لقد انتهى زمن دور النشر 👋🏻
زائد: ماذا قال الأدباء عن الحج؟ 🕋

كل مرة أدخل فيها إلى مكتبة أو أتجول في أروقة معارض الكتب، أتأمل العناوين المتراصة وأفكر في الرحلة الطويلة التي قطعها كل كتاب ليقف أمامي. هي رحلة لا تُعرَف بأنها تعتمد على جهد فردي بحت، إنما هي نتاج شراكة حتمية بين دور النشر والكتّاب. وهذه العلاقة يُفترَض أن تكون ودودة، وكل طرف يُكمل بها الآخر؛ فالكاتب يمنح الفكرة روحها بكلماته وسهره، والدار تمنحها جسدها الورقي عبر الطباعة والتسويق والتوزيع.
لكن هذه المعادلة، التي تبدو مثالية نظريًّا، غالبًا ما تصطدم بصخرة الواقع الممتلئ بالتحديات اللوجستية وتكاليف الصناعة العالية من جهة، ومخاوف الكاتب من ضياع حقوقه وشعوره بالتهميش المادي من جهة أخرى. ليس القصد هنا شيطنة طرف على حساب الآخر، فكلاهما يبحر في سفينة واحدة تتلاطمها أمواج المتغيرات الاقتصادية والتقنية، وكلاهما يبحث عن مساحة آمنة تضمن استمرار الثقافة والأدب دون خسائر.
في هذا العدد من النشرة أتحدث عن علاقة دور النشر بالكتّاب، وعن هذا الصراع الذي يظهر ويختفي فجأة. وكيف يمكن أن يكون أسلوب النشر والتوزيع في قادم الأيام.
فيصل آل عمر


لقد انتهى زمن دور النشر 👋🏻
فيصل آل عمر
كنت أراقب في الأيام الماضية (من دون صمت) الحديث الدائر بين الكتّاب، مِن ذلك المبتدئ الذي ما زال يحلم بإتمام روايته الأولى، ليهديها لمن حوله ويكتب لهم إهداءً بقلمه (الذي قد يكون سعره أغلى مما سيجنيه من تلك الرواية)، متخيّلًا بذلك صعوده سلم المجد الروائي، وصولًا إلى الكاتب الكبير الذي ربما بدأ الكتابة قبل أن تظهر دار النشر نفسها.
وحتى كتابة هذا المقال، كانت بعض دور النشر تتحفّظ من آراء الكتّاب حول ما يجدونه من «عناء النشر»، فهم يتحدثون عن المبلغ البسيط الذي يتقاضونه عن روايتهم، أو عن المماطلة في تاريخ النشر التي قد تزيد عن سنة ليُسمَح لكتبهم بالنشر! تردُّ بعض دور النشر على الكتّاب، باستحياء، أنها تقدِّم للكاتب خدمة كبيرة في التحرير الأدبي وحفظ حقوقه، ناهيك عن مساعدته في وصول الكتاب إلى رفوف المكتبات التجارية (هل أحتاج إلى أن أسرد لك عن شُح هذا النوع من المكتبات لدينا؟).
أزمة دور النشر في السعودية وعلاقتها المتوترة بالكتّاب ليست وليدة اللحظة، إذ أن هذه القضية طفت على السطح مرارًا، وتحوّلت إلى صراعٍ صامت حينًا ومعلنٍ أحيانًا أخرى؛ كتّاب يشكون من غياب الشفافية في أرقام المبيعات، ودور نشر تشتكي من عزوف القرّاء وارتفاع تكاليف الورق. وفي وسط هذه المعركة، كان الضحية الأكبر هو الشعور بالكتابة ذاته. فالكثير من المبدعين فقدوا شغفهم، وتحولت الكتابة من فعلٍ إنساني متدفّق إلى عبءٍ ثقيل يخلو من أي مردود عادل.
المفارقة المزعجة حقًّا، أنك حينما تتأمل المشهد الثقافي والفني من حولك، تجد أن الدعم المادي يتدفّق بسخاء نحو الصناعات الأخرى، مثل صناعة السينما والموسيقا والمسرح، وهو أمرٌ مفرحٌ بلا شك. لكن، في الوقت ذاته، يقف عالم الكتابة والتأليف وحيدًا في الظل، يصارع أهلُه من أجل البقاء، وبجهودٍ فردية محضة. فأنّى لكاتبٍ أن يستمر في الإبداع وهو يرى أن أجر مقطوعة موسيقية أو مشهد تمثيلي يفوق ما يجنيه من كتابٍ أفنى فيه سنوات عمره؟
أطلب هنا أن نكون صادقين قليلًا في حقيقة قيمة الكتابة، فلا يجب دومًا أن يردّد الكُتّاب دونًا عن غيرهم من المبدعين حجة: «نحن لا نكتب لأننا نبحث عن المال وإنما لشعور الكتابة ورغبةً في نشر المعرفة».
هو هدف لا شك يحمل قدرًا عاليًا من النبل، ولكن لا ننكر أن الجانب المادي مهمٌّ أيضًا، والكتاب يستطيع أن يحقّق لك جانبًا ماديًّا جيدًا. وكل الفنون يُفترَض بها أن تهب صاحبها رصيدًا ماليًّا، إلى جانب الإرث أيضًا.
وحقيقة أن «النشر بات صعبًا» كما يُقال، يجب أن تجعلنا ننتقل إلى مرحلة مقبلة من النشر. مرحلة تشبه تلك التي سبقنا عليها صُنّاع الأفلام مثلًا، حينما بدأ كبار المخرجين بالتوجّه إلى المنصات المدفوعة رغم سحر عرض الفِلم بالسينما، أو إنتاج المغنين لأغانٍ ضمن شركات كبرى تكفل لهم الدعم المادي بعيدًا عن تعب الحفلات والترويج الذاتي.
هذه الحقيقة المُرّة تفرض علينا أمرًا واحدًا: يجب أن نواكب العصر. لا يمكننا الاستمرار في البكاء على أطلال العقود الماضية، وانتظار أن يتغير شكل العقود الورقية مع دور النشر التقليدية. لقد منحتنا الثورة الرقمية أدواتٍ لم تكُن متاحةً لأجيال من الكتّاب قبلنا. وهذا يقتضي أن نقدّم شكلًا جديدًا للنشر قد يكفل لكلا الطرفين حقوقهما. فالكاتب ينشر بمقابل مادي خاص، ودور النشر تجتهد في استحداث منصّات تستحق استقطاب الكتّاب وتجعل من نفسها مطمعًا للنشر.
الفصول المدفوعة، عودة لزمن «الرواية المسلسلة»
في السابق كانت روايات كبار الروائيين تُنشَر في الصحف والمجلات على شكل فصولٍ أسبوعية. فروائيّون مثل تشارلز ديكنز أو ديستويفسكي، نشروا أعمالهم مسلسلةً في الصحف، فصلًا تلو الآخر، وانتظرها القرّاء بشغف. اليوم، قد تعود هذه الفكرة ولكن بعباءة رقمية حديثة.
منصات مثل «باتريون» (Patreon) تتيح للكاتب نشر كتابه أو روايته على شكل فصول متسلسلة لمشتركيه بالمبلغ الذي يرضيه. أو قد ينشرها في مواقع النشر المعروفة مثل «وورد بريس»، أو منصة كتابة التي صرَّح مؤسِّسها مؤخرًا أنهم بصدد إضافة خاصية الدعم المادي للكاتب، وهذا دليل على أن المنصات العربية بدأت تفطن لقيمة هذا النوع من النشر.
هذا الحل يضمن للكاتب استمرارية الدعم المادي المباشر من قُرّائه الحقيقيين الذين يؤمنون بقلمه، ويجعله في تواصل دائم معهم. هو يقرأ تفاعلاتهم مع كل فصل، ويستمع لملاحظاتهم، وتنشأ بينه وبينهم حالة من الشراكة الوجدانية، متحرّرًا من قيود أوقات النشر، مثل مواسم معارض الكتاب التي تأتي وتذهب ولا تترك خلفها سوى غبار الكراتين المكدّسة.
موقعك الخاص، مكتبتك ومتجرك
لماذا نرهن أعمالنا لرفوف مكتباتٍ قد تخفي الكتاب خلف مئات العناوين الرائجة، أو تضعه في زاوية معتمة لا يمرّ بها أحد؟ تأسيس موقع إلكتروني خاص بالكاتب أصبح أسهل من أي وقت مضى، ولا يتطلب خبرات برمجية معقّدة. في هذه المساحة الشاسعة، أنت الحاكم وأنت أمين المكتبة. يمكنك بيع نسخك الرقمية مباشرة للقارئ في أي مكان في العالم، أو حتى توفير خدمة «الطباعة عند الطلب» (Print on Demand). هنا، يذهب كامل الجهد والمردود إليك وحدك، وتبني قاعدة بيانات لقرّائك لا تستطيع أي دار نشر أن توفرها لك.
حينما تصدر كتابك الثاني لن تبدأ من الصفر، كلا! ستراسل قرّاءك الذين اشتروا كتابك الأول بضغطة زر، وبإمكانك صناعة ولاءٍ خاصٍّ بك، وكسب الشراكات والدعم من الجهات الأخرى. يجب أن تأخذ مشروعك الأدبي كمشروعٍ حقيقي قائم يستوجب السعي والجهد.
النشرات البريدية والاشتراكات المباشرة
اكتسبت منصات النشرات البريدية في بدايتها سمعةً بأنها مجرد وسيلة تواصل لإرسال الأخبار (أو عروض المطاعم)، لكنها الآن أصبحت نموذج عمل متكامل ومنبرًا حرًّا للمبدعين. يمكن للكاتب أن يقدم محتوًى مجانيًّا يبني من خلاله موثوقيته، ومحتوى آخر حصريًّا ومكثّفًا للمشتركين الداعمين شهريًّا كما نفعل في نشرة «إلخ».
أثبت هذا الأسلوب نجاحه في الغرب، وبدأ يجد طريقه بخطوات خجولة في دولنا العربية. القارئ اليوم مستعد للدفع شهريًّا لدعم كاتبه المفضّل ليضمن استمراره في تقديم محتوى أصيل وحقيقي، بعيدًا عن إملاءات الخوارزميات وتوجهات السوق.
الكتب الصوتية والبودكاست
هناك مجال آخر يمكن للكاتب أن يستثمر فيه صوته ونصه معًا، عبر تحويل الكتب إلى إنتاج صوتي في منصات البودكاست أو التطبيقات المخصصة للكتب الصوتية. (هل سمعت مثلًا تجربة أحمد الحقيل في سرد روايته «الحافة المطلة على العالم» في تطبيق راديو ثمانية؟)
سواء كان مُنتَجًا مدفوعًا، أو مدعومًا بالإعلانات والرعايات، فإن الكتاب الصوتي يخلق مسارًا إضافيًّا للدخل. قد لا يملك القارئ اليوم الوقت للجلوس وقراءة كتاب من 300 صفحة، ولكنه يملك الوقت للاستماع إليه في أثناء قيادته في زحام الطرقات أو في أثناء ممارسته الرياضة. الكاتب المرن هو من يذهب إلى قارئه في المساحة التي تناسبه.
إننا نقف على أعتاب مرحلة انتقالية حتمية، تشبه تلك اللحظة التي توقفتْ فيها الصحف عن طباعة أعدادها المليونية وانتقلت إلى الشاشات. لا بد أن يأتي أسلوب جديد تتغير فيه قواعد اللعبة، وتُخلَق فيه مسارات تضمن كرامة الكاتب وتدعمه ماديًّا ومعنويًّا قبل أي شيء آخر. ولكن، حتى لا تُفهَم كلماتي بنحوٍ خاطئ؛ هذا لا يعني إطلاقًا أن زمن «الكتاب الورقي» قد انتهى.
أنا من سكّان منطقة القراءة الذين يقدّسون الورق. رائحة الحبر، وملمس الغلاف، وتلك الحميمية التي نشعر بها حينما نقلّب الصفحات تحت إضاءة خافتة، هي أشياءٌ لا يمكن رقمنتها أبدًا. ذلك الشعور بالانتصار الصغير حينما تضع فاصل الكتاب وتغلقه لتنام، هو شعورٌ أصيل لن تعوّضه شاشات الأجهزة.
الورق لن يموت، ولكن دوره سيتغير. سيصبح الكتاب الورقي «تتويجًا» لرحلة الكتابة، نسخة فاخرة يقتنيها القارئ المحب ليضعها في مكتبته كقطعة فنية، بعد أن يكون الكاتب قد حصد نجاحه ودعمه رقميًّا. سنستمر في القراءة، وسنستمر في طباعة الكتب، والمكتبات ستظل عامرة، لكننا لن نسمح بعد اليوم بأن تكون دور النشر التقليدية هي حارس البوابة الوحيد الذي يقرر من يمر ومن ينشر ومن يبقى في الظل. إنها دعوة إلى التحرّر، ولإعادة الكتابة إلى سيرتها الأولى: علاقة نقية ومباشرة بين الكاتب وقارئه.
كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

ماذا قال الأدباء عن الحج؟
سارة بن حميد
قد منَّ الله عليّ بأداء فريضة الحج، وقد تَركَت في النفس من أثرها ما لا يُحسِن اللسان شرحه، ولا تستوعبه العبارة مهما اتّسعت. ومنذ عودتي، وأنا أفتّش بين رفوف الكتب عمّن ذاق من الحج ما ذقت؛ ذلك اللين الذي يهبط على القلب بعده، فيرقّه حتى تغلبه الدمعة على غير عادته.
ولست -فيما أعرف عن نفسي- سريعة البكاء، بل لعلّي أقرب إلى من قال: «عصيّ الدمع وشيمتي الصبر». غير أن الحج بدّد كثيرًا من هذه المناعة، حتى صرت أفهم أولئك الحجاج الذين إذا سُئلوا عن حجّتهم، أجابوا بعينٍ دامعة لا بلسانٍ فصيح.
لم أجد ما يمثّلني سوى قول إيليا أبو ماضي:
هَجَروا الكلامَ إلى الدموعِ لأنهم
وجدوا البلاغةَ كلَّها في الأدمُعِ
ثم وقعت بين كتب الرحلات والأدب على كتابٍ يجمع ما قاله الأدباء والرحّالة عن الحج، فوجدت قومًا ذاقوا من هذا الشعور ما ذقت، وحاولوا أن يكتبوا عن شيءٍ أكبر من الوصف.
وجدت عند الزيات رقّةً في وصف أثر الحج على الروح، إذ يقول:
كان الحج ولا يزال مطهر الدنيا، يزيل عن جوهرها أوزار الشهوات وأوضار المادة، وكان الحج ولا يزال ينبوع السلامة تبرّد عليه الأكباد الصادية وترفه لديه الأعصاب المرهقة... وكان الحج ولا يزال مثابة وكان الحج ولا يزال مثابة الأمن، تأنس فيه الروح إلى موطن الإلهام، ويسكن الوجدان إلى منشأ العقيدة!
أما العقّاد، فشدّني استحضاره المهيب للنبي ﷺ في وصف مقام الدعاء:
مكان آخر عند الكعبة كان له في قلوبنا مثل هذا الخشوع ومثل هذا الرجوع مع الزمن إلى أيام الرسالة وأيام الجهاد. ذلك هو موقف الدعاء الذي كان الرسول عليه السلام يختار الوقوف فيه كلما طاف بالكعبة ودعا إلى الله. أنت هنا ولا ريب في مقام قام فيه ذلك الرسول الكريم، أنت هنا تقف حيث وقف وتدعو حيث دعا وتنظر حيث نظر وتحوم بنفسك حيث حام في اليقظة لا في المنام. قيل لنا: هنا يستجاب الدعاء. قلنا: نعم، هنا أخلق مكان أن يستجاب فيه دعاء، واللهم الله كلا من الواقفين معنا أن يدعو دعاءه وأن يستجمع في الدنيا والآخرة رجاءه.
وفي رحلة حمد الجاسر، لامسني وصفه لذلك الانصراف العجيب عن الدنيا:
ومع أننا اعتدنا تناول طعام العشاء حين يستقر بنا المنزل، ونهيّئ لرواحلنا ما هي بحاجة إليه من علف ومناخ، إلا أننا وقد انتهينا من شؤون الإحرام لا نزال منصرفين عن التفكير في إعداد الطعام أو القهوة، بل لا نزال تحت تأثير ذلك الشعور الروحي، وكأنه لا يعنينا من أمور الدنيا شيء!
أما أحمد أمين، فكان وصفه لعرفة من أصدق ما قرأت:
لا أذكر في حياتي أن رأيت منظرًا أرهب منه ولا أجلّ منه… عصبة أمم لا عصبة حكومات، يجمعهم غرض واحد ولا تشتتهم الأغراض، يرجون التخفّف من الدنيا ويندمون على التفاني في أعراضها، يحتقرون أصنام الناس من مال وجاه وشهوات، ويسعون إلى طلب رضا الله بطاعته، ويشعرون بالسعادة الحقيقية.
وأحسب أن أجمل ما كُتب عن الحج، إنما كتبه قومٌ عادوا منه وهم في حيرةٍ من أمر قلوبهم؛ فلم يكتبوا وصفًا للحج -لأنه لا يوصف- بقدر ما كتبوا أثره في أرواحهم.

شيء من وصف الحجيج:
يا راحلين إلى البيتِ العتيقِ لقد
سرتم جسومًا وسرنا نحنُ أرواحا
إنّا أقمنا على عذرٍ وقد رحلت
أشواقُنا فاحتملتموها وأرواحا
أحمد شوقي
شيء من الشوق إلى منى:
يا راحلين إلى منًى بقيادي
هيّجتمُ يومَ الرحيلِ فؤادي
سرتم وسارَ دليلكم يا وحشتي
والشوقُ أقلقني وصوتُ الحادي
وحرمتمُ جفني المنامَ ببعدكم
يا ساكنينَ المنحنى والوادي
عبد الرحيم البرعي
شيء من الوقوف عند البيت:
وقفتُ بالبيتِ العتيقِ مُلبّيًا
والقلبُ من شغفِ الزيارةِ خافقُ
ورأيتُ نورَ اللهِ يملأُ خاطري
فكأنني بينَ الملائكِ عانقُ
محمود سامي البارودي
شيء من التلبية:
إلهنا ما أعدلك
مليك كلّ من مَلَك
لبَّيك قد لبَّيتُ لك
لبَّيك إِن الحمد لك
والملك لا شريك لك
ما خاب عبدٌ سأَلك
أنت له حيث سلَك
لولاك يا رب هلك
لبَّيك إِن الحمد لك
والملك لا شريك لَك
أبو نواس
دع الأدب يلتقي بك ✨
مع «الشريك الأدبي» فصول تتجدد لتحيي وجهاتنا بالفكر 💡
تكتمل الحكاية بحضورك «هنا لتعرف جدول الفعاليات».

عقل أبي - سانديب جوهار

كم مرّة نظرنا إلى آبائنا وأمهاتنا، وتساءلنا بخوفٍ مبطن: ماذا لو استيقظوا يومًا ولم يعرفوا من نحن؟ الذاكرة هي الخيط الرفيع الذي يربطنا بإنسانيتنا، وحينما يبدأ هذا الخيط بالانقطاع، نجد أنفسنا أمام فاجعة لا يمكن لأيّ طبٍّ حديث أن يخفّف وطأتها.
في كتاب «عقل أبي»، يأخذنا الطبيب والكاتب سانديب جوهار في رحلة قاسية وموجعة، ليروي لنا قصّة تلاشي عقل والده البارع تحت وطأة مرض ألزهايمر.
لطالما قرأنا عن هذا المرض في الأدب. وقد تحدثتُ لكم في عددٍ سابق عن أقصوصة «ألزهايمر» للراحل غازي القصيبي، وكيف نقلت لنا مشاعر المريض نفسه عبر رسائله لزوجته. لكن سانديب جوهار يقدم هنا زاوية أخرى تمامًا؛ زاوية الابن الطبيب، الذي يجد نفسه يقف مكتوف الأيدي أمام مرضٍ يلتهم دماغ والده الخبير في علم الوراثة. إنه رجل العلم الذي كان يعتمد على عقله المتوقّد في كل شيء، ليتحوّل تدريجيًّا إلى شخصٍ غريب تائه في أروقة منزله، يبحث عن ماضٍ تبخرت تفاصيله.
ما يجعل هذا الكتاب استثنائيًّا ميزة السرد العاطفي المتجلية بالكتاب، عن طريق البراعة التي يمزج بها الكاتب بين العلم والشعور. فهو يشرح لك -بتفصيلٍ مملٍّ أحيانًا- ميكانيكية الدماغ، وكيف تتشابك البروتينات لتقتل الخلايا العصبية تدريجيًّا؛ ليريك كيف تتحول هذه التغيرات البيولوجية المعقدة إلى نوبات غضب، ونسيان لأسماء الأحفاد، وعناد يكسر قلب من يعتني به.
يكتب سانديب بشفافية مؤلمة عن إحباطاته، وعن اللحظات التي فقد فيها صبره، متجرّدًا من مثالية «الابن البار» التي تفرضها علينا الأعراف، ليقدّم لنا تجربته المرهقة لرعاية مريض بالخرف. ويتطرّق أيضًا إلى زاوية غالبًا ما يُمسِك عنها الكتّاب خجلًا، وهي صراع الإخوة. كيف تختلف رؤية كل ابن لحالة والده؟ وكيف تتحوّل قرارات الرعاية، مثل توظيف ممرضة منزلية أو نقل الوالد لدار رعاية، إلى ساحة معركة عائلية تتخلّلها مشاعر الذنب وتبادل الاتهامات.
هذه الصراعات تضفي على الكتاب بُعدًا اجتماعيًّا واقعيًّا، يلامس كل عائلة اضطرّت لاتخاذ قرارات مصيرية نيابة عن شخص كان هو المُدبِّر وصاحب القرار دائمًا.
شعرت بعد نهاية الكتاب بأسى شديد على حال كبار السن من حولي، عاطفة تفجرت لم أعهدها قبل إغلاقي صفحة الكتاب الأخيرة. لذا أذكرك بأن تهرع لمعانقة والديك، حامدًا الله على كل لحظة صفاء يذكران فيها اسمك.
التداوي البصري - مارين تانقوي

بصفتي منتج محتوى، أقضي جُلّ يومي محاصرًا بين الشاشات والنصوص والتصاميم. وحتى حينما قررت تجديد بيئة عملي التقنية، متجشّمًا عناء الانتقال إلى نظام «الماك»، بعد سنوات متواصلة من الاعتياد التام على بيئة «الويندوز»، ظننتُ أن هذا التغيير الجذري سيجلب لي نوعًا من الهدوء البصري والترتيب الذهني بفضل واجهاته الأنيقة.
لكنني أدركت سريعًا أن ما تغيّر هو الإطار المعدني للشاشة، أما «الضجيج البصري» الذي يقتحم عينيّ بلا استئذان فقد ظلّ كما هو.
نحن نُطارَد يوميًّا بسيل لا ينتهي من الصور والإعلانات والمقاطع القصيرة التي تتدفق أمامنا بسرعة جنونية. هذا الإرهاق الاستهلاكي المتواصل هو ما قادني إلى قراءة كتاب «التداوي البصري» (The Visual Detox) للكاتبة وخبيرة الفنون مارين تانقوي. كتاب يتحدث عن الحمية الغذائية البصرية (ويا إلهي كم صرنا نقرأ عن أسماء الحميات الجديدة مؤخرًا!)، حمية نحتاج إليها بشدة في عصرنا الحالي: «الحمية البصرية».
متى كانت آخر مرة اخترت فيها بوعي ما تراه عيناك؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي تطرحه تانقوي. نحن نتعامل مع حاسة البصر وكأنها نافذة مفتوحة دائمًا لكل من هبّ ودب ليرمي فيها نفاياته. تشرح الكاتبة، بأسلوبٍ علميٍّ فني ومتقن، كيف أن الصور التي نستهلكها يوميًّا لا يتوقف أثرها بمجرد تجاوزها، بل هي رسائل تتسلّل خلسة إلى لاوعينا. إنها تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل مزاجنا، ورفع معدلات القلق والتوتر لدينا، بل وتتدخل مباشرة في التأثير بقراراتنا اليومية وثقتنا بأنفسنا.
المفارقة المؤلمة التي يستعرضها الكتاب، هي أننا أصبحنا ندقق كثيرًا في مكونات طعامنا، ونقرأ عن السعرات الحرارية المكتوبة بخطٍّ صغير خلف العلب، لكننا في المقابل نلتهم «الوجبات السريعة البصرية» دون أدنى تفكير.
تقدم الخوارزميات لنا صورًا مُشبَعة بالمثالية الزائفة والمقارنات المرهقة، ونحن نبتلع كل هذا بلا مقاومة، لنجد أنفسنا في نهاية اليوم مستلقين على أريكتنا، منهكين نفسيًّا وعاطفيًّا، ولا نكلّف أنفسنا حتى عناء السؤال: لماذا أشعر بكل هذا التعب؟
ما استوقفني فعلًا في فصول الكتاب هو تقاطع هذا المفهوم مع مسؤوليتنا نحن المشتغلين بقطاع الإعلام وصناعة المحتوى؛ هل نحن جزء من المشكلة؟ أم جزء من الحل؟ حينما ننتج موادنا، هل نساهم في زيادة هذا التلوث البصري؟ أم نمنح القارئ والمشاهد مساحة من الجمال والتأمل؟
وضعني الكتاب أمام أسئلة لا نهائية، تحتم عليّ أن أعيد النظر في كل تفصيلة أمرّرها للآخرين.
في ختام الكتاب ستصاب بتأنيب الضمير، وأظن أن الشعور بالذنب يكفي لتحسين ما تقوم به الآن. نعم حاولت أن أتغير كثيرًا بعد الكتاب، لكني إلى الآن لم أتغيّر في شيء. وعسى أن أبدأ الحمية الأحد القادم!
شيِّد - طوني فاضل

طوال أحد عشر عامًا، كنت أقف في صف «الويندوز» العتيد، أدافع عنه وأعتاد على كل تفاصيله، حتى نجح أخي أخيرًا في إقناعي بتجاوز مخاوفي والانتقال إلى عالم «الماك». ورغم فاتورة الانتقال النفسية والتقنية، وضريبة التعلم التي دفعتها في أيامي الأولى مع جهازي الجديد، وجدت نفسي أقف متأملًا أمام هذه الفلسفة التصميمية التي تجبرك على احترامها؛ تفاصيل دقيقة صُنِعت لتبقى.
هذا التأمل قادني مباشرة إلى البحث عن العقول التي أسست هذه الإمبراطورية. وهكذا، وجدت نفسي أغوص في صفحات كتاب «شيِّد» (Build) للمهندس والمخترع طوني فاضل.
إذا لم تكُن تعرف طوني فاضل، فيكفي أن أخبرك أنه الأب الروحي لجهاز الآيبود، وأحد الآباء المؤسسين للآيفون، ومؤسس شركة «نيست» (Nest). هذا الرجل عاش التخبّطات المريرة قبل أن يذوق طعم النجاحات الكبرى.
هل تذكرون مقالي الذي حذرتكم فيه من أن تخدعكم كتب الإدارة المثالية؟ كتاب طوني فاضل هو العكس تمامًا لتلك الكتب. هذا الكتاب لا يبيعك أوهام المدير المثالي وبيئة العمل الوردية، إنما يقدّم حقائق عن كيفية بناء المنتجات، وبناء الفِرَق، وبناء نفسك أولًا وقبل كل شيء.
يبدأ طوني كتابه بالحديث عن الفشل، فشله الذريع في بداياته مع شركة «جنرال ماجيك»، وكيف أن صناعة شيء عظيم ومُبتَكر في الوقت الخطأ هو فشل بحد ذاته. ينتقل بعدها ليشاركنا عن أسلوبه في اتخاذ القرارات.
فهو يرى أن القرارات في عالم الأعمال والإبداع تنقسم إلى نوعين: قرارات مبنية على البيانات، وهي سهلة ومباشرة، وقرارات مبنية على الحدس، وهي التي تصنع الفارق الحقيقي، وتحتاج إلى قائد جريء، لا مجرد مدير يختبئ خلف جداول الإكسل لتنفيذ السياسات. وهذا يذكرني بتعريف غازي القصيبي للقائد الهجومي: أنه القائد الذي يتخذ القرار.
ما أثار إعجابي حقًّا في هذا الكتاب، وجعله يتوافق مع قناعاتي، هو مقاربته الصريحة لعلاقة الموظف بمديره. فهو لا يفترض وجود مدير ملائكي يتفهّم كل زلّاتك، إنما يخصص فصولًا للحديث عن التعامل مع المديرين الصعبين «الذين أظنني بدأت أتفهمهم»، وكيف يمكن للموظف أن يستخلص الدروس ويتعلم القيادة حتى من أسوأ بيئات العمل، وهذا الأمر المهم لدي.
أتمنى أن تستمر كتب سيرة الإدارة في إخبار الموظف كيف يتعلم من عمله، حتى من تلك الأشياء التي لا يحبها كالإدارة مثلًا.
هذا الكتاب ليس موجّهًا بالضرورة إلى مهندسي التقنية أو روّاد الأعمال، بل لكل شخص يحاول أن يخلق شيئًا ذا قيمة ويترك أثرًا يُورَث لمن بعده. يكفي أنه يذكّرك بأن الأشياء العظيمة لا تُبنى في مناطق الراحة، وأن النجاح المدوّي هو مجرد محطة تأتي بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات التي لم يقرأ عنها أحد.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.