الصحة النفسية في بيئة العمل بعد الجائحة

لطالما تجاهل أرباب العمل الحديث عن الوضع النفسي للموظف، ثم حلَّت الجائحة لتفرض الصحة النفسية عاملًا رئيسًا في بقاء الموظف أو استقالته.

قبل 2020، كنت أعد نفسي قادرة على التكيف مع جميع المتغيرات الطارئة في بيئة العمل. لكن بعد الجائحة أُصيبت بوصلتي المهنية بالتخبط.

فقد خرجت الأمور عن نطاق سيطرتي وخيَّمت الضبابية على رؤيتي المستقبلية. كان شعورًا مزعجًا ولَّد العديد من الانفعالات التي سعيت مطولاً لطمسها على مدار حياتي العملية: بدءًا من التوتر والقلق اليومي وانتهاءً بالحزن والحيرة. 

عدا أني لم أكن الوحيدة المتأثرة نفسيًا من الجائحة. فوفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة «قالوب» (Gallup) بحلول أبريل 2020، انخفضت معدلات الراحة والصحة النفسية للموظفين إلى أدنى مستوياتها منذ ركود سوق العمل الكبير عام 2009.

ويعود هبوط معدلات الصحة النفسية إلى فقدان العديد من العاملين القدرة على الموازنة بين الراحة والعمل. وقد تكون جائحة كورونا أبرز عامل غير متوقع على كافة الأصعدة في عام 2020، لكن ليس الأوحد.

تداعيات الإجهاد النفسي

لم تكن 2020 سنة سهلة للصحة البدنية أو الراحة والسلامة النفسية لأغلب الموظفين حول العالم. فقد خسر جزء كبير منهم وظائفهم بسبب آثار العوامل الاقتصادية على القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة. كما كان للحظر الكلي وتوفير التطعيمات اللازمة أثره البالغ على نفسية الأشخاص الأقل مناعة، خاصة مع بداية الأزمة. 

حتى بعد وفرة اللقاح، تعرض الأفراد المترددون حول التطعيم للضغط النفسي نتيجة التفكير المستمر بالقرار والخوف من المجهول. كما خسر أشخاص كُثُر أحباءهم ومعارفهم ضحيةً للجائحة، مما ساهم في تردي الصحة النفسية وقلَّل من وتيرة الإقبال على الحياة.

أيضًا أصبح الموظفون المقيدون إلى مكاتبهم بلا حسبان للوقت والجهد عرضةً للإنهاك. فقد أفقدهم الجلوس المطول أمام أجهزة الكمبيوتر الاتزان بين الحياة الشخصية والعملية والضروري للصحة النفسية. مما أدى بشكل أو بآخر إلى إصابتهم بالإجهاد الوبائي المؤدي إلى الاحتراق الوظيفي

هذا ما أكدته نتائج المركز السعودي لاستطلاعات الرأي. إذ لم يؤيد  54% من العاملين عن بعد مواصلة تجربة العمل بهذا النظام عقب انتهاء الجائحة بالكامل، وذلك رغم إيجابياته.

موظفو المكاتب ليسوا وحدهم في تلك المعضلة. إذ اتسع الإجهاد الوبائي ليشمل الممرضين والأطباء والأهالي القلقين على العودة الآمنة لأبنائهم إلى المدارس. وأيضًا طاقم التعليم الذين اضطروا لتبني أسلوب جديد للتدريس من خلف الشاشات، وموظفي القطاعات المتأثرة بالجائحة مثل صالونات الحلاقة والنوادي الصحية وقطاعات الترفيه والسفر والمطاعم.

موجة الاستقالات الكبرى

منذ ربيع 2021 حتى الوقت الحالي، تنامت ظاهرة استقالة الموظفين عالميًّا فيما أسماه أنتوني كلوتز بـ«موجة الاستقالات الكبرى» (The Great Resignation). إذ تشير أحدث تقارير مايكروسوفت إلى رغبة أكثر من 40% من القوى العاملة حول العالم تقديم استقالتهم هذا العام، ويشكل جيل زد الغالبية العظمى من تلك القوى العاملة.

أما على الصعيد المحلي، تقل حدة التأثيرات على مواطني تلك الدول بسبب دعم حكوماتها للحد من تأثير الجائحة في أسواق العمل من خلال برامج مثل «ساند» و «تمكين». في حين تشير دراسة نشرها «مركز الخليج لسياسات التنمية» إلى أنَّ أكثر الفئات المتضررة في دول الخليج العربية هي العمالة المهاجرة نظرًا لسهولة استقدامها وترحيلها. 

وتتضح حدة التأزم بقوة لدى الفئات العاملة لحسابها الخاص كسائقي الأجرة والمهنيين المستقلين في مهن السباكة والكهرباء وغيرها. إذ يعتمد هؤلاء على الدخل اليومي الذي يتطلب التنقل والاختلاط بالعامة.

هل غيرت كورونا نظرتنا للعمالة الأجنبية؟

فرضت جائحة كورونا العديد من التحديات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية على حياتنا اليومية. ووضعت بعض القضايا العالقة تحت المجهر، خصوصًا فيما يتعلق بموضوع العمالة الأجنبية التي

10 سبتمبر، 2020

أما بالنسبة للقوى النسائية العاملة في الشرق الأوسط، فهي تعاني أصلًا من انخفاض المشاركة في سوق العمل مقارنةً بالرجال، بمتوسط 27% من إجمالي السكان. وتفاقم الوضع بعد الجائحة ليصبح 14.3% وفق تقديرات منظمة العمل الدولية.

علاوة على ذلك، دفع إيقاف تشغيل المدارس ومرافق رعاية الأطفال الكثير من الأمهات العاملات إلى البحث عن أعمال تدعم بقاءهن في المنزل بعد فرض الدراسة عن بعد. وتشير أحدث دراسة تابعة لجامعة الملك عبدالعزيز إلى معاناة 58% من الأسر السعودية من صعوبة الموازنة بين العمل عن بُعد ومتابعة الأبناء خلال فترة الحظر المنزلي.

لذلك بدأ البعض يبحث عن بيئات عمل داعمة للعمل عن بعد أو النظام الهجين (Hybrid Work) الذي يشكل خليطًا من العمل عن بعد مع العمل المكتبي. 

ووفق مقالة نشرتها منصة «هارفارد بزنس ريفيو»، بات قطاعٌ كبير من الموظفين يجد أساليب العمل قبل 2019 غير ديمقراطية، ولا تترك حيزًا كبيرًا من الاستقلالية في العمل. على الأخص الموظفون ذوو الدخل المحدود الذين اُسْتثنوا من قرارات العمل عن بعد التي كانت حكرًا على الموظفين الأعلى الرتبة.

إنعاش الصحة النفسية والحديث عنها

نشر «مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة» دراسةً حول مدى تأثير الضغوط النفسية على صحة الفرد والمجتمع السعودي. وتشير الدراسة التي تحمل عنوان «المسح الوطني الشامل للصحة النفسية وضغوط الحياة» إلى عدم تلقي 83% من المصابين بأمراض نفسية العلاج المطلوب، 40% منهم في سن الشباب. 

في حين تُشير الإحصائيات العالمية إلى عدم استفادة 20% من الموظفين من خدمات التأمين الصحية المتوفرة لعلاج الاضطرابات النفسية خوفًا من الإضرار بصورتهم المهنية. إذ لا يزال العار يلعب دورًا كبيرًا في الحديث عن السلامة والصحة النفسية. وتجد المؤسسات والشركات الكبرى صعوبة في جعلها أولوية بارزة في أجندة الأعمال.

إلا أن الجائحة بكل الضغوطات التي صدّرتها أظهرت أهمية تحقيق المعادلة بين أوقات الراحة والعمل. فإذا شعر الموظف بالإرهاق العاطفي أو البدني أو بالانفصال عن الأسرة سيصبح أقل فاعلية، وتتأثر إنتاجيته الوظيفية. 

لذلك لا بد من الاعتراف بوجود المشاكل الصحية النفسية للموظف والالتفات إليها. ويعد هذا الاهتمام الخطوة الأولى لتلافي الكثير من الأزمات الحاصلة في بيئات العمل كانخفاض الإنتاجية والتغيب المستمر ومشكلات تعاطي المواد الممنوعة.

وقد يشكل سؤال القادة والمدراء عن حال أعضاء الفريق بصورةٍ دورية بداية جيدة لبدء هذا النوع من الحوار. فتأتي الأسئلة على غرار «كيف حال صحتك النفسية هذا الأسبوع؟» أو «كيف أستطيع تخفيف ضغط العمل عنك؟» وغيرها. 

فكلما أسرع قادة الأعمال في إدراك وجود علاقة وثيقة بين راحة موظفيهم وارتفاع معدلات الإنتاجية في العمل، تجنبوا خسارة أعداد كبيرة من الموظفين بحثًا عن بيئة أكثر دعمًا لصحتهم النفسية.

الموظف أولاً، العمل ثانيًا

قبل الجائحة، لم تكن تطرح المشاكل النفسية في مكان العمل ومناقشتها علنًا. فأدى تجاهلها لبقاء الموظف في مقاعد العمل ساعات طويلة دون تحقيق الاتزان الضروري بين الحياة الشخصية والعملية. 

لذلك:

ينبغي إعطاء تعزيز الصحة النفسية أهمية توازي أهمية تعزيز مهارات الموظف الفنية والإدارية. بل ينبغي تخصيص جزء من ميزانيات التدريب المهني لتطوير أدوات تحسين الصحة النفسية والمواظبة على متابعتها. Click To Tweet

وفي سبيل إصلاح ما أفسدته الجائحة، وجد بعض أصحاب العمل اليوم حلولًا مناسبة تدعم الموظفين وتجعل سلامتهم النفسية أولوية على مخرجات العمل. من تلك الحلول توفير ساعات عمل مرنة أو تبني أنظمة أكثر مراعاة للتوازن العملي والشخصي كالعمل لأربعة أيام بالأسبوع.

إضافةً إلى ترك خيار العمل عن بعد للموظف، أو تغطية تكاليف الاشتراك بتطبيقات تخفيف التوتر والقلق مثل «هيد سبايس» (Headspace) أو «إنسايت تايمر» (Insight Timer).

وفي توجه جديد، يسعى سوق العمل نحو «أنسنة العمل» (Humanization of Work) كأولوية استراتيجية لتمكين الموظف. ويتضمن التوجه إعطاء جيليْ زد والألفية حرية الابتكار وابتداع الحلول وفقًا لنقاط قوتهم. 

كما يضمن أيضًا إدماج التكنولوجيا في صلب العمل الروتيني لتقليص المهام المتكررة. وتوفير خيارات أكثر مرونة للأمهات العاملات لأداء الأعمال مع مراعاة التزاماتهن العائلية.

وقد أطلقت دول خليجية تجارب جيدة جدًا نحو هذا التوجه. فمثلًا تعتمد الإمارات منذ 2016 على مؤشر إسعاد الموظفين كأحد مؤشرات التميز الإداري في الأداء الحكومي. وتطلق على أساسه مبادرات ساعية لتحقيق بيئة عمل مرضية. 

ومؤخرًا وافقت قطر على مشروع تعديل ساعات عمل الدوام الكلي في القطاعات الحكومية ليتحول إلى جزئي بشرط موافقة الوزارة. فتتقلص بذلك ساعات العمل إلى النصف أسبوعيًا مراعاة لظروف بعض العاملين وأسرهم.

فرضت الجائحة معطيات كثيرة قلبت المقاييس التقليدية في بيئة العمل، وأجبرتنا على إعادة النظر بالعديد من ممارساتها اليومية. لذلك يتحتم على الموظفين وأصحاب الأعمال صياغة أسلوب عمل جديد، وتطوير طريقة تواصل أكثر فاعلية.

هكذا سنصل إلى التوازن اللازم بين الحياة الشخصية والعملية لاستمرارية الحياة الوظيفية، والمحافظة على مستوى جيد للإنتاجية المهنية.

الجائحةالصحة النفسيةنظام العملالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية