هل تفيدنا كثرة التراخيص فعلًا؟
السؤال الذي يستحق الطرح ليس ما إذا كانت هذه الأهداف نبيلة أو مرغوبة، وإنما ما إذا كانت النتائج الفعلية تحقق هذه الأهداف أو لا!
في مختلف الدول، ومع تعدّد الجهات التنظيمية وتنوعها وتداخلها، يتنامى الاتجاه نحو ترخيص مختلف الأعمال والأنشطة، طلبًا لأسواق «منظمة» تقل فيها المشكلات، وتتحقق فيها المصلحة.
أما كاتب مقالة هذا العدد، أحمد العطاس، فيرى منظورًا آخر للترخيص والتنظيم الكثيف، غالبًا ما يُغفل عنه.
قراءة ماتعة!
عمر العمران

.png)
هل تفيدنا كثرة التراخيص فعلًا؟
أحمد العطاس
ماذا يحدث للسوق عندما تكثر التراخيص والتصاريح؟
تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على الآثار التي تترتب على كثرة التراخيص، دون الخوض في الجدل المتعلق بكون ترخيصٍ معين جيدًا أو سيئًا أو ضروريًّا أو غير ضروري، إذ يختلف ذلك باختلاف طبيعة كل نشاط والغاية من تنظيمه والظروف المحيطة به. إلا أن كثرة التراخيص بحدِّ ذاتها تخلق آثارًا متشابهة تظهر في كثير من الأسواق، وهي آثار تستحق التأمل والدراسة.
والمقصود بالترخيص هو حصول الفرد أو المنشأة على إذن من جهة رسمية لممارسة نشاط معين بعد استيفاء مجموعة من الشروط والمتطلبات التي يحددها المنظِّم. وغالبًا ما يُنظر إلى التراخيص باعتبارها وسيلة فعالة لرفع مستوى الجودة، والحدِّ من الممارسات الضارة، وحماية المستهلك، وضمان حدٍّ أدنى من الكفاءة والاحترافية لدى الممارسين.
غير أن السؤال الذي يستحق الطرح ليس ما إذا كانت هذه الأهداف نبيلة أو مرغوبة، وإنما ما إذا كانت النتائج الفعلية في السوق تطابق هذه الأهداف دائمًا. فهل كل ترخيص جديد يحل المشكلة التي صدر من أجلها؟ أم أن بعض التراخيص لا تقضي على المشكلة بقدر ما تنقلها إلى موضع آخر، أو تستبدل بها مشكلة مختلفة قد تكون أقل ظهورًا، ولكنها أكثر كلفة على السوق والمستهلك؟ فنجاح التنظيم في تحقيق قدر أكبر من الرقابة لا يعني بالضرورة نجاحه في تحقيق أفضل نتيجة اقتصادية، إذ قد ينجح تنظيميًّا في حين يفشل اقتصاديًّا.
الترخيص في جوهره حاجز دخول إلى السوق، إذ يمنع الأفراد والمنشآت من ممارسة نشاط معين ما لم يستوفوا شروطًا ومتطلبات محددة سابقًا. وقد يكون هذا الحاجز مبررًا في بعض المهن والأنشطة عالية الخطورة التي قد يترتب على الخطأ فيها أضرار جسيمة يصعب تداركها، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يمتد هذا المنطق إلى عدد متزايد من الأنشطة التي لا تنطوي على مستوى مماثل من المخاطر. فكل ترخيص جديد يضيف تكلفة زمنية أو مالية أو إجرائية على الراغبين في دخول السوق، ويجعل ممارسة النشاط أكثر تعقيدًا مما كانت عليه.
ومع تراكم التراخيص والاشتراطات، تتحول من وسيلة استثنائية لمعالجة مخاطر محددة إلى عبء اقتصادي واجتماعي دائم، يحدُّ من سهولة ممارسة الأعمال ويقلل من قدرة الأفراد والمنشآت الصغيرة على المنافسة والدخول إلى السوق. ومع انخفاض عدد الممارسين تقل المنافسة بطبيعة الحال، ويصبح المستهلك أمام خيارات أقل من السابق. وعندما يقل عدد المنافسين ترتفع الأسعار غالبًا. فالترخيص الذي فُرض لحماية المستهلك قد ينتهي به الأمر إلى زيادة التكلفة التي يدفعها المستهلك للحصول على الخدمة نفسها.
ويُفترض أحيانًا أن الترخيص هو الوسيلة الوحيدة لضمان الجودة والاحترافية، مع أن الأسواق تمتلك بطبيعتها آليات رقابة وتصحيح لا تقل أهمية في كثير من الحالات؛ فالسمعة السيئة تضر بصاحب النشاط، والتقييمات السلبية تنفر العملاء، والمنافسون يستفيدون من أخطاء غيرهم، كما أن خسارة العملاء تمثل عقوبة اقتصادية مباشرة قد تكون أشد أثرًا من بعض الجزاءات النظامية. ولذلك فإن جودة الخدمات لا تنشأ دائمًا من وجود ترخيص، بل كثيرًا ما تنشأ من الضغوط التنافسية ورغبة المنشآت في المحافظة على عملائها وسمعتها في السوق.
ومن الآثار التي كثيرًا ما تُغفَل أن التراخيص قد تقتل التجربة والابتكار. فالمشروعات الجديدة تبدأ غالبًا كتجارب صغيرة وغير مكتملة، ويعتمد نجاحها على قدرة أصحابها على اختبار الأفكار وتعديلها بسرعة وبتكلفة منخفضة. لكن عندما يصبح الدخول إلى النشاط مشروطًا بسلسلة طويلة من الموافقات والتصاريح والمتطلبات، فإن كثيرًا من الأفكار لا يرى النور أصلًا. فصاحب الفكرة قد يتراجع قبل أن يبدأ، أو يؤجل التجربة حتى يجمع رأس مال أكبر، أو يقرر أن المخاطرة لم تعد تستحق العناء.
.png)
ولنتأمل ما نصَّ عليه التشريع الأوربي الخاص بمنفذ الشاحن (USB-C)، حيث أُلزمت الشركات باعتماد معيار تقني محدد لتحقيق مصلحة تنظيمية تتمثل في توحيد الشواحن وتقليل النفايات الإلكترونية. ورغم ما حققه التشريع من مزايا للمستهلكين، فقد أثار في المقابل انتقادات واسعة من زاوية الابتكار والمنافسة؛ إذ يرى منتقدوه أن فرض معيار تقني بعينه يعني عمليًّا أن الجهة التنظيمية اختارت التقنية الفائزة نيابةً عن السوق، وهو ما قد يحدُّ من حوافز الشركات لتطوير بدائل أفضل أو أكثر تقدمًا مستقبلًا. وقد تؤدي مثل هذه التشريعات إلى تجميد الابتكار عند مستوى تقني معين، لأن الانتقال إلى حلول جديدة يصبح مرتبطًا بتعديل الأنظمة واللوائح، وهي عملية أبطأ بطبيعتها من وتيرة التطور التقني. وصحيح أن النتائج العملية لهذا التشريع لم تُظهر حتى الآن أضرارًا كبيرة، إلا أن أهميته تكمن في كونه مثالًا على المفاضلة الدائمة بين تحقيق الأهداف التنظيمية من جهة، والمحافظة على حرية السوق في التجربة والتطوير واكتشاف حلول جديدة من جهة أخرى.
وتكمن الإشكالية الأعمق في أن الترخيص لا يقتصر على تنظيم النشاط فحسب، بل يتجاوز ذلك، في كثير من الأحيان، إلى تحديد الكيفية التي يجب أن يُمارَس بها النشاط نفسه. فعندما تضع الجهة المرخِّصة شروطًا تفصيلية تتعلق بطريقة الإنتاج أو التأهيل أو تقديم الخدمة، فإنها تصبح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طرفًا في اختيار النموذج الذي ينبغي أن يسود في السوق. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تملك الجهة التنظيمية، وهي ليست طرفًا في عملية الإنتاج أو الاستهلاك، القدرة على معرفة الخيار الأمثل على الدوام؟
في الأسواق الحرة تُحسم هذه المسألة من خلال تفضيلات المستهلكين واختياراتهم، إذ تسعى المنشآت إلى التكيف المستمر مع رغبات العملاء ومتطلباتهم، فتكون نماذج الإنتاج والخدمة انعكاسًا لما تفضله السوق، لا لما تراه جهة تنظيمية معينة. أما حين تُفرض نماذج محددة سابقًا عبر أنظمة الترخيص، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقييد التنوع وتقليص فرص ظهور بدائل أكثر كفاءة أو ابتكارًا.
وفضلًا عن ذلك، تظل صلاحية أي نموذج تنظيمي بطبيعتها مؤقتة، لأن الأسواق تتغير باستمرار وتتبدل معها التقنيات وتفضيلات المستهلكين وأساليب الإنتاج. وبينما تستطيع الشركات تعديل ممارساتها بسرعة استجابةً لهذه المتغيرات، فإن تعديل الأنظمة واللوائح يخضع عادةً لإجراءات أطول وأكثر تعقيدًا. وبذلك فإن ما قد يكون تنظيمًا مناسبًا في لحظة معينة، قد يتحول مع مرور الوقت إلى قيد يحدُّ من قدرة السوق على التكيف والتطور.
ولعل من النتائج الأكثر مفارقة أن كثرة التراخيص قد تدفع بعض الأفراد إلى العمل خارج الإطار النظامي بدلًا من الاندماج فيه. فالتنظيم يفترض أن زيادة المتطلبات تؤدي إلى رفع مستوى الامتثال، لكن هذا الافتراض لا يصح دائمًا. إذ يوجد حدٌّ معين تكون بعده تكلفة الامتثال أعلى من قدرة بعض الممارسين أو أعلى من الفائدة التي يتوقعون تحقيقها من النشاط. وعندما تصل السوق إلى هذه المرحلة لا يختفي النشاط بقدر ما يستمر بصورة غير رسمية.
فلو افترضنا وجود شخص يمتلك مهارة في إصلاح الهواتف أو الحواسيب ويرغب في تقديم خدماته بصورة محدودة من منزله أو عبر الإنترنت، ثم اشترطت عليه سلسلة طويلة من التصاريح والرسوم والدورات والموافقات قبل أن يتمكن من ممارسة العمل نظاميًّا، فقد لا يقرر ترك النشاط نهائيًّا، وإنما قد يواصل العمل على نحو غير رسمي بين معارفه أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
.png)
وهنا لم يتحقق الهدف من التنظيم، لأن النشاط استمر ولكن خارج نطاق الرقابة. وبذلك تخسر السوق فرصة تحول نشاط صغير إلى منشأة نظامية منتجة للوظائف ودافعة للضرائب ومساهمة في النمو الاقتصادي.
ولا يقتصر الأمر على الخروج الكامل من الإطار النظامي، بل قد يأخذ شكل التحايل الجزئي. فقد يلجأ بعض الممارسين إلى استئجار تراخيص الغير، أو تسجيل النشاط باسم شخص آخر، أو تقديم خدمات مختلفة تحت مظلة ترخيص لا يغطيها فعليًّا، أو تجزئة النشاط بطريقة تتجنب بعض الاشتراطات. وكلما زادت الفجوة بين المتطلبات النظامية والواقع العملي ازدادت الحوافز لمثل هذه الممارسات.
وهذه النتيجة تجعل السوق أقل شفافية لا أكثر. فعندما يعمل الناس نظاميًّا، تصبح بياناتهم معروفة ويمكن مراقبة نشاطهم والتحقق من امتثالهم ومحاسبتهم عند الخطأ. أما عندما تدفعهم المتطلبات المبالغ فيها إلى العمل في الظل، فإن القدرة على الرقابة والمتابعة تنخفض، ويصبح اكتشاف المخالفات أكثر صعوبة. وبذلك قد يتحول جزء من النشاط الاقتصادي من سوق ظاهرة ومنظمة إلى سوق خفية يصعب على الجهات التنظيمية متابعتها.
ولهذا فإن نجاح أي نظام ترخيص لا يقاس بعدد التراخيص التي يفرضها، وإنما بنسبة الأشخاص الذين يختارون الامتثال له طوعًا. فالتنظيم الفعال هو الذي يجعل العمل النظامي الخيار الأسهل والأكثر جاذبية، لا الذي يجعل الالتزام مكلفًا إلى درجة تدفع بعض الممارسين إلى البحث عن طرق للالتفاف عليه أو الهروب منه. فحين تصبح تكلفة الامتثال أعلى من تكلفة المخالفة، تبدأ الأهداف التنظيمية نفسها بالتآكل، ويصبح الترخيص سببًا في تقليص الرقابة الفعلية بدلًا من تعزيزها.
ولا يتوقف أثر هذه الظاهرة عند خروج بعض الممارسين من الإطار النظامي، بل يمتد إلى الإضرار بالممارسين الملتزمين أنفسهم. فالشخص أو المنشأة التي التزمت بالحصول على جميع التراخيص واستيفاء الاشتراطات وتحمُّل الرسوم والتكاليف التشغيلية، تجد نفسها في منافسة مباشرة مع أشخاص لم يتحملوا هذه الأعباء أصلًا. وبطبيعة الحال، من لا يدفع تكلفة الامتثال يستطيع تقديم الخدمة بسعر أقل أو تحقيق هامش ربح أعلى، مما يمنحه ميزة تنافسية لا تعود إلى كفاءة أفضل أو جودة أعلى، وإنما إلى تجنبه التكاليف التي تحمَّلها غيره. وعندما يقارن بعض المستهلكين بين السعرين دون إدراك الفروق النظامية بينهما، قد يخسر الملتزم جزءًا من عملائه رغم التزامه الكامل بالأنظمة.
ومع تكرار هذه الحالة ينشأ شعور بالظلم لدى الملتزمين، إذ يجدون أنفسهم يتحملون تكاليف إضافية لا يتحملها منافسوهم، في حين لا يحصلون بالضرورة على ميزة سوقية تعوضهم عنها. والأسوأ من ذلك أن بعض الملتزمين قد يبدأ بالتساؤل عن جدوى الاستمرار في تحمل هذه الأعباء إذا كان المخالف يحقق أرباحًا أكبر ويبيع بسعر أقل.
ولهذا فإن نجاح التنظيم يقاس بقدرته على إبقاء المنافسة عادلة بين الملتزمين وغير الملتزمين. فإذا أصبحت تكلفة الالتزام مرتفعة إلى درجة تمنح المخالف أفضلية اقتصادية واضحة، فإن النظام يبدأ بإنتاج حوافز معاكسة لما كان يستهدفه، حيث يصبح الالتزام أقل جاذبية، بينما تزداد الإغراءات الاقتصادية للتهرب والتحايل. وهذا من أخطر الآثار غير المقصودة لكثرة التراخيص والاشتراطات.
ومما تنبغي الإشارة إليه أن تكلفة التراخيص لا تقتصر على الرسوم التي تُدفع عند إصدارها أو تجديدها، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فوجود نظام ترخيص يستلزم بالضرورة إنشاء أجهزة رقابية، وتوظيف كوادر للإشراف والتفتيش والمتابعة، ووضع إجراءات للتحقق من الامتثال ومعالجة المخالفات وإنفاذ الجزاءات. وهذه التكاليف لا تختفي في الواقع الاقتصادي، وإنما تُموَّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المجتمع، وتنعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك.
.png)
ومن المفارقات أن المستهلك قد ينظر إلى الترخيص باعتباره وسيلة لحمايته، في حين أن أثره لا يقتصر على الحماية، بل يمتد أيضًا إلى تقييد الخيارات المتاحة أمامه. فاشتراط مستوى معين من المعايير أو المواصفات قد يمنع دخول منتجات أو خدمات أقل تكلفة يرغب بعض المستهلكين في الحصول عليها، حتى وإن كانوا على استعداد لتحمل مستوى أدنى من الجودة مقابل سعر أقل. وبذلك لا يقتصر دور الترخيص على ضمان حدٍّ أدنى من الجودة، بل يتحول في بعض الحالات إلى أداة تفرض على جميع المستهلكين مستوًى موحدًا من الجودة والتكلفة، بغض النظر عن اختلاف احتياجاتهم أو تفضيلاتهم أو قدرتهم الشرائية.
ومن الآثار التي يغفُل عنها كثير من الناس أن التراخيص والاشتراطات لا تعمل في فراغ، بل تعمل داخل سوق أصبحت مفتوحة على المنافسة العالمية. ففي الماضي كان من الممكن افتراض أن تقييد مقدم الخدمة المحلي يعني تقييد جميع المنافسين تقريبًا، أما اليوم فإن المستهلك يستطيع الوصول إلى مقدمي خدمات من مختلف دول العالم بضغطة زر. ولذلك فإن التضييق على الممارس المحلي لا يؤدي دائمًا إلى تقليل المنافسة، بل قد يؤدي أحيانًا إلى أن يُستبدل بالمنافس المحلي منافس أجنبي لا يخضع أصلًا للقيود ذاتها.
ويتضح ذلك بصورة أكبر في الأنشطة المرتبطة بالإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والاستشارات والتدريب والتصميم والبرمجة وصناعة المحتوى، وغيرها من الخدمات الرقمية. فإذا فُرضت متطلبات وتراخيص مكلفة على مقدم الخدمة المحلي، في حين يستطيع مقدم خدمة في دولة أخرى أن يقدم الخدمة نفسها إلى الجمهور المحلي دون أن تطوله تلك المتطلبات، فإن النتيجة العملية قد تكون إضعاف قدرة المحلي على المنافسة لا أكثر.
ولنفترض على سبيل المثال أن مستشارًا أو مدربًا محليًّا أصبح مطالبًا بسلسلة من التراخيص والرسوم والاشتراطات قبل أن يتمكن من الإعلان عن خدماته أو تقديمها، في حين يستطيع شخص يقيم خارج البلاد أن يقدم الخدمة ذاتها عبر الإنترنت ويستقبل العملاء أنفسهم دون أن يخضع لتلك الالتزامات؛ هنا لا يختفي الطلب على الخدمة، وإنما ينتقل جزء منه إلى الخارج، ويكون المتضرر الأول هو مقدم الخدمة المحلي الذي حُمِّل بأعباء تنظيمية لا يتحملها منافسه الأجنبي.
ولذا، قد تحقق بعض السياسات التنظيمية نجاحًا كاملًا في تقليل عدد الممارسين المحليين، لكنها لا تقلل عدد الممارسين في السوق الفعلية التي يتعامل معها المستهلك. فالعميل الذي لم يجد الخدمة محليًّا أو وجدها بسعر أعلى، قد يتجه ببساطة إلى مقدم خدمة أجنبي عبر الإنترنت. وعندها تكون النتيجة العملية تحويل جزء من الدخل والإنفاق والفرص الاقتصادية إلى خارج الاقتصاد المحلي بدلًا من بقائها داخله. ولهذا لا ينبغي أن يقتصر تقييم أي نظام ترخيص على النظر إلى السوق المحلية بمعزل عن العالم، بل يجب أن يأخذ في الحسبان سهولة انتقال المستهلك إلى البدائل الأجنبية. فكلما كانت الخدمة قابلة للتقديم عن بعد، ازدادت أهمية هذا العامل.
الجهات التنظيمية بطبيعتها تميل إلى قياس النجاح بمؤشرات تنظيمية، كعدد التراخيص الممنوحة، ونسبة الامتثال، وعدد اللوائح والتعليمات الصادرة، وعدد المخالفات المضبوطة. لكن السوق تقيس النجاح بطريقة مختلفة تمامًا، فهي لا تهتم بعدد النماذج التي عُبِّئت أو عدد الموافقات التي أُصدرت، بل تهتم بجودة الخدمة الفعلية وسعرها وتوفرها وسهولة الوصول إليها. ولذلك قد ينجح نظام ما في تحقيق جميع أهدافه التنظيمية المعلنة، بينما يفشل في تحقيق النتيجة الاقتصادية التي تهم المستهلك. فقد ترتفع نسبة الامتثال وفي الوقت نفسه ترتفع الأسعار، أو تقل الخيارات المتاحة، أو تتباطأ وتيرة الابتكار.
.png)
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في المجالات الفكرية والمهنية التي لا تدور حول حقائق جامدة أو معارف مستقرة بالكامل، فبعض الدعاوى المؤيدة للتوسع في التراخيص تنطلق ضمنًا من افتراض وجود جهة قادرة على تحديد من يملك المعرفة الكافية ومن لا يملكها. غير أن هذا الافتراض أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى، فهو يفترض إمكانية وضع معيار ثابت للصواب في مجالات قد تكون بطبيعتها محل خلاف واجتهاد، ويفترض إمكانية تصميم اختبارات دقيقة وعادلة تقيس الكفاءة الحقيقية لا مجرد القدرة على اجتياز الاختبار.
والتاريخ ممتلئ بأمثلة كانت فيها الأفكار الجديدة أو غير المألوفة مرفوضة من المؤسسات القائمة قبل أن تثبت صحتها لاحقًا. ولهذا فإن احتكار حق الممارسة أو التعبير أو التعليم أو تقديم الرأي يحمل مخاطرة تتجاوز مجرد إقصاء بعض الأفراد، إذ قد يؤدي إلى إقصاء أفكار وأساليب وحلول لم تُمنح أصلًا فرصة الظهور. وكلما توسعت سلطة الترخيص في المجالات الفكرية والمهنية، ارتفعت تكلفة الخطأ المحتمل في قرارات الجهة المنظمة. فالخطأ هنا لا يقتصر على حرمان شخص من ممارسة نشاط ما، بل قد يمتد إلى حرمان المجتمع من خبرات وأفكار ومنافسة كان من الممكن أن تسهم في تطوير المجال نفسه.
ومن زاوية أخرى، كثيرًا ما تُطرح التراخيص تحت شعار «حماية المهنة»، وهو شعار يبدو وجيهًا في ظاهره، فالمهن تحتاج إلى سمعة جيدة ومستوى مقبول من الجودة، ولا أحد يعترض على محاسبة المقصر أو المحتال أو غير المؤهل. لكن الإشكال يظهر عندما تختلط حماية المهنة بحماية الممارسين الحاليين داخلها، فهذان هدفان مختلفان تمامًا، وإن تشابها في الخطاب الظاهري.
فحماية المهنة تعني حماية المستهلك ورفع الجودة وتشجيع الكفاءة، أما حماية الممارسين الحاليين فتعني تقليل عدد الداخلين الجدد، ورفع تكلفة المنافسة، والمحافظة على الامتيازات الاقتصادية القائمة. وقد تبدأ بعض الأنظمة التنظيمية بهدف مشروع، ثم تنتهي عمليًّا إلى خدمة الهدف الثاني دون قصد. فكلما ارتفعت حواجز الدخول إلى السوق، انخفض عدد المنافسين المحتملين، وارتفعت القيمة الاقتصادية لمن تمكَّن من عبور تلك الحواجز أو كان موجودًا قبل فرضها. وهنا يصبح المستفيد الأكبر من القيود الجديدة هم الموجودون داخل السوق أصلًا، بينما يتحمل الداخلون الجدد والمستهلكون الجزء الأكبر من التكلفة.
ولهذا ينبغي التمييز دائمًا بين السؤالين: هل يحمي هذا التنظيم المهنة؟ وهل يحمي المستهلك؟ فقد تكون الإجابة «نعم» في بعض الحالات. لكن ينبغي أيضًا طرح سؤال ثالث لا يقل أهمية: هل يحمي التنظيم المهنة، أم يحمي أصحاب المهنة من المنافسة؟ فالفارق بين السؤالين هو الفارق بين سياسة تهدف إلى تحسين السوق وسياسة تؤدي -ولو بحسن نية- إلى إغلاقها تدريجيًّا.
ختامًا، ليست القضية أن كل ترخيص سيئ، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترخيص هو الحل الافتراضي لكل مشكلة، وعندما يُنظر إلى زيادة الاشتراطات بوصفها تقدمًا بحدِّ ذاته دون النظر إلى آثارها الجانبية. فكل ترخيص جديد لا يضيف فقط طبقة من التنظيم، بل يضيف أيضًا تكلفة جديدة ويغير شكل المنافسة، ويؤثر في عدد الداخلين إلى السوق، وفي الأسعار، وفي الابتكار، وفي العلاقة بين الملتزم والمخالف، بل وفي قدرة المحلي على منافسة الأجنبي. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نزيد التراخيص؟ وإنما: ما الثمن الذي سندفعه مقابلها؟ وهل الفائدة المتحققة تبرر هذه التكلفة؟
فقرة حصريّة
اشترك الآن



.png)
أحيانًا، لا يعرف المصلحون متى يتوقفون عن الإصلاح. على المشرعين أن يدرسوا الأثر الاقتصادي للتشريع: هل أصلًا نحتاج إليه مقابل التكلفة المتوقعة؟
في مقالة «عندما يضرنا التشريع، ونحن لا نعلم»، ينقد محمد آل جابر الإسراف في التشريع واعتباره المسلك الأمثل لحل جميع المشكلات مهما اختلفت، ويسلِّط الضوء على الآثار المختلفة التي يخلِّفها الإفراط في التشريع، والتي يغفل عنها الناس عادةً.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.