السامية مقامات..!

حتى تحتفظ بآدميتك في هذا العالم يجب أن تعيش عمرك تسير في حقل ألغام، لا تعلم أي كلمة قد تقولها لتجد نفسك في أفضل الأحوال تتحدث مع نفسك.

حرية الرأي؟ / Giphy
حرية الرأي؟ / Giphy

حين قرر إيلون ماسك شراء «منصة إكس» قال إنه فعل ذلك من أجل حرية التعبير، ثم لم يكد يمضي عام على ذلك التصريح المتهور حتى قررت أن أصبح شريكًا له في أرباح منصته، وحينها حدث ما هو متوقع، فقد وجد نفسه بشحمه ولحمه وملياراته لا يستطيع أن يعبّر بحرية على المنصة التي يمتلكها بالكامل، والتي يقع مقرها، مصادفة، في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أكثر دولة روجت لحريات في هذا العالم المسكين، بل ذهبت إلى ماهو أبعد من الترويج فأبادت شعوبًا وشرّدت أخرى حتى تجعلهم يشعرون بالحرية التي تروج لها. 

كتب الشريك إيلون ماسك على منصته الخاصة ما معناه: «اليهود ينشرون الكراهية ويدّعون المظلومية بعد ذلك». ولم يكد ينتهي من وصلة حرية التعبير هذه في بلد الحريات ومنصة الحريات حتى قامت قائمة العالم المتحضر وقرر الجميع أن يوقف هذا العبث بحجة «معاداة السامية»، فقاطعته شركات ومؤسسات ودول وجماعات وأحزاب واستعدوا عليه حتى بقالة الحي الذي يسكن فيه. وأنا أعلم وأنت تعلم وإيلون ماسك يعلم والبيت الأبيض يعلم وشركات أمريكا تعلم والجن والإنس يعلمون أنه لو كتب «العرب» بدلًا من اليهود في عباراته لما اهتم لأمره أحد، مع أن العرب «ساميون» أيضًا، ولكن السامية مقامات في قوانين الحرية الغربية المضحكة والمستفزة في آن.

فالحرية تتوقف وتظهر الخطوط الحمراء من العدم حين يتعلق الأمر بكلمات تصف حقيقة الصهاينة، ولكن الحرية ذاتها تصاب بالعمى والخرس حين تعمل آلة للقتل الإبادة والتشريد والقهر في بشر ساميين لكن ليسوا من الساميين المفضَّلين الذين تعنيهم قوانين «معاداة السامية».

وأمريكا ليست وحدها بالطبع في تبني هذه الأفكار الممعنة في البجاحة، فألمانيا، على سبيل المثال، التي أحرقت من اليهود أكثر مما أحرقت من الحطب، تريد الآن أن تضع بقية الخلق في فرن معاداة السامية. ولا أعلم هل هو إحساس مبالغ فيه بتأنيب الضمير أم خوف من عودة اليهود إليهم.

لا أريد الاستماع / Giphy
لا أريد الاستماع / Giphy

الأمر الأكثر بؤسًا حين تكون أحد الذي قُدِّر لهم أن يعيشوا في هذا العصر هو أن تكون مضطرًا لبذل الكثير من الجهد محاولًا شرح أمور بدهية تفهمها وتعرفها حتى بهائم الأنعام. أن تجد نفسك تصرف الكثير من الوقت لكي تقنع كائنًا بشريًا بأن قتل الأطفال جريمة، وأن حصار المستشفيات وقتل الطواقم الطبية والمرضى سلوك تترفع عنه حتى الشياطين. 

أن تعيش في زمن الحريات التي تبيح للإنسان أن يصنف نفسه كما يشاء وحسب رغبته، ذكرًا أم أنثى أم بطة حتى كلبًا، ثم تكون مضطرًا، حتى مع سيل الحرية هذا، إلى التحايل على خوارزميات مواقع التواصل لتتمكن من تمرير رأيك في جريمة إبادة بشرية يشاهدها الجميع تحدث أمامهم عيانًا بيانًا. 

صحيح أن الحثالات البشرية موجودة منذ وجد الإنسان، وجودهم ليس أمرًا طارئًا على الكائن البشري، لكن المشكلة أنهم في هذا العصر يملكون مفاتيح كل شيء، الاقتصاد والسياسة والإعلام وتقرير الصواب من الخطأ، وهذه «منحسة» أظن أنها لم تمر على البشر من قبل. 

حتى تحتفظ بآدميتك في هذا العالم يجب أن تعيش عمرك تسير في حقل ألغام، لا تعلم أي كلمة قد تقولها لتجد نفسك في أفضل الأحوال تتحدث مع نفسك. فإذا كان إيلون ماسك الذي يكاد يملك كل شيء يمكن أن يفقد كل شيء لأنه قال رأيه الشخصي غير الملزم لأحد في أمر لا لبس فيه يشاهده كل الخلق، فإنك مهدد بأن تفقد حتى «اللاشيء» الذي بين يديك.

وكالعادة أيها الناس، لا أظنكم تنتظرون مني أنا الشخص الذي لا يكاد يعرف حتى أهلي أني أكتب أن أقدِّم حلولًا للعالم تنقذه من براثن هذا الاستعمار الذي يحتل عقول الناس قبل أن يحتل أو يعين على احتلال دولهم ومنازلهم ومصادرة حياتهم. أنا أكتب فقط لأني أريد أن أصرخ كما يفعل أي بائس يصرخ في الصحراء ليفرغ شحنات غضبه، لا أنتظر حلولًا دنيويه لأني ولله الحمد مؤمن أن كل هذه ليست سوى أحداث هامشية تمر في حياة هامشية ستنتهي يومًا ما ويلتقي الجميع هناك حيث العدل الأبدي والحق الذي لا لبس فيه. وهذا أمر مريح ومَطَمْئن، والإيمان به يقلِّل حتى من بشاعة الصور التي نشاهدها لما تبقى من أشلاء الأبرياء وصور الأطفال الذين لا يعلمون بأي ذنب قتلوا، وحين نؤمن بأنهم سبقونا إلى المكان الذي نحلم بأن ننتهي إليه فإننا نشعر بالأسى على أنفسنا لا عليهم، ولو قدّر لهم أن يخبرونا بشيء بعد أن غادروا فإنهم دون شك سيخبروننا بأن الحياة التي تركوها لنا لا تستحق كل هذا العناء، وأننا مبالغون في تقدير أهميتها والحرص عليها.

نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!