أمي هي المرأة القارئة 📖

زائد: ماذا يقرأ أمين المكتبة داخل المكتبة؟ 🤔

يتفجر النقاش حول «المرأة القارئة» في كل مرة يأتي سياق الكتب والمرأة معًا. وحينما تقرأ هذا النقاش، تجد أن الحديث عنها مكرّر بصورته النمطية الظالمة المعهودة، كأن القراءة تهمة تستحق الدفع والرد عن القارئة دونًا عن القارئ. فلا يتدخل تقييم القارئ هنا في «ماذا يقرأ»، بل يصل حتى يدخل في «كيف تعيش»، وتنتهي الاتهامات إلى أن القُرّاء عمومًا مهمِلون لحياتهم؛ فما بالك بالمدرسة التي إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق؟

في هذا العدد، أتكلم عن تجربتي في العيش بكنف «الأم القارئة»، هذه التجربة التي تجعلني أستنكر أي حرب تطال كل من فتحتْ كتابًا وقرأت سطرًا، وربّت طفلًا، حتى أصبح كاتبًا.

فيصل آل عمر


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

أمي هي المرأة القارئة 📖

فيصل آل عمر

مع جرس الحصة الأخيرة من يوم الأربعاء، كنت أسابق جموع الطلاب ركضًا للسيارة، يشغلنا الحماس للتخطيط لعطلة نهاية الأسبوع. لم أكُن مهتمًّا بالمباريات التي تُعرَض ليلًا، ولا بفِلم الرعب الذي سيُعرَض فجرًا، ولا بلعب الكرة عصرًا، لا شيء يشغلني سوى مكتبة أمي. وهي تدرك ذلك القدر من الحماس الذي يمنعني عن اللعب مع إخوتي أو أبناء القرية. 

كنت أنتهي من واجباتي المنزلية والأسريّة قبل أن تأتي الساعة التاسعة ليلًا لتسمح لي بدخول مكتبتها، بإضاءة خافتة، وكوب حليب بلا سكر (الذي كان شرطًا من شروط الدخول إلى مكتبتها)، والمشي في هدوء. هي سلطة المكتبة والعلم والأم معًا، وفي يدها كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف».

غلاف كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف»
غلاف كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف»

بهذا الكتاب أقنعتني أمي أن أزهد فيما يحب الأطفال. فحينما سَمعتْ أن ابنها لا يجيد الحفظ والقراءة السريعة، قرَّرتْ أن تأخذ على عاتقها تعليم ما لا تستطيع المدارس تعليمه. فكنت كلما فعلت شيئًا، تخبرني بنهايته قبل أن يكتمل، فتعرف كل حيلة أخطّط لها، وكل ردٍّ أهمُّ بقوله، أو قرار أقرّره، وكنت أُذهل من هذا. كان يُجنّ جنوني حين تخبرني بقصصٍ لا تنتهي، لتعرض عليّ الصفقة التي غيّرت حياتي كاملة، وهي أن أقرأ معها كل أربعاء.

تجلس على كرسيها الخاص، كأنها حكواتي في إحدى الحارات الشعبية القديمة، وتفتح الصفحة التي توقّفنا عندها في أربعائنا الماضي، وهي تعلم يقينًا كم أتمنى أن أحصل على فاصل الكتاب الذي حاكته هديةً لو حفظت قصائد من الكتاب. ولكن للأسف لم تسعفني قدرات حفظي في ذلك.

فاصل الكتاب
فاصل الكتاب

تبدأ جلساتنا بالقصص والقصائد، وتشرح لي معانيها ومقاصدها، وتذكر لي أخبارًا كنت أتساءل حينها: من أين لها كل هذا؟ هل يعقل أن تكون كل هذه المعرفة من كتاب واحد؟

بعد سنواتي الأولى في مكتبة أمي العامرة، بدأتْ المرحلة الثانية: طلبت مني أن أكون أنا القارئ، فصار المستمع متحدثًا. كان هذا الانتقال مهيبًا في البداية، فأنّى لي حكاية القصص مثلما تفعل؟ وماذا عن كلمةٍ لا أعرف معناها حين تطلب مني شرحها؟ لكن أمي أصرّت على أن أستمرّ في قراءة الكتاب وإلقائه كل أربعاء. بالبداية كنت أشتكي من ضعف حفظي، لكني لاحقًا وجدت نفسي أجيد الحفظ، وأُحسِن المطالعة والقراءة، وأحفظ القرآن بنحوٍ لا يجيد أقراني أن يحفظوا مثله. كانت تسرّني نظرة الذهول في وجه المعلمين حينما لا أستغرق في حفظ القصائد سوى ساعات قليلة، فأعود إلى أمي سعيدًا مسرورًا بانتصاري الكبير على المنهج وعلى متفوّقي الفصل. 

ثم جاءت المرحلة الأخيرة التي أوصلتني أمي إليها، ألا وهي الكتابة، المرحلة التي كنت أخافها… لكن أمي و«المستطرف» آمنا بأني سأكون كاتبًا يومًا ما. هل هو يقين الأم في موهبة ابنها؟ أو ربما قرأتْ هذه الحقيقة في هذا الكتاب الذي لا يخذلها في شيء عني؟ كتبت لها ردًّا على الهجاء والثناء، وحزنتُ على أموات الكتاب، فكتبت فيهم الرثاء، وكتبت سجعًا وجناسًا، وكتبت نثرًا ويروح نثرًا، وكتبت شعرًا فيروح كسرًا. هذه المحاولات منها كلها كانت صادرة من كتاب واحد لخمس سنوات متواصلة، قبل أن تعطيني الاعتراف التام بقدراتي الأدبية، بعدما فزتُ في المسابقات التي كنت فيما مضى أخرج من بدايتها.

وكبرت الجائزة حينما سمحت لي أن أتجول في المكتبة بين الدواوين الشعرية والروايات والكتب والمجلات. أتجول بينها وأمي تجلس على الكرسي وتقرأ «المستطرف»، فشعرتُ بأنني أخذلهما، فلم أقرأ من مكتبتها طوال حياتي إلا هو.

وحينما نشرت عددي الأول في نشرة «إلخ» وعدت إلى أبها لزيارة أمي، دخلت عليها لآخذ رأيها مباشرة. فقرأتْ النشرة أمامي، وقبل أن تغلق جهازها وتمتد يدها لدرج مكتبها وتخرج «المستطرف»، أبدت إعجابها بما كتبت. وأُصدِقكم القول: كل الآراء المشجعة بكفّة ونظرتها بكفة. ولكنها اقترحت أن أستشهد أكثر بالأبيات الشعرية (هل عرفت الآن من مُلهم فقرة أشياء شعورية شعرية؟). كان يجول في ذهني سؤال: هل وصلت مقالاتي للحد الذي قد يجعلها تقرؤها بدلًا عن قراءة «المستطرف»؟ الحقيقة لا أفكر أن أسألها قبل عددي العاشر.

كان هذا المشهد كفيلًا بأن يعيدني عشرين سنة للوراء، عند تسابقي مع الطلاب عائدًا للمنزل، وحزني على تعليقات المعلمين التي تحولت لاحقًا لفخرٍ بما يُقال عنّي بسبب أمي و«المستطرف».

كانت أمي هي «المرأة القارئة» التي تقرأ يوم الأربعاء فقط، وتتفرّغ بقية الأسبوع في أعمالها، معلمةً صباحًا وأمًّا مساءً. لم تكُن أمي امرأة غير عادية لأنها تقرأ وغيرها لا يفعل، ولم تكُن تخشى حقيقة أن يعرف الناس أنها تقرأ وتحب الكتب، فهي لا تستشهد بالقصائد الشعبية فقط، بل أيضًا بقصائد الإمام الشافعي والمتنبي جنبًا إلى جنب مع استشهاداتها بقصائد خالد الفيصل (وقد شكّلت قصائده حالةً وجدانية كبيرة لدى سكان عسير، لأنه كان أميرها لأكثر من ثلاثين عامًا). فلا تنتظر ثناء الآخرين على ثقافتها، ولا تهتم لرأي يقلّل من وقتها الذي يروح وهي منكبّة فوق الكتب، ولا من مالها الذي تشتري به تلك الكتب. 

هذه المرأة لم تكُن شريرة يخشاها الجميع خوفًا منها لأنها، بعيد الشر، «قارئة»، بل كانت أكثر النساء قربًا من الجميع، المعلمة التي تستقبل باقات الورد حتى يومنا هذا من طالباتها اللاتي أصبحن اليوم أمهات. هي الأم التي تستيقظ صباحًا قبل كل من في المنزل لتحضّر لهم فطورهم وملابسهم وتراجع دروسهم، والجدة التي تعتني بأحفادها كما فعلت مع آبائهم وأمهاتهم من قبل.

إن الصراع الأزلي بين الرجل والمرأة يمرُّ دومًا عبر كل مسارات الحياة، فيقلّل من فعل الرجل لشيء «نسائي»، والعكس، فهم يحترمون المرأة التي تحلّ محل «ألف رجل» لأنها قامت بفعل «رجالي»، ولكنها ما إن تُكثِر من فعله تُهاجَم.

ولن أتطرق لمناطق الصراع الكثيرة، كالرياضة والغناء والأدب والتمثيل «تحديدًا الكوميديا» وغيرها من المناطق، فلكل منطقة سكانها وحراسها وجلّادوها (كفانا الله شر سياطهم). أما أنا فمن سكان منطقة القراءة، منطقة ليس لها حاكم ولا أسوار ولا أبواب، منطقة شاسعة تتسع للجميع، ويكثر فيها الجلّادون، فأسمع عن القراءة الكثير. في طفولتي، عشت في كنف امرأة قارئة لم أرَ منها نزعة عنفٍ ولا كِبرًا على غيرها من النساء ولا الرجال. وحينما كبرتُ بدأت أقرأ من يتَّهم «المرأة القارئة» أنها عنيفة غاضبة لا تهتم بنفسها وبمن حولها، سوداوية وتكره الجميع. فأنّى لي أن أصدقهم أو أن أجاريهم حتى في محاولة إقناعهم بعكس ذلك؟

القراءة فعلٌ إنساني يتشابه مع غيره من الأفعال؛ كالرياضة والعزف وتسلق الجبال وغيرها من الممارسات التي يمكن للجميع القيام بها دون اشتراطات تتعلق بشخص ممارسها أو جنسه أو مكانته. إن تأطير الأفعال التي يمكن للكل ممارستها ببساطة، واعتبارها حقًّا لفئة دون أخرى، يُعدّ تصرفًا عنصريًّا وطبقيًّا مزعجًا.

كما أن إقصاء الآخرين لأنهم يفعلون ما لا تفعله أنت، أو لأنهم يحبون ما تراه أنت «مضيعة للوقت وتفاهة»، ليس من حق أي إنسان على وجه الأرض. حتى جعل الإنسان القارئ في منزلة أرفع من الجميع وعدُّ البقية جهلة، ثم تصنيف هذا الفعل بين القرّاء نساءً ورجالًا، وتحديد من يحق له فعل كذا ومن لا يحق له، يُعد عنصرية تتنافى تمامًا مع ما يجب أن تغرسه الكتب فيك، وهو: تقبل الآراء وتفهم الجميع.

فالمرأة القارئة لا تختلف عن الرجل القارئ. ولا يَفْضُل إنسان على آخر إلا بما يتركه من أثرٍ يُورَّث لمن بعده. فالكتاب الذي قرأتُه عند أمي قبل عشرات السنين سيقرؤه أبنائي من بعدي، والكتب التي جعلتها أمي جُلّ اهتمامي أصبحت قضيتي؛ فأصبحت ساعيًا في إرشاد الآخرين إلى ما يقرؤون. كل هذه الرحلة بدأت من مكتبة أمي، لتصل اليوم إليك.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


ماذا يقرأ أمين المكتبة داخل المكتبة؟

في أيام عملي بالصيدلية (قبل أن تسرقني الكتابة والكتب) كان يفاجئني سؤالٌ أسمعه من المرضى حينما أعرض عليهم الخيارات الدوائية المتاحة لحالتهم، سؤالٌ يضرب بكل ما درسته بالكلية عرض الحائط: «لو كنت مكاني ماذا ستأخذ؟»

بعيدًا عن القياس عليّ بالشر، وبعيدًا عن طلب خيارات أكثر، كيف لي أن أقارن حالة مريض بحالتي؟ أما في المكتبة، فهذ سؤالٌ ممتع، وتتمنى أن يُقاس عليك!

العمل بالمكتبة ليس كما يظن البعض. لن تقرأ الكتب منذ ساعات عملك الأولى حتى نهايتها، ولن تعرف جميع الكتب والكتّاب؛ لا يحدث ذلك إطلاقًا. فالوفرة تجلب البطر، وكثرة التعرّض للكتب تجعل قراءتها وشراءها أصعب على العامل بالمكتبة من غيره. لن يستهويك حينما تصبح عند رف أمين المكتبة ما كان يستهويك قبلها.

لكن لو أردت الإجابة عن هذا السؤال وإرضاء فضول الجميع، سأقول إننا نقرأ كل شيء من أي شيء. فهناك مهمة أفضّل أن أقوم بها بنفسي وهي مهمة الترفيف، وأعني إعادة الكتاب في رفه الصحيح (هل فهمت الآن لماذا يغضب أمين المكتبة حينما تأخذ الكتاب من الرف ثم تعيده؟).

أفضّل أن أتعرّض لكتبٍ متنوعة لأفهم ما يحب الزوّار قراءته. كانت بداية معرفتي بكتابات أسامة المسلم هناك، فقد كان يذهلني عدد الطلبات لرواياته، والغضب على وجوه الزوّار حينما أتأسف لهم بعدم وجود نسخٍ منها. وعند إرسالي طلبات بتزويد المكتبة بكتبه، قرأت له رواية «جن» بجزئيها، التي كان جزؤها الأول ممتعًا، أما الثاني فلم يُضِف أي جديد للقصة، وتمنيت أنني لم أقرأه لكي لا يُفسد عليّ دهشة الجزء الأول (لكني مع هذا أقدم له شكريَ الجزيل للحالة التي سبَّبها لفئة كبيرة من الناس وأعادهم إلى القراءة).

الأمر نفسه مع الكاتبة الكويتية بثينة العيسى. فعدد الفتيات اللاتي كنّ يزرن المكتبة بشغفٍ شديد طلبًا لرواياتها كان مذهلًا. ذات مرة، زارت المكتبة قارئة لم أرَ أحدًا مثلها في حب روايات بثينة، وطلبتُ منها أن تختار لي رواية لأقرأها، فاختارت رواية «السندباد الأعمى». والحقيقة، أنني بعدها أصبحت في صفوف المعجبين ببثينة.

وفي كتب تطوير الذات، كنت لا أفوّت فرصة استراق النظر السريع لصفحات أي كتاب أجد إقبالًا عليه. كتب مثل «المرحلة الملكية» لخالد المنيف، و«نظرية الفستق» لفهد الأحمدي كانت لا تبقى على الرف يومًا قبل أن تُستعار، وهي كتب لها جمهورها، إلا أنني لست منهم.

أما الدواوين الشعرية فلقد كانت حالتها خاصة؛ فكان هناك جمهوران مختلفان: جمهور الشعر النبطي، وجمهور الشعر الفصيح. الأول، للأسف، شعراؤهم لا يجتهدون في إصدار ديوان منظَّم يجمع قصائدهم. فحين أردّ بعدم وجود أي ديوان نبطي، يرمقني الزائر بنظرة استنكار، ولا بأس في ذلك. أما الجمهور الثاني فهو أمتع من يمر بالمكتبة؛ فحب النقاشات الشعرية يجعلهم يجلسون بالساعات يناقشون معك ما يقرؤون، شيء أشبه بحلقة من «ذا قال» ولكن بالفصحى وداخل مكتبة.

ومن الكتب التي تثير إعجابي، بالاشتراك مع كتب الطفل، هي الكتب التي أقرؤها من منتصفها دون إكمالها حتى النهاية؛ تثير فضولي بغلافها أو عنوانها، وأحيانًا أكاد أجزم أن كاتبها قد نسي وجودها بالمكتبة. لكن ثمة شيء يجذبني للكتب «الرديئة» حينما أكون بالمكتبة.

حاولت تفسير جنوحي نحوها، فوجدت أنني ربما أحب بقاء القراءة الشخصية طبعًا ومزاجًا خاصًّا بي، لا تتدخل المكتبة في اتخاذ قرار الكتاب القادم، فأفضِّل أن أتشفّى مما بداخلها عن طريق قراءة أي شيء، وتحديدًا ما ليس لي قرار فيه. وحبذا لو كان رديئًا، فأشعر بالرضا عمّا أقرأ في مكتبتي الشخصية.


شيء من الدموع: 

يقولون لو يَهوى لسالتْ دموعُهُ

ولكنَّها بين الضلوعِ تَسيلُ!

عبدالرزاق عبدالواحد.

شيء من العتاب: 

إذا كنتَ في كلِّ الأمور معاتبًا

صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

بشار بن برد.

شيء من الرمان:

وضعيّف النفس لو تعطيه رمانة

حطك مثل واحد يحييه ويميته

عبدالله بن زويبن.


دع الأدب يلتقي بك ✨

مع «الشريك الأدبي» فصول تتجدد لتحيي وجهاتنا بالفكر 💡

تكتمل الحكاية بحضورك «هنا لتعرف جدول الفعاليات».


  1. بيت الحياة - عبدالعزيز آيت بنصالح

لأن المكتبة قضية أحبها وأهتم بها، يهمني أن أقرأ عن تاريخها حول العالم. لكن يهمني أكثر تاريخ المكتبات الإسلامية، والعربية تحديدًا. فالعرب يحبون الكتب والمكتبات، فهي ذاكرة الشعوب من علمٍ وقصص وأحداث.

لأقرّب لك الفكرة تخيّل معي للحظة أنك استيقظت صباحًا، ووجدت أن كل ألبوم صورك العائلية قد مُحي. ليس هذا فحسب، بل كل الرسائل القديمة والوثائق وأسماء من سبقوك قد تبخرت تمامًا. من أنت إذن في تلك اللحظة؟ وكيف يمكنك إثبات وجودك أو تفهُّم جذورك إذا كانت كل الأدلة التي تربطك بالماضي قد سُرقت؟ هذا الرعب الفردي، هو ذاته الذي يصيب الأمم والشعوب حين تُسلب منها ذاكرتها المكتوبة. في عصرنا الحالي -الذي أغرقنا فيه طوفان من المعلومات اللحظية والبيانات الاستهلاكية سريعة التلف- يبدو التساؤل عن المخطوطات القديمة وكأنه ترفٌ فكري، لكنه في الحقيقة هو سؤال الذاكرة في ذاتها.

من هذه الزاوية المظلمة والموجعة، يفتح عبدالعزيز آيت بنصالح جراح التاريخ في روايته «بيت الحياة». يقدم لنا الكاتب هنا سردية تاريخية عن لصوص الآثار أو حرّاس المكتبات، ويقدم شرحًا ثقافيًّا عميقًا لحالة «اليتم الحضاري» الذي تعيشه أمّةٌ سُرقت كنوزها المعرفية. تطرح الرواية سؤالًا يواجه الوعي: ماذا يتبقّى للأمم حين تُفرَغ رفوفها من إرثها المكتوب؟ وهل نملك حقًّا حاضرنا إذا كان ماضينا حبيس صناديق زجاجية في متاحف الآخرين؟

تدور الرواية حول فكرة بالغة الشاعرية والقسوة في آنٍ واحد: «استغاثة الورق الأبيض». يصوّر الكاتب كيف أن المخطوطات المنهوبة تترك وراءها بياضًا يصرخ. هذا البياض هو رسالة استغاثة مُمتدّة عبر الزمن، تحفّز الأجيال اللاحقة على استعادة الحبر الذي نُهِب منها. حين يُسرق التاريخ، تتشوّه فجأة كل ملامح العمران، وتضطرب العلاقات الاجتماعية، وتفقد الثقافة بوصلتها؛ لأن غياب الإرث القديم يحفر ندبةً عميقة ومفتوحة في جبين الحاضر لا يمكن تجميلها بأي حداثة مستعارة.

لعلّ أعمق ما يطرحه «بيت الحياة» هو تفكيكه للعلاقة بين المعرفة والسيادة. يمرّر آيت بنصالح فكرة أن الاستعمار والهيمنة لم يعودا مقتصرين على احتلال الأرض وسلب الثروات الطبيعية، بل وصلا إلى احتلال الذاكرة. لكن تداخل سرد الأحداث الجانبية التي تأخذك بعيدًا في الرواية، كانت معيقة لسلاسة وصول فكرته المركزية التي يطرحها. فبالرغم من لغة الكتاب الجيدة، لا أفهم سبب الابتعاد المفاجئ عن السياق القصصي.

عند ختام الكتاب شعرت بالتأثر لما قدّم. ولو أنني شعرت أن في بعض اللحظات كانت اللهجة تتجه لمحاولة الاستفزاز العاطفي لإشعارك بعظمة الأمر، رغم وصول ذلك إليك منذ بداية سرد القصة وأحداثها (التي بالغ أيضًا في العنف في بعض تفاصيلها). بالمجمل الرواية تحمل حبكة جميلة، لكن كاتبها ضيّع التركيز عليها.

  1. عمل عميق - كال نيوبورت

قبل شهر قرّرت أن أقدم استقالتي، وأتفرغ لعملي الخاص بالكتابة ولأستعيد لياقة «قلمي». بدأت في البحث عن عمل يناسبني أينما كان، على شرط أن أبحث بهدوء. ومع كل عرض أقرأه وجدتني أتردد (لا ليست «متلازمة المحتال»). فقد كنت أشعر بوهم شديد أنني مشغول، ويأتي مع هذا الوهم رغبة في الركض خلف عملٍ بمهام أكثر. وأخيرًا أردِّد أنني لست جاهزًا!

عند بحثي عن كتابٍ يساعدني على حل هذه المشاعر التي باتت تتفشى داخلي، وجدت حلًّا لهذا المأزق لدى الأكاديمي كال نيوبورت في كتابه الاستثنائي «عمل عميق».

لا يقدم نيوبورت في هذا الكتاب وصفات سحرية أو نصائح مستهلكة لإدارة الوقت لتشعر بأنك تضيّع عمرك. هو يطرح تشخيصًا دقيقًا لفجوة قاتلة في عصرنا؛ فجوة بين بيئة عمل وحياة صُمّمت لتشتيتنا عمدًا وبين الإنجازات العظيمة التي لا تولد إلا في رحم العزلة والتركيز. يفرّق الكتاب بصرامة وموضوعية بين «العمل العميق»، وهو تلك الأنشطة التي ندفع فيها قدراتنا الإدراكية إلى أقصى حدودها في بيئة خالية تمامًا من المشتّتات، وبين «العمل السطحي»،الذي يتمثّل في المهام اللوجستية المتكرّرة التي نؤديها بانتباه مجزّأ وعقل مشتّت، كإدارة البريد الإلكتروني وترتيب الملفات.

في الاقتصاد المعرفي المعاصر، يرى نيوبورت أن القدرة على الغوص في أعماق المهام دون انقطاع لم تعُد مجرد مهارة إضافية، بل تحولت إلى ما يشبه القوة الخارقة والنادرة. بينما يغرق السواد الأعظم من الناس في وحل التنبيهات، والردود الفورية، وثقافة الوجود الدائم على الشبكة، فإن القلّة التي تمتلك الشجاعة لرفع أسوار عالية حول انتباهها هي التي ستستحوذ على القيمة الحقيقية. فنحن نعيش في عالم متناقض؛ يكافئنا اجتماعيًّا ومهنيًّا على سرعة الاستجابة اللحظية والوجود الدائم، لكنه في الواقع، وعلى المدى الطويل، لا يدفع الثمن الغالي والتقدير الحقيقي إلا لأولئك الذين يمتلكون القدرة على إنتاج ما هو أصيل ومعقد وصعب الاستنساخ.

يذهب الكتاب أعمق من مجرد الإنتاجية، ليصل إلى التكلفة النفسية والذهنية لهذا التشتّت. يشرح نيوبورت مفهوم «البقايا المعرفية»، وهو الأثر الذي يحدث لأدمغتنا حين نقفز بنحوٍ محموم بين مهمة وأخرى. نحن ننتقل بكامل تركيزنا، ويظل جزءٌ من انتباهنا عالقًا في المهمة السابقة أو في الرسالة التي قرأناها للتو، مما يتركنا في حالة من الإنهاك الذهني المزمن، ويجعلنا نعمل بنصف كفاءتنا طوال اليوم. ولعلاج ذلك، يطالبنا الكتاب بتدريب عضلة الانتباه عبر «احتضان الملل»، والتوقف عن الهروب الفزع إلى شاشات الهواتف عند أول لحظة سكون.

شعرت بنهاية الكتاب بأنني عرفت ما يجب أن أكون عليه في وظيفتي القادمة، أن أعمل على معرفة نفسي أولًا، ثم تقديم ما يسهم في جودة عملي ثانيًا، دون إخلال بقيمتي الذاتية وأهمية ما أقوم به. لذاتي حقها الخاص، وللعالم من حولي كل ما يريدون حينما أكون معهم. حين نتأمل هذا الركض العبثي خلف الإشعارات، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل: إن الحياة التي نعيشها بانتباه مُشتَّت هي حياة مسلوبة. وإذا لم نتخذ قرارًا واعيًا وحازمًا بالدفاع عن مساحات تركيزنا، فإننا ببساطة نتنازل عن قدرتنا على ترك أثر حقيقي في هذا العالم الصاخب.

  1. عندما يقول الجسد لا - قابور ماتيه 

كم مرّة ابتلعت غضبك بابتسامة باهتة لتمرير موقف مزعج في العمل؟ أو تجاهلت نداءات جسدك المُنهَك لتنجز مهمةً أخرى في قائمة مسؤولياتٍ لا تنتهي؟ نحن نعيش في عالمٍ يُمجّد «المرونة» ويحتفي بمن يتحملون الضغوط بصمت. نَعدُّ كبت المشاعر علامةً على النضج، وتجاهل الإرهاق دليلًا على الالتزام والتفاني. لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: أين تذهب كل تلك الانفعالات المكبوتة والكلمات التي نبتلعها خوفًا من إغضاب الآخرين؟ هل تتبخر ببساطة في الهواء؟ أم تتراكم في زوايا مظلمة داخلنا لتنفجر لاحقًا في أشكال لا نتوقعها؟

هذا التساؤل العميق والموجع هو عين ما يشرحه الطبيب الكندي قابور ماتيه في كتابه «عندما يقول الجسد لا: ثمن الإجهاد الخفي». يقدم ماتيه في كتابه دليلًا طبيًّا عن الأمراض العضوية، ويضعنا أمام تشريح دقيق للعلاقة المعقّدة، والمنسيّة غالبًا، بين أدمغتنا وأجسادنا. من خلال عقود قضاها في العيادات برفقة مرضى الحالات المزمنة، يخرج ماتيه باستنتاج يقلب نظرتنا للصحة والمرض رأسًا على عقب: الجسد والروح ليسا كيانين منفصلين، وما تعجز أرواحنا عن البوح به بالكلمات، سيتكفل الجسد بقوله، ولكن بلغته الخاصة؛ لغة الألم.

يتعمّق الكتاب في قصص واقعية لمرضى أصيبوا بأمراض مزمنة ومناعية خطِرة، ليربط ببراعة بين تاريخهم الطبي وتاريخهم النفسي. يوضح ماتيه كيف أن الأشخاص الذين يبالغون في إرضاء الآخرين على حساب ذواتهم، وأولئك الذين يفشلون في رسم حدود صحية أو التعبير عن غضبهم المشروع، هم الأكثر عرضة لدفع الثمن من رصيد صحتهم الجسدية.

حين نرفض أن نقول «لا» للمهام التي تستنزفنا، أو للأشخاص الذين يرهقوننا، أو للبيئات التي تخنق إنسانيتنا، فإن جهازنا العصبي والمناعي يقع تحت ضغط هائل. وفي لحظة ما، يقرّر الجسد أن يقول «لا» نيابة عنّا؛ متمثلًا في انهيارٍ مفاجئ، أو إرهاقٍ مزمن، أو مرضٍ مناعي يهاجم فيه الجسد نفسه بعد أن عجز عن الدفاع عن حدوده الخارجية.

المرض، في فلسفة قابور ماتيه، أبعد من كونه خللًا بيولوجيًّا عشوائيًّا أو حظًّا سيئًا، بل هو، للأسف، في كثير من الأحيان نداء استغاثة. إنه محاولة أخيرة من الجسد لحمايتنا من نمط حياةٍ مدمر لم نعُد قادرين على إيقافه بوعينا. إنه جرس إنذارٍ قاسٍ يجبرنا على التوقف حين نعجز عن الضغط على المكابح. يؤكد الكتاب أن الانفصال عن مشاعرنا الحقيقية، وإن بدا حلًّا سحريًّا للتكيّف مع قسوة العالم في المدى القصير، هو في الحقيقة خيانة للذات؛ خيانة يدوّن الجسد تفاصيلها بدقةٍ متناهية، ويرسل فاتورتها المكتملة والمؤلمة في الوقت الذي لا نتوقعه.

في النهاية، يتركنا «عندما يقول الجسد لا» أمام مواجهة حتمية مع ذواتنا، مجرّدين من كل أقنعة القوة الزائفة. لا يدعونا الكتاب إلى الأنانية، بل إلى التعاطف الجذري مع أنفسنا أولًا، وإلى إعادة اكتشاف لغة أجسادنا واحترام رسائلها قبل فوات الأوان. حين نطوي الصفحة الأخيرة، ندرك أن الصحة الحقيقية تبدأ من قدرتنا على التعبير بصدق عما نختبره، ومن امتلاكنا شجاعة الرفض.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام