لماذا نستورد مشكلات غيرنا وحلولهم؟

استيراد أهل الإسكيمو نخيلنا ليبنوا بها بيوتًا تزيد بردهم، واستيرادنا بيوتهم المعزولة لتزيد حرّنا، هو مثل استيراد الحلول والمشكلات!

من المعضلات التي نعيشها في كل مجال، إدمان استيراد الحلول من الخارج، دون مقارنة أسباب مشكلتنا المحلية مع أسباب المشكلة الخارجية التي دعتهم بالأصل لابتكار الحل الذي استوردناه.

وهذا الاستيراد قد يحصل بإدمان المقارنات المعيارية (Benchmarking)، والاعتماد الكامل على العقول الأجنبية الاستشارية.

ما الضرر؟

المشكلات حول العالم قد تتشابه، بل وتتطابق، إلا أن أسبابها يندر أن تتشابه؛ واختلاف الأسباب يعني حتمًا اختلاف الحلول، ولو جزئيًّا.

إضافة إلى أن بعض المشكلات المحلية قد لا يواجهها الآخر أصلًا، وبذلك لا يوجد حل خارجي يمكن استيراده. أما العقل الاستشاري الأجنبي، فسيتخيل -تلقائيًّا- كما لو أن المشكلة حدثت في سياق بلده وبيئته، ثم يفكر في الحل على هذا الأساس.

غير أن تطابق المشكلات وأسبابها، لا يعني بالضرورة مناسبة حلها لسياقنا المحلي، سواء الاجتماعي أو الاقتصادي أو غيره. وقبل كل ذلك، علينا أن نتحقق أصلًا من نجاح الحل الذي نريد استيراده عند من نقتبس منه.

علاج هذه المعضلة أن نفهم -نحن لا الأجنبي- مشكلتنا المحلية وأسبابها بعمق، وحينها سنكون أمام حالتين:

  1. مشكلتنا فريدة محليًّا ولا يواجهها غيرنا؛ ولا مناص في هذه الحالة من أن نبتكر نحن الحل.

  2. تتشابه مشكلتنا مع أخرى في الخارج؛ وهنا لنقيِّم أولًا تشابهها الفعلي والعميق (أي تشابه الأسباب) مع مشكلتنا، ولنقيِّم نجاعة حلهم في علاج مشكلتهم، ومناسبة ذلك الحل لسياقنا المحلي، ثم وفقًا لهذه المعايير نستورد القدر المفيد، على أن نَجبر الباقي بابتكارنا وتعديلنا.

‏لا ينفي هذا النموذج قيمة المقارنات المعيارية أو فائدة العقول الخارجية، إنما يوظِّفهما بوعي وحكمة.

و‏ليس هذا النموذج جديدًا، بل هو ببساطة واقع كل حضارة متقدمة في قدرتها على حل مشكلاتها وتوسيع حدود العلم. وحضارتنا العربية الإسلامية في ذروة تقدمها العلمي كانت مثالًا على ذلك، والحضارة الأمريكية المعاصرة كذلك مثال على ذلك.

في مقالة هذا العدد، يستعرض عبدالله بن حمدان مفاهيم استيراد المشاكل والحلول، ويحلِّل مختلف زواياها.

قراءة ماتعة!

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

لماذا نستورد مشكلات غيرنا وحلولهم؟

د. عبدالله بن حمدان الحجيلي

الأصل أن جميع بني البشر متشابهون في كل أحوالهم لتشابه أجسادهم وحاجاتهم. فلا فرق بين شرقي وغربي، ولا فرق بين رجل عاش قبل ألف عام وآخر يعيش بعده بألف عام. وهذا الأصل في كل نظام في الطبيعة، إذا تشابهت الحالات الأولية لنظامين فسيسلكان المسار نفسه ويصلان إلى النتيجة نفسها. لكن الفارق في حالنا أن تحديد مسار البشر يتأثر بالبيئة والثقافة كما يتأثر بالجسد.

فالناظر في أحوال الناس يجد أهل الثقافة والبيئة الواحدة تتشابه مشكلاتهم وحلولهم، وتختلف إن اختلفت ثقافاتهم. فلو تأملت الناس في بادية الحجاز، وأهل ريف اليابان، وأهل بلاد الإسكيمو، لوجدتهم يتشابهون ويختلفون. فكلهم مثلًا يتشابهون في البحث عن مأوى يقيهم بأس طقسهم، لكن أهل الصحراء يتقون بأس الحر باتخاذهم من الطين وسعف النخل بيوتًا، وأهل اليابان، لشدة أمطارهم وكثرة زلازلهم، يستعملون ما خف من أعواد الشجر في أرضهم فيبنون بها بيوتًا عالية منيعة على الماء الجاري تحتها، وأهل الإسكيمو يبنون من مكعبات الجليد بيوتًا تحفظ حرارتهم فتمنعهم بأس البرد.

لكن أرأيت لو أن أهل الإسكيمو استوردوا النخيل من ديارنا ليبنوا بها بيوتهم، أو أن أهل الجزيرة شحنوا الجليد من تلك البلاد ليبنوا به بيوتًا تقيهم برد الصحراء، أكان ذلك ينفعهم؟ هذا هو مَثل استيراد الحلول واستيراد المشكلات. ولا أظن أحدًا سيفعل هذا لأن الاختلاف ظاهر وعدم جدوى الحل بيِّن، لكن لمَّا يكون الاستيراد استيراد أفكار وثقافات وفلسفات، يختلط هذا على الناس فيهون أمرها عندهم ولا يجدونه مثل «جلب الجليد إلى الصحراء».

والاستيراد نوعان: استيراد من ثقافة أخرى، واستيراد من الماضي. الأول سنذكره في المقالة ونغلِّب فيه ذكر استيراد الحلول من الغرب خاصةً لأنه الأغلب. والثاني هو الاستيراد الخاطئ من ماضي ثقافتنا والتراث دون تحكيم للعقل.

معيار الاستيراد المقبول

عند فيلسوف الإسلام طه عبدالرحمن مبدآن هما قوام نقده وفلسفته: 

المبدأ الأول: كل منقول من غيرنا معترض عليه، حتى يقوم الدليل على صحته.

المبدأ الثاني: كل مأصول وجدناه عندنا مقبول، حتى يقوم الدليل على بطلانه.

فالأول في حالة مقالتنا يجعل كل استيراد من ثقافة أخرى مذمومًا، حتى تثبت حاجتنا إلى هذا الحل المستورد ثبوتًا يصدِّقه الدليل. والمبدأ الثاني يُلزمنا أن نكون امتدادًا لثقافتنا وتراثنا، وألَّا نترك شيئًا حتى يثبت بالدليل أنه باطل لا نفع منه.

مدار المبدأين كليهما أن المؤمن متبع للحق حيث وجده، وهو أحق الناس باتباع الحق، ومنه حديث «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها»، وإن كان الحديث ضعيفًا لا يثبت، لكن معناه موجود في الحديث الصحيح لصيام عاشوراء: (لَمَّا قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ واليَهُودُ تَصُومُ يَومَ عاشُوراءَ، فَسَأَلَهُمْ، فقالوا: هذا اليَوْمُ الذي ظَهَرَ فيه مُوسَى علَى فِرْعَوْنَ، فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: نَحْنُ أوْلَى بمُوسَى منهمْ فَصُومُوهُ). فالمؤمن عبد للحق جل وعلا، وكل حق أخذ حقه من الحق تعالى، لذلك هو أولى الناس باتباع الحق ما دام البرهان قد وصل إليه.

قد يعترض معترض على المبدأ الثاني ويقول: إننا في عصر غير عصرهم فلا حاجة لنا بهم والأجدر أن نرمي الماضي وراء ظهورنا ونبدأ من جديد. هذا قول منتشر عند دعاة التحديث والحداثة، وإن كان منطلقه التشبُّه بالغرب الغالب لا اتباع البرهان. ومن كان هذا فكره فسيستحيل عليه أن يأتي بحلول وأفكار متسقة. لأننا لمّا نقرر اتباع الأصل لا نقرره لأن للماضي سلطة على الحاضر أو رميًا لمشكلاتنا عليهم، بل لأن الماضي زمن طويل جدًّا تعاقبت وتعاونت فيه أجيال كثيرة، وكل جيل يصقل ويهذِّب عمل من كان قبله، ونتيجة هذا التعاقب تجعل من حلهم وفكرهم أقرب إلى الحق وإلى روح الثقافة.

خذ مثالًا عليه نقد الأحاديث والتأكد منها. كل مسلم بداهةً يُعظِّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعظِّم أقواله، وهذا اتباع لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول}. في هذه الحالة نحن بين أمرين: إمَّا أن طاعة الرسول ممكنة، وعليه فالله مكَّننا من أدوات تقيِّم الأحاديث صحيحها من ضعيفها، وإمَّا أنه تعالى كلَّفنا ما لا نطيق. ولا يخفى بطلان الثاني فبقي الأول. فالسؤال الآن: ما هذه الأدوات؟ وكيف نفرّق بين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقول غيره؟

هذه المشكلة ليست حادثة في عصرنا، بل وُجدت في أول عصور الإسلام. والمتتبع لعلوم الحديث يجد أن حل هذه المشكلة لم ينضج في أول يوم ظهرت فيه، بل يحل كل جيل جزءًا منها، ثم يأتي الذي بعده فيكمل على من كان قبله ويؤسس العلوم وينقد الرجال، ثم يأتي بعده من يصنف المصنفات ويجمع الصحيح، ثم يأتي من يجمع السنن، وهكذا حتى اكتمل لدينا اليوم علم ضخم من أضخم علوم الدين قاطبة هو علم الحديث وما تحته من علم الرجال والجرح والتعديل وغيرها. كل هذه الأجيال والعلوم لتحديد إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قال هذا الحديث أم لم يقله.

فالرجل في حالتنا الأولى، الذي أراد أن يرمي الماضي وراء ظهره، لن ينتفع بهذه المدونة الضخمة لعلوم الحديث، لأنه بانقطاعه عن الماضي انقطع عنه كل سبيل يستطيع منه التأكد من أي قول لرسول الله. فكيف تجمع كلام أحد بينك وبينه ألف سنة إذا رميت كل الوسائط بينك وبينه وراء ظهرك؟ لذلك سيبحث عن الحل من خارج هذه الثقافة، وهكذا بدأ مذهب «إنكار السنة» الذي ترك كل هذا الإرث وأخذ يبحث في ما قاله المستشرقون وغيرهم في إنكار الأحاديث، فجاء بدين هجين ليس من الإسلام في شيء.

قارن الآن ما فعله علماء الإسلام لمَّا كانوا امتدادًا لثقافتهم وحضارتهم حتى صاروا بناة متسقين ومؤسسين، قارنهم بمنكري السنة الذين هم هادمون ولا يشبهون شيئًا من ثقافتهم. كلهم وجدوا المشكلة نفسها (نقد الحديث) ولكن الأول بنى مستعينًا بعقله وأصله وعمل من كان قبله، والآخر هدم مستعينًا بثقافة قوم آخرين.

الاستيراد الخاطئ من الأصل

مع أن المبدأ الثاني يقرر اتباع الأصل، إلا أنه يشرطه بانعدام الدليل المبطِل. وأكثر الاتباع الخاطئ للماضي والتراث هو عند إهمال هذا الشرط. فقد يحصل أن يكون رأي أو حلٌّ في الماضي معتبرًا ومنتشرًا ثم يظهر لنا اليوم دليل بطلانه، فلا ينبغى حينها المكابرة بل التسليم للحق. 

لعل من أكثر النقاشات التي تُجرُّ فيها أقوال العلماء اليوم هو الكلام في تسطح الأرض وكرويتها. والاستشهاد بالأصل يكون من الطرفين، القائل بالتسطح والقائل بالكروية. فالقائل بالكروية يستشهد بكثرة من نقل الإجماع من علماء الإسلام على كروية الأرض، على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير غيره. لكنك لو رجعت إلى بعض علماء الإسلام تجد فيهم من قال بالتسطح ودلَّل عليه.

ونحن اليوم في زمن ظهر فيه القول بالتكوّر ظهورًا قاطعًا لا شك فيه من عشرات الطرق النظرية والتجريبية، فاجترار أقوال السابقين وهم ما علموا معشار ما علمنا، فيه تقليد يذمه الله ورسوله. ولست أشك أنه لو عاش عالم من علماء الإسلام القائلين بالتسطح في عصرنا لما وسعه إلا أن يقول بالتكوّر. 

ومن الاستيراد المذموم من الماضي، استيراد المناظرات والردود على الفرق والمذاهب. فتجد الخطيب يخطب في ملأ أكثره من العوام، فينقد الجهمية ويرد على المعتزلة وينفي أقوال المرجئة وغيرها من المذاهب التي لا يعرفها الناس اليوم إلا من قرأ في الكتب أو تعرّض لمن بقي من هؤلاء ويقول بقولهم، ويترك مذاهب هذا العصر العقدية والفكرية.

ويشبه هذا استيراد من الماضي القريب في تصدي أهل مصر للدعوة إلى اعتماد العامية بدلًا من الفصحى. ومن قرأ في حال المستشرقين والمستعمرين ومن حذا حذوهم في القرون القريبة وجد هجومًا كبيرًا لإبعاد العرب عن فصحاهم، ومن أراد التفصيل فليقرأ كتاب «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر». هذه مشكلة كانت في زمن وسياق بعيد عن حالنا، وقد انبرى لها من نصر الله بهم اللغة.

لكن العامية اليوم، أخص عامية أغلب أهل جزيرة العرب وخصوصًا السعودية، لا ينطبق عليها أكثر الضرر المذكور في معركة أهل مصر في القرن الماضي. بل تضررت الفصحى ضررًا عظيمًا بسبب إهمال العامية والخوف منها ونبذها وتحقيرها، ومن ذلك انعدام المفردات الجديدة في الفصحى أو قلَّتها، لأن إهمال العامية يجفف أكبر منبع يغذِّي اللغات: مفردات الناس في عامة حياتهم. وممن انبرى للدفاع عن مفردات العامة في عصرنا الدكتور عبدالرزاق الصاعدي. ولا يُفهم من كلامي مساواة العامية بالفصحى، بل رفع لمنزلتها في أعين اللغويين حتى تكون في منزلة تنتفع منها الفصحى.

ومن الأمثلة على الاستيراد المذموم من الماضي تحليل أحداث اليوم في الحروب والسياسة والاقتصاد تحليلًا معتمدًا على أحداث في تاريخنا بحجة أن التاريخ منبِّئ بالمستقبل. فتجد رجلًا ينقد دولة في سياستها ويطلب نقض العهود والمواثيق مستشهدًا بحالة كانت في تاريخ مضى وسياق لا يشبه سياقنا في شيء. أو آخر يلوم الأنظمة الاقتصادية المعقدة في عصرنا ويقارنها بأنظمة القرون الخالية. ومنه نقد أنظمة الدولة الحديثة ومقوماتها، كنظام الحدود بين البُلدان أو نظام الإقامة وغيرها.

الاستيراد الخاطئ من الغرب

المبدأ الأول يعمم الاعتراض على كل منقول من أي ثقافة غيرنا، لكني سأخص الحديث هنا عن المنقولات من الغرب لكثرتها. والأسباب تتعدد للأخذ منهم، فقد يظن المستورد أن الحلول واحدة فما نفع عندهم سينفع عندنا، ويتوهم وجود «الثقافة العالمية»، وبعضهم يفضِّل الاستيراد لأنه أسرع حلًّا من أن ينظر في ثقافته ويُعمل فكره حتى يأتي بشيء متسق مع ثقافته. وقد يكون تأثرًا بالغرب الغالب، وكما عند ابن خلدون فإن الأمم المغلوبة من عادتها أن تتبع الغالب في كل أمره تشبهًا به وتيمنًا بتحصيل أسباب الغلبة، لأنها تظن أنه ما وصل إلى الغلبة إلا لأن فيه هذه الخصال. 

  1. استيراد الفكر

التأثر بالغرب بسبب الانبهار والغلبة تجده كثيرًا عند المثقفين والمفكرين، الذين يُفترض أنهم أولى الناس بالإبداع ونبذ التقليد. تأمل مثلًا هذين القولين (وقائلاهما من أشهر مفكري القرن الماضي):

  • في معرض الكلام عن الحضارة والسبيل إليها، يقول طه حسين إنه «يجب أن نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة.»

  • وإذا فتحت كتاب «اليوم والغد» لسلامة موسى تجد أول جملة في المقدمة يقول فيها «يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوروبا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له... وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأني منها.» 

وحتى نقد الدين، تجد أكثرهم ينسخ ما فعله الأوربيون ويتتبع مناهجهم نفسها، اللهم إلا أنه يبدل بكلمة «المسيحية» الإسلام وبـ«الكتاب المقدَّس» القرآن ثم ينقل من عندهم إلينا. ولو نظرت إلى مشروع أكبر متزعميهم، محمد أركون، لوجدت شيئًا من هذا ظاهرًا في أن ما انطبق على الإنجيل سينطبق على القرآن. حتى قال، في معرض الثناء، تلميذه هاشم صالح الذي ترجم له أغلب كتبه ولازمه طيلة حياته: «إن ما يفعله أركون بالنسبة إلى التراث الإسلامي يشبه إلى حدٍّ بعيد ما فعله علماء أوربا ومفكروها بالنسبة إلى المسيحية.»

وما دمنا في الفكر واستيراد الأفكار والأيديولوجيات، فلا ينبغي تجاوزه دون ذكر أيديولوجيات الانتصار للجنس: النسوية والذكورية. بادئ بدءٍ، لا ينكر عاقل ما وقع على كثير من النساء من ظلم وتعدٍّ من فجر التاريخ في كل الثقافات. ولعلم رسول الله باستمرار هذا الظلم حرَّص فقال: «استوصوا بالنساء خيرًا»، وقال: «اللهم إني أُحرِّج حق الضعيفَين: اليتيم والمرأة» وغيرها من الأحاديث. ولا تجد ثقافةً أرادت نشر العدل بين الناس إلا تكلمت في العدل في حق المرأة، على رأسهم في المأصول الثقافة الإسلامية، وفي المنقول الثقافة الغربية.

ففي الغرب لمَّا رأوا ما نزل على المرأة من ظلم من رجالهم وأنظمتهم، خرج مفكروهم فكتبوا في الانتصار للمرأة مستعينين بثقافتهم وما بُني عندهم من فلسفات عصر الأنوار وحقوق الإنسان وغيرها، فخرج عندهم بناء محكوم متسق مع ثقافتهم. بل وسهل حتى القياس منه والتطوير عليه ليلائم نوازلهم في الأقليات كالشذوذ وتغيير الجنس وغيرها، لأنها منطلقة من المسلَّمات الثقافية نفسها المعتمدة عند غالبهم. والحديث في تفاصيلها طويل مستفيض وما هذا أوانه.

فالخلل الآن حين تُهمل كل الحمولات الثقافية في أيديولوجية ما، وتستوردها دون أن تفكر في أمرك أنت وثقافة قومك. ولأن حل الاستيراد أسهل وأقل عملًا من التفكير من داخل الثقافة والبحث عن الاتساق مع الثقافة، استورد المناصرون لقضايا المرأة أفكار النسوية بما فيها من منطلقات. ولا يُنكر منصف أن استيراد النسوية حلَّ بعض مشكلات المرأة ومظالمها عندنا، لكنه حلٌّ أشبه بتفجير مبنى لمشكلات الحشرات والبعوض، فلن ينكر أحد أن الحشرات قد ماتت لكنه على حساب المبنى (أو المجتمع في حالنا). ثم جاءت فئة من الناس واستوردت أفكار معادي النسوية في الغرب: مذاهب الذكورية وأفكارها، فصرنا نسمع بأصحاب الحبة الحمراء وهجومهم الشديد على النساء. وكلتا الطائفتين تستعين بالقرآن والسنة والتراث، وليس هذا احتكامًا للشرع وطلبًا لرأي الدين، بل هو إلباسٌ للحل المستوَرد لباس الشرع حتى يُرى أنهم متسقون مع ثقافتهم. 

  1. استيراد الزينة

ومن الاستيراد الخاطئ اجتلاب مناسبات الغرب وأفراحهم واتباع زينتهم في رموزهم. من ذلك مثلًا أن صار لون الشتاء عندنا الأخضر والأحمر، ورموزه رجل الثلج وخبز الزنجبيل وغيرها، وهذه كلها من آثار الكرسمس وزينته. وتجد الواحد يعتمد هذه الرموز للشتاء وهو ما رأى الثلج يسقط حتى يبني به رجل ثلج، ولا ذاق خبز الزنجبيل. وليست رموز الصيف ببعيدة عن الشتاء؛ انظر إلى أي إعلان يحتفل بالصيف تجده يُظهر شاطئًا فيه كرسي استلقاء مع مظلة وكرة ملونة بجانب نخلة جوز الهند، وكأن معرفة الصيف عندنا تشابه غيرنا في التشمُّس والاستلقاء على الشواطئ.

ومثله استيراد اللباس، خصوصًا إذا كان اللباس جزءًا من منظومة مستوردة أصلًا. من ذلك مثلًا المطاعم الفارهة الفاخرة، تجد أصحابها يفضِّلون لو لبس المشتغلون والنُدل البِذلة والكرفتة وأمثالها لأنها في نظرهم أقرب إلى الفخامة. وانظر إلى لباس مضيفي ومضيفات الطائرات، لا تجده يشبه شيئًا من لباس أهل البلد، بل كثير منه مستبشع عند عامتهم، ومقبول عند عامة الناس في الغرب.

  1. استيراد الحل المجرَّد

قد يكون عند الغرب حل جميل نافع، لكننا إذا استوردناه واختلط بحياة الناس والمجتمع ظهرت منه مشكلات ليست عندهم ابتداءً. من ذلك مثلًا تغير نظام التعليم؛ يكبر الطفل فيدخل الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية، حتى إذا تخرَّج بعد اثنتي عشرة سنة دخل الجامعة ودرس ما شاء الله له أن يدرس سنينًا عددًا، ثم إذا قارب عامه الخامس والعشرين خرج إلى السوق يبحث عن رزقه.

ولهذا أثر كبير في الناس، ألا وهو تأخر سن الزواج. لأن الرجل لا يبدأ جمع المال إلا في نصف عمر الشباب بعد التخرج، ولأن تكاليف الزواج صارت ضخمة، فسيُضطر حينها إلى الانتظار سنينًا وهو يجمع حتى يكون عنده ما يكفيه للزواج. هذا غير أن دراسة الجامعة فيها من التعب والشغل ما يجعل الرجال والنساء يؤجلون الزواج إلى بعد التخرج حتى يتفرغوا له. هذا كله مع أسبابٍ اجتماعية واقتصادية أخرى تؤخر سن الزواج حتى تقارب الثلاثين.

ولو نظرت إلى الناس في الغرب مثلًا، لرأيت هذه المشكلة محلولة عندهم، لأن بديل الزواج حاضر ومنتشر وأقل منه همومًا ومسؤوليات: المواعدة واتخاذ الأخدان. فتجدهم يبدؤون هذا من أول بلوغهم وهم في المدارس، يتواعدون ويتعارفون ويجربون بعضهم، فيكبر الواحد فيهم وهو قد أمَّن حاجاته واستقرَّت شهواته. وهو حلٌّ يتماشى مع حال الجامعة والدراسة، كأنه خُلق له، أو كأن الدراسة خُلقت له.

بداهةً، لست أدعو إلى استيراد حلهم، ولا قولي نقد لنظام التعليم ومحاولة لنبذه، بل هو ذو نفع عظيم. لكنه مثال يُظهر لك أن الحل الذي تظنه مجردًا (إلزام الناس بالدراسة وربط الوظيفة بها) قد ينتج عنه ما لا يتوقعه المرء من مشكلات.

أثر الاتساق مع الثقافة

طبيعة الإنسان أنه إذا فكر لم يخرج عن بيئته وثقافته إلا قليلًا، ما لم يكن متأثرًا بشيء من خارجه. لذلك ترى كثيرًا من المخترعات والنظريات في العلوم تأثرت بثقافة صاحبها، أو لم تخرج إلا لأن العالم والمخترع نظر حوله أولًا.

فالطابعة التي يُؤرَّخ بها لشدة ما غيَّرته في العالم، ما كانت لتُخترع لولا أن مخترعها، قوتنبرق، تأثر بصناعة الخمور وكثرة الآلات الضاغطة للعنب في بلاده، فأخذها وعدَّل عليها وجعلها تضغط الحبر والورق فجاء باختراع غيَّر العالم من بعده.

ومثله أويلر الذي وضع علمًا عظيمًا في الرياضيات، علم البيان، والذي ما حمله عليه إلا تعمُّقه في جسور مدينة كونقسبرق، وآينشتاين الذي تأثر بفلسفات عصره كفلسفة ماخ وهيوم فجاء بالنسبيتين، وجون سنو الذي تتبع حالات الكوليرا في لندن حتى وجد مصدرها في مضخة في أحد شوارع لندن، فأثبت حينها تناقل الميكروبات بالماء وبدأ عصر جديد لدراسة الأمراض والجراثيم.

والخوارزمي الذي جاء بعلم الجبر فصارت الرياضيات بعده ليست كما كانت قبله، ولولا الجبر لما كان عندنا ذكاء اصطناعي ولا أكثر علوم اليوم، تجده في مقدمة كتابه يقول إنه ألَّفه «لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم.» ثم أخذ يضرب الأمثال في أحكام الميراث ويحل مسائله. فهو نظر في نفسه وقومه ووجد مشكلات حساب الورث والوصايا فاستعمل علمه ليحل هذه المشكلات وألَّف كتاب «الجبر». وقد استورد أهل أوربا فكر هذا الكتاب وتفاصيله الرياضية، لكنهم تركوا ما لا حاجة لهم به كتقسيم الورث في الإسلام.

وهذا الذي ينبغي عند الاستيراد؛ أن تأخذ الحق المشترك وتترك الشيء المرتبط بثقافتهم. وهذا الحق المشترك هو الذي يسميه الفيلسوف طه عبدالرحمن «العبارة»، أمَّا الشيء الخاص بثقافة أهله فيسميه «الإشارة»، ثم يقول منتقدًا فلاسفة العرب المقلدين:

«فلمَّا لم يتفطن متفلسفة العرب على وجه العموم إلى وجود الإشارة في سياق العبارة داخل النص الفلسفي الغربي... جاؤوا بفلسفة فيها من الخصوصية الغربية على قدر ما فيها من العمومية العقلية.»

ولنا في علماء الإسلام أسوة حسنة، إذ أخذوا كثيرًا من علوم الفلك من اليونان، لكنهم تركوا التنجيم الذي فيها واستخلصوا الحسابات والنظر الفلكي منها، ثم زادوا عليها ووسعوا في العلم زيادة ما كانت موجودة في العلوم الأوربية والهندية لاختلاف الحاجات، مثل علوم الميقات، وتطوير الاسطرلابات لحساب اتجاه القبلة، وتحديد موقع ولادة القمر وزمانه لمعرفة دخول الشهر، وحساب مواقيت الصلاة، وغيرها. كل هذه ما كانت لتخرج عند الأوربيين لأنهم لا يجدون هذه الحاجات في ثقافتهم ولا في حاجات أهلهم.

لذلك لا تنتظر أن يأتي أحد من خارج بيئتك وثقافتك ليحل لك مشكلاتك، وهذا لسببين: الأول، أنه لا يعلم أصلًا بوجودها لأنه لم يعايشها فيشعر بها. والثاني، أنه حتى لو علم بها فسيكون حلُّه ناقصًا لأنه لم يُحط علمًا بالثقافة وما ترتضيه وما تمنعه. وهذه ميزة لأهل الثقافة لا يعادلها شيء؛ فحين تكون أنت أعلم بأمر نفسك وقومك وحاجاتكم، فهذا يعني أنه لن ينافسك أحد من الخارج، فتخلو الساحة لك من المنافس الأجنبي، وحتى لو دخل فسيكون عالة عليك مسبوقًا منك مقلِّدًا لك.


ما تحتاج كُتب وجلسات طويلة لتقرأ،

جرب تقرأ مع «مشروع ق.ق» التابع لمبادرة «الأدب في كل مكان».

للمزيد: «اضغط هنا». 📚


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

آلة زمن للكتب: من سنوات إلى ساعات!

كم مرة وقفت أمام رفوف المكتبة وتأملت سلسلة «أحمد أمين» الشهيرة؟ تلك المجلدات التي تبدأ بفجر الإسلام وتنتهي بيومه، كانت دائمًا توحي بالهيبة والعمق مما يجعلك تضعها في قائمة المحذوفات المؤجلات.
إن لم تسمع بالسلسلة من قبل، فقد يتبادر في ذهنك سرد تاريخي للمعارك والفتوحات، إلّا أنها كنز يفصّل سيرة العقل العربي عبر التاريخ، في عشرين عامًا من البحث، يقتفي الكاتب أثر العقل العربي وتطوراته منذ الجاهلية حتى اليوم!
والمسلم اليوم، وفي عصر راديو ثمانية، يمكنه سماع السلسلة كاملة صوتيًّا، في تطبيق يمنحه التجربة الأفضل، حيث تضيف كتابك إلى الطابور وتعود إليه لتجده حيثما توقفت، مع عديد من المزايا التي تسهّل عليك سماع السلسلة في أي وقت، وكل مكان.


لو كانت كلمة عربية ما أقرب إلى معنى ظاهرة علمية، لمنعنا أنفسنا منها لأن الإنقليزية ليس فيها مرادف لتلك الكلمة العربية!

في مقالة «كلمات العربية أصبحت تتشبه بالإنقليزية»، ينقد عبدالله بن حمدان وأمجاد بنت عودة الاستعارات العمياء من الإنقليزية في توصيف المعاني العربية وبناء جملها، رغم غنى العربية بل وتفوّقها في دقة الوصف وشموله.


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+30 متابع في آخر 7 أيام