حتى لا تخدعك كتب الإدارة! 🕴️
زائد: كتب تنتهي من قراءتها قبل انتهائك من كوب القهوة ☕️

أنا لا أكره أي تصنيف من الكتب، أحب قراءة أي كتاب يمر أمامي، ففي فترة عملي بالمكتبة كنت أستمتع بقراءة كل ما يعيده مستعيرو الكتب، فأقرأ كتابًا عن زراعة الرمان، حتى يعيد آخر كتابًا عن الخرسانة، وأقرأهما بشغف كبير. ولم أمتلك عدوانية تجاه بعض كتب تطوير الذات المُترجمة، مهما بدا محتوى الكتاب بديهيًّا ويمكن اختصاره في عنوانه. فكتاب «كن قويًّا» لن يقول لك في المئة صفحة التي ستقرؤها إلا جملة «كن قويًّا»، وبالطبع ستطور هذه الكتب أحدهم يومًا ما ويصبح قويًّا، فاللهم لا اعتراض.
لكن كتب الإدارة كنت أمتلك علاقة متفاوتة معها، فمحتواها يصيبني بالرعب منذ الصفحة الأولى، حينما يضع الكاتب سيلًا من الخبرات المهنية والاستشارية التي مر بها، ثم يبدأ في فرض نظريات عن الأوضاع المثالية للمدير والموظف وبيئة العمل. ويأتي الرعب من أن لا شيء مما ذُكر متوفر بالمكان الذي تعمل به! ويتضاعف الرعب حينما تدخل مكتب مدير وتجد خلفه مكتبةً ضخمة من كتب نظريات الإدارة، ولا يتحدث إلا مقتبسًا منها ولا يعمل إلا بعكسها.
في هذا العدد سأتحدث عن رأيي في ما تقدمه كتب الإدارة من نظريات يمكنها أن تخدع المدير والموظف وحتى مُقدم الشاي!
فيصل آل عمر


حتى لا تخدعك كتب الإدارة! 🕴️
فيصل آل عمر
هل جربت العمل مع مدير يعامل كتب الإدارة معاملة المسلّمات التي لا تقبل الجدل ولا الحوار؟ يطبق ما يقرؤه مكتوبًا مباشرة على أرض الواقع؛ يقرأ أن من واجبك التبسّم عند طلبه إجازة، وستجده يبتسم ابتسامة صفراء قبل أن يجيبك عن طلب إجازة الوفاة. ويصدّق أن من الواجب شرب قهوة سوداء مُرَّة في الصباح عند الاجتماعات، حتى لو لم يكن من محبيها.
كنت دومًا أتجنب قراءة كتب الإدارة، ليس كرهًا فيها، لكن النظريات الإدارية المبالغ في إيجابيتها لا تروق لي، لأنني مؤمن بأن لكل مجال طريقة إدارته الخاصة؛ فالكاتب الذي يشاركنا تجربته في إدارة وزارة لا يمكنه أن يطبق الفكر الإداري نفسه على إدارة مقهى في الحي. نعم يُقال دومًا: «الكتب لا تعلمك مثلما تفعل الممارسة، فقد تقرأ كتابًا عن طريقة السباحة وستغرق في أول اختبار للغطس»؛ هذه مسلّمات معروفة. فكتب الإدارة هي خلاصة تجربة الكاتب، ولا يمكن تطبيق كل ما فيها ومحاكاة تجربة مؤلفها بالكامل!
لكن هذا قد يعجز عن فهمه من يعتقد أن هذه النظريات المثالية عن بيئة العمل وتطور الشركات والمديرين والموظفين هي حقيقة لا تقبل الجدال، وأن كل المديرين هنا كانوا مثاليين فعلًا، وقد تركوا شركاتهم من خلفهم وهي الأفضل في مجالها. نعم أنا مع اكتساب التوصيات في الإدارة والعمل، لكن علينا أن نذكر معلومة (أرجو ألّا تكون ببداهة ما ستقرأه في كتب «كن قويًّا») وهي أن الإدارة شيء والقيادة شيء آخر.
فالإدارة قد تُكتَسب بتطبيق السياسات المحددة والاستراتيجية المعروفة، ولن يُقال عنك إلا إنك مديرٌ ممتاز، لكن القادة -وهم من نواجه شُحًّا في وجودهم- لا يُصنَعون بالكتب ولا الاستراتيجية والسياسات؛ القيادة صفة تولد مع الشخص وتوجد عنده بالفطرة. وقد لا يكون القائد هو المدير أصلًا، فربما كان النائب أو موظفًا عاديًّا في أحد الأقسام.
المهم أن هذا النوع من الكتب مهما بدا لامعًا في صناعة عالم وردي في الإدارة فهو لا يزال يخدع الكثير. وأكثر من ينخدع بهذا النوع من الكتب هو المدير الذي يطبق ما يقرأ بحذافيره، أو الموظف الذي يصدق أن هناك مديرًا مثاليًّا.
لا يوجد مدير مثالي
إن كان سبب استقالتك السابقة أو القادمة أن «مديري ليس مثاليًّا»، وكان قياسك للمدير المثالي عائد إلى ما قرأته في كتاب عن الإدارة اللطيفة، وكيف أن المدير الناجح هو الذي يأتي صباحًا مبتسمًا، ولا يصدق الوشاية، ويزيد راتبك سنويًّا، ولا يطلب تعديلات متكررة على عملك… فإن صدقت هذا فأنت ضحية لكتب الإدارة.
كل المديرين الناجحين الذين تمكنوا لاحقًا من كتابة سيرتهم الإدارية حول مهاراتهم وكيف وفروا بيئة عمل مثالية في منظماتهم التي أداروها، قد مرّوا بطريق طويل من التخبط الإداري والقرارات الخاطئة التي لن يذكروها كلها في كتبهم (ربما لأن المظلوم لا ينسى والظالم ينسى). ربما ذلك المدير كاتب السيرة قد منع شيئًا عن الموظفين تسبب باستقالة كثير منهم، أو كان سببًا مباشرًا في استقالة موظف مثالي أصبح لاحقًا صاحب شأن أكبر من المدير نفسه!
الحقيقة أن لكل شيء في الحياة مغنمة ومغرمة، وكذلك الإدارة. فما تسمعه في برامج البودكاست أو تقرأه في كتب الإدارة، أو حتى المقالات حولها، هي تجارب شخصية يظهر جانبها الإيجابي وحده، وكل مدير يُتوقَّع منه أخطاء لا تنتهي، ليحصد قرارات صائبة في المقابل. فالإدارة فن لا يمكن تطبيقه إلا عن طريق الخطأ، والمدير المثالي حلم لا يمكن أن يحدث إطلاقًا.
إن أردنا تسمية الأشياء بأسمائها فسنقول «ظروف مناسبة خدمت المدير الحالي ليحقق نتائج إيجابية»، وشخص يمتلك شخصية قيادية مكّنته من استخراج أفضل ما في الموظفين. فكم من مدير لا يفقه شيئًا في الإدارة لكنه يمتلك شخصية لطيفة كانت سببًا في تقبُّل الموظفين له، فقدموا أفضل ما لديهم مما تسبب بنجاح منظومته. بينما يوجد مدير يعرف خفايا الإدارة كاملة لكن لم يتمكن أن يبقى على كرسيها شهرًا واحدًا.
عليك أن تتقبَّل هذه الحقيقة، مهما كنت بارعًا في مجالك وتدرك تفاصيله من الألف إلى الياء، فلن تجد مديرًا مثاليًّا يغفر لك دومًا كل أخطائك ويحب كل الموظفين ويقدم علاوات سنوية. إلا أن المديرين يتفاوتون في تقدير قراراتهم وتنفيذها، فإن كنت تشتكي من سوء مديرك الحالي فأطمئنك أن في الحياة العملية ستواجه من هو أسوأ، وستُرزَق بمن هو أفضل.
وهم الموظف المتكامل!
كم مرة بدأت وظيفتك بحماس شديد وانطلاقة مذهلة تجعل الموظف القديم يمر بجانبك وبيده كوب الشاي والشابورة ويسألك: «من أين لك كل هذا؟»، وهذا السؤال لا شك يعني أن سمعتك المهنية في قمتها. بعد فترة، تجد كل أعمالك تُرفَض، ويعقِّب المدير على كل ما تُقدِّم، قبل أن يقول الجملة التي غالبًا ستسمعها في الساعة الأخيرة من يوم الخميس: «لماذا تغيرت؟». حينها صدقني ستمر بأسوأ عطلة نهاية أسبوع في حياتك.
أعزائي المديرين (وقد كنت منكم)، الموظف المثالي هو حلم لن تحصل عليه أنت الآخر، فلا يوجد موظف عالي الجودة دومًا. الموظف لديه حياة خارجية وأسرية تمر بمنعرجات قد لا يتمكن من الإفصاح لك عنها لكي تلتمس له عذرًا لتغيُّر أدائه المهني. دورك أنت أن تستشعرها لتقدِّر أي تغيير في مستوى موظفيك، وتغض الطرف عن بعض العثرات التي تخرج من الموظف الذي عُرفَت عنه جودة العمل.
قبل هذا كله، يجب أن تتذكر أنه نفسٌ بشرية تتعب من تكرار العمل وعدم الحصول على نتائج عنه. فالتقدير الذي يحتاج إليه ربما كان ترقية وظيفية أو علاوة سنوية انتظرها منذ خمس سنوات. وما لا تخبرك به كتب الإدارة أنَّ منظومة الموظفين تسوسهم جماعةً وتعتني بهم أفرادًا؛ لكلٍّ منهم معاملته الخاصة حسب ما تنتظره من مردود.
التعثر في الأداء متوقع، وتغير المستوى العملي متوقع؛ لا يوجد موظف في قمة مستواه دومًا.
بيئة العمل متشابهة في كل العالم
تتحدث كتب الإدارة دومًا عن أهمية صناعة بيئة عمل مثالية للموظف، وتقديم كل العوامل اللازمة للنجاح. كتاب مثل «البناء من أجل الاستمرار» للباحثين جيم كولنز وجيري آي بوراس يصف تجارب بناء الشركات الناجحة بمعايير محددة، مثل بناء بيئة متخصصة بالمجال، ويحاول ترسيخ فكرة أن البيئة التي تتوفر فيها معايير مثل الطموح والمثابرة والدعم هي سبب نجاح شركات كبرى في العالم. المفارقة أن المعايير ذاتها يمكن تطبيقها على أي شركة، وتلك الشركة قد تفشل في المجال نفسه الذي نجحت فيه الأخرى! المسألة لا تكمن في محاولة الترويج لدعوى أن وجود الفكرة لوحدها يمكن أن يكون سببًا في نجاح تطبيقها.
في حين يأتي كتاب مثل «أفكار وُجدَت لتبقى» للأخوين شيب هيث ودان هيث، لشرح سبب صمود الشركات والأفكار بناءً على قدرة تماشيها مع الواقع، منها صناعة مجتمع يمكنه العمل مع بعضه البعض.
هل هذا يعني أن كل بيئات العمل سيئة؟
بالطبع لا، المسألة تكمن في أن لكل موظف هدفه الأساسي من وجوده في الوظيفة، وعند يقيننا بهذه الحقيقة سيسهل علينا استيعاب البيئة العملية. فهناك موظف يحضر العمل لأجل الراتب، وآخر لأن مقر عمله قريب من منزله فحسب، وهناك موظف يسعى إلى التطور داخل المجموعة وتطويرها (وهذه الفئة التي يجب استهدافها). وكلما توحد الهدف المهني للجميع زادت فرصة أن تكون بيئة العمل متناغمة. في كتاب «حياة في الإدارة» يشير غازي القصيبي في أغلب فصول الكتاب إلى ضرورة وجود هدف موحد بين المدير ونائبه، ليسهل بناء المنظومة كاملة. فكلما كان الذين في رأس الهرم يمتلكون رؤية موحدة، سينعكس هذا على بيئة العمل والمنظومة المهنية.
قد تعطي كتب الإدارة قصصًا مفيدة عن بيئات العمل وإدارتها والتعامل مع الموظفين من خلالها، وقد تعطي تصوّرًا جيدًا عن بناء طموحات «بسيطة»، لكنها بلا شك لا تصنع من المدير قائدًا، ولا من الموظف العادي مثاليًّا، ولا من بيئة العمل المتهالكة مكانًا آمنًا لعملك القادم.
عندك فكرة وتبيها تُسمع؟ 🎧
«معمل الصوت» في «المشتل» بالتعاون مع بروفه، مساحة مجهزة للتسجيل والإنتاج، مع فريق مختص يساعدك تبني هويتك الصوتية من الفكرة إلى النشر 🎙️.

كتب تنتهي من قراءتها قبل انتهائك من كوب القهوة
هل تعرف كتب القهوة؟ لا أقصد الكتب التي تتحدث عن أصل القهوة أو طريقة تحضيرها وأنواعها، بل أعني تلك الكتب التي تبدأ في قراءتها عند تحضير كوب قهوتك وتنتهي منها قبل نهاية الكوب.
في لحظات جلوسك اليومي لوحدك، أو عندما تُفاجأ برسالة اعتذارٍ من صديق عن الحضور إلى الموعد، ستحتاج إلى أنيس يساعدك على التخفّف من استخدام الجوال الذي لا ينفك عن تكرار الأحاديث نفسها التي قرأتها صباحًا. حينما أجلس وحيدًا بعد يوم ثقيل وطويل، أفضِّل أن أقرأ كتابًا خفيفًا ينتهي بانتهاء قهوتي، فهذا يغذي بداخلي شعور الانتهاء من قراءة كتاب (حتى إن كان لا يتجاوز المئة صفحة). هذا النوع من القراءة يقدم لك خلطة سحرية للقراءة الهادئة، ويغنيك عن البحث عن صديق يشاركك طاولة القهوة.
أهم مميزات «كتب القهوة» أنها إن كانت قصصًا فهي قصص بسيطة مباشرة، لا تزدحم بالشخصيات، يكفيها بطلٌ وشخصية أخرى تدور حولهما قصة مشوِّقة، لا شيء أكثر من ذلك. ولنأخذ أقصوصة مثل «ألزهايمر» لغازي القصيبي رحمه الله. تتمتع هذه القصة بأسلوبها اللطيف الذي يدفعني لنصحك بقراءتها بعد يوم مهني ثقيل ترغب بالتخفف من أعبائه. تحكي قصة «ألزهايمر» عن شخص أُصيب بألزهايمر، فيرسل إلى زوجته رسائل يومية يحدثها عن مرضه. أقصوصة تتراوح صفحاتها بين 120 - 130 صفحة، وستنساها عند نهايتها، ولا تسأل لماذا.
من مميزات قصص القهوة أنها بسيطة ومشوِّقة منذ بداياتها، وتستطيع لفت انتباهك إلى أحداثها. عامل التشويق في القصة مهم، ربما لأنه لا يجدر بكتاب لا يتجاوز المئة والخمسين صفحة إلا أن يكون مشوّقًا منذ البداية. مثالٌ عليها رواية «قصة موت معلن» لقابرييل غارسيا ماركيز؛ قصة بسيطة تُعدّ من أفضل ما كتب ماركيز. بإمكانك الارتباط بالقصة فورًا، فهي قصة تشويق تتراوح صفحاتها بين 120 و130 صفحة (بحسب اختلاف طبعات دور النشر). ستنتهي منها، وسترغب لو بقي في كوبك قليلٌ من القهوة، ولا تسأل لماذا.
مما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في هذا النوع من القصص أن يمتلك كاتبها لغةً خاصة؛ قلمًا سيّالًا يتمكن من شد انتباهك لبلاغته وجمال ما يكتب. وينبغي أن يلتقي هذا الأسلوب السحري مع قصة تمتلك نهاية سريعة وصادمة، فيبقى أثرها لما بعد هذه القراءة، مثل «مذكرات الأرقش» لميخائيل نعيمة. أحب أسلوب ميخائيل في التعبير، ويمكنك استشعار أسلوبه الخاص منذ البداية، وتحديدًا في اختياره المفردات بطريقة آسرة. كما أنها قصة ذات طابع مشوّق، لأن بطلها يجعلك في حيرة بسبب طريقة رواية قصته التي تتراوح صفحاتها بين 130 - 140 صفحة. غالبًا ستنتهي منها مع انتهائك من قهوتك، وتتجه لمطعم مجاور، ولا تسأل لماذا.
خيارات كتب القهوة متعددة كتعدد أصنافها، المهم أن تشعرك بالرضا لابتعادك عن الجوال، وتخفّف عنك أعباء الأيام الثقيلة، وتحفّزك على الالتزام بعادة مفيدة يوميًّا. أنت تشتري القهوة يوميًّا، لذا تحتاج حتمًا إلى رفيق مختلف كل يوم.

شيء من الوداع:
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودّعه
ابن زريق البغدادي
شيء من الأمل الصادم:
ما كان في عُقلاء الناس لي أمل
فكيف أملتُ خيرًا في المجانين؟
البحتري
شيء من الرضا عن الماضي:
ولاني بندمان على كل ما فات
أخذت من حلو الزمان ورديّه
خالد الفيصل

داوود حسين: من جدران «العشة» إلى عتبات المسارح
بدأت حياة الفنان داوود حسين العملية بمقابل بسيط، لا يتجاوز صفرًا أو صفرين، حتى أضافت مسرحية «باي باي لندن» صفرًا ثالثًا للمحفظة، معلنةً انتهاء حياة الفقر واعتلاء عتبات جديدة.
3000 دينار كاش استلمها من المسرحية، كانت كفيلةً بأن تجعل والدته -رحمها الله- «تبقّق» عيونها فيه بذهول وشك، ظنًا منها أن ابنها قد سلك طريقًا غير مشروع، ليرمي المبلغ تحت قدميها ويقسم لها باكيًا:
يمّه والله العظيم هذا شغلي مع عبدالحسين عبدالرضا.
هذه القصة أحد التفاصيل التي كشفها الفنان داوود حسين -ولأول مرة- لمستمعي بودكاست «امشِ مع»، ويحكي غيرها في الحلقة، ليكشف التفاصيل المؤلمة خلف قناع الكوميديا.

الموت على كنبة مريحة

تأليف: بول تايلر
تخيّل معي هذا المشهد: هيكل عظمي متمدّد باسترخاء على أريكة وثيرة، عيناه، أو ما تبقى منهما، تركز على شاشة التلفاز، وإحدى يديه تمسك بهاتف ذكي يتصفحه بلا توقف ومن دون هدف، في حين تتناثر حوله بقايا طعام وعلب فارغة وملابس متسخة.
هذا المشهد الكاريكاتوري الصادم كان ملهمًا لكتاب «الموت على كنبة مريحة»، والمغزى هنا أكبر بكثير من تصوير قاسٍ لواقع الإنسان هذه الأيام، بقدر ما هي رسالة يحاول خبير التغذية والباحث في علم الأعصاب بول تايلر إيصالها إلينا.
نحن نعيش في زمن يقدّم لنا كل شيء بضغطة زر وأنت جالس على الأريكة بمنزلك؛ المعلومات والطعام والمال والعمل. لكن تايلر يطرح تساؤلًا مرعبًا: ماذا لو كانت هذه الرفاهية المفرطة هي أسوأ ما حدث للجنس البشري؟
يستعرض الكتاب فكرة جديدة تبين إحدى المفارقات الكبرى في حياتنا: نجا أجدادنا الأوائل لأنهم واجهوا قسوة الطبيعة بضراوة، وطوّروا لغات وحضارات عبر جهد بدني وذهني هائل. كانت حياتهم تزخر بتحديات أجبرت أجسادهم وعقولهم على التطور والتكيف، وخلقت بينهم روابط مجتمعية متينة كانت طوق النجاة.
لكن المعادلة انقلبت رأسًا على عقب، ابتداءً بالثورة الصناعية في عام 1750، وصولًا إلى طوفان الثورة الرقمية اليوم. هذه المرحلة، التي يسميها تايلر بـ«ثورة الراحة»، جرّدتنا من مواجهة التحديات. لقد توجهنا إلى الراحة وأصبحنا نخاف الجهد، واستسلمنا لنمط حياة آلي، فأُصبنا بمرض الخمول الجسدي والكسل الذهني.
والنتيجة؟ انفجار غير مسبوق في معدلات الأمراض العضوية والاضطرابات النفسية التي تسجلها الإحصاءات الحديثة بصورة مفزعة.
عبر ثمانية فصول يناقش الكتاب كيف أربكت الشاشات والمنصات الرقمية ساعتنا البيولوجية. وينتقل إلى نقطة بالغة الأهمية: غياب «الوجه الحَسَن للإجهاد». نحن بحاجة إلى جرعات معتدلة من الشقاء لنوقظ أجسادنا وننتزعها من مناطق الراحة السلبية. والأخطر من ذلك، ما نفعله بأطفالنا؛ إذ نخلق جيلًا غارقًا في إدمان التقنية، مدللًا حد النرجسية، يرتعب من أدنى درجات الإجهاد، ليصبحوا في النهاية، كما يصفهم الكاتب: غير مهيّئين لمواجهة العالم الحقيقي.
لماذا الشوكة لا مذاق لها؟

تأليف: دايفس بلوتشي
كنت وما زلت أحب كتب التجارب العلمية التي تقدِّم للطفل معرفة بسيطة حول كل شيء حوله ليبدو مذهلًا، مثل تجربة العدسة والشمس حينما تحرق الورقة، أو غيرها من تجارب نكررها دومًا دون أن ننتبه لتفاصيلها الأعمق.
كم مرة وضعت الشوكة في فمك وتساءلت: لماذا ليس لها طعم؟ ربما لم تفعل، لكن أوصيك بفعلها لتستمتع بالكتاب.
لقد فقدنا دهشتنا تجاه الأشياء العادية، وللأسف حتى الأشياء الخارقة. فالوصول لكل المعلومات عن كل شيء جعل في نظرنا الأشياء البسيطة غير قيّمة، وصار كل ما يحيط بنا يبدو من المسلّمات. هنا يأتي الفيزيائي الإيطالي دايفس بلوتشي، بكتابه، ليحيي فينا فضول الأطفال الذي اضمحل بسبب مشاغل الحياة المعاصرة وتلقي المعلومات الكبيرة بطرق بسيطة، مُقدّمًا إجابات علمية عن أسئلة تبدو في ظاهرها ساذجة أو بديهية، لكنها تحمل في طياتها قوانين الكون. هذا الكتاب هو تجربة بسيطة لاستعادة الذهول مما حولنا، فيعيد لنا شعور الفضول الممتع.
يطرح الكتاب عليك أسئلة ربما خطرت ببالك يومًا وأنت تتأمل السقف: لماذا لا يحترق الماء رغم أنه مكوّن من غازات قابلة للاشتعال؟ وكيف تخترق إشارة «الواي فاي» الجدران الخرسانية دون أن تراها؟ وغيرها من الأسئلة التي تعطي شعور البديهية لكن ما خفي وراءها كان أمتع.
ما يجعل هذا العمل استثنائيًّا براعة الإجابات المستندة إلى الملاحظة والتجريب، عبر تقديمها بلغة سردية قصصية سلسة. ينزع الكاتب عن الفيزياء والكيمياء النزعة الأكاديمية الجافة التي تخيفك من التبحر وراء القصة، ويتخلى عن المعادلات المعقدة، ليقدم لك العلم كقصة مشوقة.
في النهاية، يترك بلوتشي رسالة رئيسة للقارئ: «هذا الكتاب مجرد بداية»، فالكتاب يقدم تمرينًا لعضلة الانتباه «التي اكتشفت أنها كانت مصابة عندي». إذ قد يطلب منك أن تخرج من منزلك لتتجول في الشارع، لتتعلم كيف تنتبه لكل ما حولك. فالأسئلة العظيمة ملقاة على الأرصفة وفي كل مكان، بانتظار عين شغوفة تلتقطها، لتعيد إلى عالمنا المألوف سحره وإثارته المفقودة.
الهدوء

تأليف: سوزان كين
ماذا لو كنت في عالم صُمّم خصيصًا ليحتفي بمن يتحدثون بصوت أعلى ويتحركون أسرع، ويبنون أوسع شبكات العلاقات؟
في هذا العالم، غالبًا ما يُنظَر إلى الانطوائي على أنه شخص يفتقر إلى شيء ما أو يحتاج إلى إصلاحه وتقويمه، ولكنه يرفض أن يتقبل ذلك من الآخرين؛ أو ربما هو كائن غارق في بحر من الكآبة والرفض المجتمعي. هنا تتدخل الكاتبة الأمريكية سوزان كين بكتابها «الهدوء» لتتحدث عن الذين يحملون هذه الصفة التي تُعرَف بالانطوائية -وتقول الكاتبة إنها منهم- مُصحِّحةً المفاهيم المغلوطة من جذورها بطريقة غاية في السلاسة والصدق.
هذا الكتاب يجمع بين الدراسة النفسية التي قد تبدو مملة قليلًا في الكتاب، وبين ما يجعلك تشعر بأن الاعتذار موجّه إليك أيها القارئ لاستنزاف «بطاريتك الاجتماعية»، أو لمحاولتك تزييف سعادتك وسط الضجيج لتتأقلم مع المحيط، لنكتشف كيف أن النظام المجتمعي والأكاديمي، بل وبيئات العمل الحديثة، وُجِدت لتمجيد «النموذج الانبساطي». هذا الانحياز القاسي جعل الكثيرين يعيشون في صراع داخلي ومشاعر ذنب، محاولين قهر طبيعتهم الهادئة لتحقيق النجاح، مما يوقعهم في فخاخ الاستنزاف النفسي والرهاب الاجتماعي.
تأخذنا كين في رحلة ماتعة لتشريح هذه الظاهرة، وتطرح أفكارًا جوهرية تصحح تصوراتنا النمطية عن الانطوائيين، مثل فكرة الانطوائي وفرصة العمل الجماعي. ولا تكتفي الكاتبة بالجانب المهني فحسب، بل تغوص في أكثر المساحات تعقيدًا، مثل قضية الزواج بين الشخصيات المتفاوتة عمومًا، والانطوائيين تحديدًا؛ فما الذي يمكن أن ينتج عن علاقة بين زوجة اجتماعية وزوج انطوائي؟ ما فرصة التناغم بينهما وتقبُّل كل طرف للآخر؟
وتنتهي كين في الكتاب بالقضية الأهم وهي «تربية الطفل الإنطوائي» -كونها من أصعب المهمات حاليًّا على العائلات- وكيفية التعامل معهم إما بالتقبل والدعم وإما بمحاولة التغيير.
هكذا يحاول الكتاب شرح كل شيء عن الانطوائيين وإدراجها تحت فكرة «الهدوء» أكثر من كونها رفضًا للمجتمع.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.