ماذا يطلب الناس عند زيارة المكتبة؟ 🛒
زائد: هل يكتب الذكاء الاصطناعي رواية كاتبك المفضل القادمة؟🤔

منذ التخرج، لم تتوقف محاولاتي العمل أمين مكتبة، متجاهلًا السؤال: «أنت صيدلاني، كيف تريد أن تعمل في مكتبة؟»
إلى أن كسبتُ رهان أحد مديري التوظيف، الذي تحدَّاني قبل قبولي الوظيفة أن أقترح عليه كتبًا للقراءة، وإن ناسبته فسأكون فعلًا ملائمًا للمكان. فاقترحت عليه «ديوان المتنبي»، و«رواية سبعة» لغازي القصيبي، و«حياتي» لأحمد أمين، مما أثار إعجابه، واجتزت الاختبار؛ ما جعلني أعمل أمين مكتبة لمدة عامين.
هناك، تعلمت أن المكتبة عالم مختلف، له خصوصيته وتجربته التي لم تُنقل كثيرًا في الكتب، على لسان تجارب أمناء المكتبات، كقصة «مانديل بائع الكتب القديمة» و«مكتبة ساحة الأعشاب».
فتجارب أمناء المكتبات قليلة الذكر والنشر، فماذا عن قصة صيدلاني قرر أن يستبدل بشباك صرف الأدوية رفَّ أمين المكتبة؟ وأصبح الآن رئيس تحرير مشارك في نشرة إلخ.
فيصل آل عمر


ماذا يطلب الناس عند زيارة المكتبة؟ 🛒
فيصل آل عمر
أحب الكتب، ولم أكن أحب زيارة المكتبة بكثرة. علاقة عكسية لم أعلم أنها ستنتهي بي إلى العمل في المكتبة يومًا ما لأصبح أمين مكتبة يستمع إلى ما يطلبه الزوّار.
لا أذكر هذه التجربة كسيرة ذاتية لأمين مكتبة سابق يريد أن يستذكر تجربته التي قد لا تعود، بل أذكرها لأنها ساعدتني على فهم الكتب والجمهور بشكل أكبر. كانت علاقتي بالكتب سابقًا مقتصرة على الكاتب والكتاب، أو مراجعات قودريدز، لكني الآن صرت أسمع المراجعات مباشرةً، وأعرف جديد الكتب وكيف يتعامل معها الجمهور. وهنا أصبح دوري في المكتبة رصد ما يطلبه القراء وغير القراء. لم تخدمني الصورة النمطية المسبقة عن المكتبات وروّادها، وأن كل من يزورها يمتلك نزعة للقراءة… فالتجربة علّمتني أن ليس كل ما بالمكتبة عبارة عن كتب. فثمّة ما هو أهم: التجربة الإنسانية التي جعلتني أعرف ما يطلبه الناس عند زيارة المكتبة.
الكتاب الذي يغير كل شيء
فكرة أنَّ الكتاب رفقة، وبإمكان الكتاب أن يبقي فيك أثرًا يفوق ما قد يقدمه صديقك لسنوات عديدة، هي التي تدفع عددًا لا يستهان به لزيارة المكتبة. يؤمن بعض من الزوار أن هناك كتابًا بين آلاف الكتب له القدرة على تغيير حياة قارئه، وسيجد فيه شرارة التغيير العظمى التي ستقلب حياته رأسًا على عقب، وسيستيقظ ذلك القارئ صباحًا وحياته لا تقل جودةً عن حياة مؤلف الكتاب، وسيبدأ في طريق النجاحات التي لا تتوقف. فيأتي سؤال: «أريد كتابًا يغير حياتي» في مقدمة الأسئلة التي ستسمعها. وهنا عليك أن تحزر ما الذي يجب أن يتغير في حياة الشخص أصلًا!
ويلح الزائر أن هناك كتابًا ما، لا يعرف اسمه، سمع أنه يغير نحو الأفضل حياة من يقرؤه. عندها أبدأ في محاولة استنتاج التغيير المنشود، أهو انضباط أكثر؟ معرفة أكبر؟ مهارة جديدة؟
وجميع الإجابات تكون: «نعم، أريد أن أتغير، والكتب يُقال إنها تغيّر».
هنا، يجب أن اطلب منك أن تتعاطف مع أمين المكتبة، لأن الأمر أشبه بطلب علاج من صيدلي، ولكن المريض لا يذكر اسم العلاج ولا شكله. فهنا أضطر إلى التوجه إلى رف كتب تطوير الذات، فغالبًا تساعدني عناوين ذلك الرف في الإقناع؛ فهناك ثمة كثير من الكتب تحمل عناوينها كلمة «تغيير» أو «كيف يمكنك…». ولا أعطي الزائر كتابًا قبل أن أؤكد عليه أنه لن يغير شيئًا بين يوم وليلة، فتغيير الكتب المنشود لا يحدث بسرعة ولا فجأة، لأنه يحتاج إلى المثابرة على القراءة لتتحول إلى عادة، ومن بعد ذلك ستصبح ضرورة يومية يؤمن العقل بأهميتها فيعطيها حقها من الإدراك والتصديق. ولكن ما هي إلا أيام ليعود الزائر فيقول: لم يتغير بي شيء!
الكتاب معروف، لكنه مجهول
من المذهل أن تزور مكتبة! فلكل مكتبة سحرها الخاص وشعورها الذي تفرضه عليك بكل عواملها؛ الصمت المهيب، والإضاءة الخافتة، والحركة البطيئة، وعين أمين المكتبة التي تتربص بك في كل تحركاتك، وعديد من العوامل الأخرى التي تتحكم بالتجربة.
أهم زوار المكتبة، هو زائر لا يعرف ما يريد… يظن أنه يريد رواية شعرية حزينة وعربية، والبطل يموت في نهايتها -ولو أمكن أن تموت البطلة فذلك أفضل- وحينما تجيب بعدم وجود كتاب من هذا النوع، سيلجأ إلى المرور بالأرفف مجددًا قبل أن يباشر بالسؤال الذي لا يتمناه أي بائع كتب: «ما الكتب الأكثر مبيعًا هنا؟».
تعلمت أنَّ هذا السؤال فخ. فالقارئ ينتظر منك أن تقدم له القائمة كاملة ليقول بعدها أن لا شيء منها يستحق القراءة. غالبًا ما يعود هذا النوع من الزوّار ليمرِّر يديه بين صنوف الكتب قبل أن تستقر يداه على كتاب تاريخي، فيطلب كتابًا مشابهًا، ولكن عن حقبة مختلفة، وبالطبع لن يكون موجودًا، ثم سيختار في نهاية الجولة كتابًا عشوائيًّا. وهذا الاختيار ليس لأجل الكتاب بعينه، بل لأجل إيقاف الحيرة.
لخص لي الكتاب
كما أن الصيدلي لا يجرب كل الأدوية، وبائع السيارات لا يقودها كلها، وبائع العطور لا يستخدمها جميعها، فكذلك أمين المكتبة لم يقرأ كل الكتب!
لكن الزائر يطلب منك ملخصًا شاملًا عن الكتب ومؤلفيها وموضوعاتها. كان السؤال عن محتوى الكتاب يؤرقني، إذ بعد أن أرد بأنه لم يسبق لي قراءته، يستنكر ذلك الزائر بالسؤال قائلًا: «إذن لماذا تعمل هنا؟»
لا يمكن الإجابة بطبيعة الحال وشرح أنك لا تقرأ كل المصنفات، وهنا نصيحة للأصدقاء من زوار المكتبات أو الزملاء في أمانة المكتبات: احفظ تصنيف ديوي العشري (نظام تقسيم أصناف الكتب بالمكتبة بناءً على محتواها)، سيساعدك أن تتفادى الصعوبة في إيجاد الكتاب المنشود، أو حتى في مراوغة بعض أمناء المكتبات سلمهم الله حول المحتوى في حال لم يفهموا طلبك طبعًا.
نعم يجب أن يلم الأمين بالكتب من باب المعرفة، مما يساهم في تقديم تجربة مختلفة، لكنه بالطبع لا يقرأ كل شيء. فقد لا يكون صادمًا أن تجد أمين مكتبة يعتقد أن مؤلف كتاب «الأغاني» كان مغنيًا!
اقرأ معي، وأقرأ لك
دائمًا أحب أن يكون الختام مع النسخة الأفضل من كل شيء. في أيام الدراسة كنت أستغرب إفراط المعلمين في حب الطالب المجتهد الذي يجيب عن الأسئلة المستعصية، وبعدما عملت بالمكتبة عرفت السبب…
إن في زيارة القارئ الحقيقي للمكتبة شعورًا مختلفًا عن أي زيارة، وله تصرفات مختلفة تلفت العقول قبل الأنظار. بين يديه قائمة الكتب مكتوبة بخط يده، والسؤال المتدرج عن توفر الكتب وفقًا للموضوعات، ثم انتقالًا للكُتّاب، وانتهاءً برحلة بين كتب الأدب التي يطلب عندها كرسيًّا متحركًا ليبقى عند رفها، ويتنقل بين الكتب قبل أن يكتشف بين الرفوف ديوانًا مظلومًا أو رواية مختبئة – فكثير من القرّاء يعامل رف الأدب كما لو أنها حلويات ما بعد وجبة دسمة.
هذا القارئ يحب أن يناقشك عما قرأ من اقتراحاتك بعد الاستعارة، وينقلك بين الكتب، ويأخذك لتجربة مختلفة تجعل من عملك هنا ممتعًا ويذكرك لماذا تحب المكتبة.
المكتبة للجميع.. والمعرفة للكل
هناك العديد من الاختلاف بين الشخصيات والطلبات عند رفوف المكتبة، كالباحث الأكاديمي، والكاتب الذي يبحث عن كتابه بين الأرفف ليطمئن على عملية بيعه، وأيضًا من يبحث عن كتاب ليصوره فقط، وزوّار آخرين بنزعات متنوعة، قد يكون آخرها عند بعضهم أن يقرأ.
لكن هنا يجب أن نذكر أهمية وجود الشخص بين الأقران ليكتسب شيئًا من الكل، فهناك عدد لا بأس به كان يتردد على المكتبة من باب العادة، ثم أصبح قارئًا نهمًا يهيم بين أصناف الكتب ويعطي التوصيات حتى لأمين المكتبة. فالمكتبة أحد أهم روافد المعرفة في المدن، وعندها تلتقي العلوم والمعارف والمهتمين بها، فهي حاضنة الثقافة التي تنتظر منك فقط أن تزورها، وتمر بين رفوفها، وبالطبع تلقي التحية على أمينها.

تخيّل أن تقرأ رواية وتكتشف أن كاتبها لم يقرأها، ولا يعرف نهايتها حتى!
هذا كان الفصل الأخير في قصص عالم القرّاء مؤخرًا، بعد أن انتشرت صورة اقتباس من صفحة لكتاب يقال إنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، مع أنه لا يوجد عنوان للكتاب، أو حتى اسم الكاتب!

اتضح لاحقًا أن هذه الصفحة من كتاب غير موجود من الأساس، وإنما هي من قصص معارض الكتاب المعتادة حول جديد الكتب، ومن مخاوف القراء «ودور النشر وغير القراء أحيانًا» حول مستقبل الكتب في عهد:
«أدب ما بعد الذكاء الاصطناعي».
وهو أدب حديث قائم على أن يقدم الكاتب الفكرة فقط، فيطلب من الذكاء الاصطناعي أن يسهب في التفاصيل والحبكة، وأن يكتشف الشخصيات ودوافعها، ومقدمة القصة وعقدتها وحواراتها، وأن يقترح عليه كل ما يمكن أن يجعل للقصة هيكلًا كاملًا، بينما لا يتكلف بكتابة أي حوار أو سرد لمشهد، فقط يكرر الطلب من الذكاء الاصطناعي بأنه يريد حبكة أكثر «حتى لو لم يقرأ النص المكتوب».
ففي أثناء عملي بمجتمعات الكتابة الإبداعية مؤخرًا، أصبحت أشاهد من يعتمد على الذكاء الاصطناعي في بعض ورش الكتابة، كتحرير النصوص والترجمة والعديد من المهام الكتابية سابقًا. والحقيقة أنه يؤدي بعض المهام بكفاءة عالية تحديدًا في المسألة الإملائية والنحوية «على الأقل لم أعد أشاهد من لا يفرق بين التاء المربوطة والمفتوحة ولله الحمد». لكن لا يزال من الصعب الرهان عليه أن يكون «أديبًا» ينافس على جائزة البوكر ويفوز فيها لا سمح الله.
القصة بطبيعتها تحمل في تفاصيلها أفكار الكاتب وعواطفه، وبلا شك فإن المهم في أي نص مكتوب هو «هوية الكاتب» التي لا يُكسبك إياها الذكاء الاصطناعي أبدًا. فهي قائمة على نهج وأسلوب الكاتب ورؤيته للقصص وكيف يخرجها للقارئ. فما يميز الكاتب الحقيقي هو هويته التي تظهر منذ الصفحة الأولى، وتجعل منك راغبًا في اقتناء جديد إصداراته حتى قبل أن تعرف فحوى الكتاب.
أما الكاتب الشاب الصاعد «الذكاء الاصطناعي» فيملك أسلوبًا واحدًا؛ حتى لو طلبت منه أن يحاكي في قصتك أي أسلوب أدبي، فلن يكون بالدقة ذاتها، و لن يقدر على تطوير حبكتها إطلاقًا، وستجده يقدم لك مقترحات غزيرة مأخوذة من قصص سبقتك ويضرب بالحقوق الأدبية عرض الحائط. والاشكالية التحريرية هنا أنك لن تكتشف هذه الحقيقة المفجعة إلا حينما تصبح صفحتك قضية رأي عام بمواقع التواصل الإجتماعي وأنت في روايتك الأولى التي قصتها تشبه روايات «تولستوي»، واقتباسك المتداول يشبه بشكل يفوق المعقول ما كتبه «ديستيوفسكي».
ستصبح قضية الحقوق الأدبية التي يتجاهلها الكاتب المبتدئ لكي يكتب الرواية الأولى قضية كبرى تتحرك مع الروايات التي تشبه الأدب العالمي لكنها بكتابة محلية.
لكن يبقى السؤال الذي يهمنا بعد هذه القصة:
هل سيأتي يوم تقرأ فيه رواية مكتوبة بشكل بديع وكامل بالذكاء الاصطناعي، من الفكرة حتى آخر نقطة في السطر الأخير؟
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

تركيزنا المسلوب - يوهان كاري

كم من المرات بدأت مؤخرًا في اتهام منصات التواصل الاجتماعي بأنها سبب ضعف انتباهك وفقدان قدرة التركيز على أي شيء من حولك، مثل أحاديث صاحبك قبل أن ترفع هاتفك في منتصفها دون أن تشعر، وأنت تصف نفسك قبلها بما قاله مالك بن الريب «فقد كنتُ قبل اليوم صَعْبًا قِياديًا»، ولم يسبق لك أن وصلت لهذه المرحلة من التدهور الذهني، هذا قبل أن تُشخّص نفسك بـ«التعفّن الدماغي»، أو ربما قد يجنح أحدهم ويشخّص نفسه مريضًا بـ«اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، حتى لو كان السبب لكونه خاملًا!
أخذتني هذه التشخيصات المترامية إلى قراءة كتاب «تركيزنا المسلوب» باحثًا عن مبررات لفقدان التركيز، وساعيًا لكشف المتسبب في سرقة انتباهنا.
يأخذنا الكاتب في رحلته التي غيّرت كل شيء في مدينة ممفيس، التي بدأ سعيه، من خلال حدائقها، لمعرفة الساعين في سرقتنا.
فسّر الكاتب ظاهرة مواقع التواصل الاجتماعي وعلاقتها بتركيزنا، وأكّد أن الموضوع يحتمل السجال بيننا وبين هواتفنا، فنعم هي تسلب التركيز، لكن من أعطاها في البداية هذا الحق؟
واحزر من كان السبب في تمرّد التطبيقات علينا؟ نحن!
صدفة جميلة حينما التقيت بكثير من تفاصيل حياتنا اليومية وهو يتحدث عن أنها سبب بداية فقدان السيطرة على تركيزنا. فقد بدأ من نظامنا الغذائي والرياضي، وانتقل بعلاقتنا بالعمل وكيف سبّب لنا الكثير من التأثيرات التي أوصلتنا لحالة يُرثى لها من التركيز. ولم ينسَ الكاتب أن يقوم بدور مهم وهو شرح الطريقة المناسبة لتعرّض صغارنا لمواقع التواصل الاجتماعي، وكيف نحمي عقولهم من هذا الاستهلاك الذهني.
ستدرك بعد قراءة الكتاب حقيقة أن كل ما يسلب تركيزك الآن قد لا يستحقه من الأساس، وكل ما حولك قادر على سرقة انتباهك ما دمت غير متحكّم به في الأصل. ولا تغضب من نفسك إن عجزت عن التركيز على بعض الشؤون من حولك، فكل شيء يقبل المتعة والملل، وربما كانت أحاديث صاحبك فعلًا مملة ولا علاقة لضعف تركيزك بشيء.
الشاعر والملك - وليد سيف

كم مرة سمعت في سياق حديث عن أمر عجيب يحدث هذا البيت:
ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد
هذا البيت من أشعار طَرَفة بن العبد.
شخصيات الشعراء لافتة، فقراءة علاقتهم بمن حولهم وبما أوصلهم إلى قول ذلك البيت الذي تتناقله الركبان من أجمل ما ستتوصل له في علاقتك بالشعر والشعراء، فقصصهم ستصلك يومًا ما. وفي رواية «الشاعر والملك» كتب وليد سيف عن قصة أحد أهم شعراء المعلّقات «طرفة بن العبد»، وكيف بدأت ملامح شخصيته الشعرية تتشكّل من اللحظة التي قال فيها «استنوق الجمل»، فظهرت لنا شخصية فريدة مختلفة عن أقرانها.
وهنا يجب أن أذكر المذهل بالرواية، البطل الثاني بعد طرفة وهو وليد سيف. فما كنت أعرفه سابقًا أن الروائي يكتب الشخصيات ويفصّلها حسب ما يجعلها تبرز وتخرج بطريقة خاصة تشبه نظرة الكاتب الخاصة لينتج لنا في النهاية تفوق كبير للشخصية الرئيسة. أما ما حدث هنا فهو أن لغة الكاتب كانت بطلًا فوق العادة؛ شخصية رئيسة بالرواية. فمن الصعب أن تكتب عن شخصية تاريخية بطريقة تجعلك تروي عنها كما لو كانت شخصية معاصرة تعرفها في واقعك، و أن كل حدث ذكرته عنها كان من مصدر موثوق وليس مجرد تقريب خيالي من الكاتب.
الرواية تجمع أهم أشعار طرفة، ولقائه بالشخصيات المحورية في حياته، وكيف وصل لها من الأساس، حتى إن لقاءه مع «عمرو بن هند» كان مرتقبًا طوال صفحات الرواية. ومع كل صفحة تقرّبنا منها تجعلنا ندرك يقينًا بأنه لم يذهب للقائه وحيدًا مجردًا من السلاح، بل كان حاملًا سيف شعره، الذي خُلّد وبقيت ذكراه وأبياته، حتى قُدّر لها أن يكتبها وليد سيف، فتكتمل لنا قصة «الشاعر والملك».
صائد اليرقات - أمير تاج السر

من المغري أن تُعرِّف بالكاتب والأديب، وحبذا لو وُجِد الشاعر والرسام معها؛ فالصفات هذه في بعض الأحيان لها دلالات تفرض قيمتها المجتمعية التي يود الكثير بأن يوصف بها.
لكن الحقيقة أنها تميل لكونها «موهبة». فتظهر رغمًا عن صاحبها، ولكنها لا تُكتَسب رغمًا عنها.
وهذا ما كانت الرواية تحكيه لنا في قصة بطلها الذي قرر فجأة أن يصبح روائيًّا بعد التقاعد من عمله مرغمًا. فيبدأ البحث عن أساليب الكتابة التي تمنحه القدرة على إصدار روايته الأولى، وكانت أول مشكلة واجهته «أنه لا يقرأ كتبًا من الأساس»، ولم يسبق له أن فتح كتابًا واحدًا. وحاول تجاوز هذه المشكلة بتجاهلها منتقلًا للخطوة الثانية: إيجاد قصة وكتابتها. لكن كما علمتنا الحياة، أن السكوت عن المشكلة لا يعني نهايتها، فهي مستمرة حتى تُحل. وهنا أصبح من الصعب عليه أن يبدأ في كتابة السطر الأول عن كل الأفكار التي جمعها لتكون قصة روايته الأولى (أتخيل لو كان الذكاء الاصطناعي موجودًا لديه، هل كان سيستخدمه ويتجاوز كل العقبات والمشكلات؟)، وهنا بدأت رحلته في البحث عن تفاصيل القصص.
تأخذ القصة نفسها لمنطقة نقد بعض الروائيين الجدد وإصداراتهم الأدبية الحديثة، التي تكون خالية من القصة والحبكة وحتى النهاية المنطقية، وتقوم أساسًا على رغبة كاتبها في أن يوصف بالكاتب الأديب، متجاهلًا أصول الكتاب وأهمية الاطلاع والحبكة وكل ما يدخل في مسألة الكتابة، وأن الفكرة وحدها لا تكفي لبناء رواية ولا حتى أقصوصة.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.