سينما الثلاث ساعات في زمن الإبهام

من ترغب في أن يكون ضيف بودكاست النشرة السينمائية القادم؟
نايف العصيمي
.png)
سينما الثلاث ساعات في زمن الإبهام
علي حمدون
لطالما كنت رجلًا حياديًّا، لا في العير ولا في النفير، ودبلوماسيًّا حين يتعلق الأمر بالحكم على ذائقة غيري الفنية، مدركًا أن بعض النقاد حين يتناولون لونًا سينمائيًّا معيّنًا قد يتحول نقدهم إياه -ولو بصورة غير مباشرة- إلى حكمٍ على ذائقة من يميل إليه. لذلك أجدني في كثير من الأحيان، على سبيل المثال، أتفادى نقد الأفلام الكوميدية، لا سيما في بيئة سينمائية ناشئة ما زالت بحاجة إلى تعدد التجارب، كي لا أدلي برأيٍ غير محمود العواقب مستقبلًا، رأيٍ من شأنه أن يضر نسيجًا سينمائيًّا بعينه، أو يجعله محلّ تندُّر!
العواقب أن أسلك يومًا ما طريق الإنتاج فأبدّد فرصة استكشاف موهبة فنية محلية كان من شأنها أن تشقّ طريقًا جديدًا، وربما تؤسس لمدرسة سينمائية قائمة بذاتها، لمجرد أن هذه الموهبة تميل إلى صناعة الأفلام الطويلة، سواء كان الاستبعاد بسبب التكاليف التشغيلية، أو الذهنية العصرية المشتتة، أو حتى بسبب كونها جريمةً عالمية في حق المثانة!
وهذا ما حصل فعلًا قبل عدة أيام، حين انتشر رأي لشخصية سينمائية استاءت منه الأغلبية، فتلوّثت بصائر المتوسمين في الكيان الذي لطالما كان يمثّله؛ حين تجاهل الكلاسيكيات المافياوية، والرومانسيات الخالدة، والملاحم التاريخية التي أخذت من عمرنا دون أدنى ندم، ليعبّر عن امتعاضه من إرهاق الساعات الطويلة ومللها، وعن استحالة دعمه لأي فِلم يتجاوز الساعتين، إلا إذا كان فِلمًا لأبطال خارقين.
حدث ذلك بالتزامن مع مشاهدتي فِلم «Once Upon a Time in Hollywood» للمرة العاشرة أو ربما أكثر، كونه أحد أفلامي المفضلة. الفلم الممتد لساعتين وإحدى وأربعين دقيقة، الذي سخر منه ريكي جيرفيه في حفل القولدن كلوب عام 2020، ومن بطله ليوناردو دي كابريو، بقوله: «إن طول الفِلم جعل ليوناردو يدخل العرض الأول وحبيبته مناسبة له، وحين انتهى لم تعد كذلك» في إشارة ساخرة إلى فارق العمر بينهما.
ولربما استُوردت سخرية جيرفيه كما تلمّست من اللقاء، وحصل الاحتجاب المربك حيال أساليب كوينتن الفنية في آلية صنع أفلامه الطويلة الممتعة. ولكن يبقى السؤال، وبعيدًا عن تصنيفات صاحب الرأي أعلاه: هل فعلًا لم تعد الأفلام الطويلة تناسب إيقاع المشاهد المعاصر؟
أولًا، وقبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نستبعد التساؤل المتوقع حول سبب قدرة جيل اليوم على مشاهدة المسلسلات التلفزيونية الطويلة مقابل عزوفه عن الأفلام. فالتلفزيون قائم في بنيته على التجزئة، وعلى تعليق المشاهد عند نهاية كل حلقة بعد ذروة درامية وتصعيد انتشائي يولّد رغبةً متجددة في العودة؛ سلسلة من الإشباعات الصغيرة المتعاقبة.
بينما يطلب الفِلم الطويل من المشاهد خوض تجربة واحدة متصلة، تراهن على التراكم والصبر حتى تبلغ أثرها النهائي، مع الأخذ بالاعتبار أن حتى هذا الجيل بات بدوره مهددًا أمام صعود ما يُعرف بمسلسلات «المايكرو دراما» على تك توك، التي سمعت عنها سابقًا دون أن يراودني اهتمام كبير للتعرّف عليها، رغم توسّع انتشارها مع تغيّر عادات المشاهدة وطريقة تفاعل الجمهور مع السرد، إذ أصبحت الجرعات القصيرة والمتتابعة تمنح محفزات أسرع لنظام المكافأة والدوبامين، في علاقة جديدة تجعل المتلقي ينتقل بين التجارب بحثًا عن الإشباع القادم.
كما علينا استبعاد معظم أفلام الأبطال الخارقين التي تُبنى أساسًا على الامتداد الصناعي وتفتقر إلى التجربة الإنسانية الجمالية، كون السينما علمًا أستطيقيًّا يتجاوز أحيانًا مفهوم الكادر والصورة، وعلاقة الضوء والظل، والإيقاع والمونتاج، وبناء الاستوديوهات والتقنية!
بعد سلسلة من هذه الاستبعادات، نعود إلى السؤال الأساسي الذي تبدو إجابته البديهية: نعم، في زمنٍ أصبحت فيه المشاهدة محكومةً بسرعة التمرير، وتجزئة الانتباه. لكن هذه القراءة ربما تختزل العلاقة بين الإنسان والزمن، وتحصر نفاد الصبر في جيلٍ بعينه، فلطالما نام بعض المشاهدين في صالات العرض، وغادر آخرون مقاعدهم قبل النهاية، حتى في أزمنة لم تعرف زرّ التجاوز أو سرعة المشاهدة المضاعفة.
ولكن المؤكد أن نموذجًا متطرفًا مثل «ساتانتانقو» لبيلا تار، الممتد لأكثر من سبع ساعات، سيصعب جدًّا تكراره؛ فهو ينتمي إلى منطقة قصوى في علاقة السينما بالتحمل والمشاهدة. ومع ذلك، تبقى هناك مساحة واسعة قبل هذا الحد الأقصى، أفلام تحتاج إلى ثلاث ساعات لأنها تحمل عوالم وشخصيات وتحولات يصعب ضغطها دون خسارة شيء من روحها، رغم المجازفة التجارية التي قد ترافقها.
ولعل العصر الحديث ابتكر طرقًا مختلفة لتحويل هذا التحدي إلى جزء من تسويق التجربة نفسها. فحين صنع كوينتن تارانتينو فِلم «The Hateful Eight»، قدّمه على هيئة فصول، وأعاد الاستراحة السينمائية في منتصف عروضه بصفتها جزءًا من هوية العمل، ومساحة تمنح الجمهور فرصة لالتقاط الأنفاس ومناقشة ما جرى. أو حتى نولان في تسويقه لفِلم «The Odyssey»، وهو يعاود تذكيرنا في كل مرة بقيمة الدقيقة التي قد تكلّف ثلاثة آلاف دولار بسبب اختياره التصوير بكاميرات آيماكس 65ملم، في رهانٍ يعيد الاعتبار للتجربة السينمائية كونها حدثًا يستحق الوقت والانتظار.
يدل هذا على أن الأفلام عالميًّا بدأت تتزايد في طولها تدريجيًّا خلال السنوات الأخيرة، رغم كل المخاوف التجارية المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع عدد العروض اليومية في صالات السينما، وصعوبة مجاراة إيقاع الاستهلاك السريع، لإدراك صنّاعها وجمهورها الأبعاد الجمالية والضرورات الفنية التي قد يحملها الفِلم الطويل.
وهو ما ينسجم مع رؤية بيلا تار، الذي يرفض الالتزام بما هو مقبول أو معتاد داخل الصناعة، معتبرًا أن مدة الفِلم يفرضها الشكل الذي يتطلبه العمل. فالإيقاع والزمن ينبعان من طبيعة التجربة نفسها، سواء امتدت لسبع ساعات ونصف كما في «ساتانتانقو» أو اختُزلت في خمس دقائق فقط كما في فِلمه القصير «برولوق».
ربما تكمن الإشكالية في أن قياس جدوى الأفلام الطويلة غالبًا يُختزل في تجارب محددة تعثّرت تجاريًّا، كما حدث مع فِلم «Babylon» لداميان شازيل، المخرج الذي سبق أن حقق نجاحات لافتة مع أعمال مثل «La La Land» و«Whiplash». ورغم ذلك، ومع حضور أسماء جماهيرية مثل براد بيت ومارقوت روبي، واحتياج الفِلم إلى قرابة 250 مليون دولار لتعادل تكاليف إنتاجه، اكتفى بتحقيق نحو ثلاثة وستّين مليون دولار عالميًّا، ليصبح نموذجًا يُستحضر عند مناقشة المخاطر التجارية للأفلام الطويلة.
أما إذا كان قياس كل تحرّك إنتاجي محلي قادم مبنيًّا على تجربة يتيمة مثل فِلم «أحلام العصر»، كونه أحد أطول الأفلام السعودية، فعلينا إدراك أن الطريق ما زال طويلًا، وأن التجارب تحتاج إلى مساحة أكبر، وحلمٍ أطول، ومزيد من الإخفاقات، رغم أنها كانت تجربة جيدة جدًّا على الصعيد الفني.
وأخيرًا، لا بأس بالاختلاف، ولا بأس بأن يجد أحدهم متعته في إيقاعٍ سينمائي دون آخر، لكن الاختلاف يفقد شيئًا من اتزانه حين يتحول من تفضيل شخصي إلى استنقاصٍ من شكل فني كامل، خصوصًا حين يصدر هذا الحكم ممن يملك قدرةً على التأثير في وصول هذه التجارب إلى جمهورها.
يحضرني هنا قودار في إحدى مقابلاته حين قال: «أشعر دائمًا بأن رجلًا وامرأة لا يحبّان الأفلام نفسها سينتهيان بالطلاق في النهاية». وربما يحدث الطلاق هنا بين محبي الدراما والكوميديا، وبين محبي الفِلم القصير والطويل، حين تتحول المسافة بين الأذواق إلى قطيعةٍ يلحظها حتى أقل الجماهير فطنةً بالسينما.

أجمل من الفِلم ومشاهدته،
نقده والحديث عنه والقراءة حوله؛ ولذا يجتمع عشّاق السينما دائمًا في نشرات أو منصات أو سينمات.
مبادرة «سينماء» توفّر قاعدة نقد ودراسة وورش عمل تغطّي مساحة كبيرة من الأفلام، بأدوات نقدية متمكّنة ونظرات ثقافية متمعّنة.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



📽️ في دور السينما
يُعرض اليوم فِلم الكوميديا الرومانسية «مسألة حياة أو موت»، الذي تدور أحداثه حول شابة متهورة تكتشف أنها تعيش تحت لعنة قاتلة تعدّ أيامها الأخيرة، فتجبر جرّاح قلب بارد المشاعر على الدخول معها في اتفاق غير متوقع، قبل أن تتحول رحلتهما إلى سلسلة من المواقف الفوضوية وقصة حب مستحيلة.
ويُعرض كذلك فِلم الأبطال الخارقين «Supergirl»، حيث تنطلق «كارا زور-إل»، المعروفة باسم «سوبرقيرل»، في رحلة عبر المجرات برفقة حليف غير متوقع، قبل أن تجد نفسها في مواجهة تهديد يقترب من أقرب الأشخاص إليها.
كما يُعرض فِلم الرعب والإثارة «Hungry»، الذي يتابع مجموعة من المسافرين يضلّون طريقهم وسط مستنقعات لويزيانا، ليجدوا أنفسهم في صراع من أجل البقاء بعد ظهور فرس نهر هائج يطاردهم بلا رحمة.
ويُعرض كذلك فِلم المغامرات والفانتازيا «Kemet: Year One»، حيث يخوض أب رحلةً محفوفة بالمخاطر عبر أراضي مصر القديمة بحثًا عن ابنه، قبل أن تقوده رحلته إلى معركة مصيرية قد تغيّر مستقبل البشرية بأكملها.
ويُعرض أيضًا فِلم الرعب والغموض «Black Box»، الذي تدور أحداثه حول رحلة جوية متجهة من نيوأورلينز إلى سياتل تتحول إلى محور لغز خارق للطبيعة، لتبدأ سلسلة من الأحداث الغامضة التي تهدد جميع مَن على متنها.
ويُعرض كذلك فِلم الدراما النفسية «Affection»، حيث تعاني امرأة حالةً غامضة تعيد ضبط ذاكرتها بشكل متكرر، فتفشل في التعرف على زوجها وابنتها في كل مرة، قبل أن تبدأ ذكريات مقلقة عن حياةٍ أخرى مجهولة بالتسلل إلى وعيها.
📰 أخبار وإعلانات سينمائية
حددت شركة «Lionsgate» يوم 24 سبتمبر، 2027، موعدًا لعرض النسخة الجديدة من فِلم الرعب «The Blair Witch Project»، التي يتولى إخراجها ديلان كلارك بالتعاون مع «Blumhouse». ولم تُكشف حتى الآن أي تفاصيل عن القصة.
يستعدّ الممثل الألماني جوناثان برلين لخوض أولى تجاربه الإخراجية في الأفلام الطويلة من خلال فِلم الدراما «Mio»، الذي يتولى كتابته وإخراجه. تدور أحداث العمل حول مراهق يشرع في رحلة مجهولة للبحث عن ذاته بعد اختفاء والديه في بلدة صغيرة بإسبانيا، ويشارك في بطولة الفِلم كل من تاديو كوفوس، وباربرا أوير، وجودهارد غيزه.
تعمل شركة «Legendary Entertainment» على تطوير نسخة حيّة من سلسلة الأطفال الشهيرة «The Magic School Bus»، بطولة إليزابيث بانكس في دور «مس فريزل» وإخراج روب ليترمان، المقتبسة من سلسلة كتب تدور حول معلمة تصطحب طلابها في مغامرات داخل حافلة سحرية قادرة على التحول إلى مركبات مختلفة.
كُشف عن الإعلان التشويقي الأول لفِلم الخيال العلمي «Klara and the Sun» للمخرج تايكا وايتيتي، بطولة جينا أورتيقا وإيمي آدامز وناتاشا ليون. يستند العمل إلى الرواية الأكثر مبيعًا للكاتب كازوو إيشيقورو، ويتابع قصة روبوت صُمِّم لمكافحة الوحدة، قبل أن تشتريه أم لابنتها التي تعاني مرضًا غامضًا، لتبدأ بينهما علاقة غير متوقعة.
تعمل «Netflix» على تطوير مسلسل مقتبس من رواية الفانتازيا «The Everlasting» للكاتبة أليكس إي.هارو. تدور أحداثه حول فارسة أسطورية ومؤرخ يُرسَل عبر الزمن ليجد نفسه عالقًا داخل أسطورتها. تتولى دافني فيرارو، الكاتبة الرئيسة السابقة لمسلسل «Maxton Hall»، كتابة المشروع.
📺 عروض المنصات الرقمية
على «+OSN» يُعرض الموسم الثالث من مسلسل الفانتازيا «House of the Dragon»، حيث تستمر حرب الخلافة بين فرعي «آل تارقاريان» في صراع يهدد مستقبل المملكة، مع اتساع رقعة المعارك وتصاعد المواجهة بين أنصار «رينيرا» وأنصار «إيقون الثاني».
وعلى «+Disney» يُعرض الموسم الخامس من مسلسل الكوميديا والدراما «The Bear»، حيث يواصل فريق المطعم سعيهم إلى تحويل المشروع إلى وجهة استثنائية في عالم الطهي، بينما يواجه أفراده ضغوطًا مهنية وشخصية متزايدة مع اقترابهم من تحقيق أحلامهم.
كما يُعرض على «Netflix» الموسم الثاني من مسلسل الفانتازيا والمغامرات «Avatar: The Last Airbender»، حيث يواصل «آنق» وأصدقاؤه رحلتهم عبر مملكة الأرض، بينما يسعى الأفاتار إلى إتقان عنصر الأرض ومواصلة طريقه نحو إعادة التوازن إلى العالم.
ويُعرض أيضًا على «Netflix» فِلم الكوميديا «Little Brother»، الذي تدور أحداثه حول وكيل عقارات ناجح تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد عودة شقيقه الأصغر غريب الأطوار فجأة، لتبدأ سلسلة من المواقف الفوضوية وغير المتوقعة.

«Numbers» (1:14)


كان تيرينس بلانشارد قبل دخوله السينما واحدًا من أبرز عازفي الترومبيت في الجاز الأمريكي. بدأ مسيرته مع فرقة «Jazz Messengers» بقيادة آرت بلايكي في الثمانينيات، ثم أصدر ألبومات جاز ناجحة باسمه.
تعرّف بلانشارد إلى سبايك لي أواخر الثمانينيات عندما بدأ العمل في بعض أفلامه موسيقيًّا وعازفًا. في تلك الفترة كان سبايك لي يعتمد غالبًا على والده الملحن بيل لي، لكنه كان يبحث عن هوية موسيقية جديدة لأفلامه. وبعد نجاح التعاون بينهما في «Jungle Fever» عام 1991، أسند إليه تأليف موسيقا «Malcolm X»، الذي كان أضخم مشروع في مسيرته حتى ذلك الوقت.
كانت المهمة صعبة منذ البداية. فالفِلم يمتد إلى أكثر من ثلاث ساعات، ويتنقل بين مراحل متباينة من حياة «مالكوم إكس»؛ من طفولة مضطربة، إلى حياة الشوارع والجريمة، ثم السجن، فالتحول الفكري والديني، وصولًا إلى مكانته بصفته أحد أبرز الرموز السياسية في القرن العشرين. احتاجت هذه الرحلة إلى موسيقا تتسع لكل تلك التحولات وتحافظ في الوقت نفسه على هوية واحدة. لذلك قاد بلانشارد أوركسترا تضم نحو سبعين عازفًا، ودمج بين الجاز والقوسبل والصوت الأوركسترالي الواسع، ليصنع موسيقا تجمع بين الحميمية والهيبة، وترافق تحوّل «مالكوم» من شاب تائه يبحث عن هويته إلى شخصية تركت أثرًا يتجاوز زمنها.
أبرز المقطوعات:
مقطوعة «Numbers»
تظهر المقطوعة خلال مشاهد انخراط «مالكوم» في عالم المراهنات غير القانونية وحياة «هارلم» الصاخبة قبل سجنه. يعتمد اللحن على موسيقا الجاز الكبيرة «Big Band Jazz» بإيقاعات حيوية ونفخيات بارزة، ما يمنح المشاهد إحساسًا بالحركة والثقة والإغراء الذي تمثله هذه الحياة. تعكس الموسيقا أجواء النوادي الليلية والثراء السريع الذي كان يطارد «مالكوم» في شبابه.
مقطوعة «Malcolm Confronts Baines»
تظهر المقطوعة خلال مشهد حوار «مالكوم» مع السجين «بينز» داخل السجن، في بداية التحول الفكري الذي سيغير مسار حياته. يعتمد اللحن على وتريات هادئة ونغمات متأملة تتجنب الدراما الصاخبة، ما يمنح المشهد إحساسًا بالتفكر والاكتشاف.
مقطوعة «Going to Mecca»
تظهر المقطوعة خلال مشاهد رحلة «مالكوم» إلى مكة المكرمة، وهي من أكثر مقطوعات الفِلم روحانيةً وتأثيرًا. تمزج الموسيقا بين الأوركسترا والنغمات الشرقية الخفيفة لتجسد حالة الانفتاح الفكري والروحي التي يعيشها خلال الرحلة، ولتعكس التحول العميق الذي غيّر نظرته إلى العالم والعلاقات بين البشر.
مقطوعة «Malcolm Meets Elijah»
تظهر في المشهد الذي يلتقي فيه «مالكوم» للمرة الأولى زعيم أمة الإسلام «إليجا محمد» بعد خروجه من السجن. يتعامل بلانشارد مع اللحظة بوصفها نقطة تحول مصيرية في حياة الشخصية، لذلك يأتي اللحن أكثر وقارًا وهيبة. تعتمد المقطوعة على الأوركسترا الكلاسيكية مع حضور بارز للنحاسيات والوتريات، ما يمنح اللقاء إحساسًا بالعظمة والإلهام.
مقطوعة «Betty's Conflict»
تظهر المقطوعة خلال مشاهد القلق التي تعيشها «بيتي شاباز» مع تصاعد التهديدات المحيطة بزوجها بعد خلافه مع أمة الإسلام. يبتعد الفِلم هنا عن الخطابات السياسية ليركز على الخوف الذي يعيشه أفراد العائلة. تعتمد الموسيقا على الأوتار الهادئة والطبقات الأوركسترالية الرقيقة، ما يخلق شعورًا بالحزن والترقب.
مقطوعة «Fire»
تظهر خلال مشهد ذكريات طفولة «مالكوم»، خصوصًا اللحظة المرتبطة بإحراق منزل العائلة والعنف الذي تعرضت له أسرته، ثم قتل والده. يعتمد اللحن على أوتار متوترة ونحاسيات حادة تضفي شعورًا بالخطر والصدمة. وتمنح الموسيقا المشهد طابعًا مأساويًّا يعكس الجرح النفسي المبكر الذي رافق «مالكوم» طوال حياته.
عهود أبو خيرة


اليوم نقول أكشن مع المشهد المثير للتأمل من فِلم «Meet Joe Black» للمخرج مارتن بريست.
تدور أحداث الفِلم حول رجل الأعمال الناجح «بيل باريش»، الذي يبدأ بسماع صوت غامض يلاحقه باستمرار، قبل أن يكتشف أنه يعود إلى الموت نفسه. لكن بدلًا من أن يقبض روحه فورًا، يعقد الموت معه صفقةً يؤجل بموجبها موعد رحيله مقابل أن يعرّفه على الحياة البشرية، متخفيًا في هيئة شاب يدعى «جو بلاك».
في هذا المشهد، وبينما ينشغل «بيل باريش» بالعشاء العائلي والتحضيرات الجارية للاحتفال بعيد ميلاده الخامس والستين، يستمر صوت غامض في مناداته بين الحين والآخر؛ صوت لا يسمعه أحد سواه، يلاحقه وسط الأحاديث ويطالبه بالخروج للقائه. ومع تزايد إلحاحه، يتبع «بيل» ذلك النداء المجهول حتى يصل إلى مكتبة المنزل، حيث يتحول الفضول إلى مواجهة حقيقية مع الموت نفسه.
المثير للاهتمام أن مارتن بريست يعتمد بالكامل تقريبًا على خيال المشاهد بدلًا من اعتماده على الخوف المباشر. فبدل أن يلجأ إلى موسيقا مرعبة، أو مكان مظلم، أو مقبرة مهجورة، أو حتى صورة تقليدية للموت مرتبطة بالسواد والهيئات المخيفة، يختار أن يهدم جميع هذه الصور النمطية التي رسختها السينما في أذهاننا عن الموت ولحظة مواجهته.
لكن عندما يحين موعد اللقاء، تكشف تفاصيل المشهد عن رؤية مختلفة تمامًا للموت. اختيار المكتبة مكانًا للمواجهة الأولى يبدو منسجمًا مع الفكرة التي يحملها الفِلم بأكمله. فالمكتبة تُعَد فضاءً يرتبط بالحكمة والمعرفة والتأمل. وبالنظر إلى أن ملك الموت جاء إلى الأرض ليكتشف الحياة ويتعلم من «بيل» وخبراته، تبدو المكتبة المكان الأكثر منطقيةً لهذا اللقاء. هي مساحة تختزن خبرات أجيال كاملة من البشر، وتمثل ذاكرة الإنسان ومعرفته أكثر مما تمثل نهايته.
حتى طريقة تقديم الشخصية بصريًّا تستمر في هذا الاتجاه. فبدل أن يظهر الموت محاطًا بالظلال أو الألوان الداكنة، يختار بريست أن يقدمه خلف زجاج وإضاءة بيضاء هادئة. وهي عناصر ترتبط عادة بالنقاء والسكينة لا بالخوف، ويبلغ هذا التناقض ذروته في اختيار براد بيت لتجسيد الشخصية. فبعد فترة طويلة من سماع صوته فقط، تتشكل في أذهاننا صورة مرعبة للكائن الذي ينتظر «بيل»، قبل أن نُفاجأ بشاب وسيم بملامح هادئة وحضور جذاب. لكن غرابة الشخصية تأتي من تفاصيل أدائها؛ نظرات ثابتة، وقفة جامدة، وطريقة حديث بطيئة ومباشرة تخلو من العواطف البشرية المعتادة. رغم أنه يبدو كأي شخص آخر في الغرفة، فإن حضوره يمنح المشهد شعورًا دائمًا بأن شيئًا غير طبيعي يقف أمامنا.
كما تعزز الأزياء هذا التوجه بالكامل؛ ارتداء الشخصيتين بذلات رسمية يحوّل اللقاء إلى ما يشبه مفاوضةً بين طرفين، أكثر من كونه مواجهةً بين إنسان ومصيره المحتوم. يتماشى ذلك مع جوهر المشهد القائم على صفقة يؤجل فيها الموت موعد الرحيل مقابل أن يتعرف على الحياة البشرية. كل هذه العناصر تعمل معًا لترسيخ فكرة فلسفية يطرحها الفِلم عن الموت؛ حيث يظهر شخصيةً هادئة وواثقة تدرك قوتها ولا تحتاج إلى استعراضها. لذلك يخرج المشاهد منشغلًا بالتفكير في معنى الموت أكثر من الخوف من هيئته.
عهود أبو خيرة

لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅
«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.

فقرة حصريّة
اشترك الآن


كان التاريخ من أكثر الموضوعات التي استحوذت على اهتمام ستانلي كوبريك طوال مسيرته. وقضى سنوات من حياته منغمسًا في دراسة شخصياته وأحداثه وتفاصيله اليومية. فمن جهة، كان معجبًا بالروائي الإنجليزي ويليام ميكبيس ثاكري، وحلم لسنوات بتحويل روايته «Vanity Fair» إلى فِلم، قبل أن يقتنع بأن اتساعها وتشعّبها أكبر من أن يُختزلا في عمل سينمائي واحد.
ومن جهة أخرى، أمضى سنوات طويلة يطوّر مشروعًا ضخمًا عن نابليون، وجمع خلاله كمًّا هائلًا من الأبحاث حول أوربّا في القرن الثامن عشر، وتفاصيلها العسكرية والاجتماعية والسياسية، قبل أن يُلغى المشروع نهائيًّا. لكن لم تذهب هذه الجهود سدى؛ إذ وجد كوبريك لاحقًا عملًا يجمع بين شغفه بالأدب الذي كتبه ثاكري، والعالم التاريخي الذي أمضى سنوات يدرسه ويبحث فيه.
لكن لم تكن هناك عدسة سينمائية في العالم قادرة على تصوير المشاهد التي أرادها كوبريك في هذا العمل. لذلك اشترى ثلاث عدسات نادرة صنعتها زايس لصالح ناسا، وكان عددها الإجمالي عشرًا فقط في العالم. ثم عُدّلت الكاميرات لاستخدامها، التي سمحت بتصوير المشاهد تحت ضوء الشموع وحده، دون أي إضاءة إضافية.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت؟» عن فِلم «Barry Lyndon» الصادر عام 1975:
بدلًا من الاستلهام من الأفلام التاريخية، عاد كوبريك إلى الفن التشكيلي. درس مع مدير التصوير جون ألكوت أعمال رسامين مثل جان أنطوان واتو، وتوماس قينزبورو، وويليام هوقارث، محاولين أن تبدو اللقطات كأنها لوحة زيتية خرجت من القرن الثامن عشر.
بعد الضجة الكبيرة التي أثارها «A Clockwork Orange»، تعامل كوبريك مع مشروعه الجديد بسرّية تامّة. لم يكشف للصحافة سوى أسماء الممثلين المشاركين، وحتى بعض الممثلين لم يعرفوا كثيرًا عن الفِلم. فالممثلة ماريسا بيرينسون، التي أدت دور «ليدي ليندون»، لم يُخبرها كوبريك في البداية إلا بأن الأحداث تدور في القرن الثامن عشر، وطلب منها الابتعاد عن أشعة الشمس للحفاظ على بشرة شاحبة تناسب تلك الفترة.
استغرق تصوير الفِلم نحو 350 يومًا، وهو رقم استثنائي حتى بمعايير الإنتاج الضخم. وأحد الأسباب أن كوبريك لم يكن يخطّط للقطاته على نحو صارم سابقًا، بل كان يراقب أداء الممثلين أولًا، ثم يقرر كيف سيصور المشهد. وأحيانًا كان الفريق يعيد المشهد عشرات المرات، بينما يجرّب زوايا وعدسات مختلفة. حتى الشموع كانت تسبب التأخير، إذ كان لا بد من استبدالها كلما احترقت في أثناء المحاولات المتكررة.
لم يتوقف اهتمام كوبريك بالتفاصيل عند مرحلة التصوير؛ إذ أرسل قبل عرض الفِلم تعليمات مفصّلة إلى مشغّلي أجهزة العرض في صالات السينما، تضمنت نسبة العرض الصحيحة، ومستويات الإضاءة، وحتى الموسيقا التي ينبغي تشغيلها خلال فترة الاستراحة في منتصف الفِلم، كون العمل يمتد إلى ثلاث ساعات، لضمان أن يشاهد الجمهور الفِلم بالطريقة التي تخيلها.
كان كوبريك مصرًّا على تصوير الفِلم في مواقع حقيقية بدل الاعتماد على الاستوديوهات والديكورات المصطنعة، التي كانت شائعةً في الأفلام التاريخية. لذلك قضى فريق الإنتاج وقتًا طويلًا في البحث عن القصور والبيوت والحدائق المناسبة في إنقلترا وأيرلندا، حتى إن كوبريك اتصل بالمخرج كين راسل ليسأله عن المواقع التي استخدمها في أفلامه التاريخية السابقة، ثم استعان بعدد منها في الفِلم.
كان من المقرر أن يُصوَّر جزء من الفِلم في أيرلندا، لكن تغيّرت الخطة بعدما تلقّى كوبريك تحذيرات تفيد بأن اسمه قد أُدرج ضمن قائمة استهداف تابعة للجيش الجمهوري الأيرلندي؛ لتصويره جنودًا بريطانيين داخل البلاد. وأدى ذلك إلى نقل الإنتاج إلى إنقلترا بالكامل، وإلغاء عدد من المشاهد المُخطّط لها.
رغم أن «Barry Lyndon» لم يحقق النجاح التجاري الذي كانت تأمله شركة الإنتاج، حصد على إشادة نقدية واسعة، وفاز بأربع جوائز أوسكار، وهو الرقم الأعلى في مسيرة كوبريك إلى جانب «Spartacus». شملت الجوائز: التصوير، والأزياء، والديكور الفني، والموسيقا. ومع مرور السنوات ارتفعت مكانته أكثر فأكثر، حتى أصبح يُصنَّف اليوم بين أهم الأفلام في تاريخ السينما.
عبدالعزيز خالد

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.