهي العمل الثاني ضمن «ثلاثية توماس» التي بدأت بـ«عالم رائع» وانتهت بـ«الجسر». صدرت الترجمة العربية للرواية عن دار «بعد البحر»، وهي دار مصرية صغيرة متخصصة في الأدب الإيطالي. ومع محدودية إصداراتها، يظل مشروعها لافتًا لاختياراتها النوعية التي تستحق القراءة، لقد وجدتُ نفسي في حيرة أمام عناوينها قبل أن تستوقفني هذه الرواية.

غلاف «الخمسة عشر ألف خطوة»
غلاف «الخمسة عشر ألف خطوة»

 

ربما لأنها تنتمي إلى الأعمال التي تبدو في ظاهرها بسيطة، بينما تخفي في جوهرها ثقلًا وتعقيدًا، وهذا تحديدًا ما أجده ممتعًا اليوم؛ إذ صرت أميل إلى النصوص التي تُربك القارئ وتدفعه لإعادة التفكير في تفاصيل يومه العادية. لا يتعلق الأمر بالانحياز إلى ذائقة دون أخرى، بل بتحول طبيعي في طريقة التلقي مع النضج والتقدم في العمر، وإن كنت ألاحظ أن عددًا من القرّاء الشباب باتوا يميلون بدورهم إلى هذه الأعمال التي تُربكنا أكثر مما «تُطبطب» علينا.

يبتعد تريفيزان عن السرد الخطي، ويقدم عوضًا عنه تمثيلًا للوعي في حالته القصوى. فالشخصية الرئيسة، «توماس»، ليست شخصية تقليدية تتحرّك داخل حبكة واضحة، فهو يمثل وعيًا منفصلًا عن العالم، يلتفُّ حول نفسه باستمرار، ويحوّل اللغة إلى فضاء وحيد للوجود. وكما في تقاليد السرد الحداثي عند صامويل بيكيت وتوماس برنهارد، تتراجع الحبكة لصالح تداعي الوعي، وتتحوّل الأحداث إلى نقاطٍ ثانوية أمام طغيان الصوت الداخلي للشخصية.

تقوم بنية الرواية على مبدأ واحد وهو المشي. فـ«توماس» يعيش داخل حركةٍ دائمة عبر مدينة فشنزة، لكن هذه الحركة الفيزيائية هي في جوهرها شكلٌ من أشكال التفكير. كل مسافة تُقاس بعدد الخطوات، وكل مسار يُسجَّل بدقةٍ رياضية. من بيته إلى مركز الشرطة، ومن بيته إلى مكتب البريد، ومن بيته إلى أي نقطة أخرى، تتحول المدينة إلى شبكة حسابية مغلقة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا النظام لا يكتمل أبدًا، فعدد خطوات الذهاب لا يساوي عدد خطوات الإياب، وكأن الواقع نفسه يرفض الانضباط.

هذا الفارق البسيط في الحساب هو علامة على خللٍ يميز عالمًا لا يخضع للقياس بالكامل، لأن الواقع غالبًا ما يضيف شيئًا خارج توقعاتنا. من هنا يصبح العدّ نوعًا من المقاومة النفسية، أو آلية دفاع ضد الفوضى والعدم. فكل خطوة يسجلها «توماس» هي محاولة لتثبيت وجود يتآكل باستمرار، وتأجيل لانهيار مؤكد.

البنية الزمنية في الرواية تعزز هذا الاضطراب، فزمن الحكاية يتشكّل من تدفقات داخلية وذكريات متقطعة، غالبًا ما تُستعاد عبر ضمير المتكلم وصيغة «كنت أفكر». يمنح هذا التكرار النص إيقاعه الداخلي ويعكس طبيعة الوعي نفسه؛ وعي لا يتوقف عن إنتاج ذاته، ولا يخرج أبدًا من دائرة التفكير. وهنا يصبح السرد أقرب إلى مونولوج طويل، أو إلى صوت وحيد يتكلم داخل فراغ واسع.

في أحد المقاطع اللافتة، وبينما يتوجه «توماس» لموعدٍ مع كاتب العدل، يستعيد الراوي حكاية أخيه عن لوحة فرانسيس بيكون «ثلاث دراسات للوحة ذاتية». لا يسعنا أمام هذه اللوحة إلا ربطها بالتشظي والتشوه اللذين تعاني منهما الشخصية، فوُجوه بيكون ليست سوى كتلٍ من الألم المشوّه، وهو ما يعكس بدقة رؤية توماس للعالم، عالم لا يظهر إلا من خلال انكساره.

لوحة «ثلاث دراسات للوحة ذاتيّة» 
لوحة «ثلاث دراسات للوحة ذاتيّة» 

إلى جانب هذا البعد النفسي، تقدم الرواية نقدًا للمدينة الحديثة، فالمدينة التي يتحرك فيها «توماس» هي نموذج للضاحية المعاصرة في شمال شرق إيطاليا، حيث تتداخل المناطق الصناعية والسكنية في فضاءٍ واحد غير منظم يعكس تحولات جذرية في العلاقة بين الإنسان والمكان، حيث تلتهم الخرسانة الطبيعة، وتتحول الأرض إلى شبكة من الملكيات الخاصة المغلقة.

في ظل هذه المواجهة بين الإنسان الحديث ومحيطه، يكتسب المشي دلالةً مضاعفة؛ فهو من جهة وسيلةُ البطل للبقاء، حيث تُعدّ الخطوات مواجهةً مع الموت، ومن جهة أخرى محاولةٌ لاستعادة المكان الذي فقد معناه. فتوماس، بوصفه «مشّاءً»، يَعبر محاولًا إعادة قراءة الفضاء عبر جسده، وكأن الحركة هي الشكل الوحيد الممكن للمعرفة.

وهو الوجه المشروع للاحتجاج أيضًا، فحديثه عن المدينة، والسياسة المحلية، والتخطيط العمراني، يتحوّل إلى إدانةٍ لما يسميه «منطق البناء المستمر حتى نفاد المكان». وحين يصبح كل شيء قابلًا للهدم والبناء بلا نهاية، تفقد السياسة معناها، لأن المجال الذي كانت تنظمه قد تلاشى.

يظهر أثر توماس برنهارد جليًّا في كل سطر من هذه الرواية، غير أن تريفيزان لا يحاكيه محاكاةً عمياء، فكتابته «لعبٌ جاد» بالموروث الأدبي الذي يعيد صياغته في لغة خاصة. يقر تريفيزان بهذا التأثر علنًا، بدءًا من تسمية بطل الرواية «توماس»، وصولًا إلى إدراج اسم برنهارد ضمن مراجع النص. وهو يستعير الأسلوب البرنهاردي القائم على التكرار الوسواسي، والجمل الطويلة المتشعبة، ونبرة المناجاة الفردية المفعمة بالبارانويا والسخط، لكنه يتميز بقدرته على تطويع هذه الأدوات وإسقاطها على سياق إيطالي محدد، يتجلى في ضواحي فشنزة بفسادها العمراني، ونفاقها الاجتماعي، واقتصادها المتوحش.

ولعل الفرق الجوهري بينهما، أن شخصيات برنهارد غالبًا ما تكون بغيضة وغير محتملة، في حين تظل شخصيات تريفيزان (توماس/الأخ) مفهومةً بل ومبررة، لأن القارئ يُدرك أن الجنون هنا هو ردٌّ عقلاني على عالم فقد صوابه. فإذا كان برنهارد يكتب انهيار الفرد في مواجهة العبث، فإن تريفيزان يكتب انهيار المكان والذاكرة، مُتخذًا، وهو المولع بالأقنعة، أسلوبَ برنهارد قناعًا يصرخ من خلاله، غاضبًا على إيطاليا المعاصرة.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


من نحن، من يكون كل واحد منا، إن لم يكُن مزيجًا من التجارب والمعلومات والكتب التي قرأناها والأشياء التي تخيلناها؟ كل حياة هي موسوعة، ومكتبة، ومخزن للأشياء، وسلسلة من الأساليب، وكل شيءٍ يمكن إعادة ترتيبه وتدبيره باستمرار بكل طريقة يمكن تصورها.

إيتالو كالفينو

ست وصايا للألفية القادمة


  1. ضمير السيد زينو

تأليف: إيتالو سفيفو/ ترجمة: معاوية عبدالمجيد/ الناشر: أثر

من أحب الروايات الإيطالية إليّ، رواية «ضمير السيد زينو» للكاتب الإيطالي إيتالو سفيفو. صدرت هذه التحفة عام 1923، وما زالت حتى اليوم تدهشني في كل مرة أعود إليها، وكأني أقرؤها للمرة الأولى.

ما يميز هذه الرواية حقًّا شخصيتُها المحورية، «زينو كوزيني»، التاجر الثري من ترييستي الذي قرر الخضوع للتحليل النفسي على يد الدكتور «إس» ليتخلص من إدمانه المزمن على التدخين. لكن سرعان ما يكتشف القارئ أن «زينو» ليس مريضًا عاديًّا، فهو راوٍ «غير موثوق» بامتياز، يمزج بين الحقيقة والخيال، ويقدم لنا رواية ذاتية تثير الشك في كل ما تحكيه.

تُعد البنية السردية لـ«ضمير زينو» من أكثر عناصرها ابتكارًا، إذ لا تتبع الرواية تسلسلًا زمنيًّا، بل تتوزع على فصول موضوعية تستعرض محطاتٍ مفصلية في حياة البطل. يتماهى هذا الأسلوب وطبيعة الذاكرة البشرية التي لا تسير في خطٍّ مستقيم، بل تتحرك عبر تداعيات عفوية، وشظايا متناثرة، وارتدادات نحو الماضي.

ولأن «زينو» راوٍ غير موثوق، فهو يغرق في استطرادات وحذف وتناقضات، سعيًا منه لتبرير أفعاله وإعادة صياغة ماضيه بما يخدم رؤيته الذاتية. ومن هنا، يجد القارئ نفسه مدعوًّا لفك شفرة الحقيقة الكامنة بين السطور، ورصد تناقضات البطل وخداعه لنفسه، فيعيش تجربة تفاعلية ممتعة تتراوح بين التعاطف مع البطل والسخرية منه.

كلما تذكرت الرواية أتذكر أهم مشاهدها، وهو ذلك المشهد المتعلق بعلاقة «زينو» بالتدخين؛ إذ يعلن البطل منذ البداية رغبته في الإقلاع، ويقرر أن يدخن سيجارته الأخيرة، لكن هذه «السيجارة الأخيرة» تتكرر بلا انقطاع، لتغدو رمزًا لعجزه عن تنفيذ قراراته. يتحول التدخين إلى استعارة لخداع الذات وضعف الإنسان أمام الرغبة. فبينما يوهم «زينو» نفسه بقدرته على التحكم في حياته، يظهر عجزه عن السيطرة على عادةٍ بسيطة. وتصبح كل محاولة جديدة للإقلاع مجرد ذريعة لتأجيل القرار، وهو ما يعكس رؤيته، وربما رؤيتنا جميعًا، للوجود: مماطلة دائمة مدعومة بتبريرات تشرعن جموده.

ومع التأثر الواضح بمبادئ فرويد في العمل، فإن سفيفو ينتقد التحليل النفسي. فـ«زينو» يخضع للعلاج على يد الدكتور «إس»، لكن بدلًا من أن يدع نفسه تُحلل بمصداقيى، يستخدم العلاج كلعبة، يروي فيها ما يناسبه. وفي الفصل الأخير، يسخر من معالجه ويشكِّك في فعالية التحليل نفسه.

يبدو أن سفيفو يشير إلى أن العقل البشري معقّد للغاية، بحيث لا يمكن وضعه في قوالب جامدة، وأن التحليل النفسي، مع أنه يقدم أفكارًا مثيرة للاهتمام، يظل غير قادر على تقديم إجابات نهائية للحالة الإنسانية.

أُنهي رواية «ضمير السيد زينو» في كل مرة وأنا أشعر أن سفيفو لم يكتب عن «زينو» فقط، بل عن كل واحدٍ منا. ومع النبوءة الأخيرة التي أطلقها «زينو»، عن الكارثة الكونية التي ستدمر عالمًا مريضًا، أتساءل: من المجنون حقًّا؟ نحن الذين نتمسك بالأوهام، أم «زينو» الذي يفضحها بصراحة ساخرة؟

رواية تستحق بلا شك مكانتها الخالدة في الأدب العالمي، وندين لجيمس جويس بنفض الغبار عنها وترويجها في أوربا، معيدًا الاعتبار لسفيفو الذي نراه أيضًا في صورة ليبولد بلوم الشخصية الرئيسة في عمل جويس «يوليسيس».

  1. اذهب حيث يقودك قلبك

تأليف: سوزانا تامارو/ ترجمة: أماني فوزي حبشي/ الناشر: مدارك

عند قراءة رواية «اذهب حيث يقودك قلبك» لسوزانا تامارو، نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس أسئلتنا حول الحرية والندم وإمكانية الخلاص في خريف العمر. هذه الرواية، التي أحدثت انقسامًا حادًّا بين نقادٍ اتهموها بالميوعة العاطفية، وجماهير احتفت بها واشترت منها ملايين النسخ، تستحق وقفة متأنية تتجاوز هذا الجدل إلى جوهر التجربة الأدبية ذاتها، فربما كان سر نجاحها هو ذاته ما أثار حفيظة النقاد، أي قدرتها على ملامسة الجرح الإنساني بلغة بسيطة، وأسلوب يخاطب القلب قبل العقل.

تدور أحداث الرواية على لسان «أولقا»، وهي امرأة في الثمانين من عمرها تعيش وحيدةً بعد سفر حفيدتها «مارثا» إلى أمريكا فرارًا من كنف عائلتها الخانق. تكتب الجدة رسالة طويلة لا تنوي إرسالها، بل تتركها في منزلها لتجدها الحفيدة عند عودتها في حال رحيلها قبل لقائهما. وفي هذه الرسالة، تستعيد «أولقا» ذكريات العقود الماضية: طفولتها القاسية في «ترييستي»، وزواجها غير السعيد من «أوقستو»، وعلاقتها السرية بالطبيب «إرنستو»، وابنتها «إيلاريا»، وصولًا إلى وفاة هذه الأخيرة تاركةً لها ابنة تولت تربيتها. إنها قصة خياراتٍ تراوحت بين الخطأ والصواب، لتشكل في مجموعها حياةً عاشتها «أولقا» في حالة من الاغتراب عن ذاتها.

تعرّضت الرواية للانتقاد بسبب ميلها إلى البكائية المفرطة، وعدم واقعية الشخصيات في معاناتها المستمرة، إلا أن هذا الحكم قد يكون قاسيًا وغير منصف. فما تقدمه تامارو ليس ميلودراما رخيصة، بل تعرية لآلية انتقال الألم عبر الأجيال، فـ«أولقا» التي حُرِمت من الحب في طفولتها عجزت عن منحه لابنتها، والأخيرة بدورها عجزت عن منحه لابنتها. يكرر كل جيل أخطاء سلفه في قالبٍ مختلف، وكأن العائلة سجنٌ مغلق لا مخرج منه، بينما يأتي فعل الكتابة في الرواية محاولةً لكسر هذا السجن، عبر اعتراف «أولقا» بالحقيقة كاملةً ودون تجميل للمرة الأولى في حياتها.

من ناحية أخرى، يمكن النظر إلى الرواية من منظور الأدب الإيكولوجي أو البيئي، حيث تُستخدم الطبيعة والفضاءات المنزلية كمرايا للحالة النفسية؛ منزل «أولقا» الفارغ، وكلبها باك، وحديقتها التي تعتني بها، كلها عناصر تعكس صراع الإنسان المعاصر مع وحدته. الصمت الذي تعيش فيه الجدة ليس صمت السلام والرضا، هو أيضًا صمت الفراغ والانتظار. العقل البشري يشبه الراديو المعطل، قادرٌ على استقبال القليل فقط من موجات الواقع، في حين تغيب عنه البقية.

ما يجعل الرواية مؤثرة حقًا هو بصيص الأمل الذي يظهر في نهايتها، فـ«أولقا» تكتب وصيةً أخيرة لتقول لحفيدتها شيئًا واحدًا: «أنتِ حرة. أنتِ لست مجبرة على تكرار أخطائي. أنتِ تستطيعين أن تذهبي حيث يقودك قلبك، لأن العقل وحده لم يكن كافيًا لأيٍّ منا». هذه الرسالة هي التي جعلت ملايين القراء يبكون على صفحات هذه الرواية الصغيرة، لأنها تتحدث عن أمنية كل إنسان، عن رغبتنا في كسر حلقة الألم في حياته، وأن يعيش أخيرًا وفقًا لما يمليه قلبه، قبل فوات الأوان.

  1. مهنة العيش

تأليف: تشيزاري بافيزي/ ترجمة: عباس المفرجي/ الناشر: المدى

كان مدخلي إلى قراءة أعمال تشيزاري بافيزي بيتًا شعريًّا قرأته ضمن مجموعة شعريّة جمعَتها وحرَّرَتها جمانة حداد للشعراء الذين انتهى بهم الحال إلى الانتحار، وعنونَته بالبيت نفسه: «سيأتي الموت ويكون له عيناك». ومنه دخلت إلى عالم كاتبٍ ذي قلم فريد، غاية في السوداوية، لكنه ملحٌّ في دفع قارئه نحو الأدب بوصفه الملاذ الأخير لرفع سقف آمالنا في عالم يبدو، في كثيرٍ من الأحيان، ميؤوسًا منه.

غالبًا ما نطرح على أنفسنا السؤال: لماذا يعيش معظم العباقرة في المعاناة ويتغنّون بها؟ ولماذا تبدو الكتابة لدى بعضهم مرتبطة بالألم أكثر من ارتباطها بالبهجة؟ يجيب بافيزي عن هذه الأسئلة، أو على الأقل يقترب منها، في كتابه «مهنة العيش»، وهي يوميات دوّنها على امتداد خمسة عشر عامًا من حياته، حتى أيام قليلة قبل انتحاره سنة 1950.

لا يقدِّم الكتاب يومياتٍ بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فهو لا يشاركنا تفاصيل يومه ولا يسرد ما يمر به من الأحداث، بل هو أشبه بمونولوج داخلي طويل يكشف للقارئ مسار فكر الكاتب وصراعه المستمر مع ذاته. نجد بين صفحاته تأملات في الأدب والفن والكتابة، وأسئلة وجودية حول الوحدة والحب والنجاح والموت. كان بافيزي ينظر إلى الأدب على أنه محاولة دائمة لفهم العالم وفهم النفس، لكنه كان يدرك حدود هذه المحاولة وعجزها عن إنقاذ الإنسان من ضعفه وهوانه.

ما يميز الكتاب الصدقُ القاسي الذي يواجه به الكاتب نفسه، فهو لا يخفي تناقضاته ولا نقاط ضعفه، بل يعرضها كما هي، متنقلًا بين لحظات من السمو الفكري وأخرى من اليأس والإحباط. نراه مفكرًا لامعًا حينًا، ومراهقًا عاطفيًّا ضائعًا حينًا آخر، يبحث باستمرار عن معنى لحياته وعن اعتراف الآخرين بقيمته، دون أن يجد الطمأنينة التي ينشدها.

ومع ذلك، فإن قيمة «مهنة العيش» لا تكمن فقط في كشفها لنزعة بافيزي الواضحة إلى تدمير الذات -وهي النزعة التي قاومها طويلًا بشجاعة لافتة- ولكن في قدرتها على التعبير عن واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وكونية: العزلة الوجودية. ففي هذه الصفحات يرسم الكاتب بدقة ذلك التناقض الذي يرافق الإنسان في رحلته مع نفسه، إذ نشعر أحيانًا بلذة الانفراد بذواتنا، ثم لا يلبث أن يتسلَّل إلينا السأم من هذا الانفراد نفسه. نظل نبحث عن انعكاس صورتنا في عيون الآخرين وعن معنى جديد في التجارب التي نخوضها، بينما نتطلع في الوقت ذاته إلى امتلاك ما نظنه ينقصنا عندهم. وبين الرغبة في أن نكون أنفسنا بحرية كاملة، والحاجة إلى الإيمان بأن لحياتنا معنًى خاصًّا أو قدرًا مرسومًا، يتأرجح الإنسان باستمرار. وهذه هي قوة هذا الكتاب.

هذا الكتاب لا يُقرأ بعين القارئ الباحث عن البهجة، فلن يوصلك لذلك، اقرأه بعين من يرغب في تغيير هذه الحياة وتطويعها، اقرأه بعين المحارب.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+20 متابع في آخر 7 أيام