لماذا التكرار في ترجمة الأعمال الأدبية 🤦🏻‍♀️

بعض عناوين الكتب المترجمة ذاتها تتكرر إلى درجة تدنو من السخف.

كومة من الكتب / Getty Images
كومة من الكتب / Getty Images

لماذا التكرار في ترجمة الأعمال الأدبية

راضي النماصي

منذ أزمة حقوق «قواعد العشق الأربعون» قبل عشر سنوات والناشر العربي صار ذا وعي مفرط بحقوق النشر وملكية الكاتب، وباتت مصطلحات مثل «تاريخ حيازة الحقوق» و«الوكيل الأدبي» تطفو على السطح. فماذا فعل الناشر العربي؟

ترجم أعمالًا تواكب العصر وروحه وتحدياته ببصيرة عالية لا تُغفل أسئلة الشرط الإنساني الكبرى؟ 

لا طبعًا، بل ظلت ترجمات أدباء مهمين ضمن الملكية العامة تتوالد من جديد وكأنما ليس في الكوكب غيرهم. المضحك المبكي أن بعض أعمال هؤلاء الكتّاب غير مترجمة بعد، بل إن بعض الأدباء البارزين المكرّسين من مجايليهم لم يحظوا بعد بالتفاتة كريمة من لدن الناشر والسوق العربية وشروطها. 

حين بدأتُ التدوين ونشر الترجمات المعرفية والأدبية على الإنترنت قبل عشرة أعوام، آليت على نفسي ألّا أترجم نصًا مترجمًا من قبل، فمجرد التفكير في ضياع عمر شخص آخر في ترجمة نص أو كتاب مترجم من قَبل أمر يبعث على الإحباط. لكن سرعان ما وجدت أن قاعدة «كاتب لم يترجم له نص قط» قابلة للتطبيق أيضًا، فلم يتكرر عندي اسم كاتب إلا مرات قليلة جدًا، وأستطيع القول إني لم أترجم حتى الآن نصًا مترجمًا من قَبل بحسب ما تسعفني الذاكرة. 

لا أنسى حين صدور «داخل المكتبة.. خارج العالم!» قبل ثمانية أعوام سؤال قرائه باستمرار عن رديارد كبلنق، الأديب الإنقليزي الرائع شعرًا ونثرًا والحائز على نوبل للآداب. والآن، إذ أكتب هذه المقالة، ليس له من اللغة العربية حظ إلا برواية ونوفيلا ومجموعتين قصصيتين -إحداهما مترجمة أكثر من مرة!- فيما كُتُبه بالعشرات.

للترجمة الجديدة ظروفها، بل في بعض الأحيان حاجة إليها، ولا يسلم مترجم من أخطاء مهما علا كعبه وتميز في مشواره، لكن الملاحظ في معارض الكتب أن بعض العناوين ذاتها تتكرر إلى درجة تدنو من السخف، فما المعقّد في هذه الأعمال لدرجة استعصائها على كل المترجمين؟ لو تأمّلنا هذه الأعمال لما رأينا فيها منحى تجريبيًا أو تلاعبًا لفظيًا يوقع مترجمه في خطأ محتمل، بل حكاية كبرى مؤسسة على نحو كلاسيكي تخاطب أعمق ما فينا بتخطيط من كاتبها، بيد أنها غدت مما يستهان به لتعاسة وضع النشر بين بائع طمّاع جاهل ومترجم ينوي البيع لا الإضافة.

دخل الكتّاب الكلاسيكيون بوابة التكريس لسبب، وهذا ما لن يخفى على عاقل، ولا تحاول هذه المقالة الحط من قدرهم أو الدعوة إلى قراءتهم قراءة تاريخانية أو سياقية بأي شكل من الأشكال. لكن الأدب، شأنه شأن كل الظواهر البشرية الكبرى، ينمو ويكبر بالتغير والإضافة والإبدال، مثلما تبدّلت حال الناس وعلاقتهم بالعالم والآخر والدولة والاقتصاد وغيرها، ولعل فضيلة الأدب المعاصر تكمن في مخاطبة هموم الإنسان الحالية وأسئلته الكبرى بخاصة بعد توغل التقنية وطغيانها على المعيشة والعلاقات والآمال والآلام والأحلام عبر التواصل والقرارات وزوايا النظر، شأنها شأن الأدب «الكلاسيكي» الذي كان «معاصرًا» في لحظة ما، ولعل الإضافة تثري من حال الأدب الحالي ليستوعب أشكالًا أكثر كما حدث مع القصة القصيرة؛ إذ انفلتت من عقال القصة التشيخوفية المعتادة بصفحاتها التي تُراوح ما بين أربعة وخمسة صفحات إلى حد القصة الومضة (مثل «فن التخلي» بقلم عبد الله ناصر) وفي الوقت نفسه إلى حد القصة التي تكاد تصل إلى النوفيلا طولًا (قصص حسن عبدالموجود وعدي الحربش) دون أن تفقد رصانتها.

لا أنسى حين تُرجمت قصص أليس مونرو إلى العربية على يد أستاذنا أحمد شافعي إثر فوزها بنوبل امتعاض العديد من الكتاب العرب قبل قرائهم من طول قصصها، إذ وصموها بالبدانة والمحتوية على «ما يمكن حذفه بسهولة». 

هل يعلم هؤلاء أن هذا شكل القصة السائد في أمريكا الشمالية منذ ما يزيد على 60 عامًا؟!


  1. أعلنت جامعة «كولومبيا» الأمريكية عن الفائزين بجائزة «بوليتزر» لعام 2024 في مختلف فئاتها. وقد مُنحت في أدب الرواية للكاتبة الأمريكية جين آن فيليبس عن روايتها «المراقبة الليلية» (Night Watch)، وهي قصة ملحمية تتحدث فيها الكاتبة عن النجاة من الحرب الأهلية وتداعياتها. 

  2. صدر حديثًا عن منشورات المتوسط كتاب «من قال إن الناقد قد مات؟ ضدّ بارت، ماكدونالد، مانقينو» للناقد المغربي حسن المودن المتخصص في التحليل النفسي للأدب وبلاغة الحجاج وتحليل الخطاب، والحاصل على جائزة «كتارا» في الدراسات النقدية عام 2016. 

  3. غيّب الموت في العاشر من مايو الدكتور والناقد المصري محمد فتوح أحمد عن عمر السابعة والثمانين عامًا. قدّم الراحل العديد من البحوث والدراسات الأدبية والكتب، منها: «شعر المتنبي: قراءة أخرى» و«الحداثة الشعرية: الأصول والتجليات» و«الشرق العربي في أدب تولستوي» و«الحداثة الأولى في شعرنا القديم». 

  4. توفي في السادس من مايو الناشر الأدبي والصحافي والكاتب الفرنسي برنار بيفو عن عمر التاسعة والثمانين عامًا. يعدّ بيفو أيقونة للبرامج الثقافية الفرنسية، حيث قدم عددًا من البرامج التلفزيونية المهتمة بالكتب والكتّاب، واستضاف الكثير من الفلاسفة والمفكرين والروائيين الكبار. 


توصيات النشرة من سارا الرفاعي:

  1. لأنني أحبّك، غيوم ميسو 

الكتاب الورقي / قودريدز

على عكس ما يدل عليه عنوان الكتاب فهذه ليست رواية رومانسيّة تدغدغ قلبك ببعض الأشعار المبتذلة، بل رواية دراما تشويقيّة بطابع إنساني مثير أجاد الكاتب خلق شخصياتها ببراعة. «لكي توفر لهم الدهشة، لا تخبر أصدقاءك بما حدث في نهاية هذا الكتاب»، كانت تلك رسالته الأولى قبل بداية القصّة، هذا السطر الذي يخلو من أيّ تكلّف كان هو بداية ضخّ الأدرينالين في عقلك الذي سيبقى يحاول منافسة ميسو، ولكن عبثًا ستجد أن الأحداث تنجرف بعيدًا عن أي خيال رسمته. كانت الحبكة الأساسيّة عن موسيقيّة وعالِم نَفْسٍ وكيف تقلّبت حياتهما بعد فقدانهما ابنتهما الوحيدة، وكانت تلك بداية النهاية لأحدهما، ثم تتقاطع الطرق مع صديق العائلة الطبيب بكلّ سلاسة مع سارقة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، وفي النهاية لدينا فتاة ثريّة غارقة في الفضائح يقودها تهورها إلى أن تُقدم على فعلِ شنيع. يربط ميسو خيوطه بين هؤلاء الثلاثة لينسج لنا عملًا أدبيًا يفوق الخيال، رواية تجمع بين الإنسانيّة والتسامح والفرص الثانية والأمل في نهاية النفق.

«الحب هو ما ينسج العلاقات العائليّة وليس الدم.»

  1. حارس سطح العالم، بثينة العيسى

الكتاب الورقي / الكتاب الإلكتروني / قودريدز

هذا الكتاب هو بوّابة إلى عالمٍ تسكنه الكتب. تأخذنا بثينة في عالمٍ يحكمه نظامٌ قاس يحرّم كل أنواع الكتب التي قد تؤثر في ذلك المجتمع، بمعنى آخر الكتب التي تمنحهم فضيلة التفكير وميزة الخيال. بطل قصّتنا مجرّد رقيبٍ جديد يفرز ويمنع الكتب المحرّمة حتى يسقط بين يديه كتاب «زوربا اليوناني»، ذلك الكتاب الذي كان بداية النهاية. أستطيع وصف الرواية بأنها ديستوبيا مستقبليّة ومزيج بين أشهر الروايات العالمية، ومنها: أليس في بلاد العجائب و1984 وبينوكيو و451 فهرنهايت، وغيرها. هذه الرواية تذكرنا بالحرية التي نملكها نحن القرّاء: أن نقرأ ما نريد وأن نسبح في خيال ما نقرؤه. هذه الحرية التي انتزعت غصبًا من سكّان ذلك العالم حتى يقابل حارس المكتبة عجوزًا عاث فيه الزمن حتى أصبح كأحد تلك الكُتبِ المنسيّة، ذلك اللقاء المصيري كان النقلة الكبرى في أحداث الرواية حينها، وفقط حينها سيبدأ حارس المكتبة بمعارضة النظام، يسرق الكتب ويخفيها ويسمح لابنته بممارسة الخيال ويشاهدها. حين تنتهي هذه الرواية قد ينتابك إحساس بالحنين تجاه كل تلك الروايات القديمة التي بقيت على رف مكتبتك يكسوها الغبار، وربما تعود إلى اقتباس استوقفك في العشرين لتعيشه مرّة أخرى في الخامسة والعشرين. 

  1. مكتبة منتصف الليل، مات هيق

الكتاب الورقي / قودريدز

«لو عاد بك الزمن، هل ستغيّر ماضيك وتمحو أخطاءك؟»، سؤال يتوسط غلاف الكتاب، وقبل قراءتك له ستقلّب هذا السؤال كثيرًا في عقلك بحثًا عن إجابة مرضية، إذا ما أُعطيت فرصة العودة بالزمن ومحو ندمك، هل ستفعل؟ بطلة القصة شابة تدعى «نورا» تتعرض للكثير من العقبات في حياتها  فتفقد الأمل في نفسها وحياتها، ظلّت «نورا» أسيرة اكتئابها ووحدتها لكونها بقيت تشعر بتأنيب الضمير تجاه ما آلت إليه الأمور وكيف ثبت بداخلها شعور قوي بعدم رغبة أي شخص في إنشاء علاقة إنسانية معها، حتى أصبحت الحياة بالنسبة إليها عبئًا ثقيلًا يدفع بها إلى الجنون حتى يضيء لها ضوء، ولا، لم يكن نهاية النفق، بل كان ضوء مكتبة منتصف الليل، مكتبة برزخية لا تحوي كتبًا عادية، وإنما فصولًا لحيوات مختلفة، بقراراتٍ جديدة تعيشها «نورا» مرة أخرى حتى تجيب عن السؤال الأزلي «ما الطريقة الأفضل للعيش؟».

  1. الحياة في مكان آخر، ميلان كونديرا

الكتاب الورقي / قودريدز

لم تكن هذه أول الروايات التي ربطتني بميلان، وإنما سبقتها مثيلاتها من قبل، مثل: كائن لا تحتمل خفّته والخلود. 

جذبتني فلسفته السّلسة والممتعة في الوقت نفسه، وعندما تقرأ هذه الرواية ستشعر في بعض الأحيان بأنك تقرأ شيئًا لا تفهمه ولكنّه يُمتعك. إنها رواية أدبية بطابع فلسفي تقع أحداثها في تشيكوسلوفاكيا في فترة الحرب العالمية الثانية. تخوض بك في السياسة والشعر والفن والحبّ، وتتحدث عن الأدب وكل من يكتبون فيه. يقص فيها ميلان قصة «جاروميل» الذي يخنقه حب أمه التي وجدت فيه الحب المفقود من أبيه، كان يخرج من تلك الزنزانة التي تقيّده من طريق أشعاره وفنّه، كان يجد في الفن ملاذًا بعيدًا عن الحبل الذي يطوّق عنقه.

نشرة إلخنشرة إلخلغير المثقفين، الذين لا يربطون بين القراءة واحتساء القهوة، ولا يصوّرون أعمدة كتب تتجاوز أطوالهم نهاية العام. نشرة تصلك كلّ أربعاء تضم مراجعات للكتب، توصيات، اقتباسات… إلخ.