السبب الثقافي لتكرار الخلاف السعودي المصري
لماذا لا يفهم السعودي والمصري بعضهما؟ وهل نتوهّم التقارب الكامل؟

يعيش الشرق الأوسط صراعات لا تهدأ، وتطورات لا تتوقف، وأحداث تتلو بعضها. وفي خضمّ ذلك كله، دائمًا ما تعود العلاقة السعودية المصرية إلى الواجهة بوصفها علاقة بين فاعلين بارزين ووازنين في الشرق الأوسط، عطفًا على زخمهما السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
يقول الدكتور مأمون فندي، كاتب مقالة هذا العدد، إن هذه العلاقة معقدة أكثر مما يظن العموم، وإن عدم إدراك هذا التعقيد يُنتج الفجوات الثقافية التي قد تثير الخلاف البيني.
في مقالة العدد، يضع الدكتور مأمون إصبعه على مكمن تلك الفجوة، ويقترح أدوات ردمها.
قراءة ماتعة.
عمر العمران

.png)
السبب الثقافي لتكرار الخلاف السعودي المصري
مأمون فندي
تعاني العلاقات الثقافية بين مصر والمملكة العربية السعودية مما يمكن تسميته بـ«وهم القرب». وهو وهم لا يُنتج بالضرورة تفاهمًا، بل كثيرًا ما يفتح بوابات سوء التأويل والتنميط المتبادل، ويُنتج شكلًا من أشكال «الاستشراق المحلي» داخل الفضاء العربي نفسه. فالقرب التاريخي، بدل أن يكون مدخلًا للفهم، يتحول أحيانًا إلى ذريعة لتجاوز الشرح، وافتراض المعرفة، والركون إلى صور ذهنية جاهزة.
ينبع هذا الوهم من اعتقاد راسخ لدى الطرفين بأن القرب الجغرافي والتاريخي واللغوي يُغني عن الترجمة الثقافية. فالمصري يرى السعودية امتدادًا مفهومًا لا يحتاج إلى تفسير، بينما يفترض السعودي أن مصر، بثقلها الرمزي والتاريخي، تعرف كيف تُقرأ الإشارات وتُفهم الرسائل. النتيجة ليست قطيعة مباشرة، بل تراكم صامت من الالتباس؛ التباس لا يُقال، لكنه يتراكم في الوعي والسلوك والخطاب.
وإذا كان ثمة مدخل لمعالجة هذا الخلل، فهو لا يمر عبر «تصفية النوايا» ولا عبر لغة «الأشقاء» المريحة، بل عبر الاعتراف الصريح بأن الطرفين يتحدثان لهجتين ثقافيتين مختلفتين داخل اللغة العربية نفسها، وأن أيَّ شراكة لا تقوم على قاموس مشترك محكومٌ عليها بسوء الفهم مهما حسنت النيات. إنها، بتعبير قرآني، أزمة «ظلمات بعضها فوق بعض»، لا يخرج منها المرء إلا بلحظة اعتراف: «إني كنت من الظالمين». الاعتراف هنا ليس أخلاقيًّا، بل معرفي؛ وهو نقطة البداية لأي تعافٍ ثقافي.
هذه المقدمة ليست ترفًا نظريًّا، بل ضرورة سياسية وثقافية. فمصر والسعودية تمثلان ركيزتين أساسيتين في معادلة الأمن القومي العربي، ورافعتين مركزيتين في تشكيل الوعي والثقافة والدين في محيطهما. وعليه، فإن تبعات وهم القرب لا تكون هامشية، بل قد تتحول إلى عوائق بنيوية في مسار العلاقة، بما يستدعي نقاشًا جادًّا يليق بثقل الدولتين وتاريخ العلاقة بينهما.
من المفارقات المعروفة في العلاقات الدولية أن القرب لا يصنع بالضرورة فهمًا، وأن اللغة المشتركة لا تحمي من التنميط، وأن التاريخ المتداخل قد يتحول إلى عبء بدل أن يكون رصيدًا. فالعلاقات الفرنسية - الإنقليزية، مثلًا، قامت قرونًا على التنافس وسوء الفهم رغم الجوار الجغرافي. غير أن النموذج الأقرب لتفسير الحالة المصرية - السعودية هو العلاقات الإنقليزية - الأمريكية: وحدة اللغة، وتشابك التاريخ، وتحالف استراتيجي طويل، ومع ذلك لا يخلو المشهد من سوء فهم متكرر.
وليس هذا الطرح إنشائيًّا أو تجنيًّا. ففي عام 1961، زار رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان واشنطن في زيارة رسمية، فأُرسل لاستقباله مسؤول عادي، على اعتبار أن العلاقة «خاصة» وقريبة ولا تستدعي بروتوكول زيارة دولة كاملة. غير أن لندن رأت في ذلك تقليلًا من مكانة رئيس وزرائها، الذي لا يقل -في التصور البريطاني- عن الرئيس الأمريكي من حيث تمثيل الدولة وهيبتها. القرب هنا لم يُلغِ الحساسية، بل فاقمها.
-(1).png)
الأمر ذاته يمكن ملاحظته في العلاقة الشخصية الدافئة بين ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت، علاقة كانت تخفي تحت سطحها اختلافًا جذريًّا حول فكرة الإمبراطورية. تشرشل كان يرى الإمبراطورية جوهر الهوية البريطانية، بينما رأى روزفلت في تفكيكها ضرورة أخلاقية وتاريخية. ظل هذا التناقض مكتومًا حتى انفجر سياسيًّا في أزمة السويس عام 1956، حين وقفت الولايات المتحدة عمليًّا إلى جانب جمال عبدالناصر ضد العدوان الثلاثي. كل ذلك جرى بين حليفين يتحدثان اللغة نفسها ويتبادلان خطاب «العلاقة الخاصة».
أما التنميط، فهو أوضح ما يكون في الصورة الثقافية المتبادلة بين البريطاني والأمريكي. فالأمريكي في المخيال البريطاني صاخب، فجّ، يفتقر إلى الذائقة، يخلط بين المال والثقافة، ويتعامل مع العالم بثقة مفرطة. في المقابل، يرى البريطاني نفسه أكثر تهذيبًا وعمقًا تاريخيًّا. هذه الصور، بحكم القوة الرمزية البريطانية، انتقلت إلى الوعي العالمي، لتنتج صورة «الأمريكي القبيح»، رغم أنها وليدة علاقة قرب لا علاقة بعد.
إذا كان هذا يحدث بين دول تتشارك اللغة والتحالف منذ أكثر من قرن، فكيف تكون الحال بين مصر والسعودية، حيث القرب أشد، والافتراضات أوسع، والتوقعات الأخلاقية أعلى؟ هنا لا يعود وهم القرب مجرد سوء فهم عابر، بل يصبح عاملًا مؤثرًا في الإعلام والسياسات العامة وتشكيل الصور الذهنية، بما ينعكس مباشرة على مستقبل العلاقة.
يمكن توصيف العلاقة الثقافية المصرية - السعودية باستعارة بسيطة: «تشبيك العظام دون كسوتها لحمًا». فقد نجح البَلدان في بناء هياكل صلبة من السياسة والأمن والاقتصاد والتنسيق الإقليمي، لكن المادة الثقافية -أي اللحم- ظلت رقيقة هشّة، وأحيانًا غائبة. والمقصود بالثقافة هنا ليس المهرجانات ولا الأسابيع الاحتفالية، بل المعرفة العميقة بالآخر: تاريخه الاجتماعي، وتحولات مجتمعه، وبنيته الذهنية، وصراعاته الداخلية.
لقد عاش ملايين المصريين في السعودية عبر عقود، لكننا لا نملك تاريخًا شفويًّا موثقًا لتجربتهم. لا أرشيف، ولا أفلام وثائقية، ولا سرديات معيشة. المصري الذي عمل في السعودية يمتلك فهمًا عمليًّا، لكنه لا يعرف بالضرورة بنية العقل السعودي، كما أن السعودي لا يعرف عمق الشخصية المصرية، فيستبدل المعرفة بالصورة الكرتونية لأنها أسهل وأسرع.
في هذا الفراغ، تمددت الصور السهلة، واكتسبت السياسة قدرة أكبر على فرض إيقاعها على الثقافة بدل أن تكون الثقافة هي السياق الحاضن للسياسة. وأعني بالثقافة معناها الواسع: الأدب والفن والمطبخ وطريقة العيش. يعرف المصري «الكبسة» بوصفها طبقًا سعوديًّا، لكنه لا يعرف «البريك» في المدينة، ولا مطبخ الجنوب أو حائل. وفي المقابل، لا يعرف كثير من السعوديين أن الفول في وجبة الإفطار هو تقليد قاهري، وأن صعيد مصر والدلتا يمتلكان مطابخ مختلفة. شخصيًّا، لم أعرف الفول في الإفطار في طفولتي بغرب الأقصر، وكان الخبز في الجنوب يُصنع في البيوت، وشراؤه يُنظر إليه كوصمة اجتماعية. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفهم الحقيقي، لا الصور الإعلامية.
-(1).png)
إدارة العلاقات الثقافية العربية عمومًا، والمصرية - السعودية خصوصًا، تستوجب الخروج من مقولة شائعة مفادها أن «الثقافة تتبع السياسة» (مقولة كررتها وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي في لقائها مع المستشار السعودي تركي آل الشيخ). هذه مقولة مريحة، لكنها خاطئة. التاريخ يعلمنا أن السياسة تتحرك داخل بحر الثقافة، لا العكس، وأن الثقافة هي التي حفظت العلاقة في لحظات التوتر الكبرى، من الخلافات في عهد عبدالناصر إلى توازنات مؤتمر الخرطوم.
لا بد من الاعتراف بأن المصريين والسعوديين يتكلمون لغتين ثقافيتين مختلفتين. فالثقافة المصرية المعاصرة تتعامل مع الكلام بوصفه مساحة اختبار اجتماعي: سخرية، مبالغة، ارتجال. اللغة هنا ليست وعدًا بل مناورة. في المقابل، تميل الثقافة السعودية إلى التعامل مع الخطاب بوصفه التزامًا: ما يُقال يُحسب، وما يُعلن يُنتظر تنفيذه. حين يتحدث المصري بخفة، يسمع السعودي غياب الجدية؛ وحين يتحدث السعودي بحسم، يسمع المصري جفوة وبرودًا. كلاهما يسيء القراءة لأنه يفترض قواعد مشتركة غير موجودة.
الثقافة لا تُدار بالسرعة، ولا تُقاس بالنتائج الفورية، ولا تنجح إذا أُخضعت لإيقاع الدبلوماسية. الجامعات والترجمة والبحث والنقد المتبادل أدوات بطيئة، لكنها الوحيدة القادرة على بناء معرفة متراكمة. أما الجسور الهشة التي تصنعها المناسبات الثقافية الظاهرية والسطحية، فهي أخطر من غياب الجسور، لأنها توهم بالعبور دون أن تتيحه.
في مصر والسعودية مثقفون وباحثون جادون قادرون على حمل مشروع ثقافي حقيقي إذا توفرت له الإرادة المؤسسية. وبناء هذه الشراكات يكون عبر أوقاف ثقافية، وتمويل بحثي، وبرامج تبادل معرفي طويل النفس. الترفيه جزء من الثقافة، لكنه لا يمكن أن يكون كل الثقافة ولا بدايتها.
العظام الاستراتيجية بين مصر والسعودية قائمة. ما ينقصها هو لحم الثقافة: الصمغ الذي يشد العلاقة اليوم، ويضمن استمراريتها غدًا. وهذا لم يعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة تاريخية.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁
فقرة حصريّة
اشترك الآن

-(1).png)
أحد أبرز ملامح السياسة السعودية الجديدة توظيف أدوات الاقتصاد السياسي لبناء علاقات أكثر رسوخًا مع دول الجوار العربي. فالمشاريع الاستثمارية في مصر والأردن والعراق تمثل نماذج على كيفية دمج التنمية في صميم السياسة الخارجية.»
في مقالة «كيف غيّر الأمير محمد بن سلمان السياسة الخارجية السعودية»، يحدد كاتبها سليمان الوادعي تطورات السياسة الخارجية السعودية منذ 2016، وتأثير ذلك في العلاقات البينية مع مختلف الدول، بما فيها الدول القريبة مثل مصر.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.