الثانية الضائعة

ولأن الوقت بتطبيقاته العديدة من وضع البشر، فإن له نصيبه من المشاكل، وعلى رأسها عدم دقة الأدوات الموضوعة لضبطه.

في طريقي إلى العمل، يخبرني جيم الخليلي أن الساعة تشير إلى الدقيقة الثانية عشرة بعد رأس الساعة، فيكون الاختلاف هنا في ثلاث الساعات التي يتأخر عني بها من موقعه في مقر البي بي سي في لندن. لكنني حين أقارن بين ما قاله وبين ساعة السيارة والهاتف النقال وساعة يدي أجد أن الفرق يتجاوز فرق النطاق الزمني. فحين تشير ساعة السيارة إلى 9:11، تشير ساعتي إلى 9:13، أما هاتفي النقال فيأتي بالدقيقة ذاتها 9:12.

لست مضاربة في أي سوق عالمي أو مراقبة للحركة الجوية، ولكن تلك الدقيقة المتأخرة أو المتقدمة أو المضبوطة ما تزال تحيرني. لماذا عليَ أن أعدل ساعتي بين وقتٍ وآخر لأضبط هذه الدقيقة المارقة؟ وما دمت بدأت تدوينتي هذه بشكي في «الوقت»، أود هنا أن تشمل شكوكي فارق النطاقات الزمنية أيضًا. ما الذي يحدده في الطبيعة؟ وكيف يقرر مثلًا مجموعة من البشر جزافًا كل عامٍ أن تعود عقارب الساعة أدراجها لساعة واحدة (التوقيت الصيفي)؟

الوقت اختراع بشري

الوقت مفهوم اخترعه البشر. وحين أشعر ليل الثلاثاء من أول أسبوع من رمضان أن اليوم مناسب لأن يكون الخميس، فليس لأحدٍ أن يقول لي إن استيعابي للوقت مضروب، أو إنه خاطىء (باستثناء الدولة ومديرتي في العمل ربما).

حسنًا، دعوني أعيد صياغة ما قلته في الفقرة السابقة: الوقت اختراع بشري بقواعد ضبْطه العديدة ابتداءً من السنة وانتهاء بالثانية وما دونها، تحكمه ظاهرتان طبيعيتان: دوران الأرض حول نفسها (اليوم) ودورانها حول الشمس (العام). تزايدَ الاهتمام البشري بالوقت ودقته تدريجيًا عبر التاريخ حتى جاء المحرك البخاري في القرن التاسع عشر، الذي مكّن الإنسان من السفر مئات الكيلومترات في اليوم الواحد. كانت تلك أهم حقبة تاريخية تستدعي ضبط الوقت بطريقة عالمية لا تؤثر في سير الاقتصاد، فجاءت فكرة «النطاقات الزمنية».

الوقت في العالم الواقعي

ولأن الوقت بتطبيقاته العديدة من وضع البشر، فإن له نصيبه من المشاكل، وعلى رأسها عدم دقة الأدوات الموضوعة لضبطه. إذ يعد «التوقيت العالمي الموحد» أو (UTC) اليوم أفضل نظام لضبط الوقت تعتمد عليه النطاقات الزمنية الأخرى في التعريف عن توقيتها. لكنه سيخضع لإعادة النظر العام القادم بسبب ما يعرف بـ«الثانية الكبيسة»، وهي الثانية التي لا يعكسها التوقيت الموحد خلال دورة الأرض حول ذاتها، فتُضاف ثانية زائدة إلى أحد أيام السنة (23:59:60)، وقد أضيف آخرها في الثلاثين من يونيو 2015. 

الوقت في العالم الافتراضي

يستخدم اليوم النطاق الزمني «التوقيت العالمي الموحد» (UTC) في نظم الملاحة الجوية حول العالم ومحطة الفضاء العالمية. ولأن مشاكل ضبط الوقت التي نعيشها اليوم في العالم الواقعي تعكس تلك التي نعيشها على الإنترنت، خصوصًا مع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي عليه حتى صار الفصل بينهما مستحيلًا، اعتُمد استخدام النظام ذاته. 

لكن مستخدمي الإنترنت يعيشون مشاكل عدم الدقة في ضبط الوقت على الشبكة كما يعيشونها في واقعهم، وأهمها قصور بعض الأنظمة الحاسوبية عن إضافة الثانية الكبيسة إلى ساعتها، أو تسبّب إضافتها بمشاكل مثل تأخر أربعمائة رحلة جوية في أستراليا، أو توقف مفاجئ لمواقع شركات كبرى مثل لينكد إن، وأخطاء برمجية أخرى تسبب كوارث اقتصادية وملاحية في غلافنا الجوي وفي الفضاء.

الوقت في النسخة الثالثة من العالم الافتراضي

مؤخرًا، أعلنت مجموعة مهتمة بالميتافرس اعتماد نسخة أولية من التوقيت ذاته في العالم الافتراضي بمسمى «توقيت الميتافيرس السيبراني» (MCT ،Metaverse Cyber Time)، يفترض أن يلتقي مستخدموه في مكان واحد وتوقيت واحد، في بيئة تتزايد فيها الفرص الاقتصادية كل يوم.

يخبرني أحد ممثلي المجموعة أن مواعيد أنشطتهم الموسيقية التي كانوا يقيمونها لم تكن مناسبة لجمهورهم أثناء اعتمادهم نظام «التوقيت العالمي الموحد». فقرروا حينها تعديل الوقت ليناسب التوقيت في ولاية شيكاكَو حيث مقر المجموعة (دون احتساب الساعة الصيفية). استُقبل هذا القرار بالتقدير والانتقاد في آن معًا. وجاء الانتقاد من البعض في بريطانيا لاعتقادهم بـ«أنها يجب أن تكون محور الكون، لكننا نؤمن بأن شيكاكَو يجب أن تكون محور الكون، ففيها تعدّ أفضل بيتزا في الكون.» 

وإنْ فشل اعتماد هذا التوقيت في الميتافيرس أجمع، فتأمل المجموعة أن يكون فضول الناس في اعتماد هذا التوقيت دافعًا لتثقيف الناس حول مشاكل ضبط الوقت التي نعاني منها اليوم في العالم الواقعي. حيث يأتي اعتمادها «التوقيت العالمي الموحد» (مع انتقاص ست ساعات) من إيمانها بأهمية ضبط الوقت مع حركة الأجرام في النظام الشمسي لساعة الإنسان البيولوجية وصحته ودورة الحياة بشكلها اليومي (أربع وعشرون ساعة)، دون اللجوء إلى نظام رقمي أو آخر مبني على البلوك تشينز (Block chains) لحساب الوقت.

ساعة العقل وساعة الكون

الوقت كما نعرفه بساعاته ودقائقه وثوانيه ليس بالصرامة التي تشعرنا بها تلك الوحدات الزمنية، فلا يمكن دائمًا قياس الأرض بدورانها ضمن قوالب تلك الوحدات. وما يزال العلماء في بحث دائمٍ عن طريقة أدق لاحتساب الوقت. فهو حسب التوقيت العالمي الموحد وحسب، أو مع إضافة ست ساعات آتية من مدينة أفضل بيتزا في العالم -وفقًا لادعائهم-  ليست إلا محاولات لاعتماد وقت يجمع سكان الأرض وأفاتاراتهم في العالم الافتراضي. 

لذا، وإن جاء اليوم الذي تعتمد فيه البشرية وسيلة دقيقة لاحتساب الوقت دون أي نانو ثانية مارقة، فسنظل نشعر بأن الوقت أطول أو أقصر مما تقوله ساعة الهاتف، لأن استيعاب العقل البشري للزمن قد لا يتوافق بالضرورة مع حركة الأجرام الكونية. وإن شعرت أن عطلة نهاية الأسبوع كانت أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، فتذكر بأن الإحساس بالزمن ليس مضروبًا عندك، بل عند تلك الساعات التي تفلت منها الثواني على الدوام. 

الروابط:

الإنسانالواقع الافتراضيالوقتالمستقبل
بودكاست بُكرة
بودكاست بُكرة
منثمانيةثمانية

بُكرة، لكل الشباب الواعد، نطرح أسئلتنا الكبيرة والصغيرة والمتغيرة والعالقة، مع مختصّين وباحثين وعُلماء، ونفهم معهم كيف نعيش ونستعد ونعمل من أجل مُستقبل أفضل.