ليس دفاعًا عن «بنات الرياض» ✋
زائد: إنقاذ مكتبة تحت الأنقاض 📚

رحلت عن عالمنا يوم الأحد الماضي، الموافق لليوم الذي يُحتفى به بالنساء، سيدة من سيدات الثقافة العربية: لطفية الدليمي. أحب أن أنعتها بهذا اللقب، لأنها كاتبة جامعة، كتبت في الرواية والنقد والسيرة، وأسست مشروعًا في الترجمة استمر منذ الثمانينيات. أول ما سمعت خبر رحيلها، طفا إلى ذهني سؤال ملح ومحزن: من يعوّض كل هذا الثراء، ويملأ الفراغات التي شغلتها كتاباتها المتنوعة والتي استمرت فيها الكاتبة إلى آخر أيامها، خاصة في وسط ترزح فيه الثقافة تحت وطأة عدة إكراهات، عدة وتضيع فيه الحقيقة في زحام التزييف والتمييع؟
حين يموت مثقف بهذا الحجم، لا يموت الإنسان فقط، وإنما يموت معه جزء من الذاكرة، جزء من الأمل الذي كان يشق ظلمة المشهد الثقافي العربي.
وإن كانت قد رحلت، تبقى الأديبة، وتبقى الإنسانة. ويبقى ميراثها شاهدًا عليها، ثريًّا بوصاياه التي نعود إليها كلما اشتدت الحاجة إلى اليقين. تبقى كتابتها مرتكزًا نستند إليه، نحن الذين نقرأ ونكتب، نحن الذين نحاول أن نظل بشرًا.
في هذا العدد، أعود إلى الجدل الذي طال رواية صدرت منذ عشرين سنة، ولا يزال الجدل حولها قائمًا، وتحدثنا خزامى اليامي عن عملية سارية لإنقاذ مكتبة تحت الأنقاض، بالإضافة إلى توصيات جديدة.
إيمان العزوزي


ليس دفاعًا عن «بنات الرياض» ✋
إيمان العزوزي
عندما أنجزت إيمان مرسال كتابها «في أثر عنايات الزيات»، أرادت إحياء اسم همّشه التاريخ الأدبي، وذلك بتقديم سيرة مغايرة لكاتبة لم يكن بوسعنا أن نتعرف عليها بهذا القرب لولا جهد مرسال في خوض هذه التجربة، وهي مقتنعة بغاياتها. ولعل أوضحها هو منح الجميع الحق في المحاولة، والحق في التعثر، والحق في الكتابة الرديئة؛ فكيف يمكننا أن نتعلم ونتدرب إن لم نخطئ، ونغامر بتسويد بياض الأوراق مرارًا وتكرارًا حتى نصل إلى النص المنشود؟
واجهت عنايات الزيات رفض كبار الكتاب آنذاك، مثل أنيس منصور ويوسف السباعي. وظلت روايتها «الحب والصمت» التي نُشرت بعد وفاتها، شاهدة على مأساة تلك التجربة اليتيمة التي لم يُقدّر لها أن تجد الدعم والإرشاد. ولعل هذا ما يحدث مع عديد من الكتاب الشباب، رجالًا ونساء، مما يمنعهم من الظهور؛ خوفًا من السخرية، أو خشية النقد التقليدي لتجاربهم التي تختلف عما اعتاد عليه كبار النقاد. ولعل ما حدث في جائزة ساويرس مثال على هذه الظاهرة؛ إذ انبرى أحد أعضاء لجنة التحكيم لتقريع مستوى كُتّاب القصة القصيرة الشباب علانية وحجب الجائزة الأولى بحجة ألّا أحد يستحقها. وكان الأجدر بهم حجب الجائزة بالكامل بدلًا من إظهار المرتبة الثانية والثالثة، لما في هذا من انتقاص للفائزين.

تتكرر الحكاية ذاتها، ويستمر الصراع بين الأجيال؛ وتظل الكاتبات أكثر عُرضة للتقريع والنقد والسخرية، بل وأحيانًا للاتهامات المباشرة. وقد حدث هذا تحديدًا مع إعادة رواية «بنات الرياض» إلى الواجهة بعد أن كادت تُنسى وسط عشرات الروايات السعودية الحديثة التي تُشكّل مشهدًا أدبيًّا معاصرًا يستحق الانتشار والنقد الجاد.
والأمر اللافت هو أن بعث الرواية لم يكن بمناسبة عمل جديد لكاتبتها رجاء الصانع، بل بسبب ظهورها الشخصي في فعاليات موسم الدرعية. هذا الظهور أثار حفيظة بعض الكتاب والنقاد بدعوى أنها لا تستحق الاستضافة، خاصة وهي تقف بجوار اسمين كبيرين أثبتا حضورهما في المشهد الثقافي، وهما أميمة الخميس وبدرية البشر.
لا أرغب هنا في مناقشة مسألة ظهور الصانع في الموسم، فهذا شأن تنظيمي يخص القائمين عليه. لكن ما لفت انتباهي وسط الانتقادات المتبادلة هو موقف الروائي والناقد عبدالله بن بخيت، الذي أعاد نشر ما كتبه عن «بنات الرياض» عند صدورها قبل عشرين عامًا. لقد مضى عقدان تغير فيهما الكثير، ومن المؤكد أن الصانع اليوم لم تعد تلك الكاتبة العشرينية التي تجرّأت على كشف ما كان مسكوتًا عنه، وما كان مسكوتًا عنه آنذاك لم يصبح كذلك مع ثورة المعلومة في مواقع التواصل. ومع ذلك، يبدو أن الناقد ما زال متمسكًا بموقفه ونظرته تجاه روايةٍ لم تعد مطروحة للنقاش إلا بوصفها حدثًا ثقافيًّا يؤرخ للجدل الذي أحاط بها أكثر مما يؤرخ للنص ذاته.
لم أكن قد قرأت مقال ابن بخيت القديم، فرجعت إليه الآن. ووجدت فيه مبالغات غريبة، كان يمكن أن تُحتَوى في سياق النقد لولا أن الكاتب أتبعها باتهام صريح نشره على منصات التواصل وأعاده في إحدى حلقات برنامج «مخيال»، حيث أكد أن رواية «بنات الرياض» كتبها شخص عاش في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. بهذا، ترك الكاتب للمتلقي مهمة استنتاج الاسم المقصود، والمتلقي فطِن لن يعجز عن توقع الشخص المعني! وهذا السياق يذكرنا بتجربة أحلام مستغانمي وروايتها «ذاكرة الجسد» لتشابه الإتهامات والجدل، واختلاف الجودة طبعًا.
ما وجده ابن بخيت مدعاةً للاتهام هو لجوء الصانع إلى اقتباسات مُكثَّفة من الأدب والفكر، وكتابة قصيدة في متن العمل، وذكرها لأم كلثوم ومصطفى أحمد وفِرق غربيّة قديمة تفرقت ونُسيت، بالإضافة إلى استشهادها بالسينما المصرية الكلاسيكية. وكما قلت، يبدو هذا الانتقاد في صميمه مقبولًا في سياق النقد، مع أنني لا أتفق معه تمامًا؛ كنت في العشرينيات من عمري فترة صدور الرواية، وأذكر أنني كنت أجمع أشرطة وردة وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وأستمع مع والدتي لأغاني رابح درياسة والمازوني ورباب وعبد المحسن المهنا وعوض الدوخي، كما كنت أستمع إلى البيتلز وفرقة بوليس وغيرها. لذلك، لا أرى أن هذا من شأنه أن يثير أي شك في أن يكون الكاتب رجلًا عاش السبعينيات. وحتى لو افترضنا أن هذه الأسماء لم تكن دارجة في فترة شباب الكاتبة، فربما أدخلتها عنوة في سياق العمل بحثًا عن العمق.
واللافت أن ابن بخيت تجاهل ذكر الرواية لأسماء أخرى مثل هاني شاكر وعبدالمجيد عبدالله وراشد الماجد، كما تضمنت إشارات إلى صيحات الموضة وأسماء لن يعرفها رجل السبعينيات مثل إيلي صعب وبادجلي ميشكا. وإذا نظرنا إلى الجيل الحالي (جيل زد)، فسنراه يعود إلى ثقافة الستينيات والسبعينيات ويضمنها جميع إبداعاته على منصات تيك توك وإنستقرام.

أما فيما يتعلق بالاقتباسات التي عدها الكاتب أكبر من كاتبة في العشرينيات، فإن المثقف والقارئ العادي يدرك أنها اقتباسات مبتذلة بسبب تكرارها في المنتديات والمجلات وكتب الاقتباسات الجاهزة، وغالبًا ما ارتبطت بالحب والمرأة. ومن ثم فهي تفتقر إلى العمق ولا تصلح لتأسيس أفكار نقدية أو بناء حبكة روائية متماسكة، فقد جاءت في صورة ومضات وظّفتها الكاتبة لتجميل سردها وجذب انتباه القارئ. ويُضاف إلى ذلك أن الرواية اتخذت قالب الإيميلات، وهو قالب لا يتطلب سوى افتتاحية لافتة، وقد تمكنت الكاتبة من الحصول على مادتها بسهولة عبر الإنترنت. كما أن استشهاداتها الدينية، التي حرصت على إرفاقها بمصادرها، تعكس حداثة تجربتها وقلة خبرتها، إذ اعتمدت على النسخ من الفضاء الرقمي أكثر مما تُظهر نضجًا أو خبرة كاتب متمرس.
وهذا يقودني إلى أهم نقطة تدافع فيها الرواية عن نفسها، فلغتها بسيطة للغاية وقريبة إلى اللغة «القاعدية» الشبابية (سواليف) التي نتواصل بها مع أصحابنا، حيث تختلط العامية بالإنقليزية، وهي اللغة السائدة في الإيميلات. فكيف يمكن لرجل عاش السبعينيات أن يتقن هذه اللغة ويستخدمها في رواية كاملة دون أن يخطئ أو تظهر عليه ملامح وقار جيل الستينيات أو السبعينيات.
لا يمكن إنكار أن الصانع كتبت روايتها وهي متأثرة بغازي القصيبي، الذي قدّم لروايتها وأشاد بها ونصح بقراءتها، ولولا هذا التقديم لما كانت دار الساقي لتقبل نشرها. ويبدو أثر رواياته، مثل «شقة الحرية»، واضحًا في بناء الشخصيات والعلاقات التي تجمعها. كما يظهر تأثرها بأشعار نزار قباني وبكل ما كان يتداوله جيل الشباب من قراءات في تلك الفترة. وهذه الملامح تُحسب لصالح الكاتبة لا ضدها، إذ من الطبيعي أن يتأثر الكاتب الشاب بالجيل السابق، وأن يسعى إلى تطعيم نصه بما يشبهه، أملًا في أن يجد القبول لدى القراء.
يشير ابن بخيت إلى أن الصانع تناولت موضوع «الفضائحية»، غير أنه لم يجد في الإيميلات ذلك، وأي قارئ للرواية سيجد الفضيحة تتسرب من كل سطر فيها، والفضيحة هنا بمعنى كشف ما تفعله البنات في الخفاء خلف أعين أسرهن والمجتمع. ومن الواضح أن الصانع وظّفت كلمة «فضيحة» بوصفها أداة إثارة لجذب القارئ، وهو أسلوب شائع لدى كثير من الكتّاب، كلٌّ بحسب ما يراه مناسبًا. فبعضهم يبرز عدد الطبعة على الغلاف، وآخرون يكثرون من تصوير مشاهد شاذة في المجتمع بغرض شدّ الانتباه، فيما يلجأ آخرون إلى اللعب على أوتار السياسة أو الجنس أو الدين. أما الصانع فقد اختارت مفهوم «الفضيحة» في سياق اجتماعي لا يقبل دخول العرسان في علاقة زوجية فعلية قبل الزفاف الرسمي، حتى وإن كان العقد الشرعي قد أُبرم وأصبحا أمام الله زوجًا وزوجة، وهذا لا يزال شائعًا إلى اليوم.
ما أغفله ابن بخيت في نقده هو أن الحديث عن «الفضائحية» ورد على لسان الرّاوية، لا على لسان الكاتبة. ومن المعروف أن هدف الرّاوية كان جذب الاهتمام وتوسيع دائرة المتابعين وإثارة فضولهم مع كل رسالة بريدية. وفي إطار النقد الأدبي، ينبغي التمييز بين الشخصية الروائية وبين مؤلفها؛ فليس الصانع من ذكرت «الفضيحة»، بل الشخصية التي لا نعلم إن كانت تنقل حقائق أم تبالغ أو تختلق. وهذا هو الأدب، على الأقل كما أعرفه، كذب يصف الواقع كما وصفه يومًا فرقاس يوسا.
واللافت في هذا الجدل أن أحد المغردين كتب دفاعًا عن ابن بخيت، عادًّا أن الأمر وارد جدًّا ما دامت الصانع قد انسحبت من المشهد الأدبي ولم تُصدر أي عمل لاحق، كما أنها لا تظهر على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا الطرح يثير بدوره إشكالية، إذ لم يكن الحضور الإعلامي أو الظهور الافتراضي يومًا شرطًا للاعتراف بالكاتب.
فربيع جابر، على سبيل المثال، لا يظهر في الإعلام ولا يمتلك حسابًا على مواقع التواصل، ومع ذلك يحظى بالتقدير ولم يُشكّك أحد في نسب أعماله إليه، بل لم يتعرض حتى لانتقاد بسبب التشابه الواضح بين روايته الفائزة بالبوكر لعام 2012 «دروز بلغراد» ورائعة قسطنطين فرجيل جورجيو «الساعة الخامسة والعشرون». وبالمثل، فإن إيلينا فيرانتي ترفض الظهور العلني، ولا يزال الغموض يحيط بهويتها، فلا نعلم إن كانت بالفعل امرأة تنقل تجاربها الخاصة أم أن وراء الاسم رجلًا اختار هذه الصيغة ليُقدَّم العمل في إطار أنثوي ويصدقه الناس.
الظهور ليس شرطًا للإثبات، والكاتب غير ملزم بالدفاع عن عمله، فهو يتحرر منه بمجرد نشره. اختيار الصانع لحياة بعيدة عن الأضواء لا يعني أنها توقفت عن الكتابة، فالكتابة فعل حميمي قد يرافق الكاتب دون حاجة لعرضه. ربما لم تقتنع هي نفسها بروايتها الأولى، فأجلت الكتابة حتى تصبح مستعدة. ما يجب علينا فعله الآن هو انتظار ما وعدت به من عمل جديد، بدلًا من توجيه الاتهامات أو الانخراط في «النقد الفزعاوي» كما سماه ابن بخيت، أو محاولة تجميل الرداءة بمنحها لمخرج تركي من أجل اقتباس تلفزيوني صالح لصنع ترند رمضاني.
في النهاية، من حق كل كاتب أن ينشر عملًا رديئًا، فهذه خطوة نحو محاولات أخرى قد تنجح يومًا. الاغتيال المعنوي لكاتبٍ بسبب عمل واحد قد يحرمنا من أعمال كثيرة، وقد يصل الأمر إلى حد حرماننا منه شخصيًّا، كما حدث مع عنايات الزيات.


إنقاذ مكتبة تحت الأنقاض 📚
خُزامى اليامي
أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة عن تدمير وتضرر عدد من معالمها، وشملت الأضرار مكونات التراث الثقافي والتاريخي للمدينة. وكان من بين هذه المعالم المتضررة مكتبة الجامع العمري الكبير، التي تحتل المرتبة الثالثة بين أقدم المكتبات التراثية في فلسطين، بعد مكتبة المسجد الأقصى ومكتبة أحمد باشا الجزار بعكا.
كانت المكتبة، البالغة مساحتها أربعة آلاف متر مربع، تضم بين جدرانها كنوزًا من المخطوطات والوثائق التاريخية التي تروي فصولًا من مسيرة المدينة العلمية والثقافية منذ تأسيس المكتبة قبل أكثر من سبعة قرون على يد الظاهر بيبرس. لكن القصف الإسرائيلي لم يشفع لهذا الإرث التاريخي، فدمر أجزاء واسعة منه، وأتى على كثير من هذه الذخائر المعرفية النفيسة.
تعرض الجامع للقصف ثلاث مرات خلال العدوان، مما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل واحتراق الجزء الغربي من المكتبة، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أطلقت مؤسسة «عيون على التراث» مبادرة تطوعية لإنقاذ المكتبة بقيادة مديرتها التنفيذية الدكتورة حنين العمصي. تعمل العمصي، ومنذ الأيام الأولى للعدوان، مع فريقها المحلي المكون أغلبه من متطوعين على انتشال المخطوطات والوثائق التاريخية من تحت الأنقاض، وتمكنوا حتى الآن من إنقاذ أربعة آلاف كتاب من أصل عشرين ألفًا كانت تضمها المكتبة. ويأتي هذا الجهد في سباق محموم مع الزمن للحفاظ على الذاكرة التاريخية والتراثية للشعب الفلسطيني.
تشير التقديرات إلى أن بعض المخطوطات الموجودة في المكتبة يعود تاريخها إلى ما بين خمسة وسبعة قرون، إذ تنتمي إلى فترات تاريخية مختلفة مثل العصر المملوكي والعهد العثماني، وتتنوع بين مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة. ومن أبرزها مخطوطة «شرح الغوامض في علم الفرائض» لبدر الدين المرديني، التي يبلغ عمرها نحو خمسمئة عام. غير أن القصف أدى إلى فقدان أو تلف عدد كبير من هذه المخطوطات، ولم يتمكن الفريق إلا من إنقاذ جزء محدود منها.
في أعقاب انتشال ما أمكن من المخطوطات من تحت الأنقاض، بدأت مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بـ«إسعاف» الكتب وصيانتها. وتصف الدكتورة العمصي التحديات التي واجهتهم بالقول إن المخطوطات كانت مليئة بآثار البارود والشظايا، كما عانى بعضها من الرطوبة والعفن، ومن تمزقات وحروق ناجمة عن الحريق، عدا عن الأضرار التي خلفتها الحيوانات الضالة. وبجهود مشتركة مع مختصين في الترميم، يسعى الفريق إلى معالجة هذه الأضرار عبر برامج مستعجلة، إلى جانب العمل على رقمنة المخطوطات لحفظ محتواها وتوفيره رقميًّا للباحثين والمهتمين في المستقبل.
وفي ظل هذه الجهود، يؤكد القائمون على المبادرة أن المخطوطات الموجودة في المكتبة تمثل جزءًا مهمًّا من الهوية الثقافية والحضارية للشعب الفلسطيني، إذ توثق مراحل بارزة من تاريخ غزة وتبرز إسهامات علمائها ومفكريها في مختلف مجالات المعرفة. كما أن الحفاظ عليها يُعد عملًا وطنيًّا للفريق التطوعي، نظرًا لما تمثله من قيمة علمية وتاريخيّة للأجيال القادمة. ومع التحديات الكبيرة، يواصل المختصون العمل لإنقاذ هذا التراث الثمين، في دلالة على تمسك الفلسطينيين بإرثهم الحضاري وحرصهم على حمايته وصونه.
وقد وجهت الدكتورة العمصي رسالة عاجلة باسم مؤسسة «عيون على التراث» إلى المؤسسات العاملة في مجال التراث، وكذلك إلى المؤسسات المحلية والدولية، داعية إلى دعم هذه الجهود والمشاريع التي تهدف إلى إنقاذ ما تحاول إسرائيل طمسه، خاصة مع صعوبة الحصول على الأدوات والمواد اللازمة للترميم بسبب الحصار المفروض على مدينة غزة.
ليس ما حدث في غزة بجديد على تاريخ الحروب؛ فاستهداف المكتبات والمراكز الثقافية أصبح سلاحًا بيد المعتدين لمحو ذاكرة الشعوب، مثلما حدث مع مكتبات العراق والبوسنة. وتؤكد هذه المشاهد المتكررة أن المبادرات الشعبية وجهود الحفظ والتوثيق هي خط الدفاع الأخير عن الهوية الثقافية، وهي التي حالت دون تمكين آلة الحرب من إكمال مشروعها التدميري.
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

عندما نفقد عادة الكلام والتواصل مع الآخرين، فإننا نعبّر عن الأشياء ونشرح ما نريد بشكل جافٍّ مثل كتاب
فرنسواز دورنيه

آلة زمن للكتب: من سنوات إلى ساعات!
كم مرة وقفت أمام رفوف المكتبة وتأملت سلسلة «أحمد أمين» الشهيرة؟ تلك المجلدات التي تبدأ بفجر الإسلام وتنتهي بيومه، كانت دائماً توحي بالهيبة والعمق مما يجعلك تضعها في قائمة المحذوفات المؤجلات.
إن لم تسمع بالسلسلة من قبل، قد يتبادر في ذهنك سرد تاريخي للمعارك والفتوحات، إلّا أنها كنز يفصّل سيرة العقل العربي عبر التاريخ، في عشرين عامًا من البحث، يقتفي الكاتب أثر العقل العربي وتطوراته منذ الجاهلية وحتى اليوم!
والمسلم اليوم، وفي عصر راديو ثمانية يمكنه سماع السلسلة كاملة صوتيًا، في تطبيق يمنحه التجربة الأفضل، حيث تضيف كتابك للطابور وتعود إليه لتجده حيثما توقفت، مع العديد من المزايا التي تسهّل عليك سماع السلسلة في أي وقت، وكل مكان.

نهاية الكتاب
.jpeg)
تأليف: شارل نودييه/ ترجمة: محمد آيت حنا/ الناشر: نادي الكتاب
يقدّم الكتاب، الذي يتناول فكرة نهاية الكتاب والتنبؤ باختفاء الكتاب الورقي، منظورًا تاريخيًّا مهمًا لنقاش يُعتقد غالبًا أنه مرتبط فقط بالعصر الرقمي. فالكتاب، الذي يجمع نصوصًا كُتبت بين القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يبيّن أن سؤال اختفاء الكتاب ليس جديدًا، بل يظهر مع كل تحوّل تقني في وسائل الإعلام. وبذلك يبدو أن الحديث عن «موت الكتاب» أصبح تقليدًا ثقافيًا يتكرر كلما ظهرت وسيلة تواصل جديدة.
يشير الكتاب إلى أن الثورة الصناعية في مجال الطباعة في القرن التاسع عشر أدت إلى زيادة هائلة في إنتاج الكتب والصحف والمنشورات. هذا التوسع في المطبوعات أثار في الوقت نفسه حماسة وخوفًا، فبينما رأى البعض في ذلك انتشارًا ديمقراطيًّا للمعرفة، خشي آخرون أن تؤدي وفرة المطبوعات إلى فقدان الكتاب لقيمته وإلى تراجع الإقبال على القراءة. ففي عام 1841 عبّر الكاتب شارل نودييه عن قلقه من اختفاء ما سماه بـ«عاشق الكتب»، في إشارة مبكرة إلى ما اعتُبر آنذاك أزمة ثقافية تهدد مكانة الكتاب.
ومن أبرز النصوص التي يتوقف عندها الكتاب مقال «نهاية الكتب» لأوكتاف أوزان (1894)، حيث يتخيل الكاتب مستقبلًا تُستبدل فيه القراءة بالاستماع. فقد رأى أن الفونوغراف يمكن أن يحلّ محل الطباعة، وأن الأعمال الأدبية قد تُسجَّل صوتيًّا وتُحفظ في مكتبات صوتية. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة بدت خيالية في زمنه، فإنها تذكّر اليوم بانتشار الكتب الصوتية والمنصات الرقمية.
كما يعرض الكتاب أفكارًا أخرى بدت بدورها استباقية لواقعنا الحالي. فقد تخيّل بعض الكتّاب ظهور مواد جديدة أخف من الورق لتسجيل النصوص، بينما تصوّر آخرون إمكانية قراءة الكتب عن بُعد، وهو ما يذكّر اليوم بالقراءة عبر الإنترنت. أما الكاتب الساخر ألفونس أليه فقد اقترح فكرة طريفة تتمثل في استخدام حبر متطاير يختفي بعد القراءة، بحيث يضطر القارئ إلى شراء الكتاب مرة أخرى إذا أراد إعادة قراءته، وهي فكرة تشبه اليوم نماذج الوصول المؤقت إلى الكتب الرقمية.
ويتطرق الكتاب أيضًا إلى هاجس آخر كان يشغل الكتّاب آنذاك، وهو تصنيع الأدب. فقد تخيل بعضهم وجود آلات تنتج القصائد والروايات على نطاق صناعي، مما يحوّل الأدب إلى سلعة تُصنع كما تُصنع المنتجات الأخرى. والمفارقة أن هذه الفكرة لم تعد بعيدة عن واقعنا في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
مع كل هذه التنبؤات التي لا تزال صامدة لغاية اليوم، فالكتاب لم يختفِ ولا يزال حيًّا، يتكيّف ويتحوّل ويتعايش مع الوسائط الجديدة مرغِمًا القارئ الشغوف بالتكيف أيضًا مع كل هذه التغيرات.
DEPARTURE(S)

تأليف: جوليان بارنز/ الناشر: Knopf
حين يعلن كاتب أنه سيتوقف عن الكتابة، خاصةً لو كان كاتبًا أحببناه، فإننا نرى ذلك بمثابة خيانة أو إعلان موت مبكر، ونرفضه دون محاولة فهم الأسباب التي دعته إلى ذلك. وهذا ما حدث مع الكاتب البريطاني جوليان بارنز، الذي بلغ الثمانين من عمره وهو يصف نفسه بـ«المتشائم المرح»، ويبرر قراره بعبارة موسيقية بليغة: «عزفتُ كلَّ ألحاني».
في روايته الأخيرة «الرحيل»، يودعنا بارنز كاشفًا لنا دفتر حياته ليرينا كيف تتراكم الألحان حتى تكتمل السيمفونية، ومقدمًا عملًا يمثل وداعية أنيقة لمسيرة أدبيّة استمرت ما يقارب الأربعين سنة. الكتاب، هو جنس هجين ولكنه ممتع، تمتزج فيه المذكرات الشخصية بالمقالة التأملية والخيال الروائي. يسردها راوٍ يحمل اسم «جوليان» (أو «جول» كما تناديه زوجته الراحلة)، وهو رجل يعاني أزماته الوجودية في ظل الاستعداد للحظر العام في أثناء الجائحة، ويحضر نفسه لذلك بشراء علبة دي في دي تحتوي على ثلاثين فِلمًا للمخرج إنقمار برقمان.
يستعرض بارنز في عمله موضوعات الشيخوخة، وخذلان الجسد والذاكرة، وهاجس الفناء الذي لازم معظم أعماله، خاصة منذ رحيل زوجته ووكيلته الأدبية بات كافاناه عام 2008، وفقدانه لبعض الأصدقاء. كما يروي بصراحة مؤثرة وساخرة قصة إصابته بنوع نادر من سرطان الدم في بداية عام 2020، معلّقًا على التشخيص بسخرية: «غير قابل للشفاء لكن يمكن السيطرة عليه، ألا يبدو ذلك مثل... الحياة؟».
متعة قراءة بارنز لا تكمن فقط في المواضيع، ولكن في براعته اللفظية وأفكاره، وهواجسه التي تشبه هواجسنا وتطل دائمًا من شرفات قصصه. في «الرحيل»، يعود بارنز إلى حبٍّ قديم، يتتبع تأثيراته مع مضى السنوات من خلال قصة «جان» و«ستيفن»، اللذين عرفهما في شبابه في الستينيات بجامعة أكسفورد، حيث كان الرفيق الدائم في لقاءاتهما. ثم تفرقوا بعد التخرج، ليعيد القدر جمعهم بعد أربعين عامًا حين يتصل به «ستيفن» طالبًا مساعدته في لم الشمل مع «جان». يوافق «جوليان» بسعادة، متمتعًا بدور الخاطبة، ليكتشف أن كلاهما يعتبر علاقتهما المستعادة "فرصتهما الأخيرة للسعادة".
هنا سنتسائل: هل «جان» و«ستيفن» شخصيات حقيقية أم من وحي الخيال؟ بارنز، الكاتب المخضرم الذي اعتاد لعب دور المخرج في تحريك شخصياته، يتركنا في حيرة متعمدة. هل «جوليان» الراوي هو المؤلف نفسه؟ مع كل المعلومات الموثقة، يبدو الأمر سيرة ذاتية. لكن بارنز، بذكائه المعهود، يعترف: «سيكون من الحماقة استنتاج أن هذه التعليقات المفصلة على الحياة تمثل ما حدث بالفعل». وكما في روايته الحائزة على البوكر «الإحساس بالنهاية» عام 2011، يبقى السؤال عن مصداقية الذاكرة مفتوحًا: هل ما نرويه عن ماضينا هو الحقيقة أم مجرد حكاية ننسجها؟ يجيب بارنز مقتبسًا مقولة ت.س. إليوت عن الذاكرة: «مهما لففتها بالكافور، سيأكلها العث».
ما يجعل من «الرحيل» قراءة استثنائية هو ذلك المزيج الفريد بين الجدية والمرح، حتى في أحلك اللحظات، وتحت سطح الدعابة، نقف على نهر متدفق من الحكمة الإنسانية، يتجلى في تفاصيل صغيرة ويومية مثل وصفه لألم أقدام كلبه العجوز. بهذا الكتاب، يترك لنا بارنز وصية أدبية راقية تذكرنا بأن الحياة، مثل الموسيقى، لها نغمتها الأخيرة، وهي، كما يصفها، «كوميديا خفيفة بنهاية حزينة». يغادر والدفتر مفتوحًا على أسئلته الأبدية: كيف نبحث عن السعادة؟ ومتى نقول وداعًا؟ تاركًا لنا الإجابة في قلوبنا وذكرياتنا عن عقود من المتعة الأدبية التي منحنا إياها.
حياة الكتابة
.jpeg)
تأليف: آني ديلارد/ ترجمة: منال الندابي/ الناشر: دار الرافدين للطباعة والمنشورات
يأخذنا كتاب «حياة الكتابة» للكاتبة الأمريكية آني ديلارد في رحلة مع الكاتب وحياته، ومع الحالة التي تسبق بداية الشروع في الكتابة والمعاناة في أثنائها وبعدها.
تشرح ديلارد أن الكتابة هي أسلوب حياة لا ينفصل عن شخصية الكاتب وتفكيره اليومي، فالكتابة هي التزام طويل يتطلب حضورًا ذهنيًّا مستمرًا واستعدادًا لتحمل العزلة والقلق والشك. تنظر ديلارد إلى الكتابة كرحلة غير مضمونة النتائج، يبدأ فيها الكاتب من مساحة غامضة، ويكتب دون أن يعرف بالضبط إلى أين ستقوده الجملة التالية. فهذه الضبابية جزء أساسي من العملية الإبداعية، لأن المعنى لا يظهر دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجيًّا في أثناء العمل.
كما أن الموهبة وحدها لا تكفي، إذ يلزمها الانضباط فهو الأساس الحقيقي للكتابة، ويتمثل هذا الانضباط في تبنّي روتين ثابت في مكان وزمن ثابتين، حتى في الأيام التي يشعر فيها بالخواء أو التعب. برأي ديلارد أن انتظار الإلهام قد يكون وهمًا، بينما الجلوس المنتظم للكتابة هو ما يفتح الطريق أمام الأفكار. هذا الالتزام غالبًا ما يتطلب تضحيات، مثل الابتعاد عن الراحة أو العلاقات الاجتماعية، ﻷن التركيز لا يتحقق وسط الضجيج والانشغال الدائم.
تُظهر التجربة أن الكتابة عمل شاق نفسيًا، مليء بالصراع مع الذات. فالكاتب يواجه مخاوفه، ويشكك في قيمة ما يكتب، ويشعر أحيانًا بأن الجهد المبذول قد لا يؤدي إلى شيء واضح أو ملموس. ومع ذلك، فإن هذا الصراع هو ما يمنح الكتابة معناها الحقيقي، لأنها إنتاج نص ومحاولة لفهم العالم والنفس معًا. الصفحة البيضاء تتحول إلى مساحة مواجهة، يختبر فيها الكاتب صدقه وصبره وقدرته على الاستمرار.
تؤمن المؤلفة أن الكتابة، في جوهرها، لا تكون ذات أهمية كبيرة للعالم الخارجي. لا أحد ينتظر النص مثلما ينتظره الكاتب نفسه، ولا يوجد ضمان بأن العمل سيُقرأ أو يُقدَّر. لكن هذه الحقيقة القاسية تمنح الكاتب حرية داخلية، إذ يصبح الدافع للكتابة نابعًا من الحاجة الشخصية للتعبير والفهم، لا من البحث عن الاعتراف أو النجاح.
كتاب مهم للكاتب المبتدئ، الذي سيجد فيه التشجيع والخطوات الأولى التي ستساعده على بلوغ مساره الخاص نحو روتينه الأمثل للكتابة.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.