بين توكيدات الأذكار و«أنا أستطيع» 📿

زائد: اللوم لا يقع على المحرر الذكالي!

انتشرت في منصة «إكس» فضيحة أدبية جديدة، مع الاشتباه بأنَّ قصة قصيرة فائزة بجائزة أدبية مرموقة هي أصلًا مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. ومثار السخرية أنَّ منصة «قرانتا» الأدبية الناشرة للقصة على موقعها بعد فوزها بالجائزة، أصدرت بيانًا ترفع فيه العتب عن نفسها، وتقول فيه إنها سألت النموذج الذكالي «كلود» إذا كانت القصة مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. 😳

بصرف النظر عن الإجابة التي منحها كلود (بأنَّه شبه موقن بأنَّ النص الذكالي كُتِبَ بمساعدة بشرية!)، فإنَّ اعتماد محرري دورية أدبية من ضمن أشهر دوريات العالم على نموذج ذكالي لتبيان طبيعة النص، بدل الاعتماد على قدراتهم التحريرية وذائقتهم الأدبية، هو المقلق حقًّا. لأنّه يبيِّن أنَّ بلانا منا وفينا نحن البشر وليس في المحرر الذكالي.🫠 

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

بين توكيدات الأذكار و«أنا أستطيع» 📿

أريج المصطفى

قبل أيام، تعكَّر صباحي بخبر لم أتوقع سماعه. وفي محاولتي تخطِّي المفاجأة كنت أمشي وأقرأ أذكار الصباح، فتأملت لوهلة كيف يغدو هذا الفعل اليومي، الذي صار مع الوقت تلقائيًّا لا أتفكر فيه، سلوةً وعزاءً لكل تفصيلة كبيرة أو صغيرة ألقاها في يومي. تحديدًا حين أردد وسط الأفكار الجمّة السلبية في رأسي: «رضيت».

«رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولًا.»

في علوم أخرى، قد تندرج هذه الجمل تحت تصنيف التوكيدات، تلك التي نقف فيها أمام المرآة لنخبر أنفسنا بما نودُّ أن نسرِّبه لعقلنا الباطن على أمل أن يقنع، ويتحول سلوكنا من ثَم إلى ما يشبه هذه التوكيدات. ولعلَّنا غفلنا عن توكيدات أعظم، تتجلَّى فيها معاني الرضا والتذكير بالاستعانة في كل وقت وحين، في السراء والضراء، حين تستطيع البوح بالكلمات وحتى حين لا يخرج حرف من قلبك. «حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.»

كيف لا يمكن أن تكون «توكيدة» كهذه نجاة في أيام صعبة، وتفاؤلًا في أيام مشرقة؟ تذكِّرك بالعظَمة التي يصبح دونها أي موقف أو فقد أو مصيبة شيئًا لا يُذكر، وبالاستعانة التي تتقوى بها على كل صعب؛ باستعانتك بمن لا صعب عليه. تؤكِّد لك أن القصد واحد مهما تغيرت الظروف، والمشيئة واحدة مهما تعددت الأسباب، وأنك قبل هذا كلِّه راضٍ بكل شيء، راضٍ بالحكم الإلهي الذي سيَّرك إلى تلك اللحظة، راضٍ بدينك الذي يرتِّب لك أولوياتك ويوضح لك معالم طريقك، راضٍ بنبيِّك الذي على إثره تهتدي.

فبين توكيدات تُقال أمام المرآة على شاكلة «أنا قوية» «أنا أستطيع» وتوكيدات الأذكار فجوةٌ شاسعة تنقل الإيمان من كلمات مقحمة تبدو لاواقعية في كثير من المواقف، إلى تسليمٍ مُرضٍ نحو أفق أوسع، ينقل القدرة والمسؤولية من نفس محدودة إلى قدرة إلهية إعجازية.

هذا الإدراك العميق والواقعي في الوقت ذاته، يسميه علم العلاج المعرفي السلوكي «القبول الراديكالي». وكما تشرح أستاذة علم النفس د. كارين هول فإن مقاومة الأحداث السيئة تضاعف الألم وتحوله إلى معاناة مستمرة، في حين أن تسليمنا وقولنا «رضيت» اعترافٌ واقعي، لا يلغي الألم الواقع بقدر ما يحوِّل التفكير فيه إلى صورة متكيَّفة عملية.

يتقاطع هذا الفعل علميًّا مع نظرية التوكيد الذاتي؛ إذ تمثِّل النظرية استراتيجيةً نفسية يحاول فيها الشخص حماية توازنه الداخلي حين الأزمات، وذلك بتذكير نفسه بقيمه الكبرى ومبادئه التي تحركه ويبني على أساسها حياته ودوافعه. هذه التوكيدات، حين تكون نابعة من إيمان حقيقي، تنشِّط مناطق رئيسة في المخ، مسؤولة عن مناطق التنظيم الذاتي والمكافأة، فتصبح هذه الاستجابة العصبية أشبه بدرع نفسي يمتص الصدمات ويخفف من وطئها.

لم يتغير الخبر الذي سمعته ذلك الصباح، ولم تنتهِ صدمتي حتى اليوم، لكنني رضيت حقًّا. وفي كل مرة قرأت فيها أذكاري منذ ذلك اليوم حتى الآن، لم يخفِّف عني شيء سوى أن الأمر كلَّه لله، «فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا».


Engraving of Mecca by Berthault
Engraving of Mecca by Berthault

بشرى سكينة العيد 🕋✨

منَّ الله علينا بعودة الأيام العشر، التي فيها العمل الصالح أحب إلى الله من غيرها، وعادت معها ذكرياتي عن تلك السنة التي كتب الله لي فيها الحج إلى بيته.

لا أذكر تمامًا كم مضى من السنين الآن، ولكني أذكر لحظةً تبعَت رمي جمرة العقبة، تلك اللحظة ما زالت عالقة في وجداني لاستثنائيتها الشديدة في حياتي. فحين وصلت إلى الجمرات كان قد مرَّ عليَّ ما يُقارب أربعًا وعشرين ساعةً وأنا مستيقظة، وقد قضيت كثيرًا من تلك الساعات أمشي، حتى أصبحت فرشتي في مخيم منى أقصى ما أطمح إليه من سبل الراحة.

ثم تبدل ذلك التعب كله بعد رمي جمرة العقبة؛ إذ غمرني شعور غريب ومدهش بالخفة، حتى إني ما زلت أذكر خطواتي مطمئنة، وخفيفة، ونشيطة على درج الجمرات.

رحلة الحج تلك جعلتني أرى قدر ما أمتلك من نِعم اعتدتها في حياتي، كما جعلتني أرى قدر ما يمكن للإنسان تحمُّله حقيقةً، وكم يتهاون الإنسان مع نفسه لئلّا يُجهدها.

فتأتي مواسم الطاعات لتذكِّرنا بأن السبيل إلى راحة النفس والنجاة يمر من خلال المشقة، أو ما ظاهره مشقة على الأقل. فالسير إلى الله قد يرهق البدن ويتعبه، لكنه في الوقت ذاته يروِّض تعلُّق النفس بما هو زائل في هذه الدنيا.

ثم يأتي يوم العيد، بعد هذه المشقة والتعب، محمَّلًا بنسمات السكينة ومليئًا بالرضا، كأنه بشرى بسكينة الجنة الدائمة.

إعداد🧶

مجد أبو دقَّة


  • «لقد قررت الجلوس على جانب الطريق وتكديس الكثير من السعادات الصغيرة، حتى إن لم أصبح كاتبة عظيمة.» جين ويبستر

  • كيف تجمع مقتنياتك من الخبز السويسري؟

  • كيف نبني فنادق جميلة لرفاق حياتنا من الحشرات؟

  • وين رايح وتاركني.


نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+50 متابع في آخر 7 أيام