إنسان الهبد!

أهم ما يميز عصرنا أن التافهين فيه لا يختلفون عن «النخب». نخبنا تافهون وتافهونا نخب، وهذه معجزة عصر إنسان الهبد!

لعل أكثر ما يؤرقني ويقض مضجعي -إضافة طبعًا إلى الإكثار من شرب الشاهي والقهوة والنوم في النهار- هو تفكيري الذي لا ينقطع في نظرة علماء الأحافير في المستقبل إلى عصرنا، وما سيكتبونه عن هذا العصر.

ومرد حيرتي إلى أمرين. أولهما أن أبناء هذا العصر أنفسهم لا يعرفون كيف يصنفونه، ولا في أي رف يضعونه في مكتبة التاريخ. ولذلك تبدو مهمة علماء المستقبل صعبة وشاقة. أما الأمر الآخر فقد نسيته.

وقد فكرت في نقش بعض التلميحات على حجر، مساهمة مني في تفريج كربة الباحثين المستقبليين في شؤون عصرنا. ولعلي كنت سأكتب لهم أن يسموه «عصر الهبد»، لأنه مهما اختلفت الصور التي تميزه، إلا أن «إنسان الهبد» سيد المخلوقات في هذا العصر، ويستحق أن يصنّف ويكون اسمه حاضرًا ضمن القائمة التي تعدد أنواع البشر الذين مروا على هذا الكوكب وتناوبوا على إفساده.

لكن فكرة النقش على الصخور تبدو متعبة بعض الشيء لأمثالي الذين يستثقلون الكتابة حتى على الورق. ولذلك فقد يكون من الملائم أن أبين لهم ما أريد عبر بث في التوك توك. العقبة الوحيدة التي قد تواجههم أنهم حين ينقبون في المقابر الأثرية بحثًا عن تاريخنا، سيحتاجون إلى جهد مضاعف حتى يتمكنوا من الوصول إلى المقطع الذي أشرح لهم فيه كل شيء. لأنهم سيمضون وقتًا طويلًا وهم يتابعون «البثوث» الأثرية من الصالات والمطابخ وغرف النوم. أما العقبة التي تواجهني الآن، فإني على الرغم من حسن نيتي ورغبتي في خدمة علماء المستقبل وتسهيل الأمر عليهم، فإني بالفعل لا أعرف كيف أشرح لهم ماذا يفعل كل هؤلاء «الباثون والباثّات» المنتشرون في برامج التواصل كورم سرطاني سريع الانتشار صعب الإيقاف.

في الصور الموجودة الآن على المقابر الأثرية نجد منحوتة قبيحة لصورة حيوان مرسومة بطريقة تفتقر للمهارة، يشاهدها عالم الآثار ثم يخبرنا أن ذلك النحت الجميل -كما توصف الأشياء القديمة- دليل على استخدام أبناء ذلك العصر الخيل والبغال والحمير ليركبوها. وأخشى ما أخشاه أن يكتشف علماء المستقبل من خلال البثوث التي يجدونها، أن إنسان الهبد كان يستخدم البغال والحمير لنشر المحتوى في التك توك وما سبقه وما تلاه من برامج التواصل.

الأسئلة التي لن يجد عالم الآثار إجاباتها، وأجد صعوبة في شرحها له كلها تدور في فلك «ماذا كان يريد إنسان الهبد، وإلى أين كان يريد أن يصل، وما رسالته؟» عاجز عن صياغة عبارات أشرح للكائنات المستقبلية المغزى من أن تذيع إحداهن من مطبخها وتخطب في الثقلين، وهي ترتدي ثياب نومها وتقلي بصلها.

Giphy 5
ردة فعل على منشور / Jpixx

سأشعر بالحرج، رغم أن رسالتي ستصل بعد موتي بآلاف السنوات، وأنا أتخبط بين الكلمات لأشرح لهم معاني أسماء مشاهير التواصل. وسأدّعي في نهاية المقطع أن البث قد توقف أثناء شرحي فكرة «المثقف النخبوي» في عصر إنسان الهبد. لأني لا أريد أن يعرف علماء الأحافير الكلمات البذيئة التي أستخدمها في هذا العصر، التي لا يمكن الحديث عن المثقف النخبوي دون استخدامها.

الأمر المؤكد أني سأقول لهم في نهاية البث أن أهم ما يميز عصرنا -إضافة إلى جماله بحكم أنه قديم بالنسبة لهم- أن التافهين فيه لا يختلفون عن «النخب». فكلهم لا يعلمون ماذا يريدون، أو إلى أين يمضون. نخبنا تافهون وتافهونا نخب، وهذه معجزة عصر إنسان الهبد!

المجتمعالمستقبلوسائل التواصل الاجتماعيالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!