التأريخ ما بعد تمبلر

رغم تعنُّت المؤرخين من استعمال العالم الرقمي في أبحاثهم، تظل إشكالية أنَّ التأريخ الذي لا يمكن التحقق من صحة مصادره سيغدو أقرب للحكايا.

على ذمة «قروث بادجر» (growthbadger)، بحلول عام 2022 بلغ عدد المدونات على الإنترنت أكثر من 600 مليون مدونة، أكثر من 90% منها على تمبلر وحده. 

لو فرضنا أنَّ كل فرد يمتلك مدونة واحدة فقط، فهذا معناه أنَّ 7% من سكان العالم قد أنشأوا مدوناتٍ لأغراض تتفاوت بين مدونات شخصية أو مهنية أو إعلامية أو غيرها. ولو فرضنا أنَّ 10% فقط من هذه المدونات مدوناتٌ شخصية يستخدمها الأفراد في تسجيل أفكارهم اليومية أو آرائهم وما إلى ذلك، فذلك يعني أن هناك 60 مليون صفحة على الإنترنت يُتاح لنا -نظريًا- التعرف من خلالها على ما يدور بخلد أصحابها.

يثير هذا الأمر بذهني سؤالًا لا مناص منه: كيف سيغدو شكل التاريخ مستقبلًا حين يرتهن بهذه المدونات؟ بعبارة أخرى، كيف سيتعامل المؤرخون مع هذا الفيض من المصادر الأولية الرقمية؟

ليس اعتماد التاريخ على اليوميات الشخصية بالأمر الجديد. فقد سبق أن تمكن مؤرخون مثل روبرت دارنتون ولوريل أولرخ من كتابة مؤلفات تاريخية بارزة في مجالها من خلال الاعتماد بشكلٍ رئيس على ما دوَّنه أفراد قبل مئتي عام في دفاتر يومياتهم أو ما أشبه.

فإذا تمكَّن هؤلاء المؤرخون من فعل ذلك عبر مصادر نادرة أحيانًا، فحريٌّ بمؤرخي المستقبل أن يكونوا أكثر حنكة في كتابة تواريخنا في ظل ازدياد أعداد من أخذوا على عاتقهم تدوين عصرنا رقميًا سواء بشكل مباشر أم لا. فما الذي من شأنه إثراء المعاني الاجتماعية لمختلف الظواهر التي نعيشها اليوم أكثر من الاستماع لمن عبَّروا عن أنفسهم خلالها؟

إلا أن مزيَّة وفرة المصادر وإغراء كونها متاحةً خارج سيطرة الأرشيفات القومية ورقابة السلطات يقابلها خطر زوالها بضغطة زر مزاجية، أو بتوقف خوادم مواقع الرفع، أو غيرها من الأسباب. فرغم تعنُّت المؤرخين عمومًا من استعمال العالم الرقمي في أبحاثهم، تظل إشكالية أنَّ التأريخ الذي لا يمكن التحقق من صحة مصادره ومطالعتها سيغدو أساسًا أقرب للحكايا. 
فهل سنشهد في المستقبل انفجارًا في عدد أرشيفات الإنترنت مع محاولة مزيد من الأفراد والمؤسسات تأريخ سرديته الخاصة لتفادي هذا الزوال؟

الإنترنتالتاريخالكتابةالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.