عندما يبرّ العقار بملاكه ويعق بالاقتصاد
الجميع يعمل.. ما عدا قطعة الأرض الخالية!

مع التطورات المتسارعة في سوق العقار، استحوذت السوق في الفترة الأخيرة على معظم محادثات الناس.
وفي الواقع، هذا الوضع ليس مستجدًا؛ فالسوق العقارية كانت دومًا محل جدل المجتمعات، لدورها الجوهري في التأثير في حياة الناس وصياغة جودتها.
في هذا العدد، يقدّم عبدالإله الرشيد منظورًا مختلفًا ونوعيًّا عن السوق العقارية، وعن الأراضي تحديدًا، سيلفتك غالبًا!
قراءة ماتعة.
عمر العمران


عندما يبرّ العقار بملاكه ويعق بالاقتصاد
عبدالإله الرشيد
مؤخرًا، وجّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باعتماد إجراءات لتنظيم السوق العقارية في الرياض، منها تسريع تعديل رسوم الأراضي البيضاء وتخصيص ما بين 10 و40 ألف قطعة للمواطنين، حرصًا على تحقيق التوازن في القطاع العقاري بناء على ما تشهده مدينة الرياض من ارتفاع في أسعار الأراضي والإيجارات في السنوات الماضية. إذ قال وزير المالية إن التوازن في السوق العقارية يسهم في تقليل الفجوة بين العرض والطلب، والحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار. كما قال وزير الإسكان إن هناك «مبالغات» في أسعار العقار وإن السوق تحتاج إلى مزيد من المعروض.
وفي ضوء هذه التوجيهات الحازمة التي ترسم توجهًا وخطًّا واضحًا للتعامل مع ملف العقار، وفي ظل سيطرة العقار على هاجس كثيرين، من المناسب هنا فتح النقاش حول فكرة «رسوم الأراضي البيضاء» التي هي ليست بالضرورة الحل السحري، لكنها المفتاح لفهم مشكلة العقار أو (الأرض تحديدًا) من جذورها: لماذا ترتفع أسعار الأراضي؟ لماذا تحول العقار من أداة للتنمية إلى عبء اقتصادي؟ كيف تتكون قيمته؟ ومن الذي يصنع هذه القيمة؟ ولماذا يميل العقار أحيانًا إلى أن يكون «ابنًا عاقًّا» للاقتصاد؟ ثم استعراض حلول ممكنة لإعادة التوازن. إن فهم الإطار النظري للرسوم والإجابة عن هذه الأسئلة كان سببًا في تغيير عميق لطريقة رؤيتي للعالم؛ ولعل القارئ يجد شيئًا من ذلك.

في عام 1914 في أمريكا، وضع رجل لوحة على قطعة أرض يملكها، تقول اللافتة: «دفعت 3600 دولارًا ثمن هذه القطعة، وسأحتفظ بها حتى أحصل على 6000 دولار. إن الربح هنا زيادة غير مكتسبة، أتاحها وجود هذا المجتمع ونشاط أفراده. أنا آخذ هذا الربح دون أن أكون قد استحققته. وللعلاج، اقرأ "هنري جورج". الجميع يعمل… ما عدا قطعة الأرض الخالية.»
قبل ذلك في عام 1879، وفي خضم الثورة الصناعية، وفي ظل نمو اقتصادي تاريخي غير مسبوق، طرح الاقتصادي الأمريكي المنسي هنري جورج تساؤلًا: «لماذا لم يفضِ هذا التقدم الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي الهائل إلى القضاء على الحاجة لدى الناس؟»
المفارقة التي رصدها جورج هي أن النمو الاقتصادي، بما يشمله من تراكم القدرات الإنتاجية، والتقدم التكنولوجي، وتوسع حركة التبادل التجاري، لا يقضي على حاجة الناس، بل إن «البؤس» والحاجة ينتشران في المجتمعات الأكثر تقدمًا وإنتاجية. وبينما كانت مدينة سان فرانسيسكو تمر بحقبة ازدهار استثنائية في سبعينيَّات القرن التاسع عشر، قدم جورج تنبؤًا:
«إذا كان الفقر المدقع في سان فرانسيسكو أقل منه في نيويورك، أليس ذلك لأن سان فرانسيسكو لم تبلغ بعد ما بلغته نيويورك في كل ما تسعى إليه كلتا المدينتين؟ وحين تصل سان فرانسيسكو إلى ما وصلت إليه نيويورك اليوم، فمن يشك في أننا سنرى أطفالًا بملابس رثة وأقدام حافية في شوارعها.»
وقد تحققت نبوءته. فسان فرانسيسكو، عاصمة التقنية ووادي السيليكون، باتت اليوم من أغنى مدن العالم على مر التاريخ، لكنها في الوقت نفسه تعاني واحدة من أسوأ أزمات التشرد في أمريكا، والسبب يتعلق بالأرض.
هل الأراضي تُعد ثروة؟
يقسِّم معظم الاقتصاديين، على الأقل في وقت هنري جورج، عوامل الإنتاج إلى عنصرين اثنين: العمل ورأس المال. لكن جورج يرى أنها ثلاثة عناصر: الأرض والعمل ورأس المال. ولفهم المشكلة، يجب التمييز بين الثلاثة: الثروة ورأس المال والأرض.
الثروة، بحسب جورج، هي كل منتج ملموس ناتج عن تطبيق العمل البشري على موارد الطبيعة ويشبع رغبة إنسانية. وعليه، الذهب ثروة والسيارة ثروة والكتاب ثروة. أما المال فليس ثروة بحد ذاته؛ هو مثل عنوان المنزل، العنوان يدلك على البيت، لكنه ليس البيت نفسه، بل هو من المؤشرات على الثروة؛ شهادة ملكية قابلة للتداول، لو انتقل جميع سكان الأرض إلى كوكب آخر حاملين أموالهم دون ممتلكاتهم المادية، فإن قيمة تلك الأموال تتبخر فورًا.
بينما رأس المال، بدوره، ثروة تُستخدم لإنتاج مزيد من الثروة والمصانع والآلات والمعدات والمباني، وبصفة عامة كل ما أنتجه الإنسان ليُسهم في العملية الإنتاجية. أما الأرض فهي شيء مختلف تمامًا، هي المصدر الذي تُستخرج منه كل الثروة، لكنها ليست ثروة بذاتها لأنها لم تُنتَج. الأرض تشمل كل «الفرص والموارد الطبيعية»، والتربة الزراعية، والأسماك في البحر، والموقع الجغرافي، وحتى الهواء الذي نتنفسه، ويدرجهم جورج جميعًا تحت فئة الأرض وتعريفها (Land).
تكمن أهمية هذا التمييز في طبيعة العرض ذاته، فرأس المال قابل للتوسع عبر الادخار والاستثمار، والعمالة قابلة للزيادة من خلال النمو السكاني والتعليم والهجرة، وتستطيع أي دولة، نظريًّا، مضاعفة قوتها العاملة خلال جيل واحد. ولكن الأرض؟ الأرض ثابتة المعروض، لا يمكن تصنيعها. وهذا الثبات في المعروض ينتج ديناميكيات اقتصادية مختلفة جذريًّا لا تنطبق على أي سلعة أخرى في السوق، حيث يتحول أي نمو اقتصادي إلى ارتفاع في قيمة الأرض بدلًا من توسع في إنتاجها.
تخيل لو أنتجت كومة ضخمة من سندات الدين التي تسجل من يملك ماذا ومن يدين لمن، ولو تراكمت هذه السندات، أنت لم تخلق أي ثروة حقيقية؛ هذه السندات تملك قيمة لأنها تشير إلى أشياء حقيقية، لكن كومة الورق لا تجعل أحدًا أغنى على المستوى الإجمالي.
الأرض قيمة بلا شك، ويدفع الناس مبالغ هائلة لامتلاكها، إلا أن امتلاك الأرض لا يخلق شيئًا جديدًا في ذاته، بل يسجل فقط من له الحق في منع الآخرين من استخدام قطعة معينة من «الطبيعة». الأرض هي الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر، لكن ليست الثروة بذاتها، بل المصدر الذي تُستمد منه كل الثروات الأخرى.
من يصنع قيمة الأرض
بيت في الرياض في حي الياسمين تساوي قيمته ثلاثة ملايين ريال، أي أضعافًا مضاعفة من قيمة بيت مماثل في إحدى القرى، الذي قد يساوي 500 ألف ريال، أو حتى بيت في وسط الصحراء على سبيل المثال، وإن كانت المساحة ذاتها، وعدد الأدوار والغرف ذاتها، وسنة البناء واحدة، والتشطيبات وتكلفتها متماثلة. ما الذي يفسر هذا الفارق هنا؟ لدى تجار الأراضي مقولة: «الموقع، الموقع ثم الموقع.» والسبب أنك لو بنيت مبنى متواضعًا في صحراء الربع الخالي، فإن قيمة العقار تكاد تكون بالكامل من المبنى نفسه، لأن الأرض هناك لا قيمة لها تذكر، أما لو بنيت المبنى ذاته في حي الملقا بالرياض مثلًا، فستجد أن القيمة في الأرض وليست في البناء.
الأرض في حي الياسمين لم تكتسب قيمتها بسبب أي جهد بذله المالك، بل اكتسبت قيمتها بفعل شبكة الطرق التي موّلتها الدولة، ومشاريع المترو التي كلفت الخزينة العامة مليارات الريالات، والمدارس والمستشفيات التي بُنيت من المال العام، والشركات وملايين السكان الذين اختاروا العيش في المدينة فمنحوها حيويتها. هذه القيمة الجماعية تتجسد في أسعار الأراضي، أما مالك الأرض فلم يسهم في خلق أي من هذه القيمة، المجتمع هو من صنعها، والمالك صودف أنه كان يحمل الصك. المجتمع بمؤسساته العامة والخاصة هو من صنع هذه القيمة، أما صاحب الصك فكان مجرد متلقٍ لها.
التطوير العقاري، على سبيل المثال، يتطلب توفير تمويل وتحمل مخاطرة كبيرة، والمطور العقاري حين يضخ رأسماله في تشييد مجمع سكني، فإنه يتحمل فعلًا مخاطرة البناء، من تقلبات أسعار مواد البناء وتكاليف العمالة وتأخر التراخيص، لكن حين يشتري تاجر الأراضي قطعة أرض في حي واعد وينتظر ارتفاع قيمتها، فإنه لا يمارس نشاطًا إنتاجيًّا حقيقيًّا، وإنما يراهن على الوقت، مدركًا أن جهود الآخرين ستعزز قيمة الحي، ليجني هو الثمار، بل ربما يبقيها فارغة، وهذا منطقي من زاويته لزيادة أرباحه مع تقليل المخاطر، صانعًا ما يسمى تكلفة خارجية -غير مسعرة- (Externality) على المجتمع وعلى تخطيط المدينة ونسيجها المجتمعي.
المدينة شبكة اجتماعية
يستدعي السياق أن نستطرد ونطرح سؤالًا مهمًّا: لماذا تنشأ المدن ولماذا نسكنها؟ لسبب ما، تجد كثيرين ممن لا يحبون العيش في المدن، ومن وقت لآخر تجد بعضًا ممن يبررون رغبتهم في الخروج من الرياض، مثلًا، بسبب الزحام أو عدم مواءمة أسلوب المعيشة عمومًا مع تطلعاتهم، لكن مع ذلك تستمر الرياض بكونها مركز جذب لرأس المال البشري والمالي على مستوى الشرق والعالم. وهذا لأن المدن تجسد «تأثير الشبكة» (Network Effect)، وهو التأثير الذي يحدث حين تتعاظم قيمة الشيء بتزايد مستخدميه؛ وكلما تزايد مستخدموه، تعاظمت الحوافز لدى الآخرين للانضمام، مما يشكل حلقة تغذية راجعة إيجابية.
المدينة هي شبكة حية متكاملة من السكان والكفاءات والعلاقات والروابط الاجتماعية والمؤسسات، سكانها يعززون منفعتها وقيمتها للآخرين. وكلما زاد عدد السكان، زادت فرص العمل المتاحة، وزاد تنوع الخدمات، وانخفضت تكلفة المعاملات بين الأطراف الاقتصادية.
في الاقتصاد يوجد ما يسمى «أثر التكتل» (Agglomeration Effect)، حيث يتزايد الطلب على الأراضي القريبة من التجمعات السكانية الكبرى والمناطق ذات النشاط الاقتصادي والتجاري المرتفع. ولا تنسب الزيادة في قيمة الأرض إلى جهود فرد بعينه، بل إلى المساهمات الجماعية لأفراد المجتمع في تطوير المنطقة المحيطة بها.
ظاهرة تأثير الشبكة ترتبط عادة بمواقع التواصل الاجتماعي، تويتر وفيسبوك ولينكدإن، أو متجر أبل للتطبيقات وموسوعة ويكيبيديا. ويبدأ تأثير الشبكة عادة بالإكثار من الحوافز وتذليل العقبات لتبنّي الشبكة من عموم الناس. وبما أن الشبكة في بدايتها لا تملك مستخدمين، فهي بلا قيمة فعلية، ومع أن المالك (على عكس الأرض) قد يكون صنع قيمة فعلية مضافة بمنصة ذات متطلبات تقنية ومخاطرة، لكن من يحقق قيمتها فعلًا هم الناس؛ هي منصة تتطلب نشاطات فوقها لتخرج قيمتها إلى أرض الواقع.
تبدأ الشبكة بمن يصنعها والمتبنين الأوائل للشبكة ثم يتبعهم عموم الناس، وحين يصل عدد المستخدمين إلى عتبة معينة، يصبح الانضمام قرارًا بديهيًّا لمعظم الناس. لماذا؟ لأن أصدقاءك هناك، والمقربين منك هناك، والنقاشات التي تهمك تدور هناك. المنصة لم تعد خيارًا، بل ضرورة اجتماعية، من لا يملك حسابًا يشعر بالعزلة، كمن يسكن خارج المدينة بعيدًا عن كل شيء. حين تنجح هذه المنصات في تكوين هذا التأثير، تميل عادة إلى أن تسير بالمسار نفسه. فعند حدوث ما يسميه الاقتصاديون «تكلفة التحويل» أو «الحجر على المستخدم» (Switching barriers)، لا يدور الأمر بالضرورة فقط حول جودة الخدمة والمكان، بل بما راكمه المستخدم داخل المنصة، من سنوات من المنشورات والبصمات الاجتماعية، وشبكة علاقات بناها بجهده، وسمعة رقمية ومتابعين جمعهم عبر الزمن، ومحادثات وذكريات لا يمكن نقلها. المغادرة الآن هي هجرة مؤلمة تتطلب التخلي عن رأسمال اجتماعي متراكم.
حين تصل المنصة إلى «الكتلة الحرجة» من المستخدمين، تتحول من مقدم خدمة إلى محتكر لموقع استراتيجي في الفضاء الرقمي، تمامًا كملاك الأراضي في قلب المدينة. عندها تبدأ باستخراج الريع، ليس لأنها تقدم قيمة إضافية، بل لأن المستخدم لا يستطيع المغادرة، والهجرة أو السكن بعيدًا يأتي بتكلفة اجتماعية على المستخدم، وكذلك الشبكة! لكن بشكل تراكمي عبر الزمن.
أحد أبرز مفكري سيليكون فالي، بمعرفته الضليعة بالشبكات الاجتماعية، قال عبارة بقيت معي: «لا يمكن لجودة الشبكات إلا أن تتراجع» (The quality of networks can only decline).
قانون الريع: كيف يلتهم الريع كل القيمة
وفقًا لقانون الريع، يُحدد الريع العقاري وفقًا لما يعرف بـ«هامش الإنتاج»، أي الفارق بين ما يمكن إنتاجه من قطعة أرض معينة (الموقع أ أو ب) مقارنة بأقل البدائل إنتاجية (الموقع ج)، وبذلك كلما ارتفع الفارق الإنتاجي، ارتفع الريع الذي يستطيع مالك العقار استخلاصه، بصرف النظر عن أي جهد يبذله في العملية.
للتبسيط، لنفترض أنك مستثمر زراعي في إحدى المناطق الزراعية في الجوف، وتوجد ثلاث قطع زراعية اثنتان منها متاحة، وسنقيم إنتاجيتهم بوحدات ربحية:
الأرض (أ): أرض خصبة ممتازة، إنتاجيتها 100 وحدة ربحية.
الأرض (ب): بالجودة نفسها، إنتاجيتها أيضًا 100 وحدة ربحية.
الأرض (ج): أرض ضعيفة الإنتاجية، إنتاجيتها 10 وحدات ربحية.
لو كنت أملك الأرض (أ) فقط، فلن أستطيع أن أفرض عليك أي إيجار أو أن أستخلص ريعًا منك مقابل العمل بالأرض (أ). بما أن الأرض (ب) متاحة للجميع مجانًا، لماذا تدفع إيجارًا ولو كان حتى وحدة ربحية واحدة، بينما تستطيع ببساطة أن تعمل في الأرض (ب) وتحصل على 100 وحدة منفعة وتحتفظ بها كاملة؟
لكن إذا تملكت الأرض (ب) أيضًا، يصبح الوصول إلى أرض إنتاجيتها 100 وحدة ربحية غير ممكن إلا عبر المالك. هنا يظهر سؤال: كم يمكنني أن أفرض من إيجار أو أستخلص من ريع؟ (100 – 90 = 10) وحدة ربحية. بمعنى، أقصى ما يمكنني تحصيله هو 90 وحدة ربحية، لأنه إن طُلب منك أكثر من ذلك، فسيكون الأفضل لك أن تترك الأرض الخصبة وتذهب إلى الأرض (ج) المجانية وتكتفي بعائدها البالغ 10 وحدات ربحية.
ما يستوقفنا هنا كذلك أن مالك الأرض -بخلاف مالك رأس المال- لا يسهم فعليًّا في الإنتاج إلا من خلال وظيفة واحدة هي احتكار الوصول إلى الأرض. وعلى عكس الآلات أو المعدات التي يمكن تصنيعها وزيادتها، تمثّل الأرض قيدًا غير مرن على العمل والإنتاج؛ إذ لا يمكن للعامل أن يعمل دون موقع يعمل فيه، وبذلك يأخذ مالك الأرض حصته أولًا قبل العامل وقبل المستثمر، ليس لأنه أضاف قيمة، بل لأنه البواب لعملية الإنتاج.
يقول الكاتب الاقتصادي لارس دوسيه -الذي يتبع مدرسة جورج الاقتصادية- إن الريع يتوغل في الاقتصاد بأكمله، وينفذ إلى كل طبقاته، ويمتص كل القيمة الإنتاجية مع الزمن. ويستعرض كذلك رسمًا بيانيًّا من الاقتصادي البارز توماس بيكيتي، حيث يظهر توزيع الأصول الشخصية في إسبانيا عبر ما يزيد على قرن من الزمن، يبين فيه أن النصيب الأكبر من قيمة الأصول مع الزمن تميل إلى أن تتجه إلى الريع أو الأرض، ويقول حتى مع إدراج «الأصول المالية»، التي تمثل بجوهرها مطالبات مالية (التزامات) تستند قيمتها النهائية إلى أصول حقيقية كالأرض أو الثروة، وإذا استبعدت هذه الأصول، فإن نسبة القيمة الممثلة بالأرض تبدو أعلى مما يوحي به الرسم البياني.

حسب الكاتب الاقتصادي لارس دوسيه، تمثل الأراضي نسبة جوهرية من إجمالي القروض المصرفية الكبرى في كثير من الدول، ويقول: «رغم أن تمويل إنشاء المساكن الجديدة يعد نشاطًا إيجابيًّا، فإن الأموال المتداولة في شراء الأراضي وبيعها لا تُسهم في خلق قيمة إنتاجية حقيقية، لعدم توليد أصول ملموسة جديدة. التوسع في الائتمان منخفض التكلفة الموجه للأراضي قد يؤدي إلى زيادة المضاربات وارتفاع الأسعار. وبذلك، لا يقتصر أثر التمويل العقاري في عدم تحسين الأداء الاقتصادي، بل يمتد إلى تعميق اختلالاته. وقد بلغت حصة العقار من رأس المال الوطني في فرنسا مستويات مرتفعة، وصلت في عام 2010 إلى ما بين 55% و61%، وتشير المؤشرات إلى أن صعوبة تملك المساكن ليست مجرد نتيجة لعدم المساواة، بل عامل رئيس في تكريسها، حيث تسهم البنوك في ذلك عبر دورها كمالكين ريعيين غير مباشرين للاقتصاد ككل.»
ويعزز هذا ما ذهب إليه هنري جورج: أن تجار الأراضي يضطهدون كلًّا من العاملين ورأس المال، فيسلبون العامل المجتهد والمستثمر ثمرة جهدهما ونصيبهما العادل.
الإنتاجية المعاقبة
دائمًا ما كانت المدن محركًا للابتكار والنمو الاقتصادي، لكن مع ذلك يرى جورج أن التقدم قد يحمل في طياته الفقر، فحين تزدهر المدن وتعلو إنتاجيتها، ترتفع الإيجارات أو الريع أسرع من ارتفاع الأجور، ويظن الموظف دائمًا أنه تقدم خطوة، فإذا بالزيادة تذهب مباشرة إلى مالك المسكن. ومع الوقت، تنكمش أجور الموظفين لتستقر عند «قوت يومهم»، أي الحد الأدنى الذي يقبل به العامل ليستمر في الحضور والعمل. تخيل مثلًا موظفًا من أبها أو الشرقية أو القصيم وجد عملًا في الرياض، فحتى مع زيادة هائلة في إنتاجيته التي ترافقها زيادة أجره، تمتص الأرض هذه الزيادة، وأحيانًا ينتهي أن يكون أجره لا يختلف بشكل كبير عن مدينته بعد خصم الريع (الإيجار).
يقول الكاتب الاقتصادي لارس دوسيه: «في المناطق الحضرية، يغلب أن تكون القيمة السوقية للعقار ناتجة أساسًا عن الأرض، وليس عن تكلفة تشييد المبنى، ووفقًا لبيانات منشورة لدى معهد لنكولن لسياسات الأراضي، تمثل الأرض ما بين 70% و85% من إجمالي قيمة العقارات في مدن كسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس ونيويورك.»
يقول هنري جورج كذلك: «على الرغم من أن الأجور والفائدة لا ترتفعان في أي موضع مع تواصل التقدم المادّي، فإن السمة الملازمة له على الدوام -وعلامته الفارقة- هي ازدياد الريع، أي ارتفاع قيم الأراضي.»
الدورة الاقتصادية العقارية
هنري جورج كان لديه رأي جريء آخر، وهو أن فترات الكساد الصناعي سببها المضاربة على الأراضي. ويوضح الكاتب الاقتصادي لارس دوسيه، أن المضاربة العقارية تميل بطبيعتها إلى الضغط على هامش الإنتاج حتى يتجاوز حدوده المستدامة، مما يجبر العمالة ورأس المال على القبول بعوائد متناقصة إلى الحد الذي يعيق الإنتاج فعليًّا أو يوقفه كليًّا.
كذلك يذكر أن المتنفس الوحيد هنا الذي يمنع أزمةً اقتصادية هو النمو السكاني أو التطور التقني، فهما يرفعان الإنتاجية ويعيدان عجلة الإنتاج للدوران. لكن سرعان ما ترتفع قيم الأراضي مجددًا، حيث يتسابق المضاربون على رفع الأسعار توقعًا لارتفاعات مستقبلية أعلى، مما يعيد الضغط على هامش الإنتاج من جديد. وبذلك يصف لارس الدورة على هذا النحو: «ترتفع الإنتاجية، ينتعش الاقتصاد، تصعد قيم الأراضي، ثم يتباطأ الإنتاج أو يتوقف، مهما بلغ الاقتصاد من تعقيد الأدوات المالية (Layer of financialization)».
ولهذا ضريبة الأراضي البيضاء خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها، حسب هنري جورج ولارس دوسيه، لن تغير هيكل الحوافز على الأرض بشكل كامل، وتؤجل الأمر.
لمن يجب أن تعود قيمة ريع الأرض
لنتوقف هنا قليلًا. أدرك أن الإجابة لن تلقى قبولًا لدى معظم الناس، مع أن الإجابة من هنري جورج ليست بالضرورة الإطار النهائي الأنسب، فقد طرأت عليها تحسينات ومقترحات. لكن إذا وصلت إلى هذه الفقرة، فالأرجح أن شيئًا في هذه المقالة قد لامس اهتمامك أو استوقفك. أعدك أن الإجابة ذات منطق متماسك وأساس اقتصادي علمي، وقد تظل غير مقتنع بها رغم ذلك، ولكن ربما تمنحها مساحة للتصديق، ولو بلا حماسة، أو أن تقر بها مكرهًا دون أن تنحاز لها، فهذه الحياة في كثير من الأحيان.
نعود إلى سؤالنا: من الذي يستحق ريع الأرض؟ لدينا الإجابة تقريبًا! الإجابة تكاد تتضح في «ضريبة الأراضي البيضاء» التي هي في جوهرها مستمدة من نموذج ضريبي قدمه هنري جورج: «ضريبة قيمة الأرض» (Land Value Tax)، وهي مشابهة لفكرة ضريبة الأراضي البيضاء، عدا أنها ضريبة على الأراضي غير البيضاء، ضريبة على الأرض مطورة أو غير مطورة، لكن ليست ضريبة على البناء فوقها أو التحسينات التي تمت عليها، بل تقتصر فقط على الأرض باعتبارها كيانًا أو عنصرًا مستقلًّا عما بُني فوقها. كثير من الدول لديها ضرائب على الملكية، وضريبة الملكية تفرض ضريبة على التحسينات على الأرض كذلك، وبذلك تضع حافزًا لعدم تحسين الملكية وإبقائها فارغة، أما ضريبة قيمة الأرض فلا تقوم بذلك.
قدم هنري جورج إجابته في كتابه «التقدم والفقر». وبالعادة لا يجتمع اقتصاديون من مدارس متباعدة على رأيٍ واحد بسهولة، إلا أن كتاب هنري نجح في تحقيق قدر من القبول لدى أسماء بارزة مثل باول كروقمان وفريدريش هايك. بل إن إدوارد قلايسر، بروفسور الاقتصاد الأمريكي في جامعة هارفارد، يقول: « لا أعرف أي اقتصادي لا يرى أن ضريبة قيمة الأرض فكرة جذابة.»
ميلتون فريدمان، مع أنه يرفض معظم أنواع الضرائب، قال عنها: «الضريبة الأقل سوءًا»، لكونها من الضرائب القليلة التي لا يمكن تمريرها أو ترحيل تكلفتها إلى طرف ثالث، كذلك هي الضريبة الوحيدة بلا «فاقد في الكفاءة» (Deadweight loss)، أي إنها لا تحدث تشوهًا اقتصاديًّا. ففرض ضريبة على رأس المال مثلًا، قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار. أما الأرض فمعروضها واحد؛ لا يمكن لأحد أو لحافز أن يقلل معروضها عند فرض ضريبة عليها.
تَحدُّ ضريبة قيمة الأرض من جدوى المضاربة في الأراضي، إذ تغير هيكلة الحوافز وتجعل الاحتفاظ بها دون تطويرها خيارًا مكلفًا ماليًّا، ما يدفع المالك إلى تطوير الأرض واستثمارها، أو نقل ملكيتها إلى طرف أكثر قدرة على تطويرها. والنتيجة هي رفع كفاءة استخدام الأراضي، والقدرة على التوسع الرأسي أكثر، وزيادة الكثافة العمرانية، بما يقلّل التمدّد الأفقي ويخفض الضغط والإنفاق الهائل على البنية التحتية ويقلل الزحام.
علاوة على ذلك، في عام 1977، قدم جوزيف ستيقلتز، الاقتصادي الحائز على نوبل في الاقتصاد، برهانًا عُرف لاحقًا بـ«مبرهنة هنري جورج»، وفيها أنه في ظروف معينة يوازي ريع الأراضي حجم الإنفاق الحكومي على السلع والخدمات العامة. ووفقًا لهذه النتيجة فإن تحسين تصميم ضريبة قيمة الأرض وتطبيقها بكفاءة قد يفتح مجالًا لتمويل نسبة معتبرة من الخدمات الحكومية، مع الحد من الحاجة إلى فرض ضرائب ورسوم على عناصر الإنتاج الأخرى، كالأجور ورأس المال أو غيرها من الضرائب.
من الاعتراضات المنطقية على ضريبة الأراضي التساؤل عن مبرر فرض ضريبة على جهد وعمل راكمه كثير من الناس عبر سنوات طويلة. ويعد الاعتراض وجيهًا من حيث المبدأ، لكن يمكن توجيهه إلى أي ضريبة أخرى. وقد طرح الاقتصادي هنري جورج حلًّا لهذا الإشكال عبر ما أسماه «عوائد المواطن» (Citizen's Dividend)؛ لم يكن هدفه مجرد زيادة الضرائب، بل إعادة تصميم هيكلة الحوافز الاقتصادية، بحيث تعاد حصيلة الضريبة إلى المواطنين بصيغة عوائد مباشرة أو غير مباشرة. كما اقترح اقتصاديون معاصرون من المدرسة الجورجية تطبيق الضريبة بصورة تدريجية على مدى عقود، مع إتاحة خيار تأجيل السداد للملاك المقيمين في مساكنهم، أو وضع حد أدنى (Threshold)، على نحو مماثل لما هو معمول به في ضريبة الأراضي البيضاء عبر تقسيم المساحات إلى فئات أو وفق الثروة.
مع ذلك، الظاهر أن ضريبة الأراضي البيضاء تحظى بتأييد واسع، لأنها توافق تطلعات كثير من الناس، وأثرها السلبي لا يمس المعظم، بل يمس عددًا محدودًا من الناس. في الرياض مثلًا، ملاك الأراضي البيضاء يُقدَّرون بما يزيد على عشرة آلاف مالك، تمثل الشركات والمؤسسات والصناديق 15% منهم تقريبًا، وهذا يدل على تركز للثروة أيضًا.
لكن تحصيل ضريبة على قيمة الأرض يعد في جوهره إعادة توجيه للقيمة التي صنعها المجتمع إلى المجتمع ذاته! فقيمة الأرض لا تتكوّن بمعزل عن محيطها، بل تنشأ من الاستثمارات العامة، ونشاط القطاع الخاص، وتراكم جهود السكان والعاملين في المكان، وبهذا يمثل استحواذ المالك على تلك الزيادة عبر الريع انتفاعًا بقيمة لم ينشئها بنفسه، وإنما نتجت عن استثمارات الآخرين وجهودهم، وبذلك تحدُّ من احتكار ملاك الأراضي للقيمة التي يصنعها المجتمع.
إن ضريبة قيمة الأرض يمكن أن تعزز القدرة على تملك السكن وتخفيض تكلفته على المواطنين، مع إنهاء الحوافز الضارة (Perverse Incentive) ومعالجة التشوهات السوقية التي تشجع على المضاربة غير المنتجة، وتعزيز الاستخدام الأمثل والأكثر كفاءة للأراضي، والحد من الممارسات التي تؤدي إلى استنزاف الأجور وفرض الإيجارات المبالغ فيها على الناس أو التجار حتى. كذلك تساعد على تحفيز الاستثمار ورفع الإنتاجية، وتوجيه الريع لحساب المواطن أو المنفعة العامة عمومًا، إلى جانب إمكانية خفض الرسوم الأخرى كما يذكر الاقتصادي ستيقلتز.
العقار الابن البار
الأنظمة الاقتصادية الحديثة تقوم على مكافأة أقل الأصول والأنشطة إنتاجًا، وكثير من التجار يدرك، ربما متأخرًا، أن عمله الإنتاجي مهما كان ذا قيمة للمجتمع، لن يدر العائد نفسه من الأراضي. هناك مقولة تُنسب إلى مؤسس بنك البلاد: «أهم شيء بالدنيا: تقوى اللّٰه ثم العقار.» العقار ابن بار فعلًا وليس عاقًّا؛ بار بملاكه، لكنه عاق للاقتصاد عمومًا. هنري جورج، قبل أكثر من مئة عام، تحدث عن نوعية من الناس في زمنه، مبينًا نمطًا اقتصاديًّا معينًا واستجابة الناس له. يقول جورج:
«تخيل لو سألت التاجر الحصيف، ذاك الذي لا تستهويه النظريات، إنما يحسن جمع المال، وقلت له: هذه قرية صغيرة، وبعد عشر سنين ستغدو مدينة عامرة، سيحل فيها القطار محل العربة، والمصباح الكهربائي محل الشمعة، وتزخر بكل ما يضاعف قوة العمل أضعافًا مضاعفة، هل سترتفع الفائدة بعد عشر سنين؟ سيجيبك: لا. وإن سألته: هل سترتفع أجور العامل البسيط؟ لأجابك: كلا، لن ترتفع. فإن سألته: فما الذي يرتفع إذن؟ لقال: الريع (أو الإيجار)، سترتفع قيمة الأرض، فاذهب واحصل على قطعة أرض واحتفظ بها. ودون أن تحرك ساكنًا، ودون أن تضيف إلى ثروة المجتمع ذرة واحدة، ستصبح غنيًّا بعد عشر سنين! وفي المدينة الجديدة قد يكون لك قصر فاخر، غير أن بين مبانيها العامة ستكون دار للعجزة والمساكين.»
في عدد كبير من دول العالم خلال السنوات الأخيرة، برزت تحولات ملحوظة في توزيع حصة تملّك العقار لدى فئات عمرية محددة. تشير البيانات في الولايات المتحدة مثلًا إلى أن كل جيل صار يتجه إلى تملّك المساكن في سنٍّ متأخرة مقارنةً بالجيل الذي سبقه. سجَّل جيل البومرز (1946 - 1964) أعلى مستويات التملّك عبر الفئات العمرية بنحو 65% يليه جيل إكس (1965 - 1980) بنسبة تقارب 63% وفي المقابل، يتأخر جيل الميلينيالز (1981 - 1996) بصورة واضحة، إذ لم تتجاوز نسبة التملك لديهم عند سن الثلاثين نحو 42% ويستمر هذا التباين مع التقدم في العمر.
في السعودية، 70% من المجتمع تحت سن 35 عامًا، ولا توجد بيانات تقسِّم حصة كل جيل، لكننا نملك بيانات حول معدل تملّك كل جيل، وفقًا لآخر بيانات متوفرة من صحيفة أرقام في الشكل التالي:

وفي تقرير لصحيفة عرب نيوز، تشير نتائج مسح نايت فرانك لعام 2025 في السعودية إلى وجود ضغوط متزايدة على القدرة الشرائية؛ حيث يستهدف كثير من المشترين نطاقًا سعريًّا بين 750 ألفًا و2.5 مليون ريال، في حين يتجاوز متوسط سعر الفلل في الرياض هذا النطاق ليبلغ نحو 2.8 مليون ريال، ما يدفع شريحة الشباب وذوي الدخل المتوسط إلى تفضيل وحدات أصغر، ويقلّص إقبالهم على التملك. كذلك تذكر الصحيفة أن سوق الإسكان السعودية تشهد نموًّا متسارعا في الطلب، إذ أظهر تقرير حديث أن 72% من المواطنين والمقيمين أبدوا رغبتهم في تملك المسكن.
العقار أبدى برًّا واضحًا للأجيال القديمة، إذ إن ارتفاع العقار في الواقع هو عملية تحويل ثروة؛ عملية تحويل العوائد من منتجين وصناع القيمة (معظمهم شباب) إلى المالكين؛ وهم بشكل متزايد من الأجيال القديمة، وربما تملكوا في وقت مناسب حيث لم تعظم قيمتها العوائد النفطية بعد.
هل نريد فعلًا أن ينخفض العقار؟
تقوم الاقتصادات الحديثة على أن يكون المسكن أصلًا رئيسًا لتكوين ثروة الطبقة المتوسطة، وهذا الارتباط يجعل الحفاظ على مستويات الأسعار المرتفعة أمرًا تفضله شريحة واسعة من الملاك، لكونه يعزز القيمة السوقية لأصولهم، وهذا يعد تفضيلهم الظاهر.
ترمب مؤخرًا، بأسلوبه الفظّ المعتاد، قال: «كما تعلمون، هناك فكرتان بخصوص الإسكان، كثير من الناس يمتلكون منازل لأننا نعيش فترة قوية جدًّا ولدينا سوق قوية جدًّا، منازلهم ذات قيمة عالية جدًّا، وهي تشكل جزءًا كبيرًا من صافي ثروتهم. أنا لا أريد أن أخفض هذه الأرقام، لأنني أريد أن تستمر منازلهم في الاحتفاظ بقيمة كبيرة. وفي الوقت نفسه، أريد أن أجعل من الممكن للشباب وغيرهم شراء مساكن. وهنا يوجد نوع من التعارض، فلو أنشأت عددًا كبيرًا من المساكن فجأة، فإن ذلك قد يؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات، لذلك أريد أن أراعي الناس الذين يمتلكون منازل لها قيمة، قيمة لم يكونوا يتخيلونها من قبل وجعلتهم أثرياء وسعداء.»
دائمًا هناك تحيز للمحافظة على الوضع القائم (Status quo bias)، كذلك لا يرغب كثيرون في في نزول العقار فعلًا، أو لا يريدون التعامل مع التبعات. وماذا يعني ذلك فعلًا؟ الناس متناقضون أحيانًا تجاه الأمور الاقتصادية بشكل طريف، كثير منهم يرغب فقط في حصة في النظام الاقتصادي (A stake in the system)، لهم وللمقربين منهم، في شيء ربما يشعرون بأنهم قد فاتهم ركبه (Priced out). لكن كما يقول الكاتب الاقتصادي لارس دوسيه: «السكن إما أن يكون ميسور التكلفة أو أصلًا استثماريًّا. لا يمكن أن يكون الاثنان معًا.»
لكن هل المقصود من ذلك تحميل تجار العقار المسؤولية؟ وهل هذا ما يهدف إليه جورج؟ قطعًا لا. كنت أعتقد دائمًا، وما زلت، أن لوم تجار العقار يميل إلى أن يكون غير منطقي تحكمه العواطف. ملاك العقار هم الأب والأخ والصديق والقريب ومختلف شرائح المجتمع، وملاك العقار من كبارنا، أو حتى أثرياء العقار، ليسوا بالضرورة سعيدين بارتفاع العقار. ملاك العقار هم أفراد يستجيبون للحوافز، لو وُضع أي فرد مكانهم مع الحوافز نفسها، لن يختلف سلوكه غالبًا. جميعنا أفراد نعيش تحت أنظمة اقتصادية. النقاش حول فرض رسوم على الأراضي البيضاء ليس نقاشًا عن معاقبة الملاك بقدر ما هو إعادة هيكلة للحوافز التي حولت الأرض من أداة للتنمية إلى عبء اقتصادي، بحيث توجه القيمة التي يصنعها المجتمع عبر الاستثمارات العامة ونشاط القطاع الخاص إلى المجتمع ذاته بدل أن تُلتقط عبر الريع والاحتكار.
«حيث تبلغ قيمة الأرض قمتها، تُظهر الحضارة أقصى مظاهر الترف جنبًا إلى جنب مع أشد أنواع الحاجة.» هنري جورج، 1879.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

فقرة حصريّة
اشترك الآن


كيف ستغيّر رسوم الأراضي البيضاء سوق عقار الرياض؟ وهل ستنهي الإجراءات الجديدة سلوك اكتناز الأراضي البيضاء المتنامي منذ عقود؟
في مقالة «هل ستخفض رسوم الأراضي البيضاء أسعار عقار الرياض؟» المنشورة في نشرة الصفحة الأخيرة من ثمانية، يجيب الاقتصادي محمد آل جابر عن هذين السؤالين، وعدّة أسئلة أخرى تشيع في السوق العقارية والاقتصاد السعودي هذه الفترة.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.