هل وُزعت جوائز كان 79 بإنصاف؟ 🏆


مهرجان كان التاسع والسبعون: كيف أعادت السعفة الذهبية تعريف الاستحقاق السينمائي؟
فواز العدواني
أكتب هذه المقالة وأنا في مطار نيس، بعد انقضاء مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين، وسط احتفاء سينمائي شهد حضور عدد كبير من صنّاع السينما والصحفيين والنقاد وعشاق الفن السابع، الذين اجتمعوا على مدار اثني عشر يومًا لمشاهدة الأفلام. بعضهم كان يشاهد ما يقارب خمسة إلى ستة أفلام يوميًّا، محاولًا رصد أكبر عدد ممكن من الأعمال التي تُعرض للمرة الأولى في أهم مهرجان سينمائي في العالم. شخصيًّا، حرصت على مشاهدة كل فِلم مُرتقب وكل عمل حظي بإشادة نقدية، ولم تخلُ التجربة من المفاجآت المتعلقة بالأفلام التي كنت أحجزها دون معرفة سابقة بمُخرجها أو قصتها.
جودة الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية كانت متواضعة جدًّا هذا العام للأسف. فمع انسحاب بعض المخرجين مثل فيرنر هيرتزوغ، واعتذار آخرين عن المشاركة مثل ديفيد فينشر، بدا مهرجان كان كأنه يحاول جاهدًا جذب الأسماء الكبيرة للاحتفاء بها أمام الجمهور. كانت نسبة الترقب مرتفعة للغاية، خصوصًا مع عودة أسماء عريقة بعد غياب، لكنها وُضعت خارج إطار المنافسة الرسمية، مثل الألماني فولكر شلوندورف والدنماركي نيكولاس ويندينق ريفن. وأرى أن هذه أولى الدلالات على تراجع جودة الأفلام؛ حين يعود مخرج كبير ولا يُقبل فِلمه ضمن المنافسة الرسمية.
ومع وجود اثنين وعشرين فِلمًا في المسابقة الرسمية، بدت الاختيارات متنوعة إلى حدٍّ ما، مع حضور فِلم أو فِلمين على الأقل من كل قارة. أما بخصوص السعفة الذهبية، ففي البداية، ومع إعلان لجنة التحكيم، كنت متفائلًا بسبب التنوع الواضح فيها. شاهدنا مخرجين وكتّابًا وممثلين من هوليوود وأمريكا اللاتينية وأوربّا، وترأس اللجنة المخرج الكوري الكبير بارك تشان ووك، الذي يُعَد ضيفًا دائمًا على مهرجان كان. جاءت اختيارات اللجنة مفاجئة إلى حدٍّ كبير، خصوصًا مع منح ثلاث جوائز مناصفةً. وجاءت النتائج على النحو التالي:
السعفة الذهبية: فِلم «Fjord».
الجائزة الكبرى: فِلم «Minotaur» إخراج أندريه زفياقينتسيف .
جائزة لجنة التحكيم: فِلم «The Dreamed Adventure» من إخراج فاليسكا قريسباخ.
أفضل مخرج: مناصفةً بين خافيير كالفو وخافيير أمبروسي عن فِلم «The Black Ball»، وباول بافليكوفسكي عن فِلم «Fatherland ».
أفضل ممثلة: مناصفةً بين تاو أوكاموتو وفيرجيني إيفيرا عن فِلم «All Of A Sudden».
أفضل ممثل: مناصفةً بين إيمانويل ماكيا وفالنتين كامباني بطلي فِلم «Coward ».
أفضل سيناريو: إيمانويل ماري عن فِلم «A Man Of His Time».
بعد مشاهدة الأفلام المرشحة جميعها، وعددها اثنان وعشرون فِلمًا، أرى أن اختيار السعفة الذهبية كان ممتازًا. فِلم «فيورد» الذي كتبنا عنه سابقًا في ثمانية بمقالة مفصلة، يمثل تجربة سينمائية تبقى آثارها لما بعد المهرجان. جوهر الفِلم يكمن في رؤية مخرجه كريستيان مونجيو، واعتماده الواقعية في صياغة قصة اجتماعية تتناول التشدد الديني وانعكاساته على اختلال العلاقات الأسرية. وهي ثيمة لم نشاهد كثيرًا منها مؤخرًا، ما منح الفِلم تميزًا واضحًا قاد مونجيو نحو سعفته الذهبية الثانية في مسيرته. ومن المتوقع أيضًا أن يحصد الفِلم عددًا كبيرًا من ترشيحات الأوسكار العام المقبل.
أما الجائزة الكبرى، فكانت مستحقة للروسي أندريه زفياقينتسيف، الذي ناقش مفهوم الخيانة الزوجية من منظور الزوجة، ونظرة المجتمع إلى المرأة الخائنة، بأسلوب تشويقي لم يبتعد عن بصمته الإخراجية المعتادة.
نأتي إلى جائزة لجنة التحكيم، التي ذهبت إلى فِلم الألمانية فاليسكا قريسباخ، وهي النتيجة التي جاءت مفاجئة بالنسبة إليّ. بدا الفِلم باهتًا وخاليًا من أي عناصر تميز حقيقية، كما تعرّض لانتقادات لاذعة من معظم النقّاد بعد عرضه، لذلك بدا فوزه اختيارًا غريبًا، خاصة مع وجود أفلام أخرى كانت أكثر استحقاقًا.
أما جائزة أفضل مخرج، فقد جاءت مناصفةً بين المخرج البولندي باول بافليكوفسكي الذي قدّم صورة بصرية رائعة لألمانيا الأربعينيات بالأبيض والأسود، واستطاع عبر كاميرته نقل المشاهد إلى أجواء الحرب العالمية الثانية في فِلم «Fatherland »، والثنائي الإسباني خافيير كالفو وخافيير أمبروسي عن فِلم «The Black Ball». وكما هو الحال مع بافليكوفسكي، كانت أبرز نقاط قوة الفِلم الإسباني تكمن في إخراجه.
قبل بدء مراسم الختام، كان معظم الصحفيين والنقاد من حولي يراهنون على فوز الفِلم الإسباني بالسعفة الذهبية، لذلك كانت الصدمة كبيرة عند إعلان فوز مخرجيه بجائزة أفضل إخراج. فمن المعروف أن قوانين مهرجان كان تمنع الفِلم الفائز بالسعفة الذهبية من الحصول على جائزة أخرى، ما يعني أن فوز أي فِلم بجائزة الإخراج أو التمثيل أو السيناريو يُضعف فرصه في حصد السعفة.
جائزة أفضل ممثلة، التي كانت متوقعة ومستحقة بالكامل، ذهبت إلى بطلتي فِلم «All Of A Sudden» فيرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو. أما جائزة أفضل ممثل، فجاءت مفاجئة، بعدما ذهبت إلى بطلي الفِلم البلجيكي «Coward »، في حين توقع كثيرون أن تذهب إلى آدم درايفر أو خافيير بارديم أو رامي مالك.
ختامًا، أرى أن أكثر الجوائز إثارة للجدل كانت جائزة أفضل سيناريو، التي ذهبت إلى الفرنسي إيمانويل ماري عن فِلم «A Man Of His Time». كان الفِلم محاولة سياسية ضعيفة لتوثيق سيرة بطل فرنسي ثوري من أربعينيات القرن الماضي يُدعى «هنري مار»، وكانت أكبر مشكلاته تكمن في نصّه الركيك وطريقته التقليدية وغير المقنعة في تقديم السيرة الذاتية.
بعد متابعتي منصات التواصل الاجتماعي طوال أيام المهرجان الاثني عشر وحتى إعلان الجوائز، لاحظت أن كثيرًا من عشاق السينما انتقدوا منح كريستيان مونجيو سعفته الثانية، بينما لا يزال مخرجون كبار مشاركون في المسابقة الرسمية ينتظرون سعفتهم الأولى، مثل بيدرو ألمودوفار، وأصغر فرهادي، وأندريه زفياقينتسيف، وريوسوكي هاماقوتشي، وجيمس قراي.
لكنني أرى أن الفوز بالسعفة لا يجب أن يرتبط بالأسماء بقدر ما يرتبط بجودة الفِلم نفسه. فبعض الأسماء الكبيرة قدّمت هذا العام أعمالًا مخيّبة، مثل ألمودوفار، بينما لم يكن البعض الآخر في مستوى التوقعات، مثل فرهادي. ومرة أخرى، تثبت لجنة التحكيم أنها بعيدة عن المجاملات السينمائية وأكثر انحيازًا إلى جودة العمل الفني.
ويذكّرنا مهرجان كان مجددًا بأهميته الكبيرة في صناعة النقاشات السينمائية وترسيخ مكانة السينما بصفتها صوتًا عالميًّا مؤثّرًا، تمامًا كالتلفزيون والمسرح. فلا يوجد مكان تجتمع فيه روسيا وإيران وفلسطين وأمريكا بعيدًا عن السياسة والحروب كما يحدث في مهرجان كان السينمائي.

إذا فاتتك ورش العمل التي أُقيمت في السنوات الماضية،
بكل النقاشات والمعارف والأسئلة السينمائية الثرية لكل مهتم بالسينما؛ فلا تتحسّر.
منصة «سينماء» أرشفت وحفظت كل الورش والجلسات النقدية وأتاحتها للجميع.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



أغلقت شركة «193» عدة صفقات توزيع داخل سوق كان لفِلم «The Brigands Of Rattlecreek»، للمخرج الكوري بارك تشان ووك وبطولة ماثيو ماكونهي وأوستن باتلر وبيدرو باسكال. يتناول الفِلم قصة رجل قانون وطبيب يسعيان للانتقام من عصابة تستغل عاصفة رعدية لترويع بلدة صغيرة وسرقتها.
أغلقت شركة «Fortitude International» عدة صفقات توزيع داخل سوق كان 79 لفِلم الإثارة «Reset»، بطولة بريانكا شوبرا جوناس وأورلاندو بلوم. تدور أحداثه حول امرأة تستيقظ وسط البرية وتشكّ في نيّة الرجل الذي يساعدها.
أغلقت شركة «Filmax» عدة صفقات توزيع داخل سوق كان 79 لفِلم الكوميديا الرومانسية الإسباني «My Friend Eva» للمخرج سيسك قاي، شملت أستراليا ونيوزلندا والبرتغال والمجر. يتناول الفِلم قصة امرأة خمسينية متزوجة تنقلب حياتها بعد لقاء عابر في روما يقودها إلى صحوة عاطفية غير متوقعة.
تتنافس شركات «Paramount» و«Sony» و«Focus Features» على حقوق توزيع فِلم الفانتازيا «The Midnight Library»، بطولة فلورنس بيو وإخراج قارث ديفيس، في صفقة يُتوقع أن تكون الأكبر داخل سوق كان 79 هذا العام، بينما تتولى «Studiocanal» تمويل المشروع وبيعه دوليًّا.
تتعاون منصة «MUBI» مع المخرج الدنماركي نيكولاس ويندينق ريفن لإنتاج فِلمه الجديد، وهو إعادة معاصرة لسلسلة الرعب الشهيرة «Maniac Cop» التي انطلقت عام 1988، تمهيدًا لتصويره في لوس أنجلوس مطلع 2027. كما حصلت المنصة على حقوق توزيع الفِلم في عدة أسواق عالمية، مع خطط لطرحه سينمائيًّا على نطاق واسع.
استحوذت شركة «Sony Pictures Classics» على حقوق توزيع الفِلم الوثائقي «Rehearsals For A Revolution» بعد فوزه بجائزة «L’Oeil d’Or» ضمن مهرجان كان السينمائي 79. يتناول الفِلم أكثر من أربعين عامًا من تاريخ إيران عبر أرشيف شخصي ومواد توثّق التحولات السياسية والاحتجاجات في البلاد.
يستعد المخرج جايرو بوستامانتي لإخراج فِلم الإثارة «República Luminosa» لصالح شركة «RT Features». تدور أحداثه حول بلدة معزولة تتعرض للرعب بعد ظهور اثنين وثلاثين طفلًا متوحشًا من الغابة المحيطة بها. ويستند الفِلم إلى رواية الكاتب الإسباني أندريس باربا، بينما تتولى شركة «Lucky Number» مبيعاته الدولية.
استحوذت شركة «1-2 Special» على حقوق عرض فِلم «La Gradiva» في أمريكا الشمالية بعد فوزه بالجائزة الكبرى ضمن قسم «أسبوع النقاد» في مهرجان كان السينمائي 79. يتناول الفِلم قصة مجموعة طلاب خلال رحلة مدرسية إلى بومبي، حيث تبدأ مشاعر غامضة بالسيطرة عليهم تدريجيًّا.
استحوذت شركة «Sony Pictures Classics» على حقوق توزيع فِلم الأنيميشن «Iron Boy» في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وعدة أسواق أخرى، بعد عرضه ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي 79. يتناول الفِلم قصة طفل يبلغ أحد عشر عامًا يحاول إعادة تشكيل حياته بعيدًا عن مزرعة عائلته ووالده البعيد عنه عاطفيًّا.




بدأ المخرج الروسي أندريه زفياقينتسيف مسيرته بفِلم «The Return»، الذي حصد الأسد الذهبي في مهرجان البندقية سنة 2003، قبل أن يرسّخ مكانته لاحقًا عبر أفلام مثل «Leviathan» و«Loveless»، المعروفة بتأملاتها القاسية عن العائلة والانهيار الأخلاقي داخل المجتمع الروسي. لكن بعد «Loveless»، اختفى لسنوات عن السينما، قبل أن تنقلب حياته سنة 2021 بعدما أُصيب بكورونا ودخل في غيبوبة لأكثر من شهر، مع تضرر رئتيه بنسبة قاربت 90%.
وخلال فترة تعافيه، عاد إلى فِلم «La Femme Infidèle» للمخرج كلود شابرول، الذي تدور قصته حول رجل أعمال ثري يكتشف خيانة زوجته. واستلهم منه فكرة استخدام أزمة عائلية صغيرة لكشف فساد أوسع داخل المجتمع، ليبدأ تطوير المشروع.
لكن مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وخروج زفياقينتسيف من روسيا، بدأ المشروع يتغيّر تدريجيًّا، بعدما شعر أن الحرب والخوف والعنف يتسلل تلقائيًّا إلى القصة، حتى تحوّل المشروع من حكاية عائلية صغيرة إلى عمل أكثر قتامة عن الانهيار الأخلاقي داخل مجتمع يعيش على هامش الحرب.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Minotaur»، من إخراج أندريه زفياقينتسيف:
تعاون زفياقينتسيف مع الكاتب سيمون لياشينكو على بناء خلفيات نفسية كاملة للشخصيات، حتى لتفاصيل لا تظهر أصلًا داخل الفِلم، بما في ذلك ماضي الشخصيات وعلاقاتها العائلية، وذلك لمساعدة الممثلين على فهم الشخصيات نفسيًّا قبل بدء التصوير.
اعتمد اختيار الممثلين على فكرة «الوجوه غير المستهلكة»، إذ أراد زفياقينتسيف ممثلين يبدون عاديين وقريبين من الواقع بدل الحضور السينمائي الواضح. حتى إنه اختار دميتري مازوروف تحديدًا لأنه يمتلك ملامح يمكن الوثوق بها بسهولة.
رغم أن أحداث الفِلم تدور داخل روسيا، فإن فريق العمل صوّره في مدينة ريقا اللاتفية، التي اختارها زفياقينتسيف بسبب احتفاظها ببقايا العمارة السوفيتية وقدرتها على الظهور كضواحي موسكو بسهولة. وكان أغلب فريق العمل من الروس الذين يعيشون خارج بلدهم بعد الحرب، ما جعل أجواء التصوير تبدو كأنهم «يعيدون خلق روسيا من الذاكرة» بدل تصويرها فعليًّا.
تعمّد زفياقينتسيف تقليل الانفعالات والموسيقا والمواجهات المباشرة، حتى يبقى العنف داخل الفِلم «باردًا ومكتومًا»، وكان يطلب من الممثلين كبح الأداء الميلودرامي والتركيز على الصمت والتوتر الداخلي للشخصيات.
استمر فريق العمل على إنهاء التعديلات الصوتية واللمسات النهائية للفِلم حتى قبل افتتاح مهرجان كان بيوم واحد فقط، بعدما مرّ «Minotaur» بمرحلة ما بعد إنتاج طويلة ومعقدة، قبل أن ينجح لاحقًا في حصد الجائزة الكبرى «Grand Prix» في دورة مهرجان كان السينمائي 79.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.