مدقق النصوص الدكتاتوري

دخول الذكاء الاصطناعي مجال اللغة من باب موجة «سياسة الصوابية» (political correctness) التي تجتاح أميركا اليوم يفتح لرقابة فكرية مباشرة.

حين أنتهي من كتابة تدوينة لنشرة أها! وأسلّمها لإيمان، فهي تخضعها لتحرير المحتوى والتدقيق اللغوي والمراجعة. وحين أستلم منها التدوينة أجدها تركت لي بعض الملاحظات مثل نقصان في المصدر أو مطالبات دكتاتورية (كلمة مرفوضة) بإعادة صياغة بعض الأجزاء لأنها لا توضح الفكرة! 

تعتقد إيمان لأنها كاتبة منذ زمن ولها رواية منشورة أنَّ لها الحق في نقدي! من تكون!! ألا تعرف أنني أكتب منذ زمن!!! لن أسكت!!!! (جرى حذف هذه الفقرة وطُلب من ثمود إعادة صياغتها).

كون إيمان تمتلك سنوات من الخبرة في الكتابة فأنا أقدّر رأيها وآخذ به، لكن على إيمان أن تخاف من دكتاتوريّة قوقل. فقد ربط تحديث مستندات قوقل الذكاء الاصطناعي بالمدقق الذي يراجع نصّك. وهنا سيقترح عليك مدقق قوقل استبدال كلمات أو جمل بأخرى ليكون ما تكتبه شاملًا وغير متحيز لجنس على آخر. وقد يقترح استبدال الكلمات التي يعتبرها جارحة بأخرى ذات وقع أخف. 

دخول الذكاء الاصطناعي مجال اللغة من باب موجة «سياسة الصوابية» (political correctness) التي تجتاح أميركا اليوم يفتح لرقابة فكرية مباشرة. ولا تصدّق أنَّ الذكاء الاصطناعي حيادي، فهو يستمد قراراته مما دُرّب عليه؛ حينها سأكون محكومًا بالقيم التي بُني عليها الذكاء، والمادة التي استخدمت لتدريبه.

فلو أردتُ أن ألعن فصيلًا من الناس، فأنا ككاتب يحق لي أن أستخدم أقذع الألفاظ وأتحمَّل تبعات ما أكتب، دون أن يطلب مني مدقق کوقل استبدال كلمة بكلمة وجعل الجمل «مناسبة لكلا الجنسين». فماذا لو أردت أن أكتب مقالة في ذم النساء (حاشا لله أن أقوم بذلك)، فهل سيمسك بي مدقق قوقل ويقول «صلِّ على النبي… الموضوع مش مستاهل»؟ بل قد لا يعجبه كلامي في ذم الصهاينة بحجة «التحريض» على معاداة السامية!

صحيح أنَّ مدقق کوقل يدعم حاليًّا اللغة الإنقليزية فقط، لكن دعمه اللغة العربية ليست سوى مسألة وقت لا أكثر. ولا أستبعد أن يتطور الموضوع وتظهر علينا هذه الميزة في جميع برامج الكتابة، وتتحوَّل من مجرد اقتراح إلى فرض. فيجري التبليغ عن كتابتك قبل نشرها أصلًا، وتطالك تهم نشر الكراهية والتحريض ضد الحكومة، لأن الذكاء الاصطناعي لم يفهم أنك كنت ترمز لزوجتك بوزارة الداخلية!

#كيبوردك_حصانك

الذكاء الاصطناعيالصوابية السياسيةاللغةالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.