من عدنان ولينا إلى ماشا والدب

بضغطة زر، يستطيع ابني مشاهدة كل ما يشاء تقريبًا في أي وقت دون الحاجة لانتظار الحلقة القادمة، بل دونما خوف من فوات أي حلقة كذلك.

«بابا، شوف ويش قالت ماشا.» ما إن أنهى ابني جملته هذه حتى أمسك بجهاز التحكم وعاد للوراء بضع ثوانٍ من الحلقة التي يشاهدها، كي أتأمل معه إحدى لقطات مسلسل «ماشا والدب». 

لا يقتصر الأمر عنده على إعادة اللقطات ليضحك على النكتة نفسها مرارًا، بل لقد ألِف أيضًا مشاهدة الحلقة نفسها أو الحلقات الأخرى حسب الطلب، علاوةً على تنقله بسلاسة بين المسلسلات الكرتونية المختلفة وفق مزاجه. فما أكثر المرات التي وجدت فيها نفسي أقلب مواسم «ماشا والدب»، أو «بيبا بق» أو «باو باترول» باحثًا عن حلقةٍ معينة يود مشاهدتها.

ما يعتبره ابني اليوم طبيعيًا كان حلمًا في طفولتي، تلك الطفولة الملأى بذكريات كرتونية ضبابية بعضها غير قابل للاسترداد أو الإكمال. أتذكر مثلًا معاناة الصبر على موسيقا القناة السعودية الثانية قبل أن يبدأ البث، لأشاهد حلقة من كرتونٍ لم أفقه منه شيئًا.

أو معاناة بدء متابعة «إيكوسان» من حلقة عشوائية ومحاولة تركيب ما فاتني من المسلسل، أو التساؤل عما إذا كانت معركة «داي الشجاع» مع أبيه نهاية المسلسل حقًا، أم أن المؤلف مات قبل أن يكمله كما أشيع. (اكتشفت مؤخرًا أنها كانت الحلقة الأخيرة فعلًا من الأنمي القديم).

في ظل تلك الظروف، كانت قناة سبيستون ثورةً في جدولة المسلسلات. إذ بتنا أنا وأصدقائي للمرة الأولى قادرين على مشاهدة الحلقات نفسها في الوقت نفسه دون التخبط بين القنوات، وهو ما أتاح لنا مناقشة تفاصيل الحلقات في فسحة اليوم الدراسي التالي دون أن يكون أحدنا متقدمًا على الآخرين. 

وفي الوقت نفسه، وحّدت القناة توجهاتنا الكرتونية فجعلتنا نعيش العوالم نفسها، رغم أننا كنا رهيني مزاجيات القائمين عليها. 

لكن كل هذه المعاناة باتت اليوم طي النسيان. بضغطة زر، يستطيع ابني مشاهدة كل ما يشاء تقريبًا في أي وقت دون الحاجة لانتظار الحلقة القادمة، بل دونما خوف من فوات أي حلقة كذلك. ليس هذا وحسب. إذ يمكنني أنا الآخر معاودة مشاهدة ما فاتني من حلقات في طفولتي، أو ما فات عقلي آنذاك إدراكه حول العالم الطبقي ما-بعد-الكارثي في «عدنان ولينا».

الإنسانالتقنيةالمسلسلاتالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.