فِلم «Fjord»: واقعية تستحق الاحتفاء


فِلم «Fjord»: تشريح واقعي لتمرد الأبناء وعواقب التشدد في مهرجان كان
فواز العدواني
منذ أن أذهل المخرج الروماني الكبير كريستيان مونجيو العالم بتحفته الفائزة بالسعفة الذهبية «4 شهور 3 أسابيع ويومان»، ثم رسّخ مكانته الاستثنائية بفِلم «بعد التلال»، وأنا أتابعه بشغف كبير ومستمر. لطالما كان مونجيو أستاذًا في تقديم «الواقعية الخام»؛ لا تبدو كاميرته كأنها ترصد ممثلين يقرؤون نصًّا مكتوبًا، بل كعين متسللة ترصد حيوات حقيقية وأناسًا يعيشون واقعهم بكل تلقائية ومصداقية مذهلة.
وفي جديده المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، فِلم «فيورد»، يعود مونجيو ليمارس سحره المعتاد، مستندًا إلى «الشفرة الجينية» الصارمة للموجة الرومانية الجديدة، ليقدم دراما محاكم وعلاقات أسرية مكثفة نالت إعجابي الشديد. هنا يدخل الفِلم في منطقة شديدة الحساسية والتعقيد، مستعرضًا الصدام الحتمي بين سلطة الآباء وحرية الأبناء، ومستفزًّا تساؤلات أخلاقية ملحّة حول أساليب «التوبيخ» والتربية الصارمة، في وقتٍ باتت فيه المجتمعات الحديثة ترفض تمامًا أي شكل من أشكال العنف والضرب ضد الأطفال.
تتجسّد هذه الثنائية ببراعة مذهلة من خلال أداء استثنائي قدّمه سيباستيان ستان ورينات رينسف، اللذان يؤديان دور أبوين يعيشان في بيئة متشددة دينيًّا تفرض قيودًا خانقة على الأبناء؛ لا تلفزيون، ولا شبكات «واي فاي»، ولا حتى مساحات حرة للعب والترفيه. ينجح مونجيو في توظيف هذا الخناق الأسري ليُرينا كيف يمكن للتعصب الأعمى والتشدد الديني أن يدمر الروابط الأسرية من الداخل، وكيف ينعكس هذا الكبت عكسيًّا على الأبناء ليولّد فيهم خصلة «التمرد» العنيف ضد كل ما يحيط بهم.
لنطرح سؤالًا: كيف استطاع مونجيو تحويل هذا الكبت المألوف إلى تجربة سينمائية حية؟ تكمن الإجابة في إخلاصه الشديد لأدوات الواقعية الرومانية التي تجلّت في ثلاثة عناصر أساسية داخل الفِلم.
أولًا: الكاميرا المراقِبة والمشاهد الطويلة
على عكس السينما التقليدية التي تعتمد على التقطيع السريع لتوجيه مشاعر المشاهد، يعتمد مونجيو هنا على اللقطات الطويلة والمستمرة بكاميرا محمولة على الكتف؛ تتحرك بتوجس كأنها شخص غريب يتلصص من زاوية الغرفة. داخل منزل الشخصيات، لا تقترب الكاميرا بلقطات قريبة مصطنعة لتريك دموع الأطفال أو غضب الآباء، بل تقف على مسافة واقعية، تراقب المشهد الأسري كاملًا وهو ينفجر. يبدأ النقاش هادئًا ثم يتصاعد تدريجيًّا إلى توبيخ حادّ دون أن تُقطع الكاميرا، مسترسلةً في رصد الخناق، مما يمنحك شعورًا بأن الممثلين يعيشون اللحظة تلقائيًّا وتشعر معهم بالثِّقل الكاتم للأنفاس.
ثانيًا: غياب الموسيقا التصويرية والصمت الخانق
واحدة من أبرز سمات سينما مونجيو الرفض التام لفرض موسيقا تصويرية خارجية تستدرّ عطف المشاهد أو تصنع إثارة مبتذلة؛ يأتي الصوت من بيئة الفِلم الحقيقية فقط. وفي بيئة متشددة تُحرّم الترفيه والتكنولوجيا، يصبح «الصمت» البطل الصوتي الأساسي. غياب الموسيقا يجعل كل جملة توبيخٍ يلقيها سيباستيان ستان، وكل نظرة انكسار أو تمرد من رينات رينسف، تصيب المشاهد مباشرة دون فلاتر. هذا الصمت البيئي يعزز من واقعية «المحاكمة الأسرية»، ويجعل صراخ الأطفال المتألمين من التعنيف يبدو حقيقيًّا ومؤلمًا بشكل فجٍّ وصادق، كأنه فِلم وثائقي.
ثالثًا: دراما التفاصيل اليومية البسيطة
لا تبحث الواقعية الرومانية عن الانفجارات الكبيرة، بل تبحث عن الأزمات الأخلاقية الكبرى من خلال تفاصيل يومية تافهة في ظاهرها. لا يحتاج مونجيو إلى استعراض عنف جسدي مبالغ فيه ليُظهر قضية ضرب الأبناء وتوبيخهم، بل يركّز على كيف يراقب الآباء نظرات أطفالهم، وكيف يُحرم الطفل من لعبة بسيطة، وكيف تُدار المحادثات حول المائدة. من خلال هذه التفاصيل الحياتية، يشحن مونجيو الفِلم ببطء شديد حتى يصل المشاهد إلى استيعاب عمق «التمرد» الذي يولد لدى الأبناء نتيجةً تراكميةً للكبت اليومي.
الفِلم بمجمله أعجبني جدًّا، ورأيت فيه استمرارًا لنضج مونجيو وقدرته على تشريح المجتمعات، بأسلوبٍ هو في عمقه «موقف أخلاقي» لا يزيّن الواقع ولا يستعطف الجمهور. ومع ذلك، كأي عمل سينمائي طموح، لم يخلُ الفلم من جزئية أراها هفوةً في خط سير الدراما، وهي إقحام شخصية «الرجل المريض المقعد». لم أجد في وجود هذه الشخصية أي إضافة حقيقية تحرك الحدث أو تدفع بالحبكة إلى الأمام، لقد كان وجودها أو عدمها واحدًا بالنسبة إليّ، وشعرت أنها خط فرعي تائه لم يخدم البناء الدرامي المتصاعد للقصة الأساسية.
باستثناء تلك الجزئية، فإن فِلم «فيورد» يُعَد تجربة سينمائية دسمة وثقيلة تؤكد أن كريستيان مونجيو ما زال واحدًا من أهم صناع السينما الواقعية في العالم، وفِلمًا يستحق بجدارة كل هذا الاحتفاء والجدل في أروقة مهرجان كان.

إذا فاتتك ورش العمل التي أُقيمت في السنوات الماضية،
بكل النقاشات والمعارف والأسئلة السينمائية الثرية لكل مهتم بالسينما؛ فلا تتحسّر.
منصة «سينماء» أرشفت وحفظت كل الورش والجلسات النقدية وأتاحتها للجميع.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



أعلنت شركة «MAD Solutions» خلال سوق كان 79، شراكةً مع «الصندوق العراقي للسينما» لتولِّي مبيعات الأفلام العراقية القادمة وتوزيعها، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور السينما العراقية عالميًّا وربط صنّاع الأفلام العراقيين بشبكات الإنتاج والتوزيع الدولية.
حصد فِلم «The Golden Age» للمخرج بيرينجيه توان عدة صفقات توزيع داخل سوق كان 79، بعد عرضه العالمي الأول ضمن قسم «كلاسيكيات كان». يمزج الفِلم بين المشاهد الروائية ومواد أرشيفية نادرة في قصة امرأة تحلم بالصعود الطبقي وسط تحولات تاريخية كبرى.
أغلقت شركة «Fortitude International» عدة صفقات توزيع داخل سوق كان 79 لفِلم الرعب والإثارة «They Like The Dark» بطولة ليام هيمسورث، شملت إسبانيا وإيطاليا وكندا والشرق الأوسط وعددًا من الأسواق العالمية. يتناول الفِلم قصة خبير متفجرات شبه كفيف يحاول الهروب من مستودع ممتلئ بمصّاصي الدماء.
أعلنت منصة نتفليكس استحواذها على حقوق عرض فِلم الأنيميشن «In Waves» خارج فرنسا، بعد افتتاحه قسم «أسبوع النقاد» ضمن مهرجان كان السينمائي 79. الفِلم من إخراج المخرجة الفرنسية الفيتنامية فونق ماي نقوين، ويتناول قصة مراهق خجول يقع في الحب قبل أن يهدد المرض علاقته العاطفية. ويضم طاقم الأداء الصوتي ويل شارب وستيفاني هسو.
أغلقت شركة «Concourse Media» عدة صفقات توزيع سابقة داخل سوق كان 79 لفِلم الكوميديا الرومانسية «Vision Board»، من بطولة لوسي هيل، شملت الشرق الأوسط وألمانيا وأستراليا وأمريكا اللاتينية، بالتزامن مع استعداد الفِلم لبدء تصويره هذا العام. يتناول الفِلم قصة مصممة أزياء تستيقظ داخل حياة مثالية بعد صنع «لوحة أحلام»، قبل أن تكتشف أن طموحاتها قد تكلّفها هويتها الحقيقية.
أعلن صندوق «Displacement Film Fund» المدعوم من «كيت بلانشيت» ومهرجان روتردام، منْح خمسة من صنّاع الأفلام، بينهم المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، دعمًا بقيمة 100 ألف يورو لكل مشروعٍ لتطوير أفلام تتناول قضايا النزوح واللجوء.
أغلقت شركة «Parallax Films» عدة صفقات توزيع لفِلم «Crossing A Dawn» داخل سوق كان 79، تمهيدًا لطرحه عالميًّا بالتزامن مع إطلاقه في الصين هذا الشهر. يتناول الفِلم قصة شابَّين يلتقيان خلال ليلة واحدة في بكين. ويصفه مخرجه تشاو بادو بأنه نسخة «بكينية» من «Before Sunrise».
أغلقت شركة «Carnaby International Sales and Distribution» عدة صفقات توزيع دولية لفِلم «Rise Of The Footsoldier: Retribution» داخل سوق كان 79، شملت أمريكا الشمالية وأستراليا وألمانيا وكوريا الجنوبية وأمريكا اللاتينية. يُعَد الفِلم الجزء السابع من سلسلة «Rise Of The Footsoldier»، ويتناول رحلة انتقام داخل إيبيزا عام 1994.
تتعاون شركة «Bunbuku» التابعة للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا مع شركة «IN.2 Film» الخاصة بالنجم جوني ديب لإنتاج فِلم «Kutheran» للمخرج الياباني كوكي هاسي، تمهيدًا لتصويره في أوكيناوا عام 2027. يتناول الفِلم قصة شابة من أصول أمريكية وأوكيناوية تخاطر بحلمها بزيارة موطن والدها الراحل لمساعدة عامل مهاجر غير نظامي.

لو مُصمم على نجاح منتجك؟ صممه صح ✅
«معمل الصناع» في «المشتل» مساحة توفر لك الأدوات والمختصين؛ لتصميم منتجاتك واختبارها
بشكل أمثل قبل وصولها إلى المستهلك باستخدام أدوات مثل قص الليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد 🧩.


في عام 1966، أصدر الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو القرار الشهير «Decree 770»، الذي حظر الإجهاض ووسائل منع الحمل بشكل شبه كامل، ضمن سياسة هدفت إلى زيادة عدد سكان رومانيا تحت الحكم الشيوعي، وسط بلد يعيش تحت رقابة خانقة ونقص اقتصادي وسوق سوداء لكل شيء تقريبًا، حتى السجائر والصابون.
وسط هذه البيئة، نشأ المخرج الروماني كريستيان مونجيو، الذي عاش بنفسه السنوات الأخيرة من الحكم الشيوعي مراهقًا في رومانيا الثمانينيات. وبعد سنوات من سقوط النظام، سمع من شخص يعرفه قصة حقيقية عن امرأتين حاولتا إجراء إجهاض سرّي أواخر الثمانينيات. وبقي عالقًا في ذهنه ذلك الخوف والتوتر والإذلال الذي كانتا تعيشانه، فقط لأنهما تحاولان امتلاك حق اتخاذ قرار شخصي داخل نظام يراقب أدقّ تفاصيل الحياة.
ومع تطور الفكرة، أدرك مونجيو مبكرًا أن المشروع سيكون صعبًا إنتاجيًّا وتسويقيًّا، خصوصًا أنه فِلم روماني منخفض الميزانية عن الإجهاض في الحقبة الشيوعية، لذلك قرر إنتاجه بنفسه تقريبًا عبر شركته الصغيرة «Mobra Films»، بدل انتظار موافقة استوديو كبير. وبميزانية لم تتجاوز 600 ألف يورو، جمع مونجيو فريقًا صغيرًا اعتمد على الواقعية أكثر من الإمكانيات الضخمة، ليخرج بعدها واحدًا من أكثر أفلام القرن الحادي والعشرين تأثيرًا، والفِلم الذي منح رومانيا أول سعفة ذهبية في تاريخها بمهرجان كان السينمائي.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «4 Months, 3 Weeks and 2 Days» للمخرج كريستيان مونجيو:
في أثناء التحضير، أجرى كريستيان مونجيو مقابلات طويلة مع نساء عشن تجربة الإجهاض السرّي في الثمانينيات، محاولًا فهم التفاصيل اليومية والنفسية لتلك المرحلة؛ من طريقة الحديث والتصرف، إلى الخوف والصمت الذي كان يحيط بأبسط القرارات الشخصية.
رغم أن أناماريا مارينكا أصبحت لاحقًا وجه الفِلم، فإن كريستيان مونجيو لم يكن مقتنعًا بها أصلًا عند لقائهما الأول. لكن بمجرد أن بدأت قراءة السيناريو، تغيّر رأيه بالكامل إذ شعر أن الشخصية بدأت تتحدث من خلالها بشكل طبيعي جدًّا، خصوصًا بقدرتها على نقل التوتر والخوف بالصمت وتعابير الوجه أكثر من الحوار نفسه.
أراد مدير التصوير أوليق موتو أن تبدو الكاميرا كأنها «غير موجودة» أصلًا، لذلك تجنب الإضاءة السينمائية الواضحة وحركات الكاميرا الاستعراضية، واعتمد على ضوء باهت وطبيعي ليبدو العالم خانقًا وواقعيًّا. وفي بعض المشاهد الضيقة، اضطر فريق التصوير إلى الاختباء خارج الغرفة بالكامل، تاركين الكاميرا والممثلين وحدهم تقريبًا داخل المكان للحفاظ على هذا الإحساس الواقعي المتوتر.
واجه الفريق صعوبة كبيرة في إعادة خلق رومانيا 1987، لأن المباني الشيوعية القديمة امتلأت بالنوافذ الحديثة والمكيفات وأطباق الاستقبال الفضائي. وكانت المشاهد الخارجية هي الأصعب، إذ اضطر الفريق باستمرار إلى إخفاء السيارات ولوحات الإعلانات الحديثة، حتى إن شاحنةً ضخمة استُخدمت فقط لحجب لوحة إعلانية معاصرة.
جرّب مونجيو أكثر من نهاية مختلفة في أثناء المونتاج، وحذف مشاهد كاملة لأنه شعر أنها تشرح أكثر من اللازم أو تمنح المشاهد راحة لا يريدها. وفي النهاية، اختار اللقطة الصامتة والمفتوحة عمدًا، حتى يخرج المشاهد من الفِلم عالقًا مع التوتر نفسه الذي عاشته الشخصيات.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.