كونديرا: كيف تجمعنا صدف الحياة 👨‍👩‍👧‍👦

لم يهتم كونديرا بالمعالجة الفلسفية أو العلمية حول وجود الصدفة أو عدمها، بل اهتم بتأثيراتها في حيوات شخصياته.

الكاتب ميلان كونديرا في باريس (1984) / Getty Images
الكاتب ميلان كونديرا في باريس (1984) / Getty Images

كونديرا: كيف تجمعنا صدف الحياة

إيمان العزوزي

كان يحلو لجدتي أن تعلق على شرودي الدائم بقولها الأثير: «لا تكثري التفكير فالله جمع العشاق في السماء وعلى الأرض تجمعهم الصدفة". لم أكن بالضرورة أفكر فيما كانت تظن أنني أفكر فيه، ولكن جملتها بحمولتها القدرية كانت تشغل تفكيري وتدفعني إلى إعادة النظر في الكثير من قناعاتي، خصوصًا تلك المتعلقة بمفهوم «المكتوب». ولست هنا أجادل في القدر، بل أفكر في كل تلك الطرق المتشعبة التي نمضي فيها -وكلٌّ في طريقه- لنلتقي في نقاط ما بالمكتوب، كالحب والزواج وفق رؤية الجدة.

لم تساعدني قراءاتي على حل هذه المعضلة أو على الأقل الاقتراب من فهمها وحصر عثراتها إلا حين صادفت كونديرا وعمله الأشهر «كائن لا تحتمل خفته». الرواية بالنسبة لكونديرا فن يتأمل الوجود من خلال شخصيات متخيلة. وفق هذا التصور نحن عادة نلجأ إلى تلك الشخصيات لأخذ النصح والمشورة وتفكيك الكثير من الأسئلة التي تُلحّ دون أن تجد إجابة شافية.

يعالج كونديرا في روايته كثيرًا من المعضلات، ولكن سأتوقف عند معالجته قانون الصدفة. ما يميز كونديرا أنه لم يهتم بالمعالجة الفلسفية أو العلمية حول وجود الصدفة أو عدمها، بل اهتم بتأثيراتها في حيوات شخصياته. يؤمن كونديرا أن الحياة تمتاز بـ«الخفة»، ويقصد بذلك أنها بلا معنى؛ لأنها تتوقف حسب اعتقاده على الحظ أو قانون الصدفة. ولكن هذه الخفة قد تكون أشد وطأة من الثقل حين يصبح من غير الممكن تحملها؛ فهي حياة تُعاش وتنتهي دون أن ندرك سبب وجودنا فيها، حسب اعتقاد كونديرا.

كل ما يحدث للشخصيات في العمل ترتب بناء على مجموعة من الصدف المتوالية البسيطة المتناهية الخفة، لكنها انتهت بنتائج ثقيلة على حياتهم، فوجودهم معلق بهذه السلسلة من الصدف، وبفضلها التقوا وأغرم بعضهم ببعض، وبفضلها تشكل هذا الاختيار، وهذا ما يقلق كونديرا؛ فهذه الحياة كما يقول مفخخة بالمصادفات التي تدفعنا نحو خيار معين دون غيره، متجاهلين بقية الخيارات الممكنة التي لم تستطع فرض صدفها، وهذا الاختيار يراه الكاتب «ثقلًا»؛ لأن الإنسان كما يؤكد لا يملك إلا حياة واحدة لا يسعه مقارنتها بحيوات سابقة ولا إصلاحها في حيوات لاحقة؛ فهي حياة غير قابلة للتجربة.

عَرَّف كونديرا الصدفة في «كائن لا تحتمل خفته» بأنها لحظة وقوع حدثين غير متوقعين في الوقت نفسه، فيلتقيان. وفي عمله الآخر «الخلود» الرواية التي يراها بعض النقاد تكملة لسلسلة معالجاته الوجودية في «كائن لا تحتمل خفته»، يصنف هذه المصادفات إلى خمسة أصناف تختلف باختلاف مدخلاتها ونتائجها، ولكي أقرب لك المشهد تخيل أيها القارئ نفسك جالسًا بمقهى تقرأ هذه النشرة، قد تصادف ما يأتي:

  • مصادفات خرساء: الصدف التي تحدث دون أن تترك أي معنى، كأن تصلك رسالة روتينية من مصرفك على الجوال في اللحظة ذاتها التي تشرع فيها في قراءة هذه النشرة.

  • مصادفات شاعرية: هي التي تخلق دلالة شاعرية تفيض جمالًا، حين تصلك مثلًا رسالة ممن تحب في اللحظة ذاتها التي تقرأ فيها كلمة «عشاق» في بداية هذه النشرة أو تُشَغَّل في المكان أغنية عاطفية تذكّرك به.

  • مصادفات طباقية: وهي مصادفات تحدث في اللحظة ذاتها ويؤثر بعضها في بعض، لكن دون أن تتلامس، لكنها تشعرك بالتناغم، كأن تصادف شخصًا في المقهى يقرأ إحدى نشرات «ثمانية» الأخرى.

  • مصادفات مولدة للحكايات: هي تلك المصادفات التي تخلق الحكاية،كأن يدخل المقهى شخص يتأبط الرواية ذاتها التي نتحدث عنها في اللحظة ذاتها التي أنهيت فيها قراءة هذه النشرة. إن صادفت هذا فأخبرني ماذا جرى بعدها.

  • مصادفات قذرة: هي تلك المصادفات التي تؤكد نهايات الحكايات ولا تخلقها، كأن يكون الذي دخل المقهى صدفة وأنت تقرأ النشرة شخصًا من ماضيك انتهت قصتك معه، آسفة إن ذكّرتك.

لقاء «تيريزا» و«توماس» أهم شخصيات «كائن لا تحتمل خفته» يدخل ضمن نطاق المصادفات المولدة للحكاية؛ فما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، ومع ذلك خُلقت الحكاية، تأتي «تيريزا» مثقلة بحقيبة مليئة بالأحلام والحشمة وخيالات الروايات التي تقرأها أهمها رواية «آنا كارنينا» لتولستوي وأيضًا حبها لموسيقا بيتهوفن التي ترسم «صورتها عن العالم الآخر، الذي تتوق إليه»، تأتي إلى المشهد راغبة في إظهار روحها عوضًا من جسدها وباحثة عمن يؤنس هذه الروح، لتجد في «توماس» الذي يعيش حياة عربدة لا يشغله فيها شاغل ولا يتحمل فيها أي مسؤولية هذا المؤنس المثالي، وذلك وفق سلسلة من الصدف.

تشتغل «تيريزا» نادلة في مطعم أحد الفنادق التي جلس فيه توماس صدفة، وفي اللحظة ذاتها التي طلب فيها شيئًا يشربه من تيريزا تتدفق بالمكان موسيقا بيتهوفن التي تحبها، وحين يوقع الفاتورة تكتشف أن غرفته تحمل رقم ستة، وهو رقم البناية التي عاشت فيها مع أهلها نفسه، وحين تلتقيه مرة أخرى تجده جالسًا بمقعدها المفضّل في الحديقة التي تحجها في أوقات فراغها لكي تقرأ. كل هذه الصدف كانت «عصافير تتجمع على كتفيها» وكانت كافية لكي تحدث أثرها الفوري في قلبها.

إن كانت «تيريزا» واعية بالصدفة في أثناء حدوثها وواعية بتأثيرها ونتائجها تبعًا لتلك الحقيبة التي تحملها، فـ«توماس» «العربيد» احتاج سنوات أخرى لكي يتأمل لحظة اللقاء بأثر رجعي، ولكي تتجلى له حقيقة الصدفة التي جمعت مساريهما المختلفين.

مر «توماس» بست صدف متوالية دفعته إلى لقاء تيريزا، حيث أُعلن صدفة عن انتشار مرض خطير ببلدتها؛ وهذا استوجب استدعاء رئيس القسم الذي يشتغل فيه «توماس»، لكنه لم يستطع الذهاب لإصابته صدفة بعِرق النسا، فأرسل نيابة عنه «توماس»، وبالصدفة اختار فندقًا معينًا دون بقية الفنادق الخمسة الأخرى الموجودة بالبلدة، وهو الفندق الذي تعمل فيه «تيريزا»، وصدفة قرر الذهاب إلى المطعم لتزجية الوقت قبل ساعة انطلاق قطار العودة، وصدفة كانت «تيريزا» لا تزال هناك، وصدفة هي من قدّم له المشروب. هذه السلسة من الصدف جلبت الكآبة لتوماس؛ فقد اكتشف أن حبه الكبير لتيريزا أتى عرَضًا.

كونديرا يقدم وجهتي نظر مختلفتين حول تفاعلنا مع الصدفة: وجهة نظر «تيريزا» التي ترى أن قوة الصدف تكمن في كونها جملة من الأحداث التي تمضي قصدًا لتحقيق ما هو مقدر. أما «توماس» فيرى أن تفاهة الصدف وخفتها لا تليق بالمصير الذي أُجبِر على تحمله. كانت «تيريزا» متأكدة أنه رجلها المنشود، واعتقد «توماس» أنها كانت منفتحة عن بقية الاحتمالات الأخرى، وكان من الممكن أن تحب غيره لو تأخر قليلًا عن بلوغ المشرب أو فضل الذهاب مباشرة إلى محطة القطار عوض الجلوس في الحديقة أو لو لم يكن رئيس القسم مصابًا بعرق النَّسا؛ وبهذا تكون ماهية الصدفة متوقفة على وعينا بها وبنتائجها بناء على سياقاتنا المختلفة.

بعد قراءة هذا العمل أصبح تعليق جدتي ذا معنى، ولم أعد أحيا بمعزل عن تفاصيل يومي. لم أغرق في المعضلة إلى حد خلق الصدف؛ فانتفاء الاحتمالية يفسدها، ولكن أنتبه مقتدية في هذا بـ«تيريزا» لكل ما يحدث، منتظرةً صدفًا قد تحفز حدسي. الحياة في النهاية تشبه لوحة غير مكتملة، ومهما حاولنا رسم ما يعجبنا وما خططنا له تُفاجئنا بصدف ذات مغزى، وهذا المغزى يكمن فيما قاله بول فاليري: «ما تغيره الصدفة هو انتظاراتنا».


فاصل ⏸️


  1. أعلن مجلس أمناء «جائزة خيري شلبي» للعمل الروائي الأول بالتعاون مع دار الشروق القائمة الطويلة في دورتها الخامسة 2024، وضمت 13 عملًا روائيًا. ومن المقرر أن يُعلن عن القائمة القصيرة للجائزة في 21 يوليو الجاري، في ذكرى ميلاد الفنانة إيمان خيري شلبي مؤسسة الجائزة، ثم إعلان الفائز بتاريخ 9 سبتمبر، بالتزامن مع ذكرى رحيل الروائي خيري شلبي.

  2. حازت الكاتبة الإيطالية دوناتيلا دي بيترونتونيو «جائزة الستريقا» الإيطالية (Premio Strega 2024) في نسختها الثامنة والسبعين، عن روايتها «العمر الهش». تعد الجائزة من أعرق الجوائز الأدبية الإيطالية، ومُنحت أول مرة للأديب أيتيو فلاباتو عن روايته «زمن الحرب» عام 1947، كما سبق أن ظفر بها الروائيان تشيزاري بافيزي عن روايته «الصيف الجميل»، وأمبرتو إيكو عن روايته «اسم الوردة».

  3. تصدر قريبًا عن دار الساقي المجموعة القصصية «هي الحياة هناك» للروائي المغربي الطاهر بن جلون الحاصل على جائزة القونكور عن روايته «الليلة المقدسة» التي حُولت إلى فلم فرنسي مغربي يحكي قصة امرأة تحاول استعادة هويتها الأنثوية التي طُمست بفعل الهيمنة الذكورية، والفلم من إخراج نيكولا كلوتز.

  4. رحل عن عالمنا في الأول من يوليو الجاري الروائي الألباني «إسماعيل قادري» عن عمر يناهز 88 عامًا، في إحدى مستشفيات تيرانا، إثر نوبة قلبية. تُرجمت أعماله إلى أزيد من 40 لغة، ومن أعماله المترجمة إلى العربية «قصة مدينة الحجر» و«قصر الأحلام» و«الجسر». رُشح الراحل مرارًا لجائزة نوبل وظفر بعدة جوائز مرموقة أبرزها جائزة «البوكر» الأدبية. 


توصيات النشرة من نوف سامي:

  1. الجهل، ميلان كونديرا

الكتاب الورقي / قودريدز

يفتتح كونديرا «الجهل» (2000) بحوار بين المهاجرة التشيكية «إيرينا» وصديقتها «سيلفي» عما إذا كانت ترغب الأولى في العودة إلى بلدها عقب سقوط النظام الشيوعي الستاليني، إذ إن النظام الذي فرّت منه قاصدة فرنسا انهارت أركانه وتلاشت معه الدوافع وراء بقائها في باريس من وجهة نظر الآخرين، بمن فيهم صديقتها. حتى لو بررت «إيرينا» بقولها: «ثمة ما يتعدى الأمور العملية، كالعمل والبيت، فأنا أعيش هنا منذ عشرين عاماً، حياتي هنا.»؛ فالأمر لن يؤخذ في الحسبان، إذ إنها لطالما كانت مجرد «امرأة تعاني، منفية من بلدها»، ويتوجب عليها الوفاء لهذه الصورة الملتقطة من الآخرين لها بوصفها فارّة من مطاردة نظام قمعي، تاركة ذكرياتها وعائلتها وجذورها مرغمة. بهذا وجب عليها الالتزام الأخلاقي للصورة التي تصورها امرأة غارقة في الحنين والمأساة، تمتص أعماقها الغربة والوحشة من الشوارع التي قطعتها عشرين عامًا منصرمة! وتغص بأدمع العجز، متعثرة بالمسافة الشاسعة بينها وبين بلادها، التي ظلت عشرين عامًا تهلوس بالعودة إليها وبشاعرية اللحظة التي لا يمكن أن تقفز من بين صفحات الكتب أو تهرب من مشهد سينمائي ما لتصير واقعًا.

  1. الحياة في مكان آخر، ميلان كونديرا

الكتاب الورقي / قودريدز

يسرد كونديرا في روايته «الحياة في مكان آخر» (1973) حكاية الشاعر الطفل «ياروميل» الذي يعيش تحت سطوة نظام دكتاتوري كبير يتمثل في الدولة والمجتمع وآخر صغير يتمثل في والدته. «ياروميل» أنجبته أم تفرض سيطرتها المطلقة على كامل حياته ومفاصل كلّ حدث بها، لتجد من خلال سيطرتها تلك تعويضًا عن حرمانها من علاقة حُبّ كانت تتوق إليها مع والده «المهندس» الذي أُجبر على الزواج منها نتيجة لحملها ياروميل»، ذلك الحمل الذي لم يتقبله «المهندس» ولم يرغب في تمامه أصلًا لولا إصرار الأم على إنجاب الطفل الذي سترى فيه بديلًا من أبيه الذي منحها لذة مليئة بالريب، على حين أعطاها ابنها صفاءً مليئًا بالسعادة. نتتبع مع كونديرا مراحل هوس الأم بالابن وتأثير ذلك عليه، وكنتيجة طبيعية متوقعة لتلك الأنانية والتحكم من جانب الأم نجد أن نمو شخصية «ياروميل» توقف عند مرحلة معينة، لتحل محل أي سمة حسنة محتملة في شخصيته سمات غير سوية كالخوف والقلق والتوتر والوحدة والإقصاء الاجتماعي.

  1. كتاب الضحك والنسيان، ميلان كونديرا

الكتاب الورقي / قودريدز

في كتاب «السيرة غير المعروفة لميلان كونديرا» لآريان شومان (À la recherche de Milan Kundera) ذُكر أنّ السبب وراء كتابة كونديرا عمله «كتاب الضّحك والنّسيان» (1979) الذي سبب سحب النّظام الشيوعي الحاكم في التشيك الجنسية الشيوعيّة منه هو زوجته فيرا. تقول فيرا: «كنت أشكو من الكآبة البوهيمية (نسبة إلى بوهيميا). وكتب ميلان كتاب الضحك والنسيان حتى لا أكون حزينة». ويؤكد كونديرا دافعه إلى كتابة العمل فيقول: «أكتب لتضحك فيرا»، ولعل شعور قارئ الكتاب ما هو إلا صدى لضحكات فيرا. يفتتح كونديرا عمله بقصة «الرسائل الضائعة» المضحكة لكثرة ما هي خائبة، فهي تحكي لنا مشهدًا خاطفًا لمحو وجود كليمانتس الذي بدأ معه التاريخ الشيوعي لبوهيميا، وهذا المحو لا يحدث إلا في الدول الشمولية التي تحرم مواطنيها من الوعي الجمعي من طريق النسيان الممنهج الذي يؤمن كونديرا بكونه شكلًا من أشكال الموت، حيث لا نخاف من الموت لفقدان المستقبل، بل لضياع الماضي.

  1. غراميات مرحة، ميلان كونديرا

الكتاب الورقي / قودريدز

عندما طوى كونديرا صفحة الشعر أو قرر مقاطعته وتوجه إلى الكتابة الروائية أسس أسلوبه الروائي في مجموعة «غراميّات مرحة» (1970)، وهي العمل الثاني في مسيرته، ويمكننا وصفه بالمسودة الأوليّة لكل روايات كونديرا اللاحقة. يضم الكتاب سبع قصص قصيرة هي: «لا أحد سيضحك»، و«التفاحة الذهب للشهوة الخالدة»، و«لعبة الأوتوستوب»، و«المسامرة»، و«ليُخلِ الموتى القدامى المكان للموتى الجدد»، و«الدكتور هافيل بعد عشرين سنة»، و«إدوارد والرب». وهي تختلف في ظاهرها وتتحد في مضمونها؛ ألّا نأخذ العالم على محمل الجد. 

نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.