هل نحتاج إلى علم نفس إسلامي؟
نحن نرى الشمس تشرق يوميًّا، لكن تفاعلنا مع الشروق يختلف من شخص إلى آخر!
يشيع اعتقاد ارتباط العلوم الاجتماعية وحدها بخصائص كل مجتمع، مثل ثقافته ودينه، أما العلوم الطبيعية، مثل الهندسة والطب، فتكون مشاعة وموحَّدة بين البشر.
لا يدرك أصحاب هذا الاعتقاد أن العلوم الطبيعية والإنسانية، على حدٍّ سواء، لم توجد وتُطوَّر إلا لخدمة حاجات الناس؛ فإذا كانوا عربًا ومسلمين، فلا بد أن تتوافق تلك العلوم الطبيعية والإنسانية مع حاجاتهم.
فمبادئ الهندسة المدنية هي ذاتها في كل مكان في الكون وليس فقط في الأرض، ولكن لكل مكان وزمان خاصياته البيئية والثقافية والاقتصادية التي تغيِّر من طريقة تطبيق هذا العلم كليًّا. والأمر ذاته مع الصحة النفسية وكل العلوم بلا استثناء.
فعندما يكون الدين عندنا هو المؤثِّر الأول والمقدَّم على كل ما سواه في كل شؤون حياتنا، ثم نجنِّبه ونستورد التطبيقات العلمية من غربٍ لا يشبهنا ولا يشاركنا احتياجاتنا ولا مشكلاتنا ولا حلولنا، فهذا ليس إلا كسلًا مخزيًا، ويزداد الخزي عندما يروِّج لذلك من يُفترض أنه متعلم وعالم.
يجول هذا العدد في هذا الموضوع، ويقدِّم مقالةً تطبيقية على مجال علم النفس تحديدًا.
قراءة ماتعة!
عمر العمران


هل نحتاج إلى علم نفس إسلامي؟
معاذ العميرين
أتذكر جيدًا اللحظة الأولى التي شهدت فيها شروق الشمس على ضِفاف البحر؛ كنت خارجًا من مسجد الحيِّ بعد أداء صلاة الفجر، متجهًا إلى الشاطئ القريب من منزلنا برفقة أخي الأكبر. مشيت على جانب الطريق تحت أعمدة الإنارة، ملتقطًا نظرات الفخر من أعين الجيران الناعسة. كنت أبلغ من العمر ثماني سنوات؛ مجرد طالب صغير مستمتع بأيام إجازته الصيفية، حيث تمتد فترات اللعب إلى أوقاتٍ متأخرة، وتتبدل ساعات النوم من الليل إلى الصباح.
عند وصولنا إلى الشاطئ، وقفت فوق الرمال المبتلَّة أحدق نحو الأفق، حين كان أخي الأكبر يقلِّب الأصداف المتناثرة بحثًا عن أسرار البحر وكائناته. لم تشتتني حركته المستمرة عن منظر إشراق الشمس، إذ بدت كما لو أنها تصعد من عمق الخليج، باسطةً أشعتها الذهبية على المياه المتحركة أمامها.
صوت الموج، نسمة الهواء، ضوء الشمس، أيام الإجازة، ابتسامات الجيران، مرافقة أخي الأكبر، رائحة فطائر الزعتر، الألعاب الجديدة، الحصول على تقدير ممتاز في المدرسة، وبالطبع، صلاة الفجر في المسجد.
أتذكر هذه التفاصيل جيدًا لارتباطها بمشاعر غمرت وجداني في أثناء وقوفي أمام البحر، حيث شعرت بالسكينة والطمأنينة في تلك اللحظة، شعرت كما لو أن الشمس قد أشرقت على عالمٍ مختلف، عالم يعدنا بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
في ذلك الصباح، لم يكن بمقدوري فهم هذه المشاعر وتحليلها، لكن تشكَّلت لدي قناعة مبدئية حيالها: كان شعوري بالسكينة شعورًا حقيقيًّا مرتبطًا بكل ما له علاقة بتلك اللحظة؛ حقيقي في ارتباطه بأداء الصلاة، حقيقي في ارتباطه بابتسامات الجيران، حقيقي في ارتباطه بأخي الأكبر. ولا يمكن لأحد أن يقنعني بغير ذلك، لأني أنا من شعر بالسكينة، وأنا من يعي ارتباطاتها ومعانيها.
كنت مؤمنًا بهذه الفكرة منذ الصغر، قبل استيعابي كافة أبعادها المختلفة مع مرور الوقت.
تغيرت كثير من الأمور خلال العشرين سنة الماضية؛ لم يعد ذلك الجزء من الشاطئ المطل على الخليج العربي موجودًا، إذ تحول إلى مشروع تجاري كبير. كما أُغلق مخبز الفطائر ومتجر الألعاب وغيرها من المشاريع التجارية في الحي.
وعلى الصعيد الشخصي، أصبحت طبيبًا مهتمًّا بالعلوم المعرفية، وتعلمت كثيرًا من المفاهيم المثيرة، على رأسها مفهوم «الخبرة الذاتية» (Subjective Experience)، الذي يخوض في ما يختبره الفرد على المستوى الوجداني حين يتفاعل مع البيئة المحيطة به.
ازداد اهتمامي بطبيعة تنوع الخبرات الذاتية بين البشر، وتعمَّقت في بحثي عن أجوبة الأسئلة الأكثر تعقيدًا في هذا الموضوع: ما العوامل المؤثرة في خبرات الإنسان اليومية؟ وكيف تشكِّل هذه العوامل خبراتنا المتنوعة؟
بعد سنوات من الاطلاع وقراءة الكتب عن هذه الظاهرة المعقدة، عدت بذاكرتي إلى لحظة وقوفي أمام البحر مجددًا، لأعيد تقييم خبرتي آنذاك على ضوء ما أعرفه اليوم.
لغز الخبرات الذاتية
يمكنني الآن القول -بشيء من الثقة- إن سكينتي في ذلك الصباح كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعدة عوامل لا يمكن اختزالها:
العامل الديني (في أداء الصلاة).
والعامل الاجتماعي (في ترابط الجيران).
والعامل النفسي (في صفاء الذهن وخلوِّه من المعكرات).
والعامل البيولوجي (في صحة الجسد وخلوِّه من الاضطرابات).
مع التشديد على أهمية القِيَم الشخصية عند محاولة فهم أي خبرة يعيشها الإنسان. إذ لا يمكن فهم مشاعري في تلك اللحظة بمعزل عما أراه ذا قيمة من منظوري الخاص (كالدين والأسرة والمجتمع)، فهذه القِيَم محمَّلة بالمعتقدات التي تجعل من الصلاة والأخوة والجيرة مصادر باعثة للسكينة في حياتي.
لكن هذا ليس كل ما في الأمر؛ فمن موقفي اليوم، أرى أني أسأت تقدير الحدود الذاتية لخبرتي ذلك الصباح. فالعالم لم يكن على ما يرام عند الجميع، وفي اللحظة التي شعرت فيها بالسكينة، كان هناك من يعيش أسوأ أيام حياته!
لقد عددت وجود أخي بجانبي أمرًا مسلَّمًا به وتجسيدًا للحماية الأخوية، دون أن يخطر ببالي -لصِغر سني وجهلي بطبيعة البشر- أن هناك من ينشأ في بيوت يُستباح فيها الأذى، وتغيب عنها الطمأنينة المورَّثَة في الترابط الأسري. استوعبت لاحقًا أن هذه الحياة المضطربة، التي يكابدها ملايين الناس حول العالم، تُفرِّغ مفهوم الأسرة لديهم من معاني الحماية والمحبة والتعاضد، لتستبدل بها معاني أخرى متجذرة في الخوف والقلق وانعدام الأمن.
فما تمثله علاقتي بأخي، يختلف عما تمثله للفتى الـمُعَنَّف من أسرته. وهذا ينطبق على جميع العلاقات الكبرى في حياة الإنسان (كعلاقته بدينه ووطنه ونفسه). لم أكن أعي آنذاك أن شعوري هو نتاج ظروف استثنائية غير قابلة للقياس بحياة الآخرين، مما جعلني مخطئًا حين اعتقدت أن العالم بأكمله على ما يرام، فهذا انعكاس لخبرتي بناءً على قِيَمي المستقاة من حياتي.
ومن هنا يُفتح الباب لمزيد من التساؤلات المقلقة: ماذا يخبرنا تنوع الخبرات البشرية عن العالم الذي نحيا فيه؟ هل نعيش في عوالم منعزلة لا يربطها واقع مشترك؟
بالطبع لا؛ فتنوع الخبرات في أساسه يعود إلى اختلاف تفاعلنا مع العالم، لا اختلاف العالم نفسه. فهناك مجموعة شمسية، تتضمن كرتنا الأرضية التي نعيش فيها جميعًا. نحن نتشارك هذا الواقع، ونتشارك هذه الأرض وظواهرها الطبيعية. نحن نرى الشمس تشرق يوميًّا، لكن تفاعلنا مع الشروق يختلف من شخص إلى آخر: أنا قد أشعر بالسكينة والطمأنينة، وأنت قد تشعر بالإلهام والحيوية، وثالثنا قد يشعر بحاجة ملحَّة إلى تصوير المنظر ومشاركته على مواقع التواصل.
هذا الاختلاف في التفاعل والقِيَم والمعاني، وما ينتج عنه من تنوع في خبرات البشر، ينعكس بصورة مباشرة على حياتنا اليومية، بما فيها من خبرات أسرية (داخل البيوت)، وخبرات أكاديمية (داخل المدارس)، وخبرات دينية (داخل المساجد).
فشعور المصلي بعد أداء الصلاة قد لا يتطابق بالضرورة مع شعور المصلي الآخر بجانبه، وهذا لأنه بالرغم من ثبات قيمة التدين وأهميته لدى جميع المصلين، نجد أن تنوع العوامل الأخرى يلعب دورًا محوريًّا في اختلاف خبراتهم الدينية.
فعلى المستوى الديني: هناك من لم يتمكن من الخشوع.
وعلى المستوى الاجتماعي: هناك من تشاجر مع جاره قبل دخول المسجد.
وعلى المستوى النفسي: هناك من يصارع هموم الحياة ومشقاتها.
وعلى المستوى البيولوجي: هناك من يقاوم الألم الجسدي الذي اشتد عليه.
ومع ذلك، هذه ليست معادلة رياضية ثابتة بنتائج حتمية، فقد يشعر كل هؤلاء بقدر متفاوت من السكينة على الرغم من آلامهم وهمومهم، مما يؤكد الطبيعة المعقدة للخبرات الدينية الرافضة للتبسيط، ومما يفسر عجزنا عن الإحاطة بأبعادها الكاملة منذ فجر التاريخ إلى يومنا الحاضر.
ويبقى السؤال هنا: كيف نفهم تنوع الخبرات الدينية فهمًا سليمًا يمكننا من مساعدة الناس على بلوغ الراحة النفسية؟
أصل المجالات المعرفية
لو توقفنا عند هذا السؤال قليلًا وتأملنا صياغته، سنجد أن مفهوم «الخبرة الدينية» يقع في منطقة تقاطع ثلاثة مجالات معرفية: الدين والفلسفة والعلم. هذا يضعنا في موقف متشابك قبل محاولة الإجابة عن سؤالنا الرئيس، مما يستلزمنا تحديد التوجه الأنسب لدراسة هذه الظاهرة المعقدة.
لكن قبل الخوض في المعمعة، دعونا أولًا نتتبع جذور هذه المجالات المعرفية لنتبين فروقاتها ونستكشف غاياتها، حتى نتأكد بأنفسنا أننا أمام مجالات متعارضة لا تقبل المواءمة. فكثير مما تؤرخه الكتابات عن صراع الدين والفلسفة والعلم يبدو مصطنعًا ومنحازًا لخدمة سردياتِ تقدُّم الحضارة (في الحالة الغربية) أو تخلفها (في الحالة الشرقية).
وكل ما علينا فعله الآن هو العودة إلى أصل المسألة: ما الذي يدفع البشر إلى استكشاف المجهول؟ لماذا نسعى لفهم أنفسنا والعالم من حولنا؟
إن الإنسان، بطبيعته المعرَّضة للفناء، يخشى ما يجهله وما لا يمكنه السيطرة عليه، لأنه يشكل تهديدًا وجوديًّا يتربَّص به في الظلال. من هذه الزاوية الأنثروبولوجية، يمكننا القول إن الدافع وراء سعينا المعرفي هو محاولة استباق الخطر المحتمل لما نجهل طبيعته، بغية إحكام سيطرتنا على أثره، وتسخير ما يمكن تسخيره لخدمة احتياجاتنا الخاصة. ولا ينحصر مفهوم «الاستكشاف المعرفي» على ما يكتنفه الغموض في العالم المادي فقط، بل يمتد إلى ما وراء ذلك ليشمل العوالم الغيبية كما تصورتها المجتمعات الأولى في التاريخ القديم.
لهذا السبب، حرصت مجتمعات تلك العصور الغابرة على تناقل معارفها المادية لضمان نجاة أجيالها الجديدة من أخطار البيئة:
«لا تأكل هذه النبتة السامة».
«لا تقترب من كهوف الدببة».
«لا تبحر مع قدوم العواصف».
وفي كثير من الأحيان، نجد الإرث المعرفي لهذه المجتمعات يمزج الماديات بالغيبيات في قالب أسطوري يورث متلقيه قِيَم النجاة الضرورية؛ كأن يُقال:
«هذه النبتة تنمو في غابة مسحورة».
«هذه الكهوف تسكنها أرواح شريرة».
«لا تبحر قبل تقديم القرابين لتهدئة العواصف».
هذا هو أصل المعرفة وغايتها البدائية قبل تفرُّعات التعليم وتشكُّل تخصصاته المتنوعة؛ فقد كانت المعرفة بصورتها الخام معنيةً باستكشاف المجهول وتحديد قيمته، ثم التصرف بناء عليها بما يضمن سلامة الفرد ونجاته في العالَمين المادي والغيبي.
وعلى هذا الأساس، يمكننا استخلاص نموذج عام يحدد مستويات اشتغال المعرفة:
معرفة حقيقة الأشياء.
معرفة قيمة الأشياء ومعانيها.
معرفة ما يجب علينا فعله.
اليوم، نحن نعيش في مرحلة تاريخية مختلفة، مرحلة تتسم بالتراكم المعرفي الهائل. فبعد آلاف السنوات من الاستكشاف والتجارب والتفكُّر، زاد الاختلاف بين الباحثين عن المعرفة في ما يجب التركيز عليه. هناك من أراد معرفة حقيقة الأشياء على الأرض، وهناك من أراد اكتشاف حقيقة الأشياء في السماء؛ هناك من أراد الاستدلال على حقيقة الأشياء بالعقل، وهناك من أراد فهم معنى الأشياء من التعاليم المقدسة.
وعلى هذا المنوال الممتد لعصور طويلة، تفرَّعت المعرفة الإنسانية لتشمل معارف دينية وفلسفية وعلمية تساعدنا على فهم أنفسنا والعالم من حولنا.
ومع ذلك، يبقى الدافع المعرفي هو ذاته؛ السعي لاستيفاء المستويات الجوهرية الثلاثة:
فالأديان مثلًا، تشتغل على جميع مستويات المعرفة، مع التركيز على الحقيقة الغيبية المتجاوزة لحدود الإدراك البشري. وعلى رأس هذه المعارف، يأتي ديننا الإسلامي باعتباره أكمل الأديان وأشملها من الناحية الروحانية والقيمية والتنظيمية.
كما أن الفلسفة بمختلف مدارسها، تشتغل أيضًا على جميع المستويات، مع تخصص كل مدرسة في مجال محدد. فهناك مدارس معنية بالبحث عن حقيقة الموجودات في العالم، ومدارس أخرى تبحث عن مبادئ العيش الطيب والأخلاق الحسنة والقيم الجمالية.
ولا يخفى على دارس التاريخ وجود توتراتٍ ناتجة عن الاختلافات المنهجية بين هذين المجالين، إذ اعتمدت الأديان على النصوص المقدسة لنقل حقيقة الوجود إلى البشر، في حين عوَّلت الفلسفة على مَلكات العقل، مراهنةً على قدرة البشر على بلوغ الحقائق دون وساطةٍ دينية. وبالرغم من هذه الاختلافات، نجد في تاريخ الفكر كثيرًا من الفلاسفة المتدينين الذين سعوا إلى إقامة توازن بين مركزية النص وأهمية العقل، مما يؤكد أن صراع الدين والفلسفة ليس أمرًا حتميًّا في نهاية المطاف.
ثم نأتي بعد ذلك إلى العلم، الأخ العبقري الصغير، الذي سعى للهيمنة على المعرفة الإنسانية طوال القرنين الماضيين.
العلم يتسيَّد المشهد
إن تاريخ العلم ومناهجه ومدارسه وإنجازاته وإخفاقاته تحتاج إلى مجلداتٍ ضخمة لتوثَّق توثيقًا كاملًا لا اختزال فيه. وهذا، بطبيعة الحال، ليس هدفنا هنا، لأننا لا نملك القدرة ولا المساحة لذلك.
فما سنفعله الآن هو التركيز على الجانب التاريخي لتطور مفهوم العلم كما أورده المؤرخ إيمانويل فالرشتاين في كتابه «تحليل نظم العالم»، حيث يخبرنا أن تاريخ محاولات البشر لفهم العالم وممارساتهم لرصد ظواهر الطبيعة، تختلف عن تاريخ العلم باعتباره مجالًا معرفيًّا مُستقلًّا يُدرَّس في الجامعات.
ماذا نقصد بذلك؟ ألا تُعد ممارسات رصد ظواهر الطبيعة ممارسة علمية؟ وما الذي يجعلها مختلفة في السابق عن الممارسات المنهجية التي نعرفها اليوم؟
هنا يعيد فالرشتاين تأكيد ما سبق طرحه بخصوص أصل المعرفة، إذ لم تكن هناك حدود فاصلة ما بين الدين والفلسفة والعلم. فقد اتسمت المعرفة الإنسانية قبل عدة قرون بدرجة عالية من التشابك والتمازج والعمل نحو استيفاء المستويات الجوهرية الثلاثة. ويذكر فالرشتاين أن أقسام الفلسفة في المؤسسات التعليمية آنذاك كانت تضم العلوم الطبيعية والإنسانية والفنية معًا تحت سقف واحد؛ كل هذه المعارف في إطار موحد يبحث عن الحقيقة والمعنى والخير عند محاولة فهمه الحياة.
لكن الظروف الاستثنائية التي شهدها العالم الجديد بعد القرن الثامن عشر، من التحولات السياسية (كثورة فرنسا عام 1789) والتطورات التقنية (كاختراع محركات البخار) والتراكمات المعرفية (في شتى المجالات)، أفضت إلى انفصال المعارف عن بعضها بصورة نهائية. إذ ظهرت أعداد متزايدة من الباحثين المشككين في قدرة المنهجيات الفلسفية على بلوغ الحقائق، والداعين إلى أن تُستبدل بها منهجيات قائمة على التجريب والقياس والملاحظة، مع المطالبة بإنشاء أقسام مستقلة تُعنى بالبحث العلمي وفق معايير منهجية دقيقة.
من هذه المرحلة المفصلية، بدأ ما يُعرف باسم «الطلاق المعرفي» بين مختلف المجالات، وترسَّخ المبدأ القائل بأن الطريق الوحيد إلى الحقيقة يمر عبر الاستقراء المنضبط بالتجربة، لا بالتأمل العقلي الخالص، أو بالنصوص الدينية المقدسة!
هذا يعيدنا إلى النموذج العام ومستوياته الجوهرية الثلاثة، لنتتبع أثر «الطلاق» في انقسام وحدة القِيَم المعرفية، ودوره في استفراد العلم بالبحث عن حقائق العالم وظواهره الطبيعية:
فمعرفة حقيقة الأشياء.. أصبحت وظيفة العلم فقط.
ومعرفة قيمة الأشياء ومعانيها.. لا علاقة لها بالعلم، وتُركت لبقية المعارف البشرية.
ومعرفة ما يجب علينا فعله.. لا علاقة لها بالعلم، وتُركت لبقية المعارف البشرية.
من هذا المنظور العلمي المستحدث، تنفصل الحقيقة عن المعنى والخير والجمال، لتكون قيمة معرفية مستقلة عن الإنسان، ومرتبطة بالطبيعة، وخاضعة للقوانين المادية التي تسيِّر العالم.
وقد نجحت هذه الرؤية في صياغة مفاهيمنا عن المعرفة وغاياتها، خصوصًا مع تتابع القفزات الحضارية التي تحققت بفضل العلم على مدى العقود الماضية، لترسم في أذهاننا تصورات تقبَّلناها كحقائق بديهية لا نقاش فيها:
كل ما في هذا العالم خاضع لمبادئ الطبيعة وقوانينها المادية.
السبيل الوحيد لمعرفة حقيقة العالم هو من خلال العلوم الطبيعية.
الإنسان هو أحد منتجات الطبيعة، ما يجعله خاضعًا للمبادئ والقوانين المادية نفسها.
بناء على كل ما ذكر، يُستنتج أن الظواهر الإنسانية -مهما بلغت من التعقيد- يمكن اختزالها إلى الأصل المادي للإنسان، لتُدرَس وتُحلَّل وتُفهَم من منظور العلوم الطبيعية.
مع هذه التصورات، نجد أنفسنا قد عدنا من حيث بدأنا، لنسأل مرة أخرى: كيف نفهم طبيعة الظواهر النفسانية كالشعور بالسكينة بعد أداء الصلاة؟ هل يمكن إرجاع هذه الخبرة الدينية إلى أصل مادي مشترك؟ وما تفسير تنوع الخبرات بين البشر؟
هنا يقرُّ أصحاب التوجه العلمي الصارم بأن إجابة هذه الأسئلة ليست بسيطة، لكنها ليست معقدة أيضًا؛ فكل ما علينا فعله هو دراسة نشاط دماغ المصلي قبل أدائه الصلاة وفي أثنائها وبعدها، ليتبين لنا أثرها الحقيقي والملاحظ والقابل للقياس والمقارنة. لا مكان للتفاسير الدينية أو الفلسفية داخل مختبرات علوم الأعصاب، لا شيء هناك سوى الأجهزة التقنية الحديثة والمناهج التجريبية الدقيقة.
دعونا الآن نتوقف داخل المختبر قليلًا ونتأمل الوضع الراهن بين أجهزة تصوير الدماغ؛ ألا يبدو غريبًا عزل الدين والفلسفة عند محاولتنا فهم الإنسان وخبراته الدينية؟
الفيل في المختبر
نعم بالتأكيد. هذا غريب، غريب بالفعل!
فلا يمكننا تقسيم المعارف الإنسانية عند محاولة فهم الإنسان، لأن هذا سيؤدي إلى تشكُّل تصورات منقوصة ومشوهة لا تفسر ما تحاول تفسيره عن طبيعتنا المعقدة.
وبصياغة أخرى نقول: إن الفلسفة دائمًا ما تكون حاضرة داخل المختبر، سواء علمنا بذلك أم لم نعلم. إنها متأصلة في نظرتنا إلى الحياة ونظرتنا إلى العالم ونظرتنا إلى أنفسنا؛ إنها الأساس الفكري الذي ينطلق منه الإنتاج المعرفي. وهذا أمر في غاية الأهمية. وغالبًا ما يتجاهله العلماء بسبب انخداعهم بالتصورات المادية التي تزعم أنه لا وجود للفلسفة في مجال اشتغالهم.
إن الملاحظة العلمية، كأي ملاحظة أخرى، تنطلق من مكانٍ ما، وهذا لا يؤثر في موضوعيتها، إلا في حال كانت المنطلقات في ذاتها ليست صحيحة.
فالباحث الأكاديمي هو إنسان قبل أن يكون عالِمًا متخصصًا يبحث عن حقيقة الظواهر في الحياة؛ هو ابن بيئته التي تشكَّلت بتأثير سياقاتٍ تاريخية وسياسية واجتماعية معينة؛ هو شخص بأفكار ومعتقدات وطموحات خاصة؛ هو موظف تابع لمنشأة أكاديمية لها معاييرها وعلاقاتها وميزانياتها. كل هذه الأشياء الصغيرة والكبيرة، المصرح عنها والدفينة، ستجد طريقها إلى الاشتغال المعرفي، لتحدِّد «ماذا» سيدرس الباحث؟ و«كيف» سيدرسه؟
هذه هي طبيعة البشر في ما يتعلق بإنتاجهم المعرفة؛ فهناك قصة خلف كل اكتشاف، وهناك موقف خلف كل ملاحظة . لهذا السبب، أصبح هناك فرع معرفي يُسمى «فلسفة العلوم» يتيح لنا تقييم المنطلقات الفلسفية خلف الملاحظات العلمية لنتبين ما إذا كانت سليمة أم لا.
وهذا ما نحن بصدد فعله هنا: تقييم المنطلقات المادية التي تُبنى على أساسها محاولات علوم الأعصاب لفهم الخبرة الإنسانية المعقدة.
مأزق العلم في دراسة الخبرة الذاتية
إن أبرز سمات الظواهر المادية ثباتها الجوهري الذي يُمكِّن العلوم الطبيعية من رصد خصائصها والتحقق من تطابقها. من هذا الثبات المتأصل في الطبيعة وقوانينها، نشأت ثقة الإنسان بمجالات العلم المختلفة، إذ وجدها تقدم رؤية معرفية تقوم على الدراسات والتجارب والبراهين.
هذا ينطبق على كل الظواهر المرتبطة بالعالم الطبيعي، كالقوانين الفيزيائية، والمبادئ الديناميكية، وخصائص المعادن والسوائل والغازات. كما يمتد هذا الثبات إلى الظواهر المتعلقة بآليات عمل الجسم البشري، إذ نجد أجسامنا تعمل وفق آلية بيولوجية ثابتة في جوهرها على الرغم من اختلافات البشر: القلب يضخ الدماء، والدماغ ينظم الأنشطة، والحواس تدرك العالم. كل هذا ضمن نظام متكامل خاضع لمنطق بيولوجي موحَّد، يمنح الباحث القدرة على دراسته وفهم آلياته، واستخلاص المفاهيم التي تحكمه.
وبناءً على هذه الأسس المادية، تُقدِّم العلوم معرفة متجذرة في الطبيعة ومتجاوزة لحدود ثقافات البشر. فهي موضوعية في طرحها، كونية في مقياسها، مستقلة بذاتها، لا تتأثر بالقِيَم الإنسانية.
لنأتِ الآن إلى الأسئلة الأهم: هل تنطبق هذه السمات على خبراتنا كما يزعم أصحاب التوجه المادي؟ هل هناك منطق بيولوجي موحَّد يمكننا من دراسة الخبرات وفهمها كما نفهم آليات عمل الجسم البشري؟
إن خبراتنا الذاتية لا تشابه أيًّا من الظواهر التي سبق ذكرها، لأن طبيعتها المعقدة ترفض الخضوع للقوانين المادية الثابتة؛ فخبرتي اليوم قد لا تتطابق مع خبرتي غدًا، وخبرتك أنت قد لا تتطابق مع خبرتي أنا. هذا هو الوضع الطبيعي للظواهر النفسانية، فهي متنوعة بتنوع البشر، وتتأثر بعوامل كثيرة، منها ما هو مرتبط ببيولوجية الإنسان وتركيبته النفسية، ومنها ما هو مرتبط ببيئته التي يعيش فيها.
فمن الملاحظ هنا أن الثبات الجوهري الذي تتسم به الظواهر المادية يبدأ بالتلاشي عند انتقالنا إلى دراسة الخبرة الذاتية، ما يضع العلوم الطبيعية في مأزقٍ حقيقي؛ فكيف لها أن تدرس ظواهر لا تعرف الثبات ولا تقبل الاختزال؟!
هنا تتضح لنا إشكاليات المنطلق المادي عند دراسة الظواهر النفسانية. إنه يرفض اختلافها الجوهري، ويتجاهل أبعادها الإنسانية، مراهنًا على منهجيات علم الأعصاب وتقنياته التصويرية لكشف ما لا وجود له في الواقع. فقد سبق وأشرنا في بداية هذه المقالة أن الخبرة الذاتية تنشأ من «التفاعل المعقد» بين الإنسان والبيئة، فهي ليست «نشاطًا حيويًّا» في الدماغ يمكن توثيقه وتصويره، وهي ليست «هرمونات» تسبح في الجسد يمكن استخراجها وقياسها!
ولو أجرينا دراسة علمية لقياس أثر الصلاة في عينة من الناس باستخدام أجهزة الـ(fMRI)، بغض النظر عن المشكلات المنهجية لهذه الدراسات، ستأتي النتائج لتؤكد كلامنا، إذ إن النشاط الدماغي المرصود سيتشابه في بعض الجوانب، وسيختلف في الجوانب الأخرى، بلا تطابق جوهري يوحي بوجود آلية بيولوجية موحَّدة. وهذا يشدد على أن خبرتنا الذاتية (كشعورنا بالسكينة بعد الصلاة) هي نتاج حالات تفاعلية استثنائية لا تقبل الاختزال المادي.
فما الذي يعنيه تنشط أجزاء من الدماغ بعد أداء الصلاة؟ إن صور الـ(fMRI) وحدها لا تقدم لنا أجوبة وافية، لأنها لا تكشف لنا ما يحدث فعلًا على مستوى الخبرة الذاتية. فالنشاط الدماغي هنا يُرينا أثر الخبرة، لا الخبرة ذاتها؛ ما يضعنا في حالة مربكة توهمنا بتحديد جوهر الخبرة الدينية.
ويمكننا تصوُّر هذه الحالة من أوضاع المشاركين في دراستنا المتخيَّلة:
فإن كانت سَكينة المشارك الأول مرتبطة بسماع آيات تذكِّره برحمة الله.
وكانت سَكينة المشارك الثاني مرتبطة بسماع آيات تصف نعيم الجنة.
وكانت سَكينة المشارك الثالث مرتبطة بالبعد الاجتماعي للصلاة في المسجد.
سنجد نتائج الدراسة غير قادرة على إظهار هذا الارتباط عند رصد نشاط أدمغة المشاركين، وستعجز عن تحديد الفرق الجوهري بين الآيات القرآنية ذات الأثر الأكبر على «المشارك الأول» و«الثاني»، ناهيك بصعوبة ضبط التجربة «للمشارك الثالث» لما في محاكاة صلاة الجماعة من تعقيدات يصعب تطبيقها داخل المختبر.
هذا يُعمِّق تأزم التوجه المادي بكشف قصور منهجيته ومحدودية أدواته؛ فكيف له أن يفسر خبراتنا الدينية دون استيعاب كافة جوانبها المهمة؟
من وسط هذه الحالة المربكة، ومع تراكم النتائج العلمية المحيرة، يتوجب علينا مواجهة حقيقة التوجه المادي. إن استمرار العلوم الطبيعية في تقديم تصوراتٍ متضاربة وأجوبةٍ منقوصة عن طبيعة الخبرات الذاتية لا يعود في الأساس إلى تعقيدات هذه الظواهر، بل إلى إصرار التوجه العلمي المادي على القطيعة بين مختلف مجالات المعرفة الإنسانية!
وحدة المعارف والنظرة الشمولية للإنسان
إذن، إذا كان هدفنا الفعلي فهم روحانية الإنسان، فلا يكفينا فهم دماغه وآليات عمله البيولوجية، بل علينا أيضًا فهم معتقدات دينه وسياقات حياته، في إطار شمولي يربط المعارف الإنسانية ببعضها.
هذا هو مخرجنا من مأزق التوجه المادي: التعاون المعرفي بين مختلف المجالات التي ستمكننا من استنطاق النتائج الصامتة للدراسات التصويرية. فبدلًا من الاكتفاء بالتحديق إلى الأجزاء النشطة في الدماغ ثم تخمين ما قد تعنيه، علينا توسيع رؤيتنا المعرفية لتشمل مختلف النظريات النفسية، والدراسات الاجتماعية، والتصورات الدينية، والقراءات الفلسفية، لتقديم صورة متكاملة عن طبيعة الخبرة الإنسانية.
ولا يخفى على المهتمين بفلسفة العلوم ما قد يبثه مقترح التعاون المعرفي من ذعر في قلوب أصحاب التوجه المادي، إذ إنهم قضوا سنواتٍ طويلة داخل المختبرات، حتى خُيِّل لهم ألا وجود للمعرفة خارج جدرانها. فحين نطالبهم بالخروج من قوقعتهم والتعاون مع المتخصصين من بقية المجالات المعرفية، سيرفض بعضهم هذا المقترح بحجة تفاوت المناهج من ناحية القيمة والصرامة العلمية.
إن هذا الخوف من انفلات المنهج المعرفي بعد خروجه من المختبر ليس مبررًا إطلاقًا، لأن العلوم الإنسانية علوم ذات منهجيات متنوعة لها قيمتها وأهميتها وإسهاماتها، فلا يصح التقليل من شأنها أو عدُّها ثانوية لأنها تعتمد على أدوات قياس مختلفة (كالاستبيانات والمقابلات والبحوث الميدانية).
الأمر كذلك ينطبق على المعرفة الدينية التي تتجاوز أهميتها حدود التديُّن الفردي والتنظيم الاجتماعي، لتلعب دورًا فعَّالًا في تسليط الضوء على مركزية القِيَم في الخبرة الإنسانية. ولو عدنا إلى حيث بدأت المقالة، في ذلك الصباح الذي شهدتُ فيه شروق الشمس بعد خروجي من المسجد، سيتبين أن ما شعرت به في تلك اللحظة لا يمكن فهمه بمعزل عن النصوص الدينية التي ترفع من قيمة صلاة الفجر وصلاة الجماعة، مما يعظم أثرهما النفسي في الفرد بصورة باعثة إلى السكينة.
وهكذا، ترتبط مجالات المعرفة الإنسانية ببعضها في صورة بانورامية شمولية، لتبين لنا أن فهم خبرات البشر يقوم على تكامل المعارف الدينية والعلمية والفلسفية. لكن فكرة التوجه الشمولي تبدو حالمة بعض الشيء وطموحة في سعيها لتوحيد المعارف، فإلى ماذا تستند؟ وما منطلقاتها؟ وهل يمكن تطبيقها على أرض الواقع؟
العالم من منظور مختلف
«التزمت الإدارة بموقفها البراغماتي في ظل الأزمة الراهنة».
«عليك الاتصاف بالبراغماتية حين تُكلَّف بالعمل في المشاريع الكبيرة».
«عُرف عن هذا السياسي تبنِّيه المذهب البراغماتي».
من الدارج في حديثنا العام عن مفهوم «البراغماتية» أن تُذكر في سياقات تربطها بالسلوك السياسي، سواء على مستوى الحكومات بين الدول، أو على مستوى الأشخاص في حياتنا اليومية.
لكن البراغماتية أكثر من مجرد سلوك أو سمة أو مذهب، هي فلسفة متكاملة تخوض في مسائل الحقيقة والطبيعة والعقل والخبرة واللغة والأخلاق، ما يجعلها تمثل الجسر المعرفي الذي يمتد بين المجالات المنقسمة (كالعلم والفلسفة، الإنسان والبيئة، العقل والجسد… إلخ). فنجد البراغماتية دائمًا تبحث عن حلقة الوصل لربط الأطراف ببعضها، مكونة بذلك رؤية شمولية قادرة على تفسير الظواهر تفسيرًا متكاملًا.
بالإضافة إلى أن طبيعتها المرنة تجعلها تتشكل كأداة فكرية يمكن استخدامها لتجويد مناهج البحث العلمي وتحسين مخرجاته. وهذا ما حصل منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين تبنى عدد من علماء الأعصاب الفلسفة البراغماتية، لقدرتها على إنارة الطريق ورسم حدوده، كي لا يضل العلم وجهته متبعًا سراب الجوهر المادي.
وقد أسهم هذا التعاون العلمي - الفلسفي طوال الخمسين سنة الماضية في صياغة تصوراتٍ براغماتية عن طبيعة الحياة وظواهرها، ليتحدى بذلك الرؤية المادية التي أثقلت العلوم وأخلَّت بمناهجه لقرنين من الزمن. ومن هذه التصورات:
تؤكد البراغماتية أهمية التعاون المعرفي لتقديم تفسيرات شاملة لكافة تعقيدات الطبيعة البشرية؛ فنبدأ من المستوى المجهري لتفاعلات الخلايا، مرورًا بالأنسجة والأعضاء والأجهزة المكوِّنة لجسم الإنسان، قبل التوسع إلى البيئة المحيطة بطبيعتها (الجغرافية والتاريخية والحضارية)، ومستوياتها (الأسرية والمجتمعية والدولية)، وسياقاتها (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية). كل هذا ضمن إطار معرفي موحد، يرسم صورة متكاملة عن تفاعلات البشر في مختلف بيئاتهم.
تتبنى البراغماتية توجهًا يؤمن بمركزية «التفاعل» باعتباره أساس كل الظواهر العقلية، بما في ذلك من خبرات وأفكار ومعانٍ… إلخ. فمن هذه الزاوية، ترفض البراغماتية كل دعاوى الاختزال التي تربط العقل بالدماغ حصرًا، وتشدد على أن عقولنا وأفكارنا هي نتاج تفاعل تركيبتنا البيولوجية مع تعقيدات العالم من حولنا. وهذا يفسر تنوع خبرات البشر، إذ إن الخبرة أيضًا هي نتيجة تفاعل متغيرات كثيرة يصعب حصرها، مما يعطينا احتمالات لانهائية لما قد نهتم ونفكر ونشعر به في كل لحظة.
تسعى البراغماتية، بتركيزها على تفاعلات البشر، إلى تحديد مكامن القصور في البيئة المحيطة بالإنسان، ثم تحويل تلك المعرفة إلى أهداف إصلاحية قادرة على تحسين جودة الحياة. فبدلًا من لوم الفرد وتبرئة المجتمع ومؤسساته، تطالبنا البراغماتية بتبني الرؤية الشمولية في تحليلنا للقضايا، والاستمرار على ذلك في محاولة حلها بما يخدم المصلحة العامة. وفي هذا المبدأ تعارض صريح مع التوجه المادي الذي يحصر غاية العلوم في اكتشاف الحقائق، وتشديدٌ على أهمية توظيف المعرفة توظيفًا أخلاقيًّا يساهم في إعمار الأرض وازدهار الحضارة.
من هذا الإطار الفلسفي الواسع، تفتح البراغماتية باب التعاون المعرفي بين مختلف المجالات، لفك تشابك المواضيع الهامة في مجتمعاتنا. فنجد عالم الأعصاب يتعاون مع بروفيسور العلوم السياسية، وطبيب الأوبئة يتعاون مع المهندس المعماري، والمختص النفسي يتعاون مع الباحث الإسلامي.
وهنا نصل إلى آخر منعطفات المقالة، حيث تتقاطع المجالات المعرفية مع بعضها، لنطرح السؤال الجدلي الذي استشكله كثير من الناس في عالمنا العربي: هل نحن بحاجة إلى تعاون نفسي - إسلامي لتقديم مفاهيم صحية خاصة بالمسلمين؟ أم أن علم النفس مكتفٍ بذاته وقادر على تلبية احتياجاتنا في هذا الجانب؟
الحق الحضاري لإنتاج المعرفة
نظرًا إلى حساسية هذا السؤال وأهميته، سأجيب عنه من ثلاث زوايا مختلفة:
الزاوية الشخصية: في مقالة سابقة، تطرقت إلى الفرق الجوهري بين العلة الجسدية والعلة النفسية، مبيِّنًا مركزية الثقافة في تشكيل مفاهيمنا عن النفس واضطراباتها، كاشفًا عن تأثير البيئة في خبراتنا ومشاعرنا وأفكارنا. ثم حاججت من هذا المنطلق على حق المسلمين في إنتاج معرفة نفسية أصيلة مستمدة من إرثنا الثقافي، لما في ذلك من مساهمة ضرورية لسد الفجوة المتعلقة بفهمنا لطبيعة الإنسان.
الزاوية البراغماتية: مع وجود أكثر من مليار مسلم حول العالم، وتنامي الوعي بأهمية المفاهيم النفسية في حياتنا المعاصرة، أصبحت هناك حاجة ملحَّة إلى تلبية رغبات المسلمين في فهم العالم من منظور علمي إسلامي يتبنى رؤيتهم الخاصة، وذلك بتقديم نموذج تفسيري لطبيعة الإنسان وفق النصوص الدينية، ليكون ضمن المعارف المتعددة للتوجه الشمولي.
الزاوية المهنية: إن إحدى أهم القواعد التي يتعلمها الطبيب في حياته المهنية هي ألا يترك رغبته في مساعدة المرضى تعميه عن المخاطر التي قد يتعرض لها الآخرون؛ إذ لا تصح إنارة الطريق المظلم بحرق البيوت على جنباته. كل ما كتبته في هذه المقالة الطويلة ينبع من رغبتي في مساعدة الناس بأفضل طريقة ممكنة، لكن مسؤوليتي -بصفتي طبيبًا- تدفعني إلى التشديد على أن أي تعاون معرفي مع العلوم الصحية ينبغي أن يخضع لآليات ضبط صارمة، وذلك لما تتسم به نتائج هذا التعاون من حساسية متعلقة بصحة الناس وسلامتهم.
من هذه الزوايا الثلاث يتضح موقفي العام من المسألة: إن المشروع النفسي - الإسلامي يمثِّل حقًّا حضاريًّا للمسلمين، وسيشكل إضافة معرفية كبيرة إلى تصوراتنا عن طبيعة النفس البشرية. لكن لا ينبغي لهذا المشروع أن يقوم على اجتهادات غير منضبطة، مما يستوجب الحرص المعرفي وتوخي الحذر وتقديم سلامة الفرد الصحية والدينية معًا.
كلمات أخيرة
مع ختام هذه المقالة، سيأتي من يقول إنها تميل إلى التنظير الفلسفي وتحتاج إلى مزيد من البراهين العلمية، وسيأتي آخر ليُحاجج على أن المقالة تفتقر إلى الرؤية الشرعية وتحتاج إلى التعمُّق في الجانب الديني.
الجميع محق هنا إلى حدٍّ ما. فلا يوجد عمل إنساني متكامل بذاته، وهذا ما يبرهن على مضمون المقالة نفسها؛ فهي محدودة في رؤيتها وطرحها. وما تحتاج إليه فعلًا هو مزيد من التعاون، ومزيد من المساهمات المعرفية، ومزيد من الدراسات والبحوث والتجارب، ومزيد من الاشتغال المعرفي في كل الاتجاهات، ليتسنى لنا ربط هذه المعارف ببعضها وتكوين صورة متكاملة عن طبيعة البشر تمكننا من فهم خبراتنا الذاتية، وتمكنني من فهم ما شعرت به حين شهدت شروق الشمس على ضِفاف البحر قبل عشرين سنة.
فقرة حصريّة
اشترك الآن

كل فكرة أدبية، تقدر تحولها لمحتوى يحبه الجميع! ✨
تعرف على مسارات مبادرة «دعم صناع المحتوى».
وابدأ بصناعة محتواك الأدبي من هنا.


في حلقة «كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًّا» من بودكاست فنجان، يجول ضيفها الدكتور عبدالله السبيعي، استشاري الطب النفسي، على عدّة مواضع يرتبط فيها علم النفس بالمجتمع وشؤونه، ومن ذلك دور التديّن في العلاج النفسي.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.