«It Was Just an Accident»: انتقام المضطهدين في إيران



«It Was Just an Accident»: انتقام المضطهدين في إيران

علي حمدون

لطالما ظننتُ ـوكنتُ مخطئًاـ أن المهرجانات العالمية تميل إلى عدِّ تجربة صناعة الفِلم الإيراني «الحليّ» التي يتبختر بها، بمعنى: الجزء الأجمل من قيمته، كمغامرةٍ تُدرج على أنها عنصر حماسي يُشعرهم بالمجازفة المحفوفة بالمخاطر. ولهذا عبّرتُ عن عتبي ذات مرة حيال جمهور لا يطرب إلا لاجتماع العُرس بألم الضرس، كما يُقال، ليس فقط لِما في العمل من فن ورسالة ورمزية وتعرية لكائنات مأزومة، بل لأن مُخرجه سُجن أو عُذِّب، أو عبَر مئات الأميال سيرًا على الأقدام ليصل إليهم، أو لكونه هرَّب فِلمه داخل كعكة عيد ميلاد متحايِلًا على حكومته!

والأخير هو جعفر بناهي، الشهير في وسط «سينما ما تحت الأرض» المصوِّرة للجانب المظلم في إيران، الذي فاز بالسعفة الذهبية نهاية شهر مايو، عام 2025، عن فِلمه «It Was an Accident». إذ بدأ الخبر المبرِّر لفوزه بهذه الصياغة: «رغم الإقامة الجبرية والمنع، فاز المخرج الإيراني جعفر بناهي بالسعفة الذهبية.» هكذا قُدِّمت المعاناة قبل التتويج، كأن التفوق لمن صنع من المحنة ميزةً دعائية تورثه منحة. 

مجددًا، أوضح أني مخطئ، لأسباب سأذكرها بعد الحديث عن الفِلم الذي تناول فيه جعفر حكاية الجلّاد، العنصر الأساسي الجامع للعناصر المجلودة كافة. وهذه الصورة المبتذلة، كما في المرويات التي اعتدناها، تُقدِّمه نتاجًا طغيانيًّا امتثاليًّا غير مدركٍ لطغيانه، إذ يرى نفسه مجرد أداة بريئة تخضع لإرادة غير إرادته، أي وسيطًا بالفعل. وتُسقِط هذه القناعة عنه مساءلته الأخلاقية بدعوى الطاعة. 

ولنا في الحكاية المأثورة أمثولة، حين قال الجلّاد لابن تيمية وهو يعذّبه في سجنه بدمشق: «اغفر لي، فأنا مأمور»، فجاءه الرد: «والله لولاك ما ظلموا!». هذا التجريد من الشخصنة يفتح بابًا تُعاد فيه صياغة العلاقة مع المعتدي على نحوٍ يُشبه عقدة ستوكهولم، حيث يُستدعى المثل «مُكرَهٌ أخاك لا بطل» بوصفه ذريعة للتعاطف. 

ووفق منطق أن الدنيا صغيرة إلى حدٍّ يجمعنا القدر فيها بمن نكره، أو بصيغة ستوكهولمية: بمن فعل بنا ما نكره من غير حولٍ منه ولا قوة، يلتقي رجل يُدعى «وحيد»، يعمل ميكانيكيًّا ويُلقَّب بـ«الإبريق» بسبب استناد ظهره إلى يده باستمرار جرّاء عاهة مستديمة، صدفة بمن يعتقد أنه جلّاده والمتسبّب في هذه العاهة، «إقبال» السادي صاحب الساق الصناعية الذي يُعرَف من مشيته، وذلك بعد تعرُّض سيارة الأخير لعطلٍ اضطرّه إلى التوقّف برفقة عائلته في ورشة «وحيد». وفي اليوم التالي، يلاحقه ويقتاده إلى الصحراء، عالقًا بين نزعة الانتقام ورغبة الوصول إلى الحقيقة، في وقتٍ يواصل فيه «إقبال» إنكار أي تورّط له في الأمر. 

ينطلق «وحيد» في رحلة شاقّة للتحقّق من هوية الرجل، فيجوب به أحياء المدينة على متن سيارته المتهالكة، مستعينًا بعددٍ ممّن يعتقد أنهم من ضحاياه السابقين لمساعدته على التعرّف عليه واتخاذ قرار بشأن مصيره: المصوِّرة «شيفا»، الصحفية السابقة، والعروسان «علي» و«قولي»، والشاب العصبي «حميد». يحمل كلٌّ منهم أثرًا شخصيًّا منسوبًا إلى ذلك الجلّاد، غير أن أحدًا لا يمتلك يقينًا كاملًا، إذ كانوا معصوبي الأعين في أثناء التعذيب، معلَّقين من عراقيبهم بالسقف. فتتوالد الشهادات المتعارضة وتتراكم الشكوك دون أن تهدأ. وعلى امتداد هذه الرحلة، تتوالى مواقف تنتمي إلى كوميديا عبثية، تتأرجح فيها المشاعر بين الإدانة والتعاطف، والتمسّك بالماضي المؤلم، مع رغبة ملحّة في تجاوزه.

ولعلّ عملية إضفاء أكثر من شخصية، تختلف كلٌّ منها عن الأخرى، تدفعنا إلى التساؤل عن مغزى هذا التكديس السردي، إذ لم يكن الأمر كذلك في فِلم «لعبة الدم» (خون بازي) الذي تناول مشكلة الإدمان عام 2006، حيث بلغ عدد المتعاطين 1.1 مليون، ومع ذلك لم تتطلب معالجة موضوع بهذه الحساسية استحضار رهطٍ من المدمنين، بل اكتفت بالتركيز على قصة واحدة. في عمل جعفر، على النقيض، يجتمع عدد من المعتقلين لتعداد الأسباب الإدانِيّة المؤدية إلى الاعتقال، وهي أسباب تبدو تافهة في جوهرها، فمنهم مَن تظاهر بسبب تأخر مستحقاته لثمانية أشهر، وأخرى خلعت حجابها في مسيرة ما. 

وهذا الاختيار يؤكد أن الفِلم، البسيط في قصته والمعقّد في عاطفته، صُنع ليصل إلى الغرب. وهو الهدف النهائي لمعظم صانعي ما يُعرف بـ«أفلام ما تحت الأرض»، التي تُقدَّم بوصفها سجلًّا دوريًّا للوضع الاجتماعي والثقافي الراهن، بما يعني أن طهران تعيش حالة إصلاح مستمر أو تضييق متواصل، تتأرجح بين إصلاحات رقابية ورقابة إضافية، منذ فترة محمد خاتمي المتساهلة، وصولًا إلى خليفته المحافظ محمود نجاد ومن بعده. 

ولعلّي أجد مبررًا لتقبّل هذه التوضيحات الشارحة، التي كنتُ مخطئًا حيالها رغم كونها مقحمة بإتقان، بالاستناد إلى ما ذكره الدبلوماسي الأمريكي جون لامبرت، الذي احتُجز عام 1979 في السفارة الأمريكية بطهران، إذ أشار إلى أنه يتعمّد عرض الأفلام الإيرانية على طلابه ليُظهر لهم أن الإيرانيين ليسوا كما جرى تصويرهم في «300» أو كما بدوا في «Argo»، لا رجالَ دينٍ منزوعي روح الدعابة، ولا مجانين مهووسين بتفجير «إسرائيل»، وأن المرأة الإيرانية بلباسها الساتر لا تُختزل في صورة الخضوع النمطية. هم ببساطة، شعب كسائر الشعوب، منشغل باهتمامات كونية، مثخن في ماله وأهله، ويعيش تحت نظام راديكالي وحكم ثيوقراطي، وهو تعقيد اجتماعي لا يمكن الإحاطة به إلا عبر السينما.

ختامًا، يعود الفِلم إلى أبسط أدواته ليقول أكثر ما يمكن قوله: كادرٌ ضيّق وثابت يكاد لا يتحرّك، لكنه مشحون بأقصى درجات الانفعال الإنساني عبر حوارات طويلة مؤثّرة من الجلّاد وثالبيه، ولغة ترميزية كثيفة، وكوميديا سوداء مقتصدة. 

ويستمدّ العمل صِدقه من شخصيات حقيقية عاشرها جعفر في سجنه، وأصرّ على أن يُنصت إلى أصواتها ويمنحها حضورًا سينمائيًّا. وقد أُنجز العمل في ظروف استثنائية، بفريق محدود ومُعَدات خفيفة ومواقع نائية اتّقاءً للرقابة. فيما عمل الممثّلون بسرّية تامة، وبعضهم لم يكن على دراية كاملة بمسار الحكاية، معتمدين على حوارات شبه ارتجالية جعلت ردود الأفعال أكثر عفوية وصدقًا. وبعد ذلك، شُقّ طريق الفِلم خارج الحدود، حين هُرّبت مادته المصوَّرة إلى أوربا لاستكمال المونتاج بعيدًا عن أعين السلطات. 

وجميع ما سبق يظلّ خارج معيار حكمي، بوصفي مُشاهدًا يمارس حقه في الأنانية الجمالية عند تقييم الفِلم بمعزلٍ عن ظروف صناعته. لذلك، لا أرى أن الفِلم يستحق أن يُتوَّج بالسعفة الذهبية، وإن كنتُ مخطئًا في عدم تقديري السابق للتجربة الجمالية المتعلّقة بظروف صناعة الأفلام الإيرانية، إذ إن هذه المراجعة أيضًا اتّصلت بظروف إنتاجه أكثر من سرديته، التي بالإمكان تلمظ مرارتها المألوفة التي اعتدناها، بل وعشقناها، كوننا بشرًا تروق لنا أشكال المقاومة، لا سيما الفنية. 


السينما وُجدت لتبقى

متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.

اعرف أكـثر


This Is Not a Film» (2011)»
This Is Not a Film» (2011)»

  • يُعرض الخميس في السينما السعودية فِلم «المجهولة» من إخراج هيفاء المنصور، ومن بطولة ميلا الزهراني. تدور أحداث الفِلم حول «نوال»، موظفة في قسم الشرطة شغوفة بملفات الجرائم الحقيقية، التي تنطلق في تحقيق غير رسمي بعد العثور على جثة فتاة مراهقة مجهولة الهوية في الصحراء، فيتداخل بحثها عن الحقيقة مع مواجهات شخصية واجتماعية. 

  • أُطلق العرض التشويقي لمسلسل «Malcolm in the Middle»، وهو استكمال للمسلسل الكوميدي بعد قرابة عشرين عامًا من توقفه، ضمن عمل قصير مكوّن من أربع حلقات خاصة، يركّز على عودة «مالكولم» إلى عائلته في مناسبة تجمع أفراد الأسرة مجددًا. على أن يبدأ عرض السلسلة في 10 أبريل، عبر منصة «Hulu».

  • حقّق فِلم «Marty Supreme» أكبر افتتاح في تاريخ شركة الإنتاج «A24» على الإطلاق، بإيرادات بلغت 28.3 مليون دولار على الصعيد المحلي في الولايات المتحدة.

  • أصدرت استديوهات «مارفل» إعلانًا تشويقيًّا يركّز على شخصية «ثور» في فِلم «Avengers: Doomsday»، ضمن الحملة الترويجية المبكرة للفِلم المقرر عرضه في 18 ديسمبر، 2026.


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


«Ey Iran»(2:27)

تغيب الموسيقا التصويرية عن أفلام جعفر بناهي لسببٍ جوهري، إذ يتعامل بناهي مع الموسيقا بوصفها تدخّلًا أخلاقيًّا في علاقة المُشاهد بالعمل، وأوضح سابقًا أن الموسيقا «تُخبرك بما يجب أن تشعر به»، بينما يريد هو أن يضعك أمام الحدث بلا «وسيط» أو «توجيه عاطفي». لذلك يقوم عالمه الصوتي على ثلاثة عناصر فقط: الصوت الواقعي، والضجيج الاجتماعي، والصمت. وهذا الاختيار ثابت في معظم أفلامه، ويُعد جزءًا من موقفه الفني قبل أن يكون أسلوبًا له.

Offside 2006
Offside 2006

يتجلّى هذا الموقف في فِلم «Offside» الصادر عام 2006، فالفِلم كلّه مبني على مفارقة سمعية، حيث تُسمع مباراة كرة قدم ولا تُرى. والبنات المحتجزات خارج الملعب يسمعن الهتافات والانفجارات الصوتية، بينما تُحرَم أعينهن من الحدث. هنا يتحوّل الصوت إلى أداة إقصاء؛ فلا موسيقا تُخفّف الانتظار، ولا لحن يملأ الفراغ الزمني.

حالة استثنائية

لكن بناهي يكسر هذا النظام الصوتي في المشهد الختامي من الفِلم، فبعد انتهاء المباراة وخروج الجميع إلى الشارع، يُسمَع نشيد «Ey Iran» بوصفه أداءً شعبيًّا جماعيًّا، لا تسجيلًا موسيقيًّا مضافًا. إذ يُعد «Ey Iran» نشيدًا وطنيًّا غير رسمي، ويُستخدم تاريخيًّا في لحظات الإجماع الشعبي، لا في المناسبات الرسمية.

تُقدَّم هذه اللحظة لتكون اندماجًا مؤقتًا بين رجال الأمن والبنات والجمهور، وما إن تنتهي حتى يعود كل طرف إلى موقعه السابق.

عبد العزيز خالد


فِلم «The Mirror»
فِلم «The Mirror»

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فِلم «The Mirror» الصادر عام 1997، من إخراج جعفر بناهي.

ينطلق الفِلم في بدايته كحكاية واقعية في شوارع طهران، عن طفلة تحاول العودة إلى منزلها بعدما نُسيت أمام مدرستها. يتقدّم السرد بخط مستقيم، ويعتمد على متابعة طفلة تواجه المدينة وحدها.

ثم يأتي هذا المشهد في منتصف الفِلم، حين تتوقّف الطفلة مِينا فجأة عن أداء دورها، وتنظر إلى الكاميرا، وتعلن أنها لا تريد التمثيل، ثم تغادر المكان! هنا ينهار شكل القصة، وتواصل الكاميرا ملاحقة الطفلة في الشارع، ليتخلّى الفِلم عن حيلته السردية ويقرر أن يبقى شاهدًا على ما يحدث.

يرتبط هذا الاختيار بثقافة راسخة في السينما الإيرانية، حيث يتقاطع «الروائي» مع «الوثائقي»، ويُستخدم الأطفال والممثلون غير المحترفين جسرًا بين الحياة اليومية والسينما. في هذا السياق، يكون كسر السرد امتدادًا لرغبة في كشف «التمثيل الاجتماعي»، لا التمثيل السينمائي فقط.

وتتضح هنا رؤية جعفر بناهي في تعامله مع الأطفال بوصفهم ذواتًا مستقلة لا أدوات سردية. وقد أشار في تصريحاته حول فِلم «The Mirror» إلى أنه اختار طفلة «ناضجة» ووضعَها وسط عالم من البالغين الذين يرتدون أقنعة اجتماعية، وأن هدفه كان إسقاط هذه الأقنعة أمام الكاميرا. لذلك، عندما خرجت مِينا من الدور، لم يُعِدها بناهي إلى المسار، وإنما تابعها بالكاميرا وجعل من رفضها جوهرًا للفِلم.

يضع هذا المشهد المُشاهد في موقع مُربِك، إذ لم يعُد يتابع حكاية، ولا يملك يقينًا عمّا إذا كان ما يراه جزءًا من الفِلم أم خروجًا عليه. فيتحوّل من مُتلقٍّ إلى شاهدٍ يراقب حدثًا مفتوح الاحتمالات، وهو تحوّل يتوافق مع قرار الفِلم بالتخلّي عن السيطرة.

عبد العزيز خالد



فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن


تزامن وجود جعفر بناهي في الجبهة، في أثناء خدمته العسكرية في مطلع الثمانينيَّات، مع إحدى أطول الحروب وأكثرها استنزافًا في تاريخ إيران الحديث. وهناك، عُيّن مصوّرًا عسكريًّا مكلّفًا بتوثيق ما يجري حوله. وتُعدّ هذه المرحلة أول احتكاك له باستخدام الكاميرا مع فضاء غير مُتحكَّم فيه، حيث تؤدَّى وظيفة التسجيل والشهادة أكثر من السرد أو الإخراج.

بعد انتهاء الحرب، التحق بناهي بكلية السينما والتلفزيون في طهران. وبعد تخرّجه، عمل لعدة سنوات في التلفزيون الإيراني مُخرجًا لأفلام قصيرة وبرامج. وجاء التحوّل المفصلي حين عمل مساعدًا لعباس كياروستامي، إذ قادته هذه التجربة إلى إخراج أول فِلم روائي طويل له عام 1995، وهو فِلم «The White Balloon» الذي فتح أمامه العالم حين فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان. ومنذ تلك اللحظة، صار اسم جعفر بناهي حاضرًا في السينما العالمية.

وبهذا السياق نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن المُخرِج الإيراني جعفر بناهي:

  • في عام 2000، قدّم جعفر بناهي فِلم «The Circle» الذي يروي قصة نساء يحاولن عبور «يوم عادي» في طهران، وينتهين تباعًا إلى الطريق نفسه من المنع والملاحقة والعجز، دون أن يقدّم الفِلم مَخرجًا أو نهاية مريحة. صدم الفِلم الرقابة لأنه عرَض القيود بوصفها نظامًا يوميًّا متكررًا. كما أن فوز الفِلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا حوّله إلى إحراج علني للسلطات الثقافية الإيرانية، إذ بينما احتفى به العالم مُنع في إيران. فكانت هذه بداية مشكلة بناهي مع الرقابة.

  • في مارس، عام 2010، اعتُقل جعفر بناهي في طهران بعد سنوات من التوتّر المتصاعد مع الرقابة، وصدر بحقّه حكم بالسجن ست سنوات، مع منعه من الإخراج وكتابة السيناريو والسفر لمدة عشرين عامًا بتهمة «الدعاية ضد النظام». ووُصِفت أفلامه بالـ«النشاط السياسي الذي يجب إيقافه». لكن لم يُنفَّذ حكم السجن كاملًا في حينه، فقد أُفرج عنه لاحقًا بكفالة، مع إخضاعه لإقامة شبه جبرية ومنعه من ممارسة الإخراج.

  • بعد الإفراج عن بناهي، وجد نفسه محاصرًا داخل منزله، ممنوعًا من الإخراج حتى على الورق. وفي تلك العزلة، صوّر داخل شقته عملًا سمّاه «هذا ليس فِلمًا»، بمساعدة صديقه المخرج مجتبى ميرتهماسب، مكتفيًا بكاميرا بسيطة وهاتف محمول، مسجّلًا تفاصيل يومياته ومحاولته شرح فِلم لم يُسمح له بصنعه. وحين اكتمل العمل، أُخرج سرًّا من إيران على ذاكرة (USB) وصلت إلى خارج البلاد قبل أيام قليلة من افتتاح مهرجان كان عام 2011. وقد اتّخذت إدارة المهرجان قرارًا بعرضه ضمن العروض الخاصة، وأُعلن عنه قبل انطلاق المهرجان بنحو عشرة أيام.

  • في يوليو، عام 2022، أُعيد اعتقال جعفر بناهي حين توجّه إلى النيابة العامة في طهران للاستفسار عن وضع مخرجين مُعتقلين آخرين، ليُبلَّغ هناك بضرورة تنفيذ الحكم الصادر بحقه عام 2010. ونُقل مباشرة إلى السجن حيث أمضى قرابة سبعة أشهر دون مسار قانوني واضح لإعادة المحاكمة أو تعليق الحكم. وأعلن بناهي إضرابه عن الطعام، وكتب بيانًا قال فيه إنه لن يأكل «حتى تلتزم السلطات بتطبيق القوانين التي تستند إليها في تبرير احتجازه»، قبل أن يُفرَج عنه في 3 فبراير، عام 2023، بكفالة صحية بعد تدهور وضعه.

  • جعفر بناهي واحد من أربعة مخرجين فقط في تاريخ السينما نجحوا في جمع الجوائز الكبرى لأهم ثلاثة مهرجانات سينمائية في العالم، فقد فاز بالكاميرا الذهبية في مهرجان كان عام 1995، ثم نال الأسد الذهبي من مهرجان فينيسيا عام 2000، وأخيرًا حصل على الدب الذهبي من مهرجان برلين عن فِلم «Taxi» عام 2015. 

عبد العزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام