الرهان المستقبلي الوحيد الذي تحتاج إليه السعودية
النفط الجديد قد يكون رهانًا بمنطق النفط أو منهجيته؛ منهجيةٍ مخالفة للسائد، تبحث عن المستقبل أينما يمكن حدوثه.
يشهد التاريخ أن البشر كلَّما حققوا تقدُّمًا علميًّا يقوِّي قدراتهم في أي مجال، كان تسابق الجميع إلى تلك القدرة حتميًّا مهما كانت المآلات الأخلاقية والإنسانية لها. وتطوُّر القدرات العسكرية عبر التاريخ أبلغ مثال على ذلك، فـ«القدرة العسكرية» ليست في حقيقتها إلا القدرة على قتل الآخر للتفوُّق عليه وردعه.
ولعلَّ في ذلك إجابةً عمَّن يدعو إلى تقييد قدرات الذكاء الاصطناعي بحجة مآلاته الممكنة على البشر وبقائهم. مثلًا دعت أنثروبيك إلى آلية تعاون عالمية لضبط إنتاج أقوى المعامل البحثية لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بحيث تُراعى المصلحة البشرية على المدى الطويل. ببساطة هذا الأمر غير ممكن، حتى وإن كان ضروريًّا وملحًّا.
وفي «نظرية اللعبة» توصيف لذلك، وهو «معضلة السجين»، حيث يخون كلُّ طرف الآخر لاعتقاده أن الآخر سيفكِّر في الأمر ذاته ويخونه، وبذلك ينتهي النظام إلى خيانة مشتركة، وهو سباق التسلُّح في هذه الحالة، مع أن التعاون الجماعي سيكون المسار الأفضل لجميع الأطراف.
ولكن ربما يُقبل البشر على سباق أخطر من أي سباق قبله، وهو سباق القدرات البيولوجية التي تمكِّن الانتقاء الجيني للأجنة، بما يمنح القدرة على تحسين القدرات الذهنية كالذكاء مثلًا.
في هذا العدد، يكتب عبدالإله الرشيد عن هذا السباق، وسياقه، ومآلاته، وما يمكن أن نفعله فيه.
قراءة ماتعة!
عمر العمران


الرهان المستقبلي الوحيد الذي تحتاج إليه السعودية
عبدالإله الرشيد
«شركة هيوماين ستكون بمستوى أهمية أرامكو في السعودية.» هكذا صرح الرئيس التنفيذي لشركة هيوماين، مستدعيًا بذلك أسئلة تتكرر في النقاشات الاقتصادية حول «النفط الجديد» (New oil): ماهيته؟ وكيف يمكن العثور عليه؟ وهل ستكون هيوماين (النفط الجديد) بمستوى أرامكو؟
قد يُحتمل ذلك، وربما تتحول إلى ثقل مركزي واستراتيجي في الاقتصاد. لكن مع ذلك، مقارنتها بأرامكو تحمل قدرًا من الالتباس. أميل إلى أنه على الأرجح لن يكون هناك نفط جديد أو أرامكو جديدة بالضرورة، مثلما لن يكون هناك قوقل جديد (حتى وإن أتى ما هو أفضل منه)، وكما لن تكون هناك شركة الهند الشرقية القادمة أو تجارة اللؤلؤ القادمة في الخليج!
التقدم الفعلي يبدأ حين يصنع الأفراد والمؤسسات شيئًا مبتكرًا لم يُسبَقوا إليه. يقول المستثمر الأبرز في وادي السيلكون، بيتر ثيل: «إن المستقبل من نصيب من يبنون حلولًا مبتكرة، وليس من يعيدون إنتاج النماذج الجاهزة.»
نميل إلى أن نفرط في التفكير في «النفط الجديد» داخل نطاق السائد وإطاره، ومن خلال انحيازٍ إلى الحاضر، حيث نبحث عن رهان مستقبلي في مساحة من داخل نطاق «نافذة أوفرتون» (Overton Window)، أي ضمن أفكار ورهانات تبدو مألوفة بما يكفي لكي لا تصطدم مع حساسيتنا وذائقتنا الاقتصادية والاجتماعية السائدة. ونُغفل بذلك حقيقة أن النفط ذاته لم يكن رهانًا من داخل الإطار الفكري العام للمجتمع وقتها، ولم يكن امتدادًا طبيعيًّا لما قبله، إذ لم يكن تطورًا تدريجيًّا لاقتصاد القوافل واللؤلؤ؛ لقد كان، وعلى نحوٍ ما، قطيعةً معه.
لم تكن تلك المادة السوداء اللزجة الغريبة لتشغل الإنسان العادي في الجزيرة العربية، ولم يكن معظم الناس معنيين بجدل يدور في مكة أو جدة حول مادة سوداء دفينة غريبة، واستخداماتها الصناعية الواعدة. لكن ذلك الجدل، الذي بدا حينها بعيدًا عن العالم الملموس لهم، لم يلبث أن ابتلع هياكل اقتصادية واجتماعية، مفتتحًا بوابة لعالم آخر. لم يكن في وسع غالبية السعوديين تخيل مدى الازدهار الذي سيعيشونه بسبب تلك المادة السوداء. النفط كان مغيرًا (Disruptive) لذلك العالم بأسره، كان رهانًا مخالفًا للسائد، وعلى مستوى معين كان رهانًا نخبويًّا غير متصل بالواقع المعاش آنذاك.
النفط الجديد ربما لن يكون «نفطًا جديدًا»، ولكنه قد يكون رهانًا بمنطق النفط أو منهجيته؛ منهجيةٍ مخالفة للسائد، تبحث عن المستقبل أينما يمكن حدوثه. المستقبل على الأرجح لن يأتي من داخل نافذة أوفرتون، مما هو معقول ومعروف، كما لم يأتِ النفط نفسه من داخلها في مرحلة سابقة. نحتاج إلى أن نفكر بغرابة قليلًا، وبنخبوية منفصلة عن الواقع اليومي.
سأتناول ذلك بتفصيل في هذا المقال، لكن أقدم خلاصة موجزة في الفقرة التالية.
.png)
ما الحقيقة المهمة التي تؤمن بها ولا يتفق معك إلا قلة من الناس؟
يُعرف هذا السؤال بالسؤال المخالف للسائد (The Contrarian Question)، وهو سؤال شهير لبيتر ثيل، يطرحه عادة لعدة أسباب مترابطة. السؤال صعب عمدًا، ولأن معظم الناس يجيبون بشيء يبدو مخالفًا للسائد لكنه في الحقيقة ليس كذلك، مثل: «نظام التعليم فاشل». لكن السؤال يُعَد اختبارًا للتفكير المبتكر وغير التقليدي، والهدف معرفة إذا كنت فكرت فعلًا من خلال المبادئ الأولى بدلًا من ترديد الحكمة أو الرأي السائد. إذ يرى ثيل أن معظم الناس يحيلون آراءهم إلى الإجماع المجتمعي، ويتبنون آراءً يمكن أن تُظهرهم متعلمين بين مجتمعهم.
السؤال مرتبط مباشرةً بنظريته في الشركات الناشئة، فالفكرة المحورية في كتابه «من صفر إلى واحد» هي أن الشركات والأفكار القيِّمة تُبنى على «أسرار» أو حقائق مخفية. ولذا، يرى ثيل أن الأفكار والشركات الناشئة العظيمة هي التعبير التجاري في السوق عن حقيقةٍ مخالفة للسائد، تستفيد من الفجوة بين اعتقاد الناس والواقع، سواء في سوق الأفكار أو الأسواق المالية، مثل باي بال وفيسبوك وسبيس إكس، جميعها بدأت من قناعات بدت غريبة أو غير بديهية في وقتها.
الافتراض من وراء السؤال هو أن التقدم يأتي من أناس مستعدين لأن يكونوا على خطأ علنًا في أمور مهمة، وأن الحكمة السائدة حين تصبح سائدة، يكون أثرها قد استُهلك في الغالب. إذن ما الرهان المستقبلي (Futurist) الوحيد الذي تحتاج إليه السعودية؟ رهان غير مألوف، يقع خارج الحساسيات العامة والإطار السائد (Overton Window)؛ رهان يبدأ بإجابة «السؤال المخالف للسائد»، إجابةً تعبر عن حقيقة مهمة أومن بها ولا يتفق معي إلا قلة من الناس.
ألخص هذه الحقيقة، التي هي في جوهرها أطروحة هذا المقال، على النحو الآتي:
ذكاء الفرد مرتبط سببيًّا بالمخرجات الاقتصادية والاجتماعية.
يُعَد الذكاء من أكثر السمات التي دُرِست بعناية منهجية في علم النفس وعلم الوراثة السلوكي.
أظهرت عديد من الدراسات أن المكانة الاجتماعية والاقتصادية في الرشد ترتبط بالذكاء في مرحلة الطفولة أكثر من المكانة الاجتماعية والاقتصادية للوالدين.
يُظهر علم الوراثة السلوكي أن الذكاء وراثي، ولم تُظهر التدخلات البيئية والتعليمية التقليدية، رغم عقود من التجارب والاستثمارات الهائلة، قدرةً مستدامة وواسعة النطاق على رفع الذكاء العام بصورة جوهرية.
تستند هذه الاستنتاجات إلى تراكم كثير من الدراسات، بما في ذلك دراسات التوائم والتبني التي شملت عشرات الآلاف من التوائم عبر بيئات وثقافات مختلفة. فقد أظهرت هذه الدراسات أن التوائم المتطابقين الذين نشأوا في أسر مختلفة يملكون درجات عالية من التشابه في القدرات المعرفية، مقارنةً بإخوتهم غير البيولوجيين الذين نشأوا في البيئة الأسرية نفسها.
جودة التعليم لا تُظهر أهمية أو تأثيرًا في ذكاء الشخص. وفي أفضل الأحوال، تأثيرها ضئيل.
لذلك، أي قدرة علمية وعملية موثوقة على رفع الذكاء ستكون ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية قصوى، نظرًا لانعكاساتها المحتملة على الإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.
في الوقت الراهن، لا يمكن رفع الذكاء العام، لكن يمكن ذلك عن طريق تقنيات ناشئة وواعدة.
لا يمكن للسعوديين الاستفادة من أفضل التقنيات الناشئة لرفع الذكاء! وذلك لمحدودية البيانات، بينما تستفيد منها بالفعل مجموعات سكانية مختلفة من آسيويين وأوربيين.
المستقبل لم يأتِ بعد
تحكم عالمنا اليوم نظرة ترى أننا نعيش امتدادًا طبيعيًّا لخطٍّ صاعد من التقدم التكنولوجي الذي بشَّرت به مخيلة القرن العشرين وأسهمت في رسوخه في وعينا الجمعي، حيث نشأ كثير منا على ذاكرة شكَّلتها الرسوم المتحركة المستقبلية (Futuristic) وأفلام الخيال العلمي ورواياته. ولعل عمق هذا التصور يعود كذلك إلى تجربة تاريخية قريبة رسخت في وعينا أن المستقبل آتٍ لا محالة. وهذا ليس بمستغرب، فقد رأينا تحول الأجيال السابقة من ركوب الخيل والإبل إلى عبور القارات جوًّا. قفزة هائلة وتقدُّم لا يمكن أن يصدقه عاقل قبل أن يحدث. ورأينا الانتقال من شظف العيش إلى وفرة مادية لم تخطر على بال. كل ذلك ولَّد انحيازًا في أذهاننا: إذا كان الماضي قد تقدم بهذه السرعة، لماذا لا يواصل المستقبل تقدمه بالوتيرة نفسها؟
ربما تميل أنفسنا البشرية إلى التفاؤل تجاه المستقبل عمومًا، والتسليم بأن العالم مصيره التحسن والتطور، وأن العلم سيجد حلًّا لمعظم التحديات، فهناك علماء يعملون بالتأكيد على دفع عجلة العلم إلى الأمام. لكن ثمة حجة مضادة صاغها بيتر ثيل -وتؤثر في روح مقالنا هذا- ترى أن الخطأ المعرفي الأكثر تكلفة في عصرنا هو هذا النوع من التفاؤل؛ تفاؤل غير محدد الملامح. نؤمن بأن المستقبل سيكون أفضل دون أن نعرف كيف، ودون أن نبذل جهدًا لصناعته. يسمي ثيل هذا الموقف «التفاؤل غير المحدد» (indefinite optimism)، إذ يتوقع الفرد تحسنًا مستمرًا في ظروفه دون أن يمتلك نظرية واضحة عن الآليات التي ستُنتجه. وبناءً على ذلك، تتحول الخطط الكبرى إلى تحوط مالي، والرؤى الاستراتيجية إلى محافظ متنوعة، والطموح إلى إدارة مخاطر.
لكن التقدم ليس مسلَّمًا به. هذا ما يخبرنا به التاريخ. وقد يتبع التقدم ركود وجمود (Stagnation). فما جرى في القرن الماضي لم يكن بالضرورة مسارًا طبيعيًّا دائمًا. المشكلة أن هذا الاستنباط يتعامل مع طفرة تاريخية استثنائية جرى تعميمها في أذهاننا كأنها قانون دائم. يقول بيتر ثيل: «في قلوبنا وعقولنا، ندرك أن التفاؤل اليائس لن ينقذنا. التقدُّم ليس تلقائيًّا ولا آليًّا، بل هو نادر… مستقبل التكنولوجيا ليس محددًا سلفًا، ويجب أن نقاوم إغراء اليوتوبيا التكنولوجية، أي الفكرة القائلة إن للتكنولوجيا زخمًا أو إرادةً خاصة بها.»
ويقترح ثيل: «إذا فكَّرت في معدل التقدُّم العلمي من زاوية سياسية، بوصفهم أساتذة جامعات أو روَّاد أعمال أو مستثمرين مغامرين يبالغون في مقدار الخير الذي يزعمون أنهم يحققونه، ستفهم أن الحوافز تدفع دائمًا إلى التهويل والتضخيم، وإلى الادعاء بأننا على وشك علاج السرطان وتحقيق اختراقات أخرى. ومع ذلك، فقد كان التقدُّم أبطأ بصورة ملحوظة خلال السنوات الأربعين أو الخمسين الماضية.»
وأشار ثيل إلى أن «عدد الحاصلين على الدكتوراه الذين يتخرجون اليوم يبلغ تقريبًا 100 ضعف ما كان عليه في عشرينيات القرن العشرين. وحتى إذا سلَّمنا بأننا نُحرز اليوم القدر نفسه من التقدُّم الذي أحرزناه في عشرينيات القرن العشرين، حين كانت ميكانيكا الكم تتبلور رسميًّا وكان البنسلين يُكتشف، فإن إنتاجية عالم عادي (Average scientist) أقل بنسبة 99%.»
وفي كتابه «من صفر إلى واحد»، يسلط الضوء على الركود العلمي في الطب والصيدلة، فيقول: «استفاد الطب من تطورين جذريين خلال الأعوام الستين الماضية: اكتشاف بنية الحمض النووي عام 1952، وصعود تقنيات المعلومات في ستينيات القرن العشرين. وكان من المتوقع أن يؤدي اكتشاف شفرة الحياة، مقترنًا بقوة الحوسبة، إلى زيادة جذرية في جودة حياة البشر وطول أعمارهم، لكن الأعمار لا تطول بالسرعة التي كانت تطول بها سابقًا، بل إنها في بعض الأماكن آخذة في القِصر.»
كما أشار إلى نتيجةٍ أسوأ، وهي قانون إيروم (Eroom’s law)، الذي هو قانون (Moore) معكوسًا، حيث إن الإنفاق على البحث والتطوير في قطاع الأدوية تضاعف عشرات المرات منذ الخمسينيات. يشير القانون إلى أن عدد الأدوية الجديدة التي يُوافَق عليها لكل مليار دولار يُنفق على البحث والتطوير انخفض إلى النصف تقريبًا كل تسع سنوات منذ عام 1950، حتى في الوقت الذي تسارعت فيه تكنولوجيا المعلومات. ويوضِّح ذلك الرسم البياني التالي الذي أعدَّه باتريك كوليسون ومايكل نيلسن.

يبرز سؤال آخر يطرحه بيتر ثيل «كيف نعود إلى المستقبل»؟
الذكاء ورأس المال البشري
تقودنا معظم الطرق والأسئلة إلى مناقشة القدرة الكامنة لرأس المال البشري. آدم سميث من أوائل من وصف رأس المال البشري في كتابه «ثروة الأمم» باعتباره «القدرات المكتسبة والمفيدة لجميع سكان المجتمع أو أعضائه». وعندما يتعلق الأمر برأس المال البشري، كان العقل والتفكير عند سميث أهم خصائصه: «الصفات الأكثر إفادة لأنفسنا، أولًا وقبل كل شيء، تفوُّق العقل والفهم، الذي بواسطته نحن قادرون على تمييز العواقب البعيدة لجميع أفعالنا، والتنبؤ بالميزة أو الضرر الذي يُحتمل أن ينتج عنها.»
يُعرف الذكاء بأنه «مصطلح يشمل القدرات العقلية المتعلقة بالقدرة على التحليل، والتخطيط، وحل المشكلات، وبناء الاستنتاجات، وسرعة التصرف. ويشمل القدرة على التفكير المجرد، وجمع الأفكار وتنسيقها، والتقاط اللغات، وسرعة التعلم. ويتضمن أيضًا، حسب بعض العلماء، القدرة على الإحساس وإبداء المشاعر وفهم مشاعر الآخرين… ومستويات عالية من الدافعية والوعي بالذات.»
يمكن قياس الذكاء عن طريق اختبارات تقيسه جيدًا، وهي من بين أكثر الاختبارات والتقييمات النفسية دقة (من الناحية الفنية والموثوقية والصلاحية). ومع أن هناك أنواعًا مختلفة من اختبارات الذكاء، فإنها جميعها تقيس مستوى الذكاء نفسه، نعرف ذلك بدرجة من اليقين تكاد تكون نادرة في علم النفس. هذه الظاهرة، التي وصفها تشارلز سبيرمان قبل أكثر من قرن بـ«المصفوفة الإيجابية» من أكثر النتائج ثباتًا عبر مئات الدراسات، حتى في الحالات التي حاول فيها الباحثون عن عمد تصميم اختبارات لا يُفترض أن ترتبط ببعضها، لكنها ارتبطت ببعضها رغم ذلك.
ثمة (شيء) عام يمنح الأفراد الذين يمتلكونه تفوقًا عبر طيف واسع من المهام، هو ما يشار إليه عادة بعامل الذكاء العام (general intelligence)، ويرمز له بعامل (g). وهو بناء إحصائي للقدرات الذهنية، ومتغير يلخص العلاقات الإيجابية بين المهام الذهنية المختلفة، يعكس حقيقة أن أداء الفرد في نوع واحد من المهام الذهنية يميل إلى أن يكون مرتبطًا بأدائه في أنواع أخرى من المهام الذهنية. فُسِّر العامل بطرق مختلفة، من «سرعة المعالجة العصبية» إلى «كفاءة التنسيق بين الأنظمة الذهنية»، لكنَّ وجوده ذاته لم يعد محل جدل يُذكر.
يقول الباحث ستيوارت ريتشي: «الذكاء عام. وبعبارة أخرى، إن الأشخاص الذين يبرعون في نوعٍ واحد من الاختبارات العقلية يميلون إلى التفوق فيها جميعًا.»
والأهم من ذلك أن هذا النمط لا ينتظر اكتمال النضج العقلي حتى يظهر. إذ تُشير الأدلة إلى وجوده في مراحل مبكرة للغاية، حتى لدى أطفال في عمر السنتين، مما يوحي بأننا لا نتعامل مع نتاج تعليمي أو ثقافي فقط، ولكن مع بنية بيولوجية أعمق، ربما تتشكل في مراحل النمو الأولى، وربما قبل ذلك بكثير. هذا لا يلقى قبولًا واسعًا، إذ تميل السردية الثقافية السائدة، والمستوردة في جانب كبير منها، إلى نظريات أخرى غير مثبتة مثل «الذكاءات المتعددة»، لكن هذا عكس ما يظهر بناءً على قرن من الأبحاث.
يمكن تصوير توزيع الأفراد على امتداد طيف الذكاء، من الأدنى إلى الأعلى، عبر ما يُعرف بمنحنى الجرس، أو التوزيع الطبيعي في المصطلح الإحصائي، حيث تتمركز الكتلة الأكبر من الناس حول المتوسط، نحو 68% منهم، بينما تتناقص الأعداد تدريجيًّا كلما ابتعدنا عنه في أي من الاتجاهين. لا يبقى عند الأطراف سوى قلة تمثِّل الحالات المتطرفة، سواء من ذوي الذكاء المرتفع جدًّا أو من ذوي الإعاقات الذهنية.
الذكاء عامل الانتقاء الخفي
الذكاء، في أقصى تجريده، هو محرك الانتقاء الذي يحكم كعنق زجاجة (bottleneck) تدفُّقَ رأس المال البشري عبر الفرص والقيود؛ محركٌ كامن يشكِّل رأس المال البشري، ينتقي ويصقل ويعيد توزيع الأفراد وفق قدراتهم. هو «جهاز طرد مركزي اقتصادي».
يُعَد معدل الذكاء المرتفع ميزة في الحياة، لأن جميع الأنشطة تقريبًا تتطلب بعض التفكير واتخاذ القرارات. يظل الذكاء أحد أكثر المتغيرات حسمًا في تفسير تباين المسارات الفردية داخل المجتمعات الحديثة؛ فكلما ازدادت البيئات تعقيدًا، جديدة كانت أو غامضة أو متغيرة، اتسع العائد الحدي للقدرات الذهنية. إذ يتحول من مجرد ميزة في السياقات البسيطة إلى ضرورة في السياقات ذات الكثافة المعرفية العالية. فالوظائف الإدارية مثلًا، بمستوياتها المختلفة، تتطلب قدرة على دمج معلومات متنافرة، وترتيب أولويات متعارضة، واتخاذ قرارات في غياب اليقين. وهي مهام ثبت إحصائيًّا أن الذكاء يتنبأ بأدائها بدرجات ارتباط (Correlation) تصل إلى (r=0.64)، بل وتقترب من (r=0.80) للوظائف الأكثر تعقيدًا؛ في حين يتراجع هذا الأثر، لكن دون أن يختفي، في الأعمال الروتينية التي تُختزل إلى قواعد ثابتة ومسارات قرارات محدودة. يتنبَّأ الذكاء أيضًا بالدخل بالدراسات المقطعية (Cross-sectional studies)، وكذلك طوليًّا (Longitudinal)، أي الفروق الحالية والمستقبلية في الأجور.
بالإضافة إلى ذلك، للقدرات الذهنية تأثير عام في جودة حياة الفرد ورفاهه وطول عمره؛ إذ تكشف الأبحاث العلمية عن علاقة بين مستوى الذكاء العام، مقاسًا بدرجات اختبارات الذكاء، ومعدلات الوفاة. تُظهر دراسة تلو أخرى أن الأفراد الحاصلين على درجات أعلى في اختبارات الذكاء يميلون، في المتوسط، إلى العيش أطول من أقرانهم الأقل ذكاء، ويصل الأمر في بعض الدراسات إلى حدِّ أن درجة الذكاء تنبئ بخطر الوفاة بقدرة تنبؤية تقارب تلك التي يحملها التدخين.
يقول الباحث ستيورات ريتشي: «إن الانتقال بين فئات الذكاء يشبه النزول على درج؛ كلما ارتفعت درجة الذكاء، انخفض خطر الوفاة، في تناقص متدرِّج ومنتظم.»
يمكن تفسير ذلك بعدة طرق. لكن ريتشي يشير إلى أنه يمكن تفسير ذلك بأن الطريقة التي يعيشون بها تحدد هذه النتائج، بناءً على المخاطر التي يتجنبونها والقرارات التي يتخذونها. ربما الأذكى يتخذون قرارات أفضل، يدخنون أقل، يأكلون طعامًا صحيًّا، يتجنبون المخاطر، أو كما يذكر الباحث روبرت بلومن، يشكلون بيئاتهم بطرق صغيرة، لكنها فروقات صغيرة تتراكم على مدى سنوات طويلة. الحياة قد توصف بأنها سلسلة طويلة من اختبارات الذكاء الصغيرة اليومية.
الجانب الأيمن من المنحنى وتأثيرهم الفائق
النصف الأيمن من المنحنى عمومًا، والذيل الأيمن من المنحنى خصوصًا، يملكون تأثيرًا غير متناسب (Disproportionate effect) في مجتمعاتهم. هم نخبة كل مجتمع. هم المخترعون والمبدعون والأكاديميون وكبار المسؤولين. من السهل الاعتقاد بأن التقدم يحدُث نتيجة جهد جماعي، وهذا ليس خطأً، لكن التقدم يميل إلى أن يتبع قانون باريتو أو قانون القلة الحيوية (Vital few)، وهو القانون الذي يقول إن 80% من النتائج في كثير من الظواهر تكون بسبب 20% من العوامل أو القلة المؤثرين. وهي ظاهرة رياضية طبيعية تظهر في شتى مناحي الحياة. على سبيل المثال، في كثير من الدول تملك أقلية من السكان معظم الثروة، أو تكون أقلية من الزبائن مسؤولةً عن معظم العوائد في مبيعات شركة ما، أو أن تكون أقلية من الموظفين مسؤولةً عن معظم إنتاجية شركة ما.
ثمة دراسات تتبعت عينات من المراهقين الذين حصلوا على مستويات عالية من الذكاء على مدى عقود، من أقدمها دراسة أجراها لويس تيرمان في الولايات المتحدة (من عام 1921 إلى عام 1999)، على أكثر من 1500 طفل من ذوي مستويات الذكاء المرتفعة جدًّا (أكثر من 140 IQ). وبعد تتبع العينة المدروسة لعقود، وجدت الدراسات تميز بعضهم بصورة كبيرة في مجالاتهم، فصاروا مشاهير وإعلاميين وعلماء، وحاز اثنان من الذين اختارهم تيرمان مبدئيًّا جائزة نوبل.
وعند تتبع الدراسات والبيانات المتراكمة على مدى عقود، يظهر بوضوح أن الذكاء ميزة، وأن مزيدًا من الذكاء دائمًا أفضلية، وليس هناك عوائد متناقصة للذكاء. في دراسة أُجريت على «الموهوبين رياضيًّا» في الولايات المتحدة، تتبع باحثون مجموعة من الشبان والشابات، من طلاب المدارس الثانوية إلى الأطفال في سن الثالثة عشرة، الذين أدوا أداءً استثنائيًّا في اختبار (SAT)، وهو في جوهره قريب من اختبارات الذكاء، فهو يملك ارتباطًا كبيرًا بها بعلاقات تتراوح ما بين (r=0.72) و(0.86)، وهو شبيه باختبار القدرات في السعودية إلى حدِّ ما. اختار الباحثون شريحة نادرة (0.0001%) من المجتمع، وبعد ثلاثة عقود أُعيد اختبارهم، هؤلاء الشبان والشابات الذين وُصف ذكاؤهم بـ«المخيف»، هم أكثر احتمالية للحصول على درجات علمية متقدمة، في المتوسط، بنحو 25 ضعف معدل عامة السكان، وكذلك أكثر احتمالية للحصول على درجة الدكتوراه بنحو 50 ضعف معدل عامة السكان.
وفي دراسة مشابهة أجراها مركز جونز هوبكنز للشباب الموهوبين على طلاب من مرحلة الروضة إلى الثانوية، برز منهم لاحقًا أفراد صنعوا قيمة اقتصادية أو ثقافية ضخمة، مثل مارك زوكربيرق مؤسس مِتا، وسيرقي برين مؤسس قوقل، وقاري ماركوس أحد أبرز علماء علم النفس والذكاء الاصطناعي، وتيرِنس تاو أحد أبرز علماء الرياضيات والحاصل على ميدالية فيلدز الموازية لنوبل في مجالاتها، وكذلك جورج هوتز أحد أبرز المبرمجين في العالم، وماركيز براونلي أحد أبرز اليوتيوبرز، وحتى ليدي قاقا! بتأثيرها الثقافي الكبير في مجتمعها.
ثمة فكرة قدمها الطبيب النفسي البريطاني بروس تشارلتون: في الجزء العلوي يوجد المخترعون والعباقرة. تحتهم أولئك الذين طوروا الاختراع وصقلوه. تحتهم أولئك الذين يمكنهم إصلاحه. ثم هناك من يمكنهم تشغيله. وأخيرًا أولئك الذين لا يستطيعون استخدامه، ولكن قد يُوظَّفون لصيانته.
الجانب الأيسر من المنحنى
ماذا عن الجانب الأيسر من المنحنى؟ بينما الجانب الأيمن من المنحنى محركٌ للتقدم الاقتصادي عمومًا وقد يعكس فوائد وقابلية أعلى للتدريب كما تذكر الباحثة لندا قوتفريدسون، في الجانب الأيسر عالم آخر بمخرجات مختلفة، لكن تبقى احتماليةً وليست حتميةً بالضرورة بالمعنى الفلسفي. يقول أحد الباحثين: يميل صناع السياسات إلى الاهتمام بالتدخلات المبكرة في أثناء الطفولة، لتدارك المشكلة وكذلك لتقليل النفقات المستقبلية، كي لا يصبح الفرد «عبئًا اقتصاديًّا» (Economic burden).
أدمج الباحث النيوزلندي سجلات إدارية وطنية، وملفات طبية إلكترونية، وأربعين عامًا من تتبع الأفراد نفسهم مع السؤال: هل يمكن أن نتنبأ على نحوٍ أفضل من سيكون عبئًا اقتصاديًّا مستقبليًّا؟ مجددًا، الذكاء يثبت قيمته. شريحة محددة، هي خُمس السكان، تحمل عبئًا غير متناسب يفوق حجمها. على سبيل المثال: «يشكلون نسبة 81% من الإدانات الجنائية (انظر: قانون باريتو)، 77% من طلبات الإعانات، كذلك 57% من ليالي المستشفى، 66% من الإعانات، 77% من تربية الأطفال دون أب، 78% من الوصفات الطبية. مخاطر الطفولة، بما في ذلك ضعف صحة الدماغ في سن الثالثة. تنبأت بهذه الشريحة بأحجام كبيرة من التأثير.»
يقول الباحث: «إن التدخلات في السنوات المبكرة، إذا كانت فعالة مع هذه الشريحة السكانية، قد تحقق عوائد كبيرة جدًّا على الاستثمار.» ويوضِّح الجدول التالي، المنشور من ليندا قوتفريدوسن، توزيع مخرجات الحياة حسب مستويات الذكاء.
.png)
إمكانية رفع الذكاء
هناك جدل فلسفي قديم جدًّا حول «الطبيعة ضد التنشئة»، يتمحور حول ما إذا كانت السلوكيات والسمات البشرية تتحدد بواسطة الطبيعة، ويُقصد بذلك في السياقات الحديثة العوامل الجينية، أو بواسطة التنشئة والبيئة من خلال علم الوراثة السلوكي، وهو دراسة العلاقة بين التباين الجيني والسمات النفسية. تُظهر الدراسات أن الذكاء وراثي بدرجة كبيرة، بل هو من أكثر الصفات وراثيةً بجانب الطول والكتلة الجسدية. ورغم كثير من المحاولات اليائسة، لا توجد دراسات جيدة تُظهر أن الذكاء يمكن رفعه. ذِكْر هذه الحقائق يثير جدلًا كبيرًا، لأن من تبعات ذلك الواضحة أن الناس محدودون بقدرات وُلدوا بها، وهذا يعني وجود أناس أذكى وراثيًّا وأناس أقل ذكاء وراثيًّا. يثير هذا الحساسية، وليس ذلك بمستغرب.
لكن كيف نعرف أن الذكاء وراثي؟ نعرف ذلك عن طريقتين رئيستين: أولًا «دراسات الترابط الجينومي الكامل»، وسنعود لها لاحقًا. وكذلك عن طريق ما يُسمى «دراسات التوائم»، ودراسات الأشقاء والتبني وغيرها.
دراسات التوائم من أهم الأدوات التي استعانت بها الوراثة السلوكية لفهم العلاقة بين الفروق الجينية وفروق السمات بين الأفراد. وهي قيِّمة لأنها تقوم على مقارنة بين التوائم المتماثلة التي تتشارك كل جيناتها تقريبًا، ولذا فإن أي اختلاف بينهم في سماتهم الشخصية يكون بسبب بيئتهم أو تجاربهم. تقوم الدراسات التقليدية على توائم فُصلوا عند الولادة وتبنَّتهم عائلات مختلفة بمستويات معيشية واجتماعية وثقافية مختلفة، وفي بعض الحالات ينشأ التوائم منفصلين ومتبنين من عوائل مختلفة في دول مختلفة.
تجد دراسات التوائم، بصورة متكررة، أن معدل الذكاء من أكثر السمات النفسية الموروثة بنسبة 80% في مرحلة البلوغ، وهذا يعني، في المتوسط، أن علم الوراثة السلوكي يفسر نحو 80% من التباين في الذكاء بين البالغين داخل السكان. كذلك يمكن التنبؤ بمستوى الذكاء، إلى حدٍّ ما وحسب آخر التطورات، عن طريق الجينات باستخدام «Polygenic score»، وأيضًا باستخدام «دراسات الترابط الجينومي الكامل» (GWAS)، التي تمسح ملايين المتغيرات الجينية عبر مئات الآلاف، وأحيانًا ملايين الأفراد، ثم تقارن تكرار هذه المتغيرات بنتائج اختبارات التحصيل أو القدرة الذهنية، لتلتقط إحصائيًّا الإشارات الصغيرة التي تتكرر أكثر لدى من يحققون درجات أعلى.
وسنعود لاحقًا لنشرح أهمية هذه الدراسات.
التعليم وحده لا يبني الدول، وقد يكون عاملًا مشتتًا
يظل موضوع التعليم محل جدل دائم، وقد تجدد هذا الجدل مؤخرًا مع ما أثير حول إلغاء بعض التخصصات الإنسانية في جامعة الملك سعود، حيث عبر كثيرون عن استيائهم، وأعرب آخرون عن مدى فداحة الأمر، وذهب بعضهم إلى عدِّه تخليًا عن «صناعة النخب». لكن النخب، كما رأينا في كثير من الدراسات، تميل إلى حقيقة أن النخب تولد أكثر من أن «تُصنَع». كذلك لا نعاني نقصًا في القضايا الجدلية، حيث يعمل بعضها مثل ضوضاء ذهنية تحجب الإشارة المهمة (Signal-to-noise). وفي المقابل، تخضع قضايا قليلة لقانون باريتو، إذ تمتلك تأثيرًا غير متناسب في المجتمع قياسًا بحجم حضورها في النقاش العام. فالتعليم، على أهميته الظاهرة، لا يمتلك هذا الأثر على الأرجح. وفعليًّا يُصرف انتباهنا عن أسئلة أعمق وأشد تأثيرًا في المجتمع ومستقبله.
لكن على كل حال، لا ينعكس التعليم على ذكاء الفرد. ووفق العالم روبرت بلومن تمثِّل جودة المدرسة أقل من 2% من التباين في درجات الثانوية العامة البريطانية، وكذلك الدرجات ترتبط بالذكاء. يقول روبرت بلومن: «تؤثر الاختلافات الجينية في قدرات الأطفال ورغباتهم في مدى الاستفادة من فرص التعليم… حيث إن المدارس التي يرسلنا آباؤنا إليها لا تُحدث فرقًا كبيرًا في تطوير قدراتنا، حتى لو كانت تساعد على تشكيل نظرتنا للعالم وقيمنا. بدلًا من ذلك، أهم شيء يمنحه الآباء لأطفالهم هو جيناتهم.»
عوائد القدرات الذهنية في الاقتصادات الحديثة
يلاحظ الباحثان شولمان ونك بوستروم (من الفلاسفة البارزين في مجال الذكاء الاصطناعي) أن «دراسات اقتصاديات العمل تجد أن كل نقطة إضافية واحدة في معدل الذكاء تقابلها زيادة في الأجور بنحو 1% تقريبًا، مع تثبيت العوامل الأخرى. هذا التقدير يرتفع بصورة ملحوظة حين تُدرج التأثيرات غير المباشرة للذكاء في التحصيل التعليمي ضمن المعادلة.»
يُقاس مدى كفاءة رأس المال البشري وعلمه أحيانًا بالاختبارات الدولية مثل (PIRLS, TIMSS, PISA). جميع هذه الاختبارات مرتبطة بمستوى عالٍ جدًّا بذكاء الفرد، لدرجة أنه يمكن عدُّها بذاتها اختبارات ذكاء. وذلك ليس بمستغرب، لأن جميع هذه الاختبارات، إلى حدٍّ كبير، تقيس القدرة نفسها، أو العامل نفسه: عامل الذكاء العام (g).
ويشير باحثون إلى «عجز عالمي في المهارات الأساسية»، فحتى في البلدان مرتفعة الدخل، يفتقر ربع الشباب إلى المهارات الأساسية، ويفشل 62% من طلاب المدارس الثانوية في العالم في الوصول إلى المهارات الأساسية، مع أن الاقتصادات المتقدمة والمنظمات الدولية تنفق مبالغ هائلة جدًّا على التعليم أو المساعدة التنموية. مع ذلك، كما يوضح الباحثون، لم تنعكس هذه التدفقات المالية، في كثير من الحالات، على شكل قفزات تنموية نوعية، ولكن بقي التقدم بطيئًا ومتفاوتًا وأدنى بكثير من الوعود.
أظهر الباحثون أن محو عجز التعلم، عبر رفع جميع الشباب إلى مستويات المهارات الأساسية فقط، يمثل نقطة انعطاف اقتصادية كبرى، لأن المهارات الأساسية هي التي ترفع إنتاجية الأفراد، وتحسِّن دخولهم مدى الحياة، وتدفع في النهاية دخول الدول نفسها إلى مستويات أعلى. لذلك فإن القيمة الاقتصادية الكامنة في بناء المهارات، وهي مرتبطة بالذكاء ارتباطًا وثيقًا، تفوق، على المدى الطويل، كثيرًا من أثر المساعدات التقليدية.

ذكاء الفرد منفعة عامة - التأثيرات الخارجية للذكاء (Externalities of intelligence)
يشير آدم سميث من خلال أطروحته إلى أن السعي وراء المكاسب الفردية يعود بفوائد على الاقتصاد بأكمله. وإذا كان الذكاء يعزز النجاح الاقتصادي الشخصي، فإن ما يترتب على ذلك، كما يذكر أحد الباحثين، هو أن النتائج الاقتصادية ستكون أكبر في مجتمعات ذات متوسطٍ أعلى من الذكاء منها في مجتمعات ذات متوسط ذكاء أقل، إذ يفترض أن الناس يسعون إلى تحقيق مكاسب فردية من خلال العمل المنتج الذي يخلق سلعًا وخدمات ذات قيمة بدلًا من السعي وراء الريع (Rent-seeking). الذكاء ليس مجرد منفعة فردية؛ هو منفعة اجتماعية واقتصادية. ورفع معدل الذكاء سيجعل المجتمع أفضل للجميع عن طريق عوامل خارجية إيجابية لا معدودة. يقول عالم النفس البارز ستيفن بينكر في كتابه: «كلما كنت أكثر ذكاء، زادت احتمالية تعاونك مع الآخرين وموازنة عواقب أفعالك والتفكير فيها بطريقة تسمح لك بالهروب من حدود تجاربك المحدودة.»
العلم المحرم في سوق الأفكار
سوق الأفكار كناية عن أسواق المال، ويُفترض به أن الحقيقة ستظهر من تنافس الأفكار في الخطاب العام الشفاف، ويخلص إلى أن الأفكار ستُنتقى وفقًا لتفوقها أو ضعفها، حيث تتنافس الأفكار حتى تُنتخب صفوتها. لكن كما تكون الأسواق أحيانًا ليست ذات كفاءة عالية، وليست حرة بتدخلات دخيلة (Inorganic)، يحدث ذلك في سوق الأفكار التي يُفترض بها أنها حرة، وأن نخبة الأفكار ستصل إلى قمتها لا محالة، كما يوضح توماس سويل في كتابه (A Conflict of Visions).
تتنافس الأفكار كما تتنافس الاستثمارات، بعضها ينجح وبعضها يفشل، وليس دائمًا لأسباب مرتبطة بجودتها أو صدقها، كما تكافئ الأسواق أحيانًا الأصول الخطأ. لكن السوق تميل بطريقتها إلى قطع الضجيج والتمييز بين الأصول الملائمة وغير الملائمة، بينما يمكن لسوق الأفكار أن تعلي من شأن السرديات المضللة بفعل فاعل، بينما تتجاهل الرؤى القيمة. في كلتا الحالتين، غالبًا ما يغلب الضجيج على الإشارة. وما «يفوز» على المدى القصير ليس بالضرورة ما هو صحيح على المدى الطويل.
تحدث بيتر ثيل عن هذه المشكلة من زاوية مقاربة حول مشكلة الحوافز في المؤسسات التي يُفترض أنها تنتج المستقبل. الجامعات البحثية والمؤسسات غير الربحية والشركات الكبرى أصبحت تعمل ضمن هياكل بيروقراطية تكافئ تجنب المخاطرة وتعاقب الفشل المكلف، أو ما يمكن أن يجلب النبذ والشجب الاجتماعي. على سبيل المثال ما يعرف بـ«الكنسلة»، وهي ظاهرة ليست بالحديثة، كانت موجهةً لعقود ضد من يبحث في الذكاء واختلافاته الفردية. وعليه، فالباحث المتعقل داخل هذه المنظومة يجب أن يعمل كسياسي؛ يختار مشاريع آمنة ذات عوائد هامشية تراكمية لكنها قابلة للنشر الأكاديمي، وليس مشاريع تحولية مخاطرة قد تستغرق وقتًا دون نتائج قابلة للقياس.
لكن معدل الذكاء هو أحد أكثر المقاييس تنبؤية في علم النفس، ومن أهم محددات نجاح الشخص في حياته المهنية والشخصية والاجتماعية، ويرتبط بعديد من مؤشرات نجاح الفرد. أبحاث الذكاء (IQ) من أكثر المجالات موثوقية وتكرارية في علم النفس ومن أقدمها، إذ يعود مجال دراسات الذكاء إلى أكثر من قرن، لذلك يُفترض نظريًّا أن يكون مسلَّمًا بذلك في الأوساط الأكاديمية، صحيح؟
لكن هذه العلوم قُمعت بالمعنى الحرفي، وذلك لأسباب تاريخية وثقافية، بعضها خاصٌّ بالولايات المتحدة. يقول ستيفن بينكر: «إن الأشخاص الذين حصلوا على درجات عالية في اختبارات الذكاء يحصلون على وظائف أفضل، ويؤدون وظائفهم بشكل أفضل، ويتمتعون بصحة أفضل وحياة أطول، ويقل احتمال تعرضهم لمشكلات مع القانون، ولديهم عدد أكبر من الإنجازات مثل تأسيس الشركات، وكسب براءات الاختراع، وإنشاء أعمال فنية محترمة، جميعها تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي والاقتصادي. الأسطورة، التي لا تزال شائعة بين المثقفين اليساريين، بأن معدل الذكاء غير موجود أو لا يمكن قياسه بشكل موثوق دُحضت منذ عقود.» ويذكر كذلك: «من المفارقة الساخرة (Irony) أن أزمة قابلية تكرار نتائج الأبحاث في علم النفس لا تنطبق على أبحاث الذكاء. هذه الدراسات لها عينات ضخمة ونتائج قابلة للتكرار، لكن الناس يكرهون الرسالة.»
الأقلية التي تناقش هذا العلم، تفعل ذلك خلف أبواب مغلقة، سرًّا. الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (الرئيس المفضل للرئيس لي كوان يو لواقعية تصوره للعالم) لم يكن يجهر بآرائه، ولكن يناقش ذلك سرًّا، خلف أبواب مغلقة. في محادثة مسجلة، نُشرت بعد وفاته، مع السياسي وعالم الاجتماع دانيال باتريك موينيهان، تحدث فيها عن أبحاث الذكاء، يقول نيكسون: «لا أحد يجب أن يعرف أننا نفكر في هذا الأمر، وإذا اكتشفنا أنه صحيح، فلا يجب أن نخبر أي شخص… هذا علم من الأفضل عدم معرفته... نظريتي هي أن مسؤولية الرئيس، في منصبي الحالي، أولًا معرفة هذه الأشياء. لكن نظريتي أيضًا هي أنني يجب أن أفعل كل ما بوسعي لإنكارها. إذا لم نفعل ذلك، فإن ما سنفعله هو تشجيع التحيز الكامن الموجود فينا جميعًا. بعبارة أخرى، إنه أمر لا يمكن تصوره.»
إذن، كيف يمكننا صناعة المستقبل؟
يمكن القول إن مجال التقنية الحيوية يشهد شيئًا من التقدم، ومعظم ذلك يعود إلى التطور في «عالم البتات» التقني وتحليل البيانات الضخمة. لكنه لا يزال بعيدًا عن حدوده الواعدة، لأسباب ثقافية ومؤسسية سبق التطرق إليها. وفي ظل إمكانية جمع بيانات ضخمة وتحليلها بصورة غير مسبوقة، ظهر كثير من التقنيات الواعدة لرفع الذكاء في عدة مجالات مختلفة، وهي تستحق النقاش، لكن المقال لا يسع لذلك.
من أبرز التقنيات لرفع الذكاء وهي في المجال الجيني: فحص الأجنة قبل الغرس (Embryo Selection). وهي تقنية ليست جديدة تمامًا، تقوم على إجراء يسمى «التشخيص الجيني قبل الغرس» (Pre-implantation genetic diagnosis)، حيث يُحلَّل الحمض النووي للأجنة المتاحة قبل غرسها، بهدف فحص وجود أمراض أحادية الجين، وتجنب غرس تلك التي تحمل طفرات مرضية واضحة.
الجديد في هذه التقنيات يتمثل في انتقالها التدريجي من الأمراض أحادية الجين إلى السمات المعقدة، أي السمات التي لا يحكمها جين واحد ولكن آلاف المتغيرات الصغيرة التي تتراكم آثارها عبر الجينوم. طرأت هذه التطورات على التقنية بالتزامن مع الدراسات الجينومية واسعة النطاق (GWASs)، التي تمكِّنها من المفاضلة بين الأجنة وفق مؤشرات جينية احتمالية للسمات المرغوبة مثل الذكاء، أو تجنب المخاطر من غرس أجنة تحمل احتمالًا عاليًا للإصابة بمرض معين. لكن يميل الناس إلى رفض الجديد والتخوف منه، ففي مرحلة معينة كان يُشاع عن «أطفال الأنابيب» أنهم «بلا روح»، ثم بعد عقود قليلة أصبحت ممارسةً طبية شائعة ومقبولة على نطاق واسع.
لا تزال دقة هذه التقنيات والقوة التنبؤية محدودة. من الممكن أن تزداد القوة التنبؤية مع زيادة أحجام العينات وتطور نماذج التحليل الجيني، ولكن هذا يتطلب دفع التقنية مؤسسيًّا وتمويلها. لكن مجددًا، يصطدم الباحثون بحواجز أيديولوجية متزايدة وصعوبة كبيرة في الوصول إلى قواعد البيانات المتعلقة بالدراسات الجينية، والدراسات الجينية للذكاء. على سبيل المثال، حظرت المؤسسة الوطنية للصحة (NIH) الوصول إلى قاعدة بيانات مهمة إذا اعتقدت أن بحث العلماء قد يدخل منطقة «محظورة»، وعلى قمة هذه القائمة دراسة جينات الذكاء. مجلة نيتشر كذلك اتخذت سياسة تنتهج بها قيودًا تحريرية وبحثية مشددة على مثل هذه الأبحاث، مما قد يحول دون التطور في تقنيات رفع الذكاء الجينية.
وعلى مستوى معين يمكن القول إن «المستقبل وصل بالفعل، لكنه ليس موزعًا بالتساوي». هذه التقنيات موجودة وتعمل إلى حدٍّ مقبول، وقابلة للاستخدام بدرجات متفاوتة. بدأ بالفعل عدد من المستثمرين والرؤساء التنفيذيين في السيلكون فالي بالاستفادة منها، ولكن ما زالت تحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتطوير. والأهم من ذلك أن القوة التنبؤية لهذه النماذج لا تُترجم بالضرورة عند استخدامها في مجموعات سكانية مختلفة، حيث لا يوجد هناك جين محدد للذكاء مثل بعض الأمراض الجينية، بل مكون من آلاف الجينات. وغالبية العينات الكبيرة تعتمد حصريًّا على الأشخاص المنحدرين من أصل أوربي وآسيوي، وهذا يستدعي توسيع القاعدة الجينية السعودية، بما يمكِّن إجراء دراسات (GWASs) على عينات كبيرة من السعوديين لتحديد ارتباطات الأمراض أو جينات الذكاء.
.png)
يقول بيتر ثيل حول مجال التقنية الحيوية عمومًا: «لقد أحدثت التقنية الحيوية بالفعل ثورةً كبرى، وهي قادرة بلا شك على إحداث ثورة أخرى. وفي الوقت الراهن، تواجه التقنية الحيوية، أو الاستثمار في التقنية الحيوية على أقل تقدير، ثلاث عقبات رئيسة ومترابطة: نقص البيانات، وكثافة رأس المال، ونهج العصور المظلمة في اكتشاف العلاجات. أما كثافة رأس المال، فتعني ببساطة أن الأمر يستغرق وقتًا طويلًا وتكاليف باهظة قبل أن تتوافر لدى الشركة أي مؤشرات حقيقية على احتمال نجاح دواء ما، إذ تظل التجارب على الحيوانات والبشر باهظة التكلفة إلى حدٍّ كبير، على الرغم من المساعدة التي توفرها النمذجة الحاسوبية. ومن ثَمَّ فإن شركات التقنية الحيوية القادرة على تجاوز هذه العقبات ستخلق قيمة هائلة لمستثمريها وللمجتمع.»
وحول إمكانية رفع الذكاء، يقول عالم هارفارد البارز جورج تشرش:
«في الحقيقة، لكي تدرك الأبعاد الكاملة لهذا الأمر، عليك أن تعرف متى سيتقبله المجتمع، فقد امتلكنا في أواخر الثمانينيات بنية تحتية حاسوبية رائعة تشمل شبكة إنترنت، غير أن قلة من الناس كانوا يستخدمونها، وكان جلهم من عشاق التكنولوجيا. ثم تغير هذا الواقع جذريًّا مع ظهور متصفّح "موزاييك" الأول وصدور معايير للغة "إتش تي إم إل". وأظن أن السيناريو ذاته سيتكرر هنا؛ فالبنية التحتية اللازمة لقراءة الشفرة الوراثية لكل إنسان على وجه الأرض باتت متوفرة، إلا أننا بحاجة إلى ثورة اجتماعية وربما إلى حملات تسويقية. كل ما نحتاج إليه هو المزيج المناسب الذي يعبر بنا نقطة التحول… وأعتقد أن ذلك قد يحدث في أي لحظة، وأنه قادر على أن يوفِّر على الفور تريليونات الدولارات من خلال الأمراض المندلية وحدها، ولسنا مضطرين حتى إلى اكتشاف الجذور الجينية للأمراض المعقدة وسائر ما يعتقد الناس أنه لا يزال بعيد المنال. فمجرد البدء بمعالجة الأمراض المندلية وإيصال هذه الخدمة إلى الجميع بإنصاف، كفيلٌ بأن يُحدث تحوُّلًا جوهريًّا في واقع الفقر، حتى في الدول الصناعية.»
كذلك في مقابلة أخرى له توضح الجدل الأيديولوجي حول أخلاقية رفع الذكاء:
«ديفيز: اطَّلعتُ على تصريحٍ لك في صحيفة التلقراف قلتَ فيه: "لا أرى أن العيون الزرقاء وزيادة الذكاء بمقدار 15 نقطة تمثِّل خطرًا على الصحة العامة أو على منظومتنا الأخلاقية." غير أنَّ الذكاء صفةٌ تتحكم فيها جيناتٌ كثيرة، فهل يستحق الموضوع أن نخوض فيه أصلًا؟
جورج تشرش: ملاحظة في غاية الأهمية. كثير من زملائي يصرفون النظر عن مناقشة قضايا كهذه بحجَّة أنها بعيدة المنال. غير أن التجربة أثبتت لي أنَّ ما كنا نحسبه بعيدًا بستة عقود من الزمن قد يطرق أبوابنا قبل موعده بكثير. فمشروع الجينوم الميسور التكلفة كان يُتوقَّع أن يستغرق ستين عامًا، فإذا به يتحقق في ست سنوات لا غير!
ولهذا أرى أن الإفراط في الحذر خيرٌ من التهاون… فكون الصفة تعتمد على عدة جينات لا يعني انعدام وجود حلٍّ يعتمد على جينٍ واحد. خذ مثلًا السوماتوتروبين، أو ما يُعرف بهرمون النمو البشري، فهو منتَجُ جينٍ واحد، ومع ذلك يُستخدم في علاج سبع حالات سريرية مختلفة، رغم أنه يتعلق بصفة القامة، التي تُعد من أكثر الصفات تعقيدًا من الناحية الوراثية.»
مسؤولية صناعة المستقبل
ليس علينا محاولة التنبؤ بالمستقبل، ولا أن نسلم بحتمية حدوثه بمعزل عن إرادتنا وخارج نطاق تأثيرنا. إن أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صنعه. يمكننا صناعة مستقبلنا بأيدينا، لكن السؤال: هل نملك الإرادة والجرأة في صناعته؟ هل نستطيع، بمعزل عن الجمود الغربي المفتعل وحواجزه الأيديولوجية، أن نشق مسارنا الخاص؟ لعل هذه مسؤولية تقع على عاتق النخبة الذهنية في مجتمعنا أو الـ1% الأفضل في القدرات الذهنية؛ من يمتلكون القدرة على بناء تصورات عميقة للعالم بدل الاكتفاء باستهلاك تصوراته الجاهزة. ولعل من أكثر القناعات التي ترسخت لديّ، وكان لبيتر ثيل أثر في تشكيلها، أن «لا شيء في التاريخ يجري من تلقاء نفسه، إنما التاريخ صنيعة ما يختاره البشر، والقرار بين أيدينا.»
وكما أن المستقبل لا يصل من تلقاء نفسه، التقدم التقني التاريخي، من الثورة الصناعية إلى الإنترنت، لم يكن نتاج قوى عمياء، بل كان في كل مرة نتاج أفراد بعينهم يحملون «نماذج معرفية» (World models) محددة عن كيفية عمل العالم وكيفية تغييره. حين يغيب هؤلاء الأفراد بنماذجهم، يتوقف التقدم الحقيقي وينشأ وهم الحركة من تراكم الثروة والمؤشرات.
ومن المهم، ولو تكرر ذلك، أن نشير إلى الفارق بين الموقف المسلِّم بالأمر والموقف الفاعل. يظهر أن الأفراد قد يميلون إما إلى الإنكار أو إلى التسليم بالأمر الواقع، وهما في بعض أوجههما نقيضان، إلا أن أثرهما العملي واحد، إذ يؤديان إلى التقاعس والجمود والامتناع عن المبادرة واتخاذ الإجراءات اللازمة. فمن ينكر قد يقول إن المسألة لا تمثل مشكلة، ومن يسلِّم بها قد يقول إنه لا سبيل إلى التعامل معها أو التأثير فيها. وفي كلتا الحالتين يكون الموقف سلبيًّا (Passive) وغير منتج. ومن وجهة نظري، المطلوب هو الانتقال إلى نهج أكثر فاعلية ومبادرة، بدلًا من الوقوف عند حد الإنكار أو التسليم السلبي.
يقدم إيلون ماسك نموذجًا أو نماذج رسخت فكرة أن الموقف الفاعل مهم، وأن كثيرًا من المجالات والصناعات وإن بدت صعبة التطوير أو واقعة في ركود مؤسسي عميق، أو حتى وإن كانت نخبة من العقول تعمل عليها ظاهريًّا، مثل ناسا، لا يعني أنهم يقومون بذلك بكفاءة.
ما يخبرنا به إيلون ماسك هو التشديد على أهمية الموقف الفاعل: «لو لم يحدث شيء يطوِّر تكنولوجيا الصواريخ، لكنا عالقين على الأرض إلى الأبد. وشركات الطيران والفضاء الكبرى لم تكن تهتم بالابتكار الجذري إطلاقًا، كل ما كانت تريده هو أن تُحسِّن تكنولوجيتها القديمة قليلًا كل سنة، وأحيانًا كانت تسوء فعلًا… الناس يعتقدون دائمًا أن التكنولوجيا تتحسن وحدها تلقائيًّا كل عام، لكن هذا غير صحيح. هي لا تتحسن إلا إذا عمل أناس أذكياء بجنون من أجل تطويرها. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تتطور بها أي تكنولوجيا. أما من تلقاء نفسها، فإن التكنولوجيا، إذا لم يعمل عليها الناس، ستتراجع بالفعل.»
للأفراد دورهم الكبير، مع أن المبادرين المتفردين قليل، ولكن كذلك الدول لها دورها.
بيتر ثيل، مع أنه أبرز مستثمر جريء في وادي السيلكون ويصف نفسه بالمذهب التحرري الذي يناصر السوق بشدة، يعترف: «بمقدور الدولة أن تدفع بعجلة العلم إلى الأمام بنجاح، ولا جدوى من إنكار ذلك. ويذكرنا مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو بهذه الإمكانية، فقد لا تمول الأسواق الحرة من البحوث الأساسية القدر المطلوب. وفي اليوم التالي لقصف هيروشيما، كان بوسع صحيفة نيويورك تايمز أن تتحدث -بشيء من الوجاهة- عن تفوق التخطيط المركزي في الشؤون العلمية، إذ قالت: "النتيجة النهائية: مُنح العالمُ اختراعًا (القنبلة النووية) في غضون ثلاث سنوات، ولربما استغرق تطويره نصف قرن لو اضطُررنا إلى الاعتماد على علماء بحث متعجرفين يعملون منفردين.»
لنفكر في المسألة من هذه الزاوية، هناك رهانات ضخمة مختلفة، واستثمارات هائلة في التعليم وتنمية رأس المال البشري. قد يكون الاستثمار في تقنيات رفع الذكاء بمنزلة تحوط مالي واستراتيجي لهذه الاستثمارات الهائلة، وعلى الأرجح سيشكل جزءًا يسيرًا منها. والعائد المتوقع غالبًا من الاستثمار في هذه التقنيات هائل، ولن يقتصر على الذكاء، بل سيشمل مجال الصحة وعموم الأمراض المزمنة والمستعصية التي تشكل عبئًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا على المنظومة الصحية الوطنية، وعلى الإنتاجية الاقتصادية بوجه عام.
يمكن أن نصفه بأنه رهان غير متماثل (Asymmetric bet)، مثل تحريك حجر الدومينو الأول، الكفيل بخلق عوامل خارجية إيجابية (Positive externalities) ضخمة وواسعة النطاق. مع هذا أدرك أن ذلك قد يواجَه بشيء من التحفظ؛ ليس من السهل على الإنسان تخيل المستقبل واقعًا ملموسًا قبل أن يتحقق.
قبل رحلة الأخوين رايت وفي العام نفسه، نشرت نيويورك تايمز مقالًا يصرح أن البشر لن يتمكنوا من الطيران قبل ملايين السنين. ولو كنا نعيش في ذلك الزمن، يُحتمل كذلك أن نصِف من يحاول الطيران كالطيور بالجنون، لكننا اليوم نطير كالطيور، يوميًّا!
المستقبل بالمعنى التقني ليس نتيجة حتمية ننتظر من يصنعها. مسؤولية صناعة المستقبل تقع على عاتقنا وبين أيدينا. لأفعالنا أثر. ولا أكتفي بالقول إن لأفعالنا أثرًا، بل أومن بأن أثرها أبديّ. المستقبل لم يأتِ بعد. لنصنع المستقبل!
فقرة حصريّة
اشترك الآن

.png)
الناس عمدوا إلى التعقل فحصروه في الذكاء، ثم عمدوا إلى الذكاء فحصروه في الإنتاج؛ لذلك وصلنا لهذه الحالة من القول بإمكانية تعقّل الآلة وغلبتها البشر.
في مقالة «لن يصل الذكاء الاصطناعي لذكاء الإنسان» يفنّد كاتبها، الدكتور عبدالله بن حمدان، مختلف الأطروحات التي تتجه إلى توقّع تجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي مستوى الذكاء البشري في المستقبل.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.