كيف يمكن أن تكون رؤية 2040
لا تهدف هذه المقالة إلى استعراض ما تحقق ضمن رؤية 2030، بل تنطلق للنظر إلى ما بعدها؛ نحو أفق رؤية 2040.
مرّت السنوات العشر الأخيرة بعد إطلاق رؤية 2030 بسرعة تناسينا معها عمق التحوّل الهيكلي الذي أحدثته في السعودية. وأقول «السعودية» بصورة عامة لأشمل اقتصادها ومجتمعها وحكومتها وسياستها الخارجية، إذ طالهم جميعًا هذا التغيّر الذي عُدّ أحد أشمل حالات التحوّل الوطني حول العالم وأعمقها.
في مقالة هذا العدد، ينظر الاقتصادي محمد آل جابر إلى ما بعد هذه الرؤية؛ إلى الآفاق الممكنة في رؤية 2040.
قراءة ماتعة!
عمر العمران


كيف يمكن أن تكون رؤية 2040
محمد آل جابر
مع مرور عشر سنين على إطلاق رؤية 2030، لا يخفى حجم التحول الذي شهدته السعودية خلال تلك السنوات، سواء في قدرتها على جذب الاستثمارات، أو إطلاق مشاريع كبرى غير مسبوقة، أو الدفع بإصلاحات اقتصادية وتنظيمية اتسمت بالسرعة والجدية، وفاجأت حتى أكثر المتحفظين في تقديراتهم. هذا التحول لم ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل رسّخ أيضًا عقلية جديدة تتجاوز الاكتفاء بالتحسن التدريجي، إلى السعي للمنافسة على المراتب الأولى عالميًّا.
لا تهدف هذه المقالة إلى استعراض ما تحقق ضمن رؤية 2030، بل تنطلق للنظر إلى ما بعدها؛ نحو أفق رؤية 2040. ومع أنها لم تُعلن رسميًّا حتى الآن، فإن قرب اكتمال المرحلة الحالية وتحقيق جزء كبير من مستهدفاتها يجعل الحديث عن المرحلة التالية أمرًا طبيعيًّا. وقد أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أكثر من لقاء إلى أن التخطيط لا يتوقف عند 2030، بل يمتد إلى ما بعدها، بما في ذلك رؤية 2040.
ما يلفت النظر في هذه المرحلة ليس فقط حجم المشاريع أو الأرقام، بل التغير الأعمق في الوجدان العام؛ إذ أصبح الإحساس بالمشاركة في هذا المشروع الوطني حاضرًا لدى شريحة واسعة من المجتمع، بمختلف مواقعهم وأعمارهم. لم يعد الطموح محصورًا في مستوى الدولة فقط، بل امتد ليشكِّل جزءًا من تصور الأفراد لدورهم ومسؤولياتهم.
ومن هذا المنطلق، وبوصفي جزءًا من هذا السياق، تأتي هذه المقالة محاولةً لطرح تصورات وآراء حول ما يمكن أن تتضمنه رؤية 2040، مع التركيز على ما أراه أولويات ذات أثر مباشر في المرحلة القادمة، دون ادعاء الإحاطة الكاملة أو تقديم طرح شامل.
ما يميز المرحلة القادمة أننا أصبحنا نمتلك فهمًا أدق لقدراتنا الفعلية، مستندًا إلى تجربة حديثة وموثقة. ويتضح ذلك في تحقيق عدد من مستهدفات رؤية 2030 قبل موعدها بسنوات، وهو ما يعطي مؤشرًا أوضح على سقف ما يمكن إنجازه زمنيًّا وعمليًّا.
وفي المقابل، أظهرت التجربة أن بعض المسارات ارتبطت بتكاليف مرتفعة، أو بوتيرة تغيير لم تكن ضرورية بالدرجة نفسها، وهو ما يفرض مراجعة منهج التنفيذ من حيث الموازنة بين السرعة والكفاءة، وليس فقط تحقيق المستهدف بحد ذاته.
كما أن ما سيرِد في هذه المقالة من مقترحات لا ينطلق بالضرورة من فرضية وجود فجوات أو نواقص في الخطة السابقة، فقد يكون ما سأطرحه امتدادًا لما بُني بالفعل. كثير من هذه الطروحات لم يكن طرحها أو العمل عليها في مراحل سابقة ممكنًا دون ما تحقق من إصلاحات هيكلية ومؤسسية خلال السنوات الماضية. وعليه، فهي تعكس مرحلة تالية تعتمد على ما أُنجز، وتستفيد من المساحة التي أتاحها هذا التقدم، أكثر من كونها مراجعة لما سبق أو تصحيحًا له.
الصناعة
لا تقتصر الفرص الصناعية على القطاعات التقنية المتقدمة أو المجالات الأعلى تنافسية، ولا يفترض أن يقود الطموح في هذه الاتجاهات إلى إهمال الصناعات الأساسية التي أثبتت جدواها واستدامة عوائدها. فهذه الصناعات، رغم بساطتها النسبية، تشكل قاعدة إنتاجية متينة، وتستند في حالتنا إلى مزايا تنافسية واضحة، تشمل توفر الموارد الطبيعية، والطاقة منخفضة التكلفة، والمساحة الجغرافية، إضافة إلى توافق نسبي بين التوجهات الحكومية واحتياجات القطاع الاقتصادي. وفي هذا السياق، قد يكون من الأجدى الموازنة بين السعي لاقتناص الفرص في القطاعات الجديدة، وبين استثمار ما هو متاح وقابل للتطوير بكفاءة أعلى، بدل التركيز الحصري على مجالات تتطلب وقتًا وتكلفة أكبر للدخول والمنافسة.

فعلى سبيل المثال، تظهر مؤشرات إيجابية في التعدين، حيث ساهم طرح رخص الاستكشاف لشركاء دوليين في تسريع أعمال البحث ورفع وتيرة الاستثمار. لكن التقدم في المنبع لا يقابله تطور كافٍ في بقية سلسلة القيمة. في النحاس مثلًا، لا توجد طاقات محلية للتكرير والصهر، ما يعني فقدان جزء كبير من القيمة المضافة. وفي الألمنيوم، ورغم توفر المادة الخام، تبقى القدرات أقل من دول خليجية لا تملك الموارد نفسها. أما في الحديد، فعلى الرغم من قوة الإنتاج في المنتجات النهائية مثل حديد التسليح والأنابيب، تظل الحلقة الوسيطة ضعيفة؛ إذ نفتقد إلى طاقات كافية لإنتاج الحديد الأولي ومنتجاته شبه المصنعة مثل لفائف الصلب، ما يُبقي الاعتماد على الاستيراد قائمًا، بما في ذلك الاستيراد من دول قريبة مثل عمان.
هذه أمثلة لقطاعات ليست عالية التعقيد تقنيًّا، لكنها أساسية، وتظهر فيها فجوة واضحة رغم الاستثمار الممتد لعقود. وعليه، فإن الأولوية لا تقتصر على جذب استثمارات جديدة، بل تشمل توجيهها نحو هذه الحلقات غير المكتملة مع إعادة توزيع رأس المال، خصوصًا في الشركات ذات الملكية الحكومية، من القطاعات المتشبعة إلى صناعات القاعدة التي قد لا تحظى بالجاذبية الإعلامية ذاتها، لكنها تشكل بنية تحتية إنتاجية ضرورية وتوفر قدرًا أعلى من الحماية من اضطرابات سلاسل الإمداد.
ومن الإشارات الإيجابية في ذلك، ما نقله تقرير حديث لبلومبيرق حول تحويل شركة منارة المعادن للاستثمار (شركة مشتركة بين صندوق الاستثمارات العامة ومعادن) استراتيجيتها من الاستثمار في أصول التعدين العالمية إلى الاستثمار في أصول التعدين السعودية.
وعلى جانب الاستثمار في القطاع، يثير تباين توزيع الاستثمارات تساؤلًا مشروعًا حول أولويات المرحلة؛ إذ نلاحظ تركّزًا كبيرًا في قطاعات استهلاكية مثل التجزئة والمطاعم والمقاهي، إلى درجة المزاحمة وتكرار الخسائر والإغلاقات، في مقابل عزوف عن القطاع الصناعي. وفي الوقت الذي تبذل فيه وزارة الصناعة والثروة المعدنية جهودًا بالتعاون مع جهات مثل الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن)، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب)، لا يزال أثر هذه المبادرات على أرض الواقع محدودًا مقارنة بحجم الطموح.
هذا يطرح سؤالًا مباشرًا: هل نحتاج إلى أدوات تحفيز مختلفة؟ أو إلى إعادة تصميم الحوافز بما يغير سلوك المستثمرين فعليًّا؟ وعليه، قد يكون من المناسب أن تُدرَج تنمية ريادة الأعمال الصناعية أولويةً صريحةً في المرحلة القادمة (رؤية 2040)، مع بناء منظومة دعم لا تقل وضوحًا وفعالية عما تم في قطاعات التقنية والخدمات المالية، بهدف خلق جيل من رواد الأعمال الصناعيين، وليس الاكتفاء بجذب الاستثمارات التقليدية.
وكذلك في سياق الحوافز، ينبغي أن نتحقق من ألا تُنتج تلك الحوافز حالة من الاعتماد الكلي عليها، فيصبح ذلك الإنتاج غير مجدٍ عند أي تقليص مستقبلي فيها. فالحوافز الحكومية بطبيعتها وجوهرها مؤقتة، لأنها تستهدف تحفيز الانطلاق وحسب، ثم استقلال تلك القطاعات وعملها باستدامة دون دعم حكومي.
البنية التحتية
وجدنا أن البنية التحتية كانت أحيانًا عنق الزجاجة في مسارات بعض برامج الرؤية. فعلى سبيل المثال، نجاح مستهدفات السياحة والترفيه المحلية شكَّل ضغطًا على الطاقة الاستيعابية للمطارات، فقد وصلنا في سنوات قليلة إلى 112% من الطاقة الاستيعابية لمطاراتنا، وما زالت المطارات التي خُطِّط لتوسيعها أو فتح صالات جديدة تحاول اللحاق بأعداد الزوار والمسافرين.

كذلك الضخ العالي في قطاع الإسكان، فمشاريع البناء التي تمت في السنوات الماضية اصطدمت بعنق الزجاجة في الطاقة الاستيعابية لنقل الكهرباء وتوصيلها، أو خطوط المياه وتصريف الأمطار، وغيرها من البنية التحتية للأحياء والضواحي الجديدة.
كذلك الخطوط الحديدية المخطَّط لها، التي تأخرت في ربط الشرق بالغرب وأن تكون جسرًا لوجستيًّا مهمًّا لنقل البضائع والتخلص من ازدحام الشاحنات على الخطوط السريعة وعند المواني ومداخل المدن، ساهمت في ارتفاع الضغط على البنية التحتية مع ارتفاع النشاط اللوجستي ونشاط البناء والنقل.
ونرى أن حتى نجاح قطاعات معينة في السعي لتحقيق مستهدفاتها، قد يواجه حدودًا فيزيائية بسبب الضغط على البنية التحتية، وهذه من النقاط التي يُلاحظ من خلالها أن التنفيذ على أرض الواقع لا يوازي الطموح. فحتى مع تشكل الاستراتيجية واتخاذ القرار على مستوى القيادة والتوجيه بتلك المشاريع، إلا أن التنفيذ يكون أقل من المتوقع، أو تطول مدة بقائه في مراحل الدراسة والتقييم والطرح والتردد بين تنفيذه ليكون مشروعًا عامًّا أو طرحه للمشاركة مع شركات خاصة.
فمثلًا في مشروع الجسر البري وسكك الحديد، كان الانسحاب من المشروع بعد عدم الاتفاق مع تحالف الشركات الخاصة الأجنبية التي تقدمت للتنفيذ، بسبب الاختلاف حول سياسة المحتوى المحلي. ومع أن هدف المحتوى المحلي نبيل وأساسي ومبدأ مهم، إلا أن سؤالًا حول المكاسب المفقودة بالتأخير مقابل المكاسب المتوقعة لتنفيذ سياسات المحتوى المحلي يجب أن يُطرح.
جانب تنفيذ مشاريع البنية التحتية بالمشاركة مع القطاع الخاص لا يزال أقل من الطموح بكثير، ويجب إعادة النظر في آلياته جذريًّا. فبعد تجربة إنشاء مطار المدينة المنورة عن طريق تحالف شركات خاصة، لم يُنفَّذ أي مشروع مماثل. ولا يزال مطار أبها الدولي مثلًا في انتظار التوصل إلى الشركاء المناسبين لسنوات، مع الحاجة الماسة إليه في منطقة سياحية مهمة.
فهل المتطلبات والمقابل المادي المطلوب يجعل تلك المشاريع غير مغرية بما يكفي للمستثمرين؟ إذا كان هذا السبب، فيجب أن يُنظر إلى مشاريع البنية التحتية في نطاق الأثر الاقتصادي الممتد الذي يتجاوز موازنة الجهة المشرفة على القطاع، وأن التأخير لسنوات، حتى لو حقق إيرادات وبنودًا تعاقدية أفضل، قد يسبب فوات فرص اقتصادية أكبر تتجاوز في الحجم تلك المكتسبات.
ومع الحديث عن مشاركة القطاع الخاص في التنفيذ والتشغيل والإنتاج الاقتصادي عمومًا، على غرار التجربة الناجحة في مطار المدينة المنورة، فإن الاستمرار في هذا الزخم وتعظيمه سيترك أثرًا إيجابيًّا في تحسين المنتجات والخدمات للمستهلكين، وفتح الفرص للمستثمرين، وتقليل الأعباء على الميزانية العامة. ومن الإشارات الإيجابية في ذلك اتجاه صندوق الاستثمارات العامة (PIF) في استراتيجيته القادمة لـ2026 - 2030 إلى «إفساح المجال بصورة أكبر للقطاع الخاص».
كما أن تنفيذ بعض المشاريع عن طريق الإدارة المحلية في المرحلة القادمة قد يكون المسار الأفضل، وخروجًا عن مركزية الوزارات. فحين نرى مشاريع الجسور والطرق التي نفَّذتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، أو مطار البحر الأحمر الذي نفَّذته شركة البحر الأحمر مع شركاء مشغِّلين ومقاولين منفذين، ونقارن السرعة والجودة مع المشاريع الأخرى، يتضح الفرق الواضح.

التقسيم اللامركزي
ذكرت في مقالة سابقة مشكلات المدن السعودية، وكيف أن غياب الإدارة المحلية ذات الصلاحيات والممكَّنة والمرتبطة تمويليًّا باقتصادها المحلي يسبب خللًا هيكليًّا في نظام الحوافز، الذي يفصل بين أولويات الجهات المشرفة والنطاق الجغرافي لتلك المدن. كما أن تركُّز تنفيذ مشاريع البنية التحتية في وزارات أو شركات حكومية على كامل السعودية، يصعِّب من تحسين بنيتها التحتية ويؤدي إلى انفصال بين أولويات تلك المدن واحتياجاتها وبين أولويات الجهات المركزية.
أتفهم لماذا لم يكن التمكين على المستوى المحلي أولويةً في السابق، فالإدارات افتقدت الكفاءات وغياب الممارسة؛ وإنشاء منظومة متكاملة من الأدوات الرقابية والتنظيمية ومتابعتها وتغيير ممارسات امتدت إلى عقود سابقة أمر صعب ويستهلك وقتًا طويلًا جدًّا، لكن أرى أن الأوان حان لوضع هذا المستهدف على رأس قائمة الأهداف في رؤية 2040.
من جهة، لدينا تجربة حديثة مع تمكين الهيئة الملكية للعلا من الإدارة المحلية لتكون نموذجًا يُبنى عليه، وكذلك التجربة الأقدم في الجبيل وينبع تقدم لنا نموذجًا طويل الأمد تؤخذ منه أبرز الدروس والتحديات. ويمكن التدرج في المدن من الأكثر جاهزية إلى الأقل على فترات، وتحويل الكفاءات التي انتهت مهمتها في برامج الرؤية ومبادراتها إلى تلك الإدارات المحلية الحديثة، مع دعمها على مستوى التدريب والربط الرقمي.
كما أن العمل الآن مختلف عن ما قبل رؤية 2030. الآن يمكن الاستفادة من مبادرات الخصخصة وإعادة الهيكلة في القطاعات الأخرى الخدمية التي تحتاج إليها المدن لتفعيل إدارة محلية فعلية. فمن أهم مكاسب التمكين المحلي توحيد التنفيذ لأي مشاريع بنية تحتية تحت إدارة المدن المحلية، ما يضمن إشرافًا أقرب وترتيب أولويات بحسب حاجة كل مدينة، وكذلك التنسيق بين مختلف المشاريع ومنع تعارضها، وذلك يحتاج إلى وجود عدة شركات خاصة متنافسة لتلبي هذا الطلب.
وفي تجربة الجبيل وينبع، اضطرت هيئتهما الملكية إلى تأسيس شركة «مرافق» لتقديم خدمات الكهرباء والمياه ومعالجة الصرف، لأن هذه القطاعات في السابق كانت محتكرة من شركة واحدة على مستوى السعودية. ولكن الآن بعد سنوات من الخصخصة، بدأت الخيارات تظهر، وحتى شركة مرافق أصبحت شركة مساهمة عامة. ومن جهة البنية التحتية هناك تفكيك لقطاع الكهرباء في محطات الإنتاج، والبدء في الخصخصة لباقي السلسلة.
وعلى الجانب التنظيمي والتشريعي، من مكتسبات الرؤية أيضًا إعادة الهيكلة التي فصلت بين الجهات المشرعة والمشغلة. على سبيل المثال، في قطاع النقل انتقل التنظيم والتشريع إلى الهيئة العامة للنقل، وهي مستقلة عن الوزارة التي تشرف على تنفيذ المشاريع وتملك الأصول في القطاع، وهذا يمكِّن نقل دور الإشراف على المشاريع والأصول إلى الإدارة المحلية، وتكون المرجعية التنظيمية منفصلة.
استنادًا إلى هذه الإصلاحات السابقة، يمكن التوجه نحو جعل المناطق تحت إدارة ما يشبه الهيئات الملكية، وتُضَم مسؤوليات البنية التحتية والخدمات العامة تحتها تدريجيًّا، حتى الوصول إلى الصحة والتعليم والتنظيمات التجارية. وعليه تنتقل صناعة القرارات إلى مستوى أقرب، ويكون التنفيذ بكفاءة أكثر، ويمكن تحديد مستهدفات اقتصادية على مستوى المنطقة الجغرافية وليس على مستوى القطاع في كامل السعودية.
اللامركزية في التحفيز الاقتصادي
لنتخيل وجود مستهدفات لعدد السياح ومقرات الشركات والناتج الصناعي لكل منطقة، على نحو مستقل ومناسب لميزتها التنافسية ووضعها قبل التطوير؛ سيحدث تكامل للمنظومة لتحقيق ذلك المستهدف، وأيضًا ستكون هناك طرق وأساليب مختلفة عن بعضها. وهذا ما حدث في النموذج الصيني، الذي سمح بمناطق اقتصادية حرة في البداية، ثم وضع مستهدفات لكل إقليم وسمح لهم بالتخصص والتحفيز بحسب قدراتهم لتحقيق أهداف نمو اقتصادية محددة.
الإدارة المحلية لها ميزات ومكاسب علـى جانب الإشراف القريب والتنمية الموجهة، ومقارنة مختلف التجارب التي تفتح بابًا للابتكار وتجربة طرق مختلفة؛ قد ينجح بعضها ويُعمَّم، أو يفشل ولكن يبقى في نطاقها. ولكن على جانب اقتصاديات المدن والمناطق، هناك مكاسب من إعطاء مساحة لتلك الإدارة لتكوين سياسات مرنة مستقلة على غرار الهيئة الملكية في الجبيل وينبع، بل ويمكن رفع الاستقلالية مع الوقت إلى مساحة المتطلبات والاشتراطات للنشاطات التجارية والتصاريح، وحتى تكاليف الخدمات العامة.
ما ينقصنا هو إجراء عدة تجارب في الوقت نفسه ومن منطلقات مختلفة، فتنافسٌ صناعي مثلًا ما بين المناطق الشرقية القريبة من نشاط النفط والغاز وقطاع البتروكيماويات، سوف يختلف عن المدن الصناعية في المنطقة الغربية حيث تتركز صناعات الأدوية والسيارات، وكذلك عن مناطق صناعية مختلفة في القصيم أو الخرج أو حائل تحاول التركيز على الصناعات الغذائية أو الطبية وغيرها. حجم السعودية وعدد سكانها يتطلب أن نفتح الباب لتجارب مختلفة لتحقيق الأهداف نفسها والاستفادة من الدروس سواء كانت إيجابية أو سلبية.
علينا إعطاء فرصة للتجارب المحلية الأكثر رشاقة ومرونة، التي لا تتطلب سنوات طويلة من التخطيط وتداخل عدة جهات وميزانيات ضخمة تجعل المخاطرة عالية. فمثلًا، هناك حراك سياحي محلي في منطقة حائل لتقديم سياحة وتجارب برية، تقدمها عشرات، بل مئات، الشركات الصغيرة، وبخيارات مختلفة تتراوح بين الاقتصادي جدًّا إلى الفاخر؛ والإقبال من باقي المناطق على تلك الوجهة ارتفع رغم عدم التسويق لها وغياب شركات عملاقة أو شركات عامة من المشهد. بل أزعم أن هذا الغياب هو من فتح الباب أمام رواد الأعمال للبدء بأقل الإمكانات والتطوير العضوي بناء على وتيرة ارتفاع الطلب وتراكم المعرفة. نقارن ذلك بالتجارب التي أرادت البدء بأعلى مستوى وتجربة ناضجة تمامًا، لنرى سنوات طويلة من التأخير، وميزانيات عملاقة، وطاقة استيعابية منخفضة، وتكلفة باهظة ضعيفة التنافسية.
رفع الكفاءة الحكومية
أحد التغييرات التي قد تكون ذات أهمية قصوى في ضبط التشريعات والعبء البيروقراطي على الاقتصاد، خلق أدوات لإلغاء اللوائح والتشريعات. حاليًّا، المسار إلى تقديم تنظيم جديد واضح من الصياغة وأخذ آراء العموم والاعتماد، ولكن آلية إلغاء التنظيم أو تحديثه لا تكون إلا إذا بادرت الجهة نفسها التي طرحته إلى تعديله أو تبديله، وحين يكون هناك نطاق إشرافي أو إيرادات لتلك الجهة، يكون الحافز ألّا يُتخلَّى عنه حتى لو كان الأثر العام في الاقتصاد ضعيفًا أو حتى سلبيًّا.
والمقترح الذي أقدمه هو أن تكون كل اللوائح والتنظيمات مترافقة مع تاريخ صلاحية -إذا صح التعبير- مرتبط بأهداف واضحة للقياس، ويُقيَّم الأداء من جهة محايدة. وعليه، في حال لم يتحقق الأثر المطلوب، لا تُجدد اللائحة وتُلغى. مثلًا، لو وُضع تنظيم على شاحنات النقل في الخطوط، تلتزم الجهة بتوضيح الأهداف من هذه اللائحة، مثل انخفاض عدد الحوادث إلى رقم معين أو انخفاض تلفيات الطرق، ويوضع رقم محدد لكل مستهدف، وعليه تُقيَّم نجاعة تلك اللائحة بعد مضي الفترة المعتمدة، ثلاث أو خمس سنوات، وفي حال لم تُحقق تلك الأهداف تُراجع اللائحة أو تُلغى.
سوف يساعد ذلك أيضًا على قياس تكلفة التنظيمات مقابل الأثر، بحكم وجود رسوم ومتحصلات مباشرة، وكذلك تكاليف امتثال غير مباشرة يجب تبريرها بأهداف مادية يسهل قياسها. وهنا ستوضع الجهة أمام مسؤولية دراسة اللوائح بدقة أكثر، فإذا كانت الأهداف طموحة جدًّا لتبرير التكلفة التي تفرضها تلك اللائحة، ستجد أنها بنهاية المدة لم تُحقق وعليه تُلغى اللائحة، وإذا وُضعت أهداف يسهل تحقيقها، سوف تكون المكاسب أقل من التكلفة وعليه لن تُعتمد اللائحة من الأساس.
هذا مع الإشارة إلى التحديات والإشكالات المتعددة في التشريع بوصفه أداة لتحقيق التنمية والمصلحة، مثل التوجيه الخاطئ لشكل الإنتاج والاستهلاك، وصعوبة الإنفاذ، ورفع تكاليف الامتثال، مقابل مكاسب تخفيف الأعباء التشريعية بما يرفع من التنافسية والكفاءة. وقد فصّلت هذه النقطة في أحد مقالاتي السابقة «عندما يضرنا التشريع، ونحن لا نعلم».
القضاء
ذكرت في المقدمة أن هذه المقالة تركز على ما له أهمية للاقتصاد والنمو بالدرجة الأولى، بحكم أنه مجال اهتمامي وخبرتي. إذن لماذا ذكرت الجانب القضائي والعدلي هنا؟ لأن في الواقع جزءًا كبيرًا من التعقيد البيروقراطي والتشريعي قادم من محاولة تجنب الاعتماد على الجانب القضائي.
فحين يُضبط أي نشاط بترخيص، ثم بمخالفات إدارية وسحب الترخيص كإجراء عقابي، أنت هنا حولت مسار الخلاف من الجانب القضائي إلى الإداري، وهكذا تعتقد الجهة أنها يسَّرت العمل وتحكمت بالمنظومة كاملة. ولكن مصدر خلل كبير في بيئة الأعمال يظهر حين لا يمكن ممارسة أي عمل إلا بشكل مقنن ومرسوم الملامح ضمن قائمة محددة من الخيارات، وبما تقتنع به الجهة الإدارية المشرفة. وحين ترغب في التجربة أو البدء في مجال جديد كليًّا، أنت الآن مخالف ومقيد إلى أن يُسمَح بهذا النشاط.
قبل سنوات، عملت وزارة التجارة جاهدة على نظام الشركات عن طريق طرح عدة أشكال من الشركات، وكذلك محاولة إضافة مرونة في اللوائح والقيود على الملاك والمديرين والمستثمرين. وعلى أنه إصلاح يُشاد به، إلا أنه عجز عن توفير خيار بديل لتسجيل الشركات في إحدى الجزر أو المناطق الاقتصادية التي تتيح للشركات التقنية حرية عالية في صياغة بنود الاستثمار ومكافآت الموظفين وخيارات الأسهم.
وجدت بعض المتابعين لهذا التحديث يعلقون باستغراب: إذا كنا نحاول تقديم خيار بديل لهم، لماذا لا نوفر البنود نفسها في اللوائح التي يبحثون عنها؟ والجواب هنا أن ما يبحثون عنه ليس بنودًا محددة ومقيدة في نظام الشركات، بل العكس: الاعتماد التام على العقود، وخلفه نظام قضائي داعم عن طريق سجل شفاف من القضايا السابقة، بحيث يستطيع المتقاضون الاعتماد على السجل التاريخي لقراءة ما سوف يحصل مسبقًا.
إذن تقوية العقود وإعطاء المتعاقدين حرية ومرونة تامة في ما يتفقون عليه هو أعظم ممكِّن للأعمال، وهو ما يرفع الثقة بالسوق ويجذب المستثمرين الأجانب، بشرط اقترانه مع نظام قضائي يستوعب ذلك ويدعمه.
وهنا ترتبط المسألة مباشرة بكفاءة الحكومة، فكلما زاد الاعتماد على القضاء، حتى من الجهة المشرفة نفسها، قلت الحاجة إلى بناء منظومة تشريعية معقدة وتقييد كل نشاط بترخيص أو هيئة مستقلة، لأن الفصل في النزاعات وانتظام السوق يصبحان معتمدين على قواعد عامة قابلة للتطبيق، لا على تدخلات تفصيلية سابقة.

تطوير القضاء استثمار في البنية التحتية للاقتصاد، وحتى لو وُجد ضغط سابق على المحاكم وما نتج عنه من تأخير أو نقص في الكوادر، فالحل يكون بتطوير المنظومة ورفع كفاءتها، لا بتجاوزها أو استبدالها بمسارات إدارية بديلة.
وأنا هنا لا أتحدث عن الشركات التقنية فقط، فهي جزء بسيط من سوقنا، لكن لأنه مثال واضح. أما باقي القطاعات فكلها تحتاج إلى ابتكار وحرية ومرونة وخفة في العمل.
في كل مرة يُقدَّم فيها عقد موحد «تنفيذي» من جهة إدارية لأي إجراء يتعلق بنشاط تجاري أو مالي، يشيد به الشخص العادي ويعتقد أنه تطور وتسهيل، لأنه يبني على حل مشكلة واحدة على أبسط شكل من أنواع التعاقد. ولكن حين تُحوَّل العقود التي يفصل بها في المحاكم إلى عقود تنفيذية بصياغة الجهة الإدارية المشرفة للقطاع، تقتل المرونة وتدخل وسيطًا بين طرفين في التعامل والشروط قبل حتى الخلاف. وحين تقرر أن القضاء لن ينظر في العقود خارج هذه المنظومة، هكذا أضعفت قوة القضاء ونجاعته، وهذا مؤشر سلبي لا إيجابي.
بخلاف ما يتداول، العقود التنفيذية أحيانًا تُضعف من جاذبية السوق وموثوقية التعامل. وقد أشار تقرير البنك الدولي، ضمن مشروع تقرير ممارسة الأعمال، إلى أن كفاءة إنفاذ العقود ومرونة الإطار التعاقدي من العوامل الأساسية في تقييم بيئة الأعمال، وأن تقييد حرية التعاقد أو ضعف قابلية إنفاذ العقود يؤثر سلبًا في جاذبية الاستثمار، وهو ما ينعكس مباشرة على تقييم الدول في هذا الجانب. حتى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تذكر، عند الحديث عن أي دولة وجذب الاستثمار فيها، أن القواعد الشفافة والقابلة للتنبؤ والإنفاذ تُعد من العوامل الرئيسة في جاذبية أي دولة للمستثمرين.
لذا أتمنى فعلًا في الفترة القادمة، وضمن مستهدفات رؤية 2040، أن تُحصر العقود التنفيذية في تعاملات الأفراد البسيطة، وأن تكون خيارًا في حال رغبة الطرفين، وأن يُضبط استخدام الأدوات الإدارية، وأن تلجأ حتى الجهات الحكومية إلى القضاء في حال رصد مخالفات أو تجاوزات، مع استثمار أعلى في تطوير المحاكم والكوادر لاستيعاب المتقاضين وتعزيز كفاءة الفصل في النزاعات.
المؤشرات والأهداف للمرحلة القادمة
من المفيد في المرحلة القادمة إعادة صياغة طريقة تحديد الأهداف، فلا تقتصر على مؤشرات رقمية دقيقة بحد ذاتها، بل ترتبط بنتائج اقتصادية أشمل يمكن قياس أثرها الفعلي. فبدل الاكتفاء بمستهدفات مثل عدد السياح، يصبح الأهم هو حجم الإنفاق المرتبط بهم، وصافي التدفقات النقدية الأجنبية، وعدد الوظائف التي يولدها القطاع للمواطنين، وإجمالي الرواتب المصروفة. هذا التحول ينقل التركيز من «الكم» إلى «الأثر».
كما يمكن تعزيز ذلك عبر توزيع المستهدفات على مستوى المناطق أو المدن بتفصيل أكثر، بما يخلق نوعًا من التنافس الإيجابي، ويجعل الأداء قابلًا للمقارنة والقياس وفق خصوصية كل منطقة. ويرتبط هذا التوجه مباشرة بتفعيل دور الإدارات المحلية، فتصبح هذه المؤشرات جزءًا من تقييم أدائها، في إطار فصل إداري أوضح يمنحها صلاحيات أوسع مقابل مساءلة أدق على النتائج الاقتصادية الفعلية.
ومن المهم أن تُربط مختلف المستهدفات مباشرة بمؤشرات كليَّة مثل النمو في الناتج المحلي وتوظيف المواطنين، فيكون القياس منصبًا على الأثر الاقتصادي الحقيقي وليس على تحقيق أرقام منفصلة. هذا الربط يحد من تحول المؤشرات إلى غاية بحد ذاتها، ويغلق الباب أمام ممارسات تهدف إلى تحسين الأرقام دون تحقيق القيمة الاقتصادية الفعلية التي يُفترض أن تعكسها. فعندما تصبح النتائج النهائية مثل خلق الوظائف للمواطنين وزيادة القيمة المضافة هي الأساس، تتجه الجهود بطبيعتها نحو تحقيق الهدف الاقتصادي، لا مجرد إرضاء المؤشر.
التوطين
وضعت الرؤية التوظيف وتخفيض نسبة البطالة ضمن أهم الأهداف، وكان رقم 7% أو أقل لبطالة المواطنين يُذكر دائمًا، وقد حُقِّق بعد أن كان يتجاوز 11% في وقت سابق. كما تحدث ولي العهد سابقًا أن الهدف الأول هو خلق وظائف وتقليص معدلات البطالة، لكن الهدف الذي يليه هو رفع مستوى الوظائف للمواطنين، فهناك إدراك كامل لأهمية هذا الملف وحساسيته.
وفي توقعي، سيكون هناك تركيز أكبر في رؤية 2040 على كل ما له علاقة بالتوظيف والتوطين، وإذا كانت لي مساحة لأضيف بعضًا من أمنياتي، فهي أن يعامل الملف على أنه أولوية اقتصادية وليس مجرد جانب مجتمعي يجب تحقيقه. ما أقصده: بالإضافة إلى الحرص على أن يحصل أبناؤنا وبناتنا على فرص وظيفية، أرى أن يُعامل هذا الملف كواجب أخلاقي ووطني، كأنه تكلفة وعبء في رحلة التنمية الاقتصادية.

ولذلك نرى القطاعات التي تطالب بإعفاءات من متطلبات التوطين زعمًا منها أن ذلك يحفز القطاع ويجذب المستثمرين، ولكن في الواقع: أي قطاع لا يوفر فرصًا وظيفية للمواطنين برواتب مجزية هو قطاع غير جذاب وعبء اقتصادي يأخذ اكثر مما يعطي.
بناء قاعدة استهلاكية وقوة شرائية محلية، واستقلالية إنتاجية وفنية بأبناء البلد هي مكاسب اقتصادية وقوة للسوق المحلية، لذلك يجب أن يكون تقييم أي قطاع بقدرته على خلق وظائف مجزية بمختلف المستويات للمواطنين. وارتفاع الدخل هو مكسب يقابله قوة استهلاكية داعمة وليس مجرد تكلفة.
وعليه، أتمنى في رؤية 2040 أن يكون المؤشر الأساس هو عدد الوظائف وإجمالي الرواتب للمواطنين لقياس التنمية في أي قطاع، وبذلك سيوظف قياس الناتج المحلي معايير للجودة في جوهره، وكذلك الاستدامة، لأنه مبني على تكلفة واقعية، وسيكون أثره في باقي القطاعات إيجابيًّا؛ يرتفع الطلب على الإسكان وتقل الحاجة إلى الدعم الحكومي، وتتحسن أرقام السياحة والترفيه بسبب الإنفاق المحلي وغيره.
ختام
قد تكون النقاط السابقة بمثابة قائمة الأمنيات التي، بإذن الله، ليست بعيدة المنال في ظل الحراك الطموح والقيادة الفذة الحكيمة التي تتمتع بها مملكتنا الغالية، وهي أيضًا تنبع من جانب اطلاعي والملفات التي تشكل أولوية لدي. لكني متأكد أن هناك عددًا كبيرًا من المفكرين والقادة ورواد الأعمال الذين لديهم طموحات في مجالات مختلفة ومهمة، مثل التعليم والصحة والدفاع وملفات التجارة والابتكار والتقنية وغيرها. وأتمنى أن نشاهد في المرحلة القادمة مشاركة جميع أطياف المجتمع، حتى الطلاب في المراحل الابتدائية، في عملية الإدلاء بالآراء والأفكار لتشكيل المرحلة القادمة من التنمية. فمهما كانت بعض المقترحات غير منطقية أو متعارضة مع أهداف أخرى، إلا أن المساهمة والزخم المجتمعي يجعلنا نستشعر المسؤولية، ونشعر بأننا جزء من هذه المنظومة ونجاحها هو نجاح لنا جميعًا.
فقرة حصريّة
اشترك الآن


تناقش حلقة «لماذا يجب على الحكومة الخروج من السوق» من بودكاست فنجان، مع ضيفها الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد آل جابر، ضرورة تحديد التدخل الحكومي في الأسواق، سواء عبر التشريعات أو العمل المباشر داخل السوق.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.