ماذا لو عاش عنترة في الميتافيرس؟

الشواهد على حياتنا قد تختفي باختفاء مالكيها، آخذةً معها جزءًا من تاريخنا البشري وأحداثه، تمامًا كما حدث في قصتي مع المرحوم إكسبلورر.

قررت في أحد الأيام البحث عن المكان الذي عاش فيه عنترة بن شداد. لم يستغرق بحثي على قوقل كثيرًا، وأفضت نتيجة بحثي إلى أن عنترة عاش قريبًا من بلدة القصيباء الواقعة في منطقة القصيم السعودية، والشاهد أن اسم البلدة القديم «قو» مذكور في شعر عنترة.

بعد مشاهدتي الصور، أصبح لدي تصور قريب للبيئة التي عاش فيها أستطيع دمجها في مخيلتي، حيث يركب عنترة خيله ويسترق النظرات إلى عبلة، بينما هي تصور الإفطار وتنشر الصور على عبستقرام!

في يونيو 2022، أعلنت مايكروسوفت وفاة المتصفح الأشهر «إنترنت إكسبلورر». ورغم توقفي عن استخدام «إنترنت إكسبلورر» منذ ما يقارب العقدين من الزمن، فإنني أحسست بغصة (خفيفة جدًا) لدى سماعي خبر وفاته، فقد شهد هذا المتصفح أول دخول لي للإنترنت. ولا أزال أتذكر صوتي وأنا أصرخ مناديًا أمي «فعلتها!» فتهرع أمي لمعرفة سبب صراخي، وتجد أنني قصدت أني تمكنت من الاتصال بالإنترنت، وفتحت موقعًا لأول مرة في حياتي (كان هذا الموقع یاهو).

في الفترة ما بين 2010 و2012، شهد العالم العربي ما يسمى بـ«الربيع العربي». قيل إن للشبكات الاجتماعية دورًا في هذه الأحداث حيث استخدمت من أجل التواصل، بل یدّعي البعض أن الثورات انطلقت أصلًا من بعض مجامیع فيسبوك. 

وحين انتُخب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، قيل إن استراتيجية التضليل والكذب التي استخدمها في حملته عبر شبكات التواصل كان لها دور في نجاحه. ونتج عن فوزه العديد من التحقيقات والأفلام حول حقيقة هذه الادعاءات.

اليوم، أنت تستطيع رؤية المكان الذي عاش فيه عنترة لأن شواهده موجودة. لكن التطور التقني جعل الشواهد على حياتنا موزعة ما بين برامج مات الكثير منها، وبين شبكات اجتماعية مملوكة لشركات خاصة. ومع اقتراب دخولنا الميتافيرس -الذي يروج له الواد زوكربيرق وأصدقاؤه- سيفقد العالم الحقيقي أهميته باعتباره ساحة لصناعة الحدث. وستتحدث كتب التاريخ عن حروب «داح-S» و«الغبر-A»، والمعلقات التي حصدت أكثر «لايك» على مر تاريخ البشرية الميتافيرسي!

وتتعاظم المشكلة في عيني حين أدرك أن هذه الشواهد على حياتنا قد تختفي باختفاء مالكيها، آخذةً معها جزءًا من تاريخنا البشري وأحداثه، تمامًا كما حدث في قصتي مع المرحوم إكسبلورر والمريض على فراش الموت ياهو.

#تاريخ_com

الإنترنتالإنسانالتاريخالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.