كيف استغلَّ أمير عبداللهيان العربيَّة في خطابه؟

خرق الوزير الإيراني عبداللهيان البروتوكول في مؤتمر بغداد وألقى خطابه بالعربية، لا ليستميل العاطفة العربية بل لإثبات سلطة إيران ونفوذها.

في مؤتمر «بغداد للتعاون والشراكة» خاطب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان الأعضاء المشاركين باللغة العربية متخليًّا عن لغته الفارسية. فبين البروتوكولات الدولية والتقاليد الدبلوماسية تقتضي مخاطبة الوفد الرسمي الآخرين بلغته الأم، ثمّة انزياحات تقع هنا وهناك لتحقيق بعض الغايات السياسية. فأصبح خطابه السمة البارزة في المؤتمر. 

اللغة العربية كأداة سياسية إيرانية

لا شك أنّ الوزير الإيراني كان مدركًا لأهمية هذا العدول عن لغته واختيار العربية أداةً لخطابه. فقراره لم يأتِ رغبةً منه في التيسير على الحاضرين، بل حيلةً يدغدغ بها وجدان المتلقين.

من خلال اللغة العربيَّة يجد عبداللهيان سبيلًا للانتماء الواهي والتماهي المخاتل مع الآخر العربيّ، العراقي تحديدًا، ويستغل ثغرة تعاطف المتلقي بلسانه.  Click To Tweet

فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، إنّما كائنٌ هجين من الأيديولوجيا والثقافة والعاطفة والوجدان. يمكِّن لمستخدمه استمالة الآخرين، فيمرر الرسائل المضمرة والأفكار المبطنة التي يعجز عن تمريرها في لغته الأم. لهذا قيل: «من تعلّم لغة قوم أمن شرّهم أو مكرهم»؛ وعيًا بهذه الهجْنة المؤثرة في المتلقي.

للوهلة الأولى يبدو الحديث بلسان الآخر تبعية، ولنقل إنها تبعية فهذا أمرٌ مفروغ منه تاريخيًّا. لكن يشي الواقع أحيانًا بخلاف ذلك، إذ ثمة مواقف يأتي فيها الحديث بلسان الآخر تبنٍّ لأيديولوجية المتحدث وموقفه وقراره. 

ففي مفارقة مخاتلة، يخالف عبداللهيان مقولة عالم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ولغته. فالولع في خطاب عبداللهيان ليس ضعفًا واقتداء إنّما خداع ينفذ به إلى الوجدان العراقي بغية التأثير في هُويته الاجتماعية وشخصيته الاعتبارية، فيسلب بذلك إرادته في تقرير مصيره.

خرق البروتوكول بوصفه عملًا سياسيًّا

يشير باتريك شارودو في كتابه «الخطاب السياسي: أقنعة السلطة» إلى الأعمال السياسية كقرارات ومنجزات تجسّر العلاقة بين النخبة والجمهور. 

فإن نظرنا إلى خطاب وزير خارجية إيران كعملٍ سياسيّ، سيلحُّ سؤالٌ مهم: باسم مَن يتحدث عبداللهيان؟ على الأخص لدى طرحه سؤالًا استفهاميًّا استنكاريًّا على رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي: «لماذا لم توجه دعوة لاستضافة سوريا في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة؟»

بعيدًا عن الإجابة، لا يمتلك الوزير حقَّ السؤال. إذ تمنح البروتوكولات السياسية الدولة المضيفة وحدها حقَّ تعيين الأعضاء المشاركين وتوجيه الدعوات. لكن بقراءة وسائل الإقناع فالذات السياسيّة المتكلمة نزعت لنفسها الحقّ بفرض الرأي، وما تلك الفوقية إلا استدعاءٌ لهيمنة الدولة. هكذا، بوصفه وزيرًا لخارجية إيران ونظرًا لتاريخها العميق في الصراع العربي-الفارسي، لم يستعمل عبداللهيان سياسة العُنف مع المنافس بل مفهوم الاحتواء. فاستدعى بأسلوبه المثل الأميركي القائل: «حتى تقتل فكرة احتويها!» لأنَّ العُنف «تواصل مشوّه» كما يعبّر هابرماس.

2 1
وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان في الصف الأول المخصص لرؤساء الدول / Getty Images

بالنظر للسياق، فقد تجاوز سلوك كسر البروتوكول فضاء اللغة إلى الصورة. ففي الصورة الجماعية للمشاركين في القمة يخالف الوزير الأعراف الدبلوماسية الخاصة بالمؤتمرات الدولية. وبهذا يمارس عبداللهيان عمله السياسي في خرق بروتوكولات المؤتمر على كافة المستويات.

لغة الفاعل السياسي

لا يريد الوزير عبداللهيان كفاعلٍ سياسي إجابةً على سؤاله، بل يريد تجريد الخصم ووضعه في مأزق أخلاقي وسياسي. وبتسليط الضوء مرةً أخرى على خطاب وزير الخارجية الذي استمر اثنتا عشرة دقيقة سنجد تناقضًا بين مستوى أدائه بالعربية وبين منصبه السابق بوصفه مسؤولًا بوزارة الخارجية عن الشؤون «العربية» والإفريقية.

فكما تظهر الاستطلاعات، تضمَّن الخطاب أربعين خطأً نحويًّا، فضلًا عن الأخطاء النطقية بما يزيد على نحو مائة خطأ باستعماله اللهجة الفارسية. وكان يفترض به إتقانه اللغة العربية نظرًا لمنصبه السابق والجديد. 

دعا خطابه ناشطين إيرانيين في تويتر إلى القول بأنّ مستوى لغة عبداللهيان لا تؤهله لمنصب وزير الخارجية. فتهكموا من حديثه المتعثّر بالعربية، وانتقدوه على تخليه عن اللغة الرسمية للبلاد.

غرَّد بعضهم ساخرًا: «هل فهم العرب شيئًا؟» وغرَّد آخرون: «لم يجبرك أحد على التحدث باللغة العربية وها قد أفسدت سمعتك.» وفي السياق ذاته، أشار آخرون إلى إجادة وزير الخارجية السابق علي أكبر صالحي، المولود في كربلاء، اللغة العربية وبكونه أفضل وزير خارجية للجمهورية في تاريخها. 

لكن رغم كل هذا الزلل والخطأ والوهن، متى ما وُظِّفت اللغة في الخطاب ستخدم سلطة الفاعل السياسي. فتعبّر عن نفوذ القول من ناحية، وتبعية التكرار والاجترار من ناحية أخرى. 

في المقابل، رغم ما ينتج عن اللغة من دلالات، فإنها تؤكد على توظيف اللغة للتخديم على أهداف مرسومة سياسيًّا. فكما يقول رولان بارت:

الدليل تبعيّ مقلد وفي كل دليل يرقد نموذج متحجر، ليس باستطاعتي الكلام دون أن يجرّ كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان.

عبداللهيان مشهدٌ متكرر 

يتأرجح الشعب المحتلّ نخبًا وجماهيرًا بين العقل والعاطفة، ولا يخلو تابع من هذا البُعد. وهذه في مجموعها مقومات فعل التأثير والإقناع في العملية الحجاجية وفي الخطابة، فالمخاطَب عادةً ما يركز على سرعة ميله واستلابه. 

ولا تعد الاستمالة العاطفية في المشهد السياسي بالجديدة إذ يتحدَّث المسؤولون الإيرانيون دومًا باللغة العربية، ابتداءً من المرشد علي خامنئي مرورًا بعبداللهيان. ويقوم هذا التواصل في مضامينه وماهيته على فكرة مهمة: تكوين العقل الجمعي وإعادة بناء هُوية تعاني من الإحباط واليأس. فتحصد إيران بذلك نتائج حربها النفسية. 

إيران والقوى العظمى، الملف النووي في معترك المسارات الدبلوماسية

مذ تنصيب إدارة الرئيس بايدن في العشرين من يناير الماضي، تتطلع أنظار الساسة والقادة والمحللين إلى تحديد ماهية التعاطي الأميركي مع الملفات الإيرانية الشائكة من

25 فبراير، 2021

ولعل أقرب ما يصفُ الإحباط العراقي قول الشاعر العراقي اليساري سعدي يوسف: «ما معنى أن يتحكم في البلد أكرادٌ وفرس.. ما معنى أن تُنفَى الغالبية العربية عن الفاعلية في أرضها التاريخية.»

إيرانالسياسةاللغة العربيةالسلطة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية