بيتر دينكلاج والانتصار على النمطية


من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

بيتر دينكلاج والانتصار على النمطية

علي حمدون

من ذاكرة طفولتي المضببة، الأشبه بلوحات آن ماجيل: محلٌّ لبيع الذرة كان يأخذني إليه والدي، يسمى «الذرة العملاق». جميع العاملين فيه وُظِّفوا بلغة التضاد، أي كلهم مصابون بداء التقزم!

محلٌّ يعج بلفيف من أطفال يشبهونني، قادمين من عالم «سنوايت والأقزام السبعة»، المندهشين من الرجال الصغار الذين يغذّون خطاهم بسرعة بطيئة. وبخجل أقولها: مضحكة!

أتذكّر موظفًا بعينه، كان يمثل حالةً إنسانيةً كاسدة، تجسد العزلة القهرية لرجل يرفض تنميطه، ويرفض أن يبادلني الابتسامة، ويرفض نظرات المترقبين منه حركةً بهلوانية.

كأني حين أستحضر المشهد، أجد الأمر أشبه بدخول هاري بوتر إلى بنك «قرينقوتس»، حيث الأقزام القوبلن يرمقونه بنظراتٍ إقصائية حذرة، ولعل حتى هذا التشبيه نابعٌ من تشوّه سينمائي رسخته الأفلام في وعينا الجمعي، إذ كثيرًا ما يُقدّم المصابون بداء التقزم أو الفئات المختلفة على أنهم مادة للرفض أو للفكاهة، أو لكل ما ينفصل بصفاته عن الناس «طبيعيّي الطول». لم أَعِ ضيقَ فسحةِ عيشهم إلا بعد سنواتٍ من نظرةٍ دُجِّنّا بها بفعل السينما والسيرك وغيرهما من أدوات الترويض الجماهيري. فالسينما في رسائلها التوتولوجية كانت، ولا تزال، إحدى أكثر أدوات التدجين أثرًا، إذ تنتقل صورها من الشاشة إلى الفضاء العام، وتتحول الشخصية المتخيلة إلى مرجعٍ يُقاس عليه الإنسان الحقيقي. 

لم أفهم آنذاك أن عبوس ذلك الموظف لم يكُن موجّهًا إليّ، بل إلى الدور الذي فُرض عليه بسبب جسده، الصراع ذاته الذي ستجسده لاحقًا مسيرة الفنان بيتر دينكلاج، الذي كسر قوالب التنميط وانتزع أدوارًا لم تُكتب لأمثاله، في خطوةٍ رأى فيها بعض أقرانه رفعًا لسقف التحدي عليهم؛ لأنه كان من بين أولئك الذين نبذوا قصة «سنوايت» وأطلقوا هديرهم الجمعي ضدها، إذ لم تواكب تطورًا داروينيًّا يناسب مرحلة الوعي الإنساني الحالية، بل حضرت بفكرة مؤممة، مرتبطة بقشورية الطفولة، عن سبعة أقزام لا يملكون أدنى أطماع للاحتفاظ بـ«سنوايت»، ولا حتى أن يحلم أحدهم بها على أقل اعتبار، فضلًا عن قولبة المصابين بداء التقزم في النسخ الحيّة، في وقتٍ تشير فيه دراسات إلى أن الممثلين المصابين بداء التقزم لا يستطيعون خلع الأثر الاجتماعي لتلك الأدوار بعد انتهاء العرض كما يخلعون أزياءهم، فيستمر كثيرون في معاملتهم وفق الشخصية التي جسّدوها لا وفق حقيقتهم، حتى طال تأثير بيتر استوديوهات «ديزني» التي فضّلت، تحت وطأة الضغط الذي قاده، الاستعانةَ بتقنية (CGI) لتجسيد الأقزام رقميًّا بدلًا من تمثيلهم واقعيًّا، بما معناه: «أَفَوق ضآلة حظوظهم في التمثيل يقف الاعتراض على تنميطهم عائقًا جديدًا أمامهم؟»

وهذا ما صرّح به نجم (WWE) السابق المصارع هورنسووجل، المصاب بداء التقزم، حين هاجم بيتر موجّهًا إليه سيلًا من الشتائم، متهمًا إياه بالتسبب في قطع أرزاق كثير من زملائه، بعدما حرمهم فرص العمل ومصادر الدخل إثر النجاح والثروة اللذين حققهما لنفسه. 

ويجسّد هذا الاتهام ما يُعرف في العلوم الاجتماعية بمفهوم «سحب السلم بعد الصعود» (Pulling Up the Ladder)، أي أن شخصًا يستفيد من طريقٍ أو نظامٍ ما حتى يبلغ المكانة التي يريدها، ثم يسعى إلى إغلاق ذلك الطريق أو الحدّ من استفادة الآخرين منه. ويرى منتقدو بيتر أن هذا ما فعله، إذ وافق في بداية مسيرته على أداء الأدوار التي تؤطّر المصابين بالتقزم، ثم عارضها لاحقًا بعد أن رسّخ مكانته في هوليوود، وهو ما انعكس -بحسب رأيهم- على فرص غيره من الممثلين. 

وبالحقيقة، يمكن القول إن بيتر دخل هوليوود بحيلة طروادية، ممرّرًا فكرة التغيير في بدايات ظهوره السينمائي، حين وقف في فِلمه «Living in Oblivion»، الصادر عام ،1996 ممثلًا ومعترضًا في آن، مرتديًا بذلةً مبهرجةً فاقعةَ اللون. محاججًا المخرج الذي أراده أن يؤدي دور قزمٍ يظهر في حلمٍ سريالي بلا معنى، يحوم فيه حول البطلة كسلوك الطاحونة، وهي ترتدي فستان زفافها، وبيده تفاحة، فيرفض الفكرة ساخرًا من الطريقة التي تُقحَم فيها الأقزام كرموزٍ بصرية لا ضرورة لها بقوله: «هل سبق أن راودك حلم غريب فيه قزم؟»

في ذلك المشهد، بدا بيتر دينكلاج وكأنه يبقر بطن الفن السابع مخرجًا قيح ابتذاله، وكان ما قدّمه ليس سوى تمثيلٍ لخيبته الواقعية؛ ليعزف لاحقًا معزوفة حزنٍ تُعبّر عن ذاته، كما لو أنه يستكمل فِلمه الرائع «The Station Agent»، الصادر عام 2003، وكان سيرةً ذاتية عن بطلٍ مهمَّش. إذ قدّم هنا نسخةً أكثر نضجًا من ذاته المحبطة بعد تجارب أداءٍ لم تُنصفه. يؤدّي دور «فنبار»، وهو رجل قصير القامة، متقوقع على ذاته، وإن صحّ الوصف، «مُتقنفذ»، بسبب دفاعيّته. يقرّر «فنبار» العيش في محطة قطاراتٍ مهجورة ورثها بعد وفاة صديقه الوحيد الذي تعلّقت حياته به.

وهنا تمامًا تتجلّى فكرة الهيتروتوبيا (الانتباذ الفضائي) فضاءً يعمل بمعزلٍ عن تأثير الظروف، تتكوّن فيه عزلةُ الفرد وعلاقته بالعالم؛ حيث نشاهد البطل يجسدها وهو يتسكّع في الحانات بهيئة الرجل الفائض عن حاجة الكون، يمشي على شرايين السكك الحديدية بصمتٍ ثقيلٍ تخشاه وساوسه، وبعض من حوله يراه مادةً للتهكّم، وآخرون يتجاهلونه تمامًا، وكأنه يجسّد ما انتهت إليه دراساتٌ طبية واجتماعية عن المصابين بداء التقزم، إذ أظهرت أن أكثر من 90% منهم تعرّضوا للتحديق أو الإشارة بالأصابع، فيما تلقّى 77% منهم إهاناتٍ لفظية. 

وقد كان الفِلم، كما وصفته مراجعاتٌ أمريكيةٌ عديدة، رمزًا للهشاشة الإنسانية التي تبحث عن كرامتها في عالمٍ لا يرى سوى القامة قبل الروح.

ويقول الناقد روجر ايبرت عن الفِلم وأداء بيتر: «درسٌ في الإنسانية والذوق، إذ يذكّرنا كم من الناس يبلغون سن الرشد دون أن يتعلموا كيف ينظرون إلى شخصٍ مختلف من دون أن يعلّقوا على اختلافه. وفي أحد المشاهد البارزة في الحانة، يواجه "فِنبار" السخرية العلنية من الحضور، فيقف على الطاولة صارخًا في ثالبيه: “ها أنا ذا! انظروا جيدًا!” تلك اللحظة التي يدرك فيها المشاهد أنه لا سبب على الإطلاق يمنع بيتر دينكلاج من أن يؤدي دور ويليام والاس في بريف هارت.»

وهذا ما حصل فعلًا، فقد حظي بيتر لاحقًا بأدوارٍ لم تتطرق بتاتًا إلى قصر قامته وهذا هو الجميل في سيرة بيتر دينكلاج هو تصاعدها، رغم ما اعتراها من تذبذبٍ وتقاطعٍ بين الذات والدور، وتغلّبه على العدسة البروكرستية التي حاولت اختزاله في قصره؛ فارتفع بفنّه فوق مقاييس الجسد، حتى غدت قامته الفكرية أطول من كل ما أرادوا أن يقيسوه به.

ويمكن عد توظيف الشخصية الخليجية مثالًا آخر على الاختزال، فكثيرًا ما أُسيء توظيفها حتى في الأعمال العربية نفسها، فحوصرت داخل قوالب سطحية لا تمثّل عمقها الإنساني والثقافي، والحاجة إلى أن تُرى بماهيتها، كما تحرّر بيتر من قيود جسده. 

أختم هذا المقال بعبارة وردت على لسان بطل رواية «القزم» للروائي السويدي بار لاقركفيست، الصادرة عام 1944، وهي رواية كُتبت في زمنٍ كان فيه إرثٌ طويل من استغلال المصابين بداء التقزم في الترفيه؛ فمنذ قرون استُخدموا في البلاطات الملكية، وعروض «الغرائب» الفيكتورية، والسيرك. في هذا السياق، كان بطل الرواية يعمل في بلاط الأمير، يشبه «تيرون» من مسلسل «Game of Thrones» في دهائه وخلقه للمكائد، ويتأمل من برجه مدينةً رابضةً تحت قدميه، يراقبها بعينٍ تمتلئ احتقارًا وحنقًا. وقد أدرك أن ما يُرعب الناس منه ليس قصر قامته، بل القزم الكامن في داخلهم. قال في أثناء انتقامه: «يا مُخلِّصَ الأقزام… فلتلتهم نارُك العالمَ أجمع!»

وكما التهم بطلُ لاقركفيست عالمه بناره، التهم بيتر دينكلاج الوسط بموهبته الفذّة، مُجسِّدًا فكرة: العظمة تُقاس بمدى اتساع الأثر. ذلك الأثر الذي يذكّرنا بأن السينما تمتلك القدرة على أن تكون فضاءً للمقاومة الثقافية، تتحدى السرديات السائدة، وتفسح المجال لأصواتٍ جديدة.


لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅

«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل

أمثل قبل وصولها للمستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


Saw» (2003)»
Saw» (2003)»

📽️ في دور السينما والمنصات الرقمية

  • يُعرض اليوم فِلم الأبطال الخارقين «Spider-Man: Brand New Day»، حيث يعيش «بيتر باركر» حياةً منعزلة ويكرّس وقته بالكامل لدوره «الرجل العنكبوت»، قبل أن تدفعه الضغوط المتزايدة إلى مواجهة تحول خطير وظهور عدوٍّ جديد يهدد كل ما تبقى له.

  • وعلى «Prime Video» يُعرض فِلم الرعب والإثارة «The Devil's Mouth»، الذي يتابع خمسة أصدقاء تنقلب رحلتهم في تايلاند إلى كابوس بعد احتجازهم داخل كهوف مغمورة بالمياه، بينما يطاردهم مفترس قاتل في سباق مع الزمن للبقاء على قيد الحياة.

  • وعلى «Netflix» يُعرض المسلسل المحدود «The Bombing of Pan Am 103»، المستند إلى قصة حقيقية عن تفجير رحلة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988، ويتناول تعاون الشرطة الأسكتلندية وجهات إنفاذ القانون الأمريكية في التحقيق، إلى جانب رحلة عائلات الضحايا بحثًا عن العدالة.

  • ويُعرض غدًا على «Prime Video» الموسم الثاني من مسلسل الأنيميشن «Batman: Caped Crusader»، حيث يتحد باتمان وحلفاؤه لتفكيك إمبراطورية زعيم الجريمة «روبرت ثورن»، لكن محاولتهم إسقاطه تفرض عليهم ثمنًا باهظًا.

 📰 أخبار وإعلانات سينمائية

  • أطلقت شركة «Amazon MGM Studios» الإعلان التشويقي الأول لفِلم السرقة والرومانسية «The Thomas Crown Affair»، من إخراج وبطولة مايكل بي جوردان، على أن يُطرح في دور السينما يوم 5 مارس 2027. يعيد الفِلم تقديم قصة اللص الثري «توماس كراون»، الذي يدخل في علاقة مع محققة تأمين تتولى تعقب سلسلة من سرقاته الفنية، ويشارك في البطولة أدريا أرخونا وكينيث براناه وليلي قلادستون وداناي قوريرا.

  • أعلنت «Netflix» عن فِلم الكوميديا «Women Like Us»، بطولة ووبي قولدبرق وجينيفر لويس وفانيسا ويليامز وفيفيكا إيه فوكس، ومن إخراج تاشا سميث، على أن يبدأ تصويره هذا الخريف في نيويورك. وتدور أحداث الفِلم حول أرملة تقضي عطلة نهاية أسبوع مع شقيقتها وصديقاتها المقربات، لتتحول الرحلة إلى مواجهة مع الحزن والصداقة والأحلام المؤجلة، فيما يُنتج العمل استوديو «Higher Ground» التابع لباراك وميشيل أوباما، بالتعاون مع «Macro Film Studios».

  • اختار مهرجان لندن السينمائي فِلم الدراما والسيرة الذاتية  «Elsinore» لافتتاح دورته السبعين، حيث يشهد عرضه الأوربي الأول يوم 7 أكتوبر. ويؤدي أندرو سكوت بطولة الفِلم، الذي يروي القصة الحقيقية للممثل الأسكتلندي إيان تشارلسون في أثناء استعداده لتقديم دور هاملت على خشبة المسرح الوطني في لندن. ويشارك في البطولة أوليفيا كولمان وبيلي بايبر وجوني فلين، بينما يتولى إخراجه سايمون ستون.

  • انضمت جينيفر أنيستون وبيتر دينكلاج إلى بطولة فِلم الكوميديا «Naughty»، من إخراج أوليفيا وايلد، الذي يُطرح في دور السينما يوم 5 نوفمبر 2027. تدور أحداث الفِلم حول أم عزباء تلجأ إلى سانتا كلوز ليشهد لصالحها في قضية حضانة ابنها. يجسد دينكلاج شخصية سانتا، ويستند السيناريو إلى نصٍّ أصلي من تأليف جيمي واردن، كاتب «Cocaine Bear».

  • أطلقت «Apple TV+» الإعلان التشويقي للموسم الرابع من مسلسل الكوميديا «Ted Lasso»، الذي يُعرض ابتداءً من 5 أغسطس. ويشهد الموسم عودة جيسون سوديكيس بدور المدرب «تيد»، الذي يواجه تحديًا جديدًا بتولي تدريب فريق كرة قدم نسائي. ويشهد المسلسل عودة هانا وادينقهام وجونو تمبل وبريت قولدستاين، وعدد من نجوم المواسم السابقة.

  • أطلقت شركة «Paramount Pictures» الإعلان التشويقي الأول لفِلم الفانتازيا «Children of Blood and Bone»، المُقتبس من الرواية الأكثر مبيعًا للكاتبة تومي أدييمي. يُطرح الفِلم في دور السينما يوم 15 يناير 2027، وتدور أحداثه في مملكة خيالية تسعى فيها شابة لاستعادة السحر المسلوب من شعبها. يشارك في البطولة دامسون إدريس وثوسو مبيدو وسينثيا إريفو وفيولا ديفيس وتشيويتل إيجيوفور، ومن إخراج جينا برينس-بيثوود.

  • أطلقت شركة «Sony Pictures» الإعلان التشويقي الأول لفِلم المغامرات والكوميديا «Jumanji: Open World»، الذي يُعيد دواين جونسون وكيفن هارت وجاك بلاك وكارين جيلان إلى بطولة الجزء الثالث والأخير من السلسلة. ويتولى إخراج الفِلم جيك كاسدان. وسيُطرح في دور السينما يوم 25 ديسمبر 2026، ليستكمل مغامرة الشخصيات في عالم «جومانجي».


«وقفة» تحتفي بحضورك! ✨

مقعدك ينتظرك في مساء الرابع والعشرين من يوليو، يجتمع في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض من آمنوا بأن التغيير يصنعه الأدب؛ لتكريمهم والاحتفاء بما صنعوه🤝

«سجّل الآن»


«Sophia So Far» (4:19)

Curfew
Curfew

كان شون كريستنسن، قبل أن يتجه إلى الإخراج، مغنيًا وكاتب أغانٍ، وقائد فرقة الروك المستقلة «Stellastarr»، إلى جانب مشروعه الموسيقي «Goodnight Radio». وفي عام 2012 قدّم فِلمه القصير «Curfew»، الذي فاز لاحقًا بجائزة الأوسكار عن أفضل فِلم قصير، قبل أن يوسّعه إلى الفِلم الروائي «Before I Disappear» بعد عامين. ويروي الفِلم قصة «ريتشي»، الذي يجد في قضاء يوم مع ابنة شقيقته الصغيرة «صوفيا» فرصةً تعيد إليه رغبته في الحياة.

بعد الانتهاء من تصوير الفِلم القصير، واجه كريستنسن مشكلةً كادت تطيح بأحد أهم مشاهده. فقد صوّر مشهد رقص «صوفيا» في صالة البولينق على أنغام أغنية محددة، لكنه قبل الانتهاء من الفِلم اكتشف أنه لم يتمكن من الحصول على حقوق استخدامها. حاول إيجاد بديل، إلا أن كل أغنية كان يستمع إليها تُذكّره بالأغنية الأصلية التي بُني عليها المشهد. عندها اقترح عليه أحد أصدقائه أن يستفيد من خلفيته الموسيقية ويكتب الأغنية بنفسه، خاصةً أنه كان يعمل في الأساس مغنيًا وكاتب أغانٍ قبل دخوله عالم الإخراج.

أصبح كريستنسن أمام تحدٍّ غير متوقع؛ تأليف أغنية جديدة تتناغم مع مشهد رقص صُوِّر مسبقًا على أغنية مختلفة. وزادت المهمة صعوبةًرغبتُه في أن تبدو الأغنية مقنعة لطفلة في التاسعة من عمرها، وأن تنتمي إلى عالمها البسيط والمرح. لذلك كتب ولحّن الأغنية بروح موسيقا الإندي روك، بعيدًا عن الضخامة الأوركسترالية المعتادة في الموسيقا السينمائية.

لكن ما بدأ كحلٍّ لمشكلة إنتاجية، تحوّل لاحقًا إلى أحد أكثر العناصر ارتباطًا بالفِلم. فبعد النجاح الذي حققه «Curfew»، بدأ الجمهور يتساءل عن الأغنية ويطالب بإصدارها كاملة، فعاد كريستنسن إليها، وكتب لها كلمات جديدة، وطوّر لحنها، وسجلها رسميٍّا تحت مشروعه الموسيقي «Goodnight Radio»، لتصدر لاحقًا أغنيةً مستقلة.

مقطوعة «Sophia So Far»

تظهر في المشهد الذي تصطحب فيه «صوفيا» عمها «ريتشي» إلى صالة البولينق. وما إن تبدأ الأغنية حتى يتغير العالم من حولهما؛ يتوقف الزبائن عن اللعب، وتتحول الصالة إلى عرض راقص نابض بالحياة، وكأنها تمنح المشاهد فرصة لرؤية العالم بعيني «صوفيا» لا بعيني «ريتشي». يضفي اللحن، بإيقاعه الخفيف وجيتاراته المشرقة، على المشهد إحساسًا بالبهجة والحرية والبراءة يتناقضان مع الحالة النفسية المنهارة للبطل. وهكذا تتحول الأغنية إلى تجسيدٍ سمعي للأمل الذي تحاول «صوفيا» أن تعيده إلى رجل فقد رغبته في الحياة.

عهود أبو خيرة


انتهى البث؟ تابع الملخص 🎮

هل كنت تستمتع بمشاهدة أخيك الكبير وهو يلعب؟ تراقب محاولاته للفوز، وتتحمس في كل لحظة حماسية أو فاجعة. أغلبنا مرّ بهذه المرحلة في طفولته، سواء أكان مشاهدًا أم لاعبًا محاطًا بالمشاهدين.

ومع تطور الإنترنت، اتسعت تجربة مشاهدة اللعب حتى بات المؤثرون يوثّقون تختيماتهم على مرأى من الألوف، فتتابعهم بحماس، تترقب تصرفاتهم في المواقف الحاسمة، وتضحك على تعليقاتهم وتعيش الأجواء معهم.

والآن يمكنك عيش هذا الجو مع ثمانية! أطلقنا برنامج «الحاصل في البثوث»، أحد برامج «ألعاب ثمانية»، يلخص لك أبرز أحداث بثوث اللاعبين وصناع المحتوى كل أسبوع، مع مساحة للتفاعل معها والرجوع إليها متى أردت.

تابع «الحاصل في البثوث» على قناة «ألعاب ثمانية».


فِلم «Lights Out»
فِلم «Lights Out»

اليوم نقول أكشن مع الفِلم القصير «Lights Out»، إخراج ديفيد إف. ساندبرق.

تدور أحداث الفِلم حول امرأة تستعد لإطفاء أنوار منزلها قبل النوم، لكنها تلاحظ مع كل إطفاءة ظلّ كائنٍ غامض يقف في نهاية الممر. تعيد تشغيل الضوء فيختفي الكائن، ثم تطفئه مجددًا ليعود وقد اقترب أكثر.

تكمن عبقرية المشهد في أن مفتاح الإضاءة يتحول إلى أداة مونتاج؛ فكل ضغطة على المفتاح تعمل كأنها قطع سينمائي (Cut) ينقلنا بين صورتين مختلفتين للمكان نفسه. ويستغل ساندبرق هذا القطع بإيقاعٍ متكرر، حتى يعتاد المشاهد هذا النمط ويثق به، قبل أن ينقلب عليه تدريجيًّا مع كل ظهور جديد للظل، فيتصاعد التوتر مع تقلص المسافة بينه وبين الضحية.

وتتجاوز الإضاءة هنا وظيفتها التقليدية في كشف الصورة، لتصبح جزءًا من قواعد العالم الذي يبنيه الفِلم. فمنذ اللحظات الأولى يستند ساندبرق إلى خوفٍ فطري يعرفه معظم البشر: الخوف من الظلام. ويعزز هذا الإحساس بتكوين كادرٍ بسيط يعتمد على ممر طويل يترك فراغًا بصريًّا واسعًا، يدفع عين المشاهد إلى ترقب ما قد يظهر في عمقه مع كل إطفاءة.

تكمن قوة المشهد في استغلال خوفٍ فطري موجود أصلًا، ثم إعادة تشكيله. فبعد أن يقنع المشاهد بأن الضوء هو الحماية الوحيدة، يصبح مجرد التفكير في إطفاء المفتاح مصدرًا للتوتر. وهنا يتحول الخوف من الظلام، وهو خوف يعرفه الجميع، إلى قاعدة سينمائية يتحكّم بها المخرج، فيجعل المُشاهد يترقّب الضغطة التالية على مفتاح الإضاءة أكثر من ترقبه لظهور الوحش نفسه. لكن هذا الاطمئنان لا يدوم طويلًا؛ إذ يكسر ساندبرق القاعدة التي بناها بنفسه عندما يظهر الكائن في الضوء أيضًا. هنا تكمن الصدمة في انهيار الإحساس بالأمان الذي أقنع الفِلم المشاهد به منذ البداية.

حقّق «Lights Out» انتشارًا واسعًا على الإنترنت بفضل هذه الفكرة البسيطة، ما لفت أنظار المنتجين ودفعهم إلى تحويله بعد ثلاث سنوات إلى فِلمٍ روائيٍّ طويل حمل الاسم نفسه، مع احتفاظ ديفيد إف. ساندبرق بإخراجه. وهكذا أثبت الفِلم أن أكثر أفكار الرعب فاعلية قد تكون أبسطها؛ فمفتاح إضاءةٍ واحد كان كافيًا لصنع عالم كامل من التوتر.

عهود أبو خيرة


خلف كل مُخرج كبير تاريخ طويل من القراءة والاطّلاع،

وخلف كل فيلم عظيم تراكم معرفي مُستمد من القراءة والكتب.

اكتشف ذلك في «مكتبة سينماء» على منصة «سينماء».


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

في عام 2012، كان لدى مخرج شاب سيناريو يؤمن به، لكنه كلما عرضه على المنتجين كان يصطدم بالرفض. إذ لم يكُن أحد مقتنعًا بأن قصة «عازف طبول» يمكن أن تجذب الجمهور أو تحقق نجاحًا تجاريًّا. وبعد أشهر من المحاولات، اقترح أحد المنتجين على المخرج فكرة مختلفة، حول اختيار مشهد من النص وتصويره وعرضه على المنتجين بهدف اقناعهم.

واقتنع المخرج بالفكرة، وصوّر فِلمًا قصيرًا مدته 18 دقيقة عن عازف طبول شاب يدخل في مواجهة نفسية قاسية مع مدرب موسيقي لا يعترف إلا بالكمال. ثم عرضه في مهرجان «صندانس». وفاز الفِلم بجائزة لجنة التحكيم، ولم يمضِ عام واحد حتى عاد المشروع نفسه إلى المهرجان، لكن هذه المرة كفِلم طويل افتتح المهرجان، ثم حصد ثلاث جوائز أوسكار.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Whiplash»:

  • استوحى المخرج داميان شازيل القصة من تجربته الشخصية عندما كان يعزف الطبول في فرقة جاز خلال المرحلة الثانوية، ووصف تلك الفترة بأنها كانت ممتلئة بالضغط والخوف من الفشل. 

  • جسّد جي كي سيمونز شخصية المدرّس «فليتشر» في الفِلم القصير، ثم عاد لأداء الدور نفسه في الفِلم الطويل، وهو الدور الذي منحه لاحقًا جائزة الأوسكار عن أفضل ممثل مساعد. 

  • لم يُذكر اسم المدرّس «فليتشر» ولو مرة واحدة في الفِلم القصير، رغم أنه الشخصية المحورية فيه. 

  • إحدى الجمل الشهيرة التي يقولها «فليتشر» في الفِلم الطويل لم تُسجّل من جديد. إذ شعر جي كي سيمونز لاحقًا أنها مبالغ فيها ورفض إعادة أدائها، فاستعان داميان شازيل بالتسجيل الصوتي الأصلي من الفِلم القصير وأدرجه في النسخة الطويلة في أثناء التحرير.

  • بطل الفِلم القصير كان جوني سيمونز، لأن مايلز تيلر -الممثل الأساسي لدور البطولة- لم يكُن متاحًا وقت تصوير النسخة القصيرة. وعندما بدأ إنتاج الفِلم الطويل، عاد المخرج واختار تيلر للدور مرة أخرى. 

  • بعد نجاح الفِلم الطويل، أصبح «Whiplash» من أشهر الأمثلة في هوليوود على استخدام الفِلم القصير بوصفه «إثباتًا للمفهوم» (Proof of Concept)؛ أي نموذجًا عمليًّا لإقناع المنتجين بتمويل فِلم طويل، وأصبح يُستشهد به كثيرًا في صناعة السينما كمثال على هذه الاستراتيجية.

عبدالعزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+20 متابع في آخر 7 أيام