نهاية «ورد على فل وياسمين»🥀

زائد: يوم الفوز للأخضر 💚

الأحد 21 يونيو:

أول أيام الأسبوع،

وأول يوم في الصيف،

وأطول يوم في السنة،

وإن شاء الله يوم الفوز للأخضر 🏆💚💪🏻.

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

نهاية «ورد على فل وياسمين»🥀

إيمان أسعد

لا أتذكر آخر مرة شاهدت حلقات متتالية من مسلسل عربي، في جلسة «بنج» لأربع ساعات. لكن هكذا قضيت عصرونية الخميس، مستلقيةً على فراشي الوثير أمام شاشة التلفاز الكبيرة، أرتدي نظارتي المخصصة للمسافات البعيدة، مع كيس شيبس على المنضدة، أشاهد الحلقات الأربع الأخيرة من مسلسل «ورد على فل وياسمين». 

(إذا كنت تشاهد المسلسل ولم تنهِه حتى الآن، ولم تستنبط من العنوان، فالتدوينة بأسرها حرق لأهم حدث، فوجب التنويه!)

وأجل، بكيت على نهاية «إلهام» رغم أنها متوقعة من نهاية الحلقة الثالثة لحظة انكشاف مرضها بسرطان الدم. لكن، مثلي مثل «طارق»، آثرت ألّا أرى الواضح الجليّ وأن أتمسك بشيء من الأمل، أنَّ ما أتوقعه وأريده من الحياة هو تمامًا ما أراه، وتمامًا ما سأناله من صنّاع المسلسل.

ومثلي، مثل كل مشاهد استثمر وقته ومشاعره في المسلسل، كاد ينجلط من الانتقال المفاجئ من مشهد وفاة «إلهام» إلى مشهد تخطِّي «طارق» بعد أربع سنوات؛ متزوجًا زميلته الدكتورة «إيناس» مع ولد بعمر السنة. وما زاد طين التخطي بلَّة (إلى جانب ملامح «طارق» البلهاء وهو يحمل برطمان العسل) أنَّ المسلسل بأسره تخطَّى «إلهام»، ولم يتكرم علينا بنهاية نطمئن بها أيضًا على أحوال عائلتها بعد وفاتها. 

هذه هي ردة الفعل الأولية الجمعيَّة. وما كنا لنثير زوبعةً في «إكس» وفيسبوك أجبرت صنّاع المسلسل على الاعتذار وطلب السماح من المشاهدين على النهاية «المنيّلة بستين نيلة» لو انتهى المسلسل كما تعوَّدنا مع أعمال وروايات درامية على هذا النمط؛ البطل يذهب بزوجته أو حتى على الأقل ابنه إلى قبر حبيبته الأولى، ويترك وردة بنفسج على شاهد القبر، ويشكرها على مرورها في حياته.

إذا فنَّدنا ردة فعلنا الاعتراضية الجمعية على المسلسل، ممكن أن نلخِّصها في نقطتين مهمتين: مع موت «إلهام»، فشل المسلسل في منح الأمل لمريضات السرطان وعوائلهن؛ وفي زواج «طارق» بـ«إيناس» انتصارٌ للتمييز الطبقي، وعودة الابن الضال إلى حكمة أبيه. 

قد تخدعنا أجواء المسلسل بوروده وزهوره، وبحبكته اللطيفة واعتدال الطيبة والشر في شخوصه، ومقدمته الطربية السعيدة، إلى التصديق بأنَّ المسلسل كان مطالبًا بتحقيق الهدفين أعلاه. لكن إذا فكرنا جيدًا في القصة وفتحنا أعيننا، سنرى أنَّ غضبتنا على نهاية المسلسل تسيء إلى شخصية «إلهام» والمرأة التي تمثِّلها في المجتمع.

لنعُد إلى البداية، لماذا ماتت «إلهام» بسرعة من السرطان؟ لأنها عانت منه سنوات طويلة دون مراجعة طبيب أو تحاليل. وضعها الاقتصادي، الذي حال دون حصولها على تأمين صحي، ما كان ليشجعها على الذهاب إلى المستشفى لأعراض يمكن تفسيرها بأنها دوخة وتعب ومغص خفيف. ولا داعي للحديث عن المستشفيات الحكومية التي لا تشجع أحدًا على وطئها إلا في «الشديد القوي».

كل الأدوية التي حصلت عليها إما من خلال دكتور «طارق» بأسعار باهظة، وإما من خلال وساطة «شيماء» في المستشفى الحكومي. حتى مراجعة أشهر طبيب أورام في البلد هي نتيجة واسطة. امرأة مثلها، كما قالت أمها، حتى لو حفيت للوصول إليه ما كانت حتى ستعرف اسمه أساسًا.

ولنفترض أنَّ لديها موردًا ماليًّا يمكِّنها من نيل العلاج، كم امرأة مقتدرة ماليًّا نعرف في حياتنا لم تذهب إلى المستشفى لأنها أيضًا نظرت إلى أعراضها بأنها مجرد تعب من المسؤوليات الملقاة عليها؟ هي الأم، والابنة الراعية للوالدين المسنَّين، والأخت الحاملة هموم إخوتها. وإذا ذهبت إلى طبيب، كم مرة ستسمع «مفيش حاجة، كلها شوية تعب ودوخة» ويكتب لها مقويات وفيتامينات؟ (ليس سرًّا أنَّ المرأة لا تُمنَح وقتها من التشخيص، ولا يتعامل الأطباء بجدية مع شكاواها من التعب العام.)

موت «إلهام» هو النهاية المنطقية لمريضة سرطان في وضعها، ولا يُفترض به أن يمنح أملًا خادعًا للمرأة بأن لا بأس من إهمال صحتها لأعوام مما يؤدي إلى تأخر التشخيص. ولا أن يغطي حقيقة أن أحد أهم الجوانب القاتلة في السرطان ارتباطه بالوضع الاقتصادي للمريض؛ هذا المرض كارثة اقتصادية على من يُصاب به قبل أن يكون كارثة صحية.

نعود الآن إلى النقطة الثانية. لماذا التخطي؟ ثمة قاعدة قصصية تقول إن النهايات مرسومة في البدايات، ونهاية «إلهام» مرسومة في عادة رمي «طارق» الوردة البلدي من نافذة سلم العمارة كل صباح بعدما تذبل، وهو في طريقه إلى متابعة يومه ومواصلة خطة أبيه للمستقبل.

لا أقول إن «طارق» قاسي القلب، لكنه بالتأكيد أعمى البصيرة، ولا يرى الواضح أمامه. تحضرني هنا الغرابة في عدم إدراكه أن اللاعب الذي يشاركه أفكاره ودواخله منذ عامين ليس سوى ولد، ونحن شاركناه هذا الإدراك الزائف من خلال الصوت البالغ الذي يسمعه. ليتحوَّل هذا الصوت في المشهد الأخير إلى طبيعته.

كذلك، كما أشارت «إلهام» لدى زيارته بائعة الورد معها، أنَّه توهَّم بأن المرأة تكنُّ له المشاعر، لكن لا شيء مما ظنَّ أنه رآه موجود. فإذا كان غير مدرك للطفل ولا مدرك لبرود بائعة الورد تجاهه، فلماذا نفترض أنه كان مبصرًا في قصة حبه مع «إلهام»؟ الحب الذي لم يبدأ إلا حين عرف إصابتها بالسرطان من «إيناس»، بعد مشاعر من الازدراء الطبقي تجاه «إلهام» ومنطقتها ومحيطها، مشاعر لم يخفِها وصرَّح بها في صراخه عليها في قسم الشرطة.

كانت «إلهام» مدركةً ذلك، وربما منذ البداية. لكنها مارست حقها في أيام أخيرة من السعادة، مع شاب أصغر منها ومثال للفارس الأبيض. الورد، بكل أسمائه، لم يكن استعارةً عن «إلهام» وجمالها الذابل، إنما استعارة للسعادة العابرة سريعة الزوال؛ سعادة تشبثت بها «إلهام» لأنه حقها الأخير من حياتها الصعبة، وعاشها «طارق» حتى ذبولها المؤكد لكي يثبت لنفسه أنه قادر على الاختيار (وشراء عجلة بدل شهادة الاستثمار). نجد هذا التشبث لدى «إلهام» حين لم تتمسك باستعادة ابنها «كريم» من زوجها السابق؛ لم تصرخ ولم تتعارك، بل خرجت بكل هدوء من بيته. لأنها كما اعترفت لـ«طارق»، كانت مرهقةً للغاية وتريد حقها في الراحة.

لذا صحيح، ورغم نفي صنّاع المسلسل، فإنَّ المسلسل ينتصر للطبقية والواقعية والعودة إلى حكم العقل في اتخاذ قرارات الزواج والعمل والمستقبل، ولولا السرطان وسمة الزوال السريع التي أضفاها على قصة الحب بين «إلهام» و«طارق» لما عاشت يومًا. أما برطمان العسل في الخزانة فلا أراه كما يقول صنّاع المسلسل في اعتذارهم؛ ذكرى وحيدة باقية على قصة الحب، إنما تذكير لـ«طارق» بأنه كاد يضيِّع مستقبله. هذا التفسير الوحيد للملامح البلهاء التي ارتسمت عليه وهو يحمله بدل الحنين والفقد.

أما إذا أردنا اعتماد التفسير بأن مرور «إلهام» غيَّر «طارق»، مع عدم وجود أوهى دليل على هذا التغيير، لأنه فعل تمامًا ما كان سيفعل قبل لقائه بها، فإننا نكرِّس هنا دور الطبقة الفقيرة في هامش حياتنا بصفتنا موسرين. مجرد دروس عابرة لنا يُفترض أن تحسِّن شخصياتنا وأخلاقنا وتكسبنا الأجر والثواب، دون أن تلزمنا حق إعادة الدين لهم والدفاع عنهم وعن حقهم في تحسين جودة حياتهم.

مثلهم مثل الورد البلدي الذي نرميه قبل أن نواصل حياتنا.


مساحات العمل، مكان يرافقك ساعات طويلة في يومك.

ولراحتك، ننتقي كل عنصر ليعكس شخصية علامتك ويمثلها.

تعرف على منتجاتنا وخدماتنا في «أوفيس هب» من هنا


  • «أحب القبعات والأشياء الجميلة، ولكن ليس عليّ أن أرهن مستقبلي لشرائها.» جين ويبستر

  • هل تعرف أنَّ الكروشيه كان دلالة طبقية على الفقراء إلى أن ارتدته الملكة فكتوريا؟

  • في مقالٍ فنيّ، تسأل سارة الراجحي: «ماذا يحدث للصورة حين تغادر الأرشيف وتُعلَّق على جدار المتحف؟»

  • البطة يوم فقدت البحيرة.


نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+50 متابع في آخر 7 أيام