ماذا بعد صدمة الصين من النفط الخليجي

اندلعت الحرب، وبكين لم تكن غافلة تمامًا، لكن المفاجأة كانت أكبر من هذه التوقعات كلها.

يُنظر باستمرار إلى دور أمريكا في التطورات الإقليمية الأخيرة؛ لانهماكها الكثيف فيها. غير أن دورًا آخر بالغ الأهمية غالبًا ما يُغفل، وهو الدور الصيني.

في مقالة هذا العدد، يشرح الباحث المختص في العلاقات الخارجية الصينية، الدكتور كريم الوادي، التصوّر الصيني حول الحرب القائمة وما بعدها.

قراءة ماتعة!

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

ماذا بعد صدمة الصين من النفط الخليجي

كريم الوادي

اندلعت الحرب، وبكين لم تكن غافلة تمامًا، فقد وضعت الأوساط الصينية المختصة سيناريوهات عديدة، وأعدَّت خططًا للطوارئ، وبنَت احتياطيات استراتيجية اعتقدت أنها كافية. لكن المفاجأة كانت أكبر من هذه التوقعات كلها. فما حدث خلال الأسابيع الأولى من الصراع مع إيران فاجأ صناع القرار في الصين، وأحدث هلعًا صامتًا في أروقة اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وشركات النفط المملوكة للدولة.

وقد بنينا هذا المقال على أساس أن أحد أهداف ترمب من ضربه إيران هو حرمان بكين من النفط الإيراني الرخيص الذي كانت تغذي به الصين اقتصادها. خصوصًا إذا أضفنا الضلع الفنزويلي إلى المثلث، ففي حال سقوط إيران في المحور الأمريكي ستخسر الصين ثالوثها الذهبي (إيران وروسيا وفنزويلا) الذي كانت تعتمد عليه في أكثر من ثلث حاجتها النفطية من الطاقة الرخيصة نسبيًّا، خصوصًا أن الروس اليوم، بحدوث خلل في المثلث الذهبي، لن يرضوا بأسعار ما قبل حرب إيران.

لم تتوقع الصين أن تنهار الإمدادات الإيرانية بهذه السرعة، كما لم تتوقع أن ترتفع أقساط التأمين على الناقلات في مضيق هرمز إلى عشرة أضعاف. ولم تستعد بكين لتأثر الأسواق العالمية وارتفاع أسعار النفط، فقد قفز خام برنت إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل خلال أيام، وتلقت ناقلات النفط المتجهة إلى الصين أوامر بالانتظار أو تغيير المسار.

هذه الحرب صدمت الصين وأسقطتها على حقيقة مؤلمة: أمنها الطاقي، الذي بنته لعقود على افتراض الاستقرار النسبي في الخليج، كان أكثر هشاشة مما ظنَّته.

يحلِّل هذا المقال ثلاثة محاور: كيف فاجأت الحرب بكين؟ وما الدور الأمريكي الجديد الذي يزيد تعقيد الصورة؟ وماذا يعني كل ذلك لدول الخليج العربية؟

المفاجأة التي أقلقت الصين: لماذا لم تتحقق التوقعات؟

قبل الحرب، اعتقدت الصين أنها استعدت جيدًا؛ لديها مخزون استراتيجي يغطي نحو 100 يوم من صافي الواردات، ولديها عقود مرنة وطويلة الأمد من موردين موثوقين، ولديها كذلك خطوط أنابيب برية من آسيا الوسطى. لكن، هناك ثلاثة عوامل فاجأت بكين:

العامل الأول: سرعة انقطاع الإمدادات الإيرانية. كانت الصين تستورد نحو مليون برميل يوميًّا من إيران، أغلبها بأسعار مخفضة وبترتيبات مالية خاصة (مقايضة سلع أو يوان). ومع أول قصف للمواني الإيرانية الرئيسة، تأثرت تلك الإمدادات تأثرًا شبه كامل. لم تتوقع الصين أن يؤدي الرد الإيراني إلى إغلاق هرمز وضرب مراكز الطاقة في الخليج.

العامل الثاني: إخفاق آلية التحويل السريع إلى موردين بديلين. اعتقدت الصين أنها قادرة على تعويض النقص خلال أيام عبر طلب كميات إضافية من مصادر أخرى، لكن كان هناك عدد كبير من الدول المنافسة على هذه المصادر، ولم تستطِع الصين اقتناص هذه الفرص بسبب البيروقراطية في شركاتها النفطية الكبرى، وتحفُّظ هذه المصادر على طريقة الصين المألوفة في مناقشة شروط البيع والأسعار والاعتماد على وعود بفتح أكبر سوق للطاقة في العالم في حال الحصول على شروط تفضيلية. النتيجة: حصلت الصين على زيادات لكنها كانت أقل بكثير مما احتاجت إليه.

العامل الثالث: صدمة الأسعار. توقع الاقتصاديون الصينيون ارتفاعًا، لكن ليس بهذا الجنون. مع كل ارتفاع 10 دولارات في سعر البرميل، يخسر الناتج المحلي الصيني 0.3 نقطة مئوية من النمو. في غضون شهر من الحرب، خسرت الصين ما يعادل 1.5% من نموها المتوقع. مصانع في قوانقدونق وجيانقسو خفَّضت إنتاجها بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وشركات النقل البحري أضافت رسومًا استثنائية. بكين أصبحت قلقة، ليس فقط من نقص النفط، بل من تداعيات تضخمية قد تُحدث اضطرابات اجتماعية. 

ومن خلال وجودنا في الصين وبعد سؤالنا لعدد كبير من الأصدقاء الصينيين، فإن معدل زيادة صرفهم على البنزين لتلبية تنقلهم قد زاد في الشهر الأول بنحو 30 - 40 دولارًا، في دولة يعيش نحو 80% من شعبها على مدخول يقل عن 400 دولار في الشهر.

ملخص المفاجأة: ظنت الصين أن لديها شبكة أمان، لكن الحرب أثبتت أن شبكة الأمان تلك كانت أكثر هشاشة من المتوقع.

العامل الأمريكي: واشنطن تريد أن تكون لها كلمة في سياسات إيران النفطية بعد الحرب

الطبقة الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة هي الولايات المتحدة. فخلال الحرب وبعدها، لا تخفي واشنطن نياتها في أن يكون لها كلمة حاسمة في مستقبل قطاع الطاقة الإيراني. أمريكا تريد ما يلي:

  1. منع عودة النفط الإيراني إلى الأسواق بكميات كبيرة بعد انتهاء الحرب، ما لم توافق طهران على شروط أمريكية تتعلق ببرنامجها النووي وسلوكها الإقليمي.

  2. إبقاء العقوبات الأساسية على إيران لتكون أداة ضغط، حتى لو خُفِّف بعضها لأغراض إنسانية.

  3. توجيه إعادة إعمار قطاع النفط الإيراني عبر شركات غربية (لا صينية) لضمان ألا يُعزَّز النفوذ الصيني في المنطقة.

هذا يعني مأزقًا استراتيجيًّا مزدوجًا للصين. أولًا: حتى لو انتهت الحرب، فإن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق ليست مضمونة. ثانيًا: إذا حاولت الصين ملء الفراغ والاستثمار في حقول إيران النفطية بعد الحرب (كما فعلت في الماضي عبر عقود مثل «آزاديجان»)، فإنها ستصطدم بالعقوبات الأمريكية الثانوية التي تستهدف أي شركة تتعامل مع إيران.

بمعنى آخر: الولايات المتحدة لا تريد أن تحل الصين محل الغرب في قطاع الطاقة الإيراني ما بعد الحرب. وهذا يضيف طبقة من عدم اليقين تجعل التخطيط الصيني أكثر تعقيدًا. لم تتوقع بكين أن تكون واشنطن بهذا الحزم في استبعاد الصين من ترتيبات ما بعد الصراع.

كيف ردت الصين: هلع منظم وبدء إعادة تشكيل الاستراتيجية

استجابت بكين لهذه المفاجآت بثلاث خطوات متسرعة لكنها منهجية:

الخطوة الأولى: تخفيف آثار أزمة الحرب عن طريق إدارة الإعلام ومنع نقل تأثير الأزمة والهلع الناتج عنها إلى الجمهور الصيني، والتواصل غير المعلن مع حكوماتها المحلية، وتوجيه تعليمات للأجهزة والشركات المعنية بتجنب الحديث عن أزمة.

الخطوة الثانية: الضغط المكثَّف على الموردين العالميين لزيادة العرض لكي لا تضطر بكين إلى سحب احتياطها النفطي، خصوصًا قبل وصول الرئيس ترمب المنتظر إلى بكين، ولكي لا تمنحه ورقة ضغط إضافية في المواجهة المستمرة بين العملاقين.

الخطوة الثالثة: تسريع التحول الطاقي داخليًّا. إذ إن الصين تُعد رائدة عالميًّا في مصادر الطاقة المتجددة، وتستحوذ على أكثر من نصف مصادر الطاقة النظيفة في العالم. هذه كانت نتائج سياسات المرحلة الأولى من التحول الطاقي في الصين، وصرفت عليه ترليونات بهدف إعطاء الصين خيارًا بديلًا للطاقة. تُعد المرحلة الثانية من هذا التحول أصعب، لأنها تستهدف فطم الاقتصاد الصيني عن مصادر الطاقة الأحفورية وتستوجب استثمارات بتريليونات الدولارات، لأن ذلك يستوجب تغييرًا كاملًا في أنظمة توزيع الطاقة، وتحفيز تكنولوجيات غير مربحة حاليًّا، وتقديم حوافز مالية كبيرة لدفع العرض والطلب على أنظمة الطاقة الجديدة من الهيدروجين والفحم النظيف وغيرها.

ماذا يعني كل هذا لدول الخليج؟

من منظور الخليج، المشهد معقد لكنه يحمل فرصًا نادرة. هذه الحرب هزت صورة الشرق الأوسط بوصفه مصدرًا موثوقًا للطاقة لدى المفكر الصيني، فقد ذكَّرت بكين بأن الشرق الأوسط لا يزال ضمن النفوذ الأمريكي، وأن واشنطن قادرة على خلط أوراق خطط بكين حينما تشاء.

الحرب علمت الصين درسًا قاسيًا: «لا تضع كل بيضك في سلة الخليج». بكين ستسرع من تنويع مصادرها (روسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية) وستستثمر في بدائل طويلة الأجل، وقد تقلِّص الطلب على نفط الخليج بصورة دائمة قبل نهاية هذا العقد. ذروة الطلب الصيني على النفط، التي كانت متوقعة في منتصف الثلاثينيات، قد تحدث بحلول 2028 - 2029.

أما عن الفرص، فلا بدائل جاهزة لنفط الشرق الأوسط، إذ إن إفريقيا لديها مشكلاتها، والطلب الأوربي يزداد بكثافة. وآسيا الوسطى تحتاج إلى استثمارات هائلة وزمن طويل لتلبي الطلب الصيني. وأمريكا اللاتينية حديقة خلفية لواشنطن، وأنظمة الحكم الديمقراطي فيها سريعة التغيير، فلا يمكن الاعتماد على مزاج اللاتينيين في أمن الطاقة الصيني.

وحتى في حالة نجاح المرحلة الثانية من التحول الطاقي في الصين الهادف لفطم الاقتصاد الصيني عن الوقود الأحفوري، ستحتاج الصين دائمًا إلى استيراد كمية هائلة من النفط لتلبية احتياجات اقتصادها لصناعاتها البتروكيميائية وغيرها.

تكمن الفرصة الآن في أن تبادر دول الخليج لتعظيم وجودها في الصين، ليس فقط من خلال عقود البيع و الشراء بل أيضًا عبر خلق لوبي وشبكة علاقات استثمارية تدخل بها الدول العربية في صلب العصب الاقتصادي الصيني، وهذا يحتاج إلى قرار سياسي ووضع استراتيجية واضحة، وتعظيم وجودها، الخجول حاليًّا، في غياهب صنع القرار الصيني في بكين.

السؤال لم يعد: ماذا ستفعل الصين في أثناء الحرب؟ السؤال الآن: ماذا سيفعل الخليج قبل أن تنتهي الحرب؟


متى كانت آخر مرة عشتَ فيها الأدب، بدون كتاب؟ 📚

تنقل مبادرة «الأدب في كل مكان» الإلهام إلى طريقك، ليصادفك أينما كنت.

تعرّف على المبادرة «من هنا».


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

أكثر من مئة عدد في كرة القدم ⚽️

كيف ساهم مشجعو النصر بالفوز على الاتفاق؟ وما هي استعدادات مدينة جدة لكأس آسيا؟ أخبار

وتفاصيل كثيرة عن كرة القدم لا تجدها بسهولة في مواقع التواصل، يكتبها الصحفي نواف العقيّل أولًا بأول، ليشاركها فريق ثمانية كل صباح على بريدك، انضم لنشرة مصدر مطّلع ليصلك كل جديد.


أي معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة لن تكون على حساب علاقات السعودية مع الدول الأخرى؛ فعالم اليوم متعدد الأقطاب.

يشرح الدكتور هشام الغنام في مقالة «لن تتخلى السعودية عن الصين لأجل أمريكا» الحسابات الخارجية السعودية المعقدة حيال علاقتها بأمريكا والصين، وآفاق هذا التوازن السعودي في علاقة السعودية بالأقطاب المتنافرة.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+40 متابع في آخر 7 أيام