مستقبل تكتلات الشركات العائلية في الاقتصاد الخليجي

تشهد منطقة دول الخليج العربية تحولات كبرى في رؤيتها حول صالح الاقتصاد الوطني، حيث ستجد تكتلات الشركات العائلية نفسها أمام خيارات قاسية.

لطالما لعبت تكتلات الشركات العائلية دورًا محوريًّا في اقتصاد دول الخليج العربية، حيث يملكها في الغالب عوائل محلية من أصحاب النفوذ. فعملت إلى جانب الحكومات في تطوير الاقتصاد وتنفيذ الاستراتيجيات، بل تُمنَح تلك التكتلات الأسبقية في الوصول إلى المعلومات ورؤوس الأموال والمناقصات. 

لكن مع تطور الأوضاع الاقتصادية إقليميًّا وعالميًّا، أصبح من الضرورة لتكتلات الشركات العائلية إعادة النظر في هيكلتها وأهدافها.

ماذا نعني بـ«تكتل الشركات»؟

شركة تعمل على الأقل في ثلاثة قطاعات إنتاجية مختلفة، وتمتاز على الشركات أحادية النشاط. أولها بتحقيق التآزر في الخدمات المشتركة سواء في هيكلة الإدارة أو خطوط التصنيع والإنتاج، ومن ثم تخفيض التكلفة بالاستغناء عن الخدمات المكررة. تليها تمركز القرار الاستراتيجي وتأمين كفاية رأسمالية داخلية تدعم القطاعات الإنتاجية داخل التكتل. 

ومع تنوع النشاطات التجارية، حققت التكتلات عوائد مستقرة على مر تقلبات الدورة الاقتصادية ومخاطرها.

لكن في الجهة الأخرى، أشارت دراسات أكاديمية في الثمانينيات إلى معاناة الشركات الأميركية متنوعة النشاط من «الخصم التكتلي» (Conglomerate Discount). إذ قُدِّرت قيمتها كتكتل أقل بـ15% من «مجموع تقييم أصولها الفرعية مفردةً» (Sum of the Parts Valuation). 

بذلك، توجَّه تركيز المستثمر في العقود الأخيرة إلى الشركات أحادية النشاط كونها أقل تعقيدًا من الناحية الإدارية وأسهل من ناحية تقييمها ماليًّا.

لماذا ينبغي للتكتلات الخليجية إعادة النظر في أدائها؟

تجاوز تنويع الأنشطة في تكتلات الشركات العائلية إلى حدَّ كبير الجهود المنطقية في بناء الشراكات. إذ نراها تستحوذ على شركات ذات أنشطة بعيدة جدًا عن خبرات التكتل وتجربته السوقيّة. Click To Tweet

ويقينًا أي مكتسبات تاريخية من بناء التكتلات الاقتصادية ستتراجع أمام العيوب التالية:

  1. الإفراط في تنويع الأنشطة الاقتصادية خارج مجال التكتل حدًّا تغيب معه الرؤية الواضحة حول مكتسبات التآزر.

  2. استغلال الكفاية الرأسمالية الداخلية في دعم الفروع منخفضة الأداء، وعلى ذلك إضعاف إجمالي إيراد التكتل. 

  3. إرهاق الإدارة المركزية إثر توسيع مهامها عبر نشاطات متعددة مما يُضعف من فعالية أدائها.

  4. ضبابية معايير قياس الأداء الداخلية وضعف التقييم الخارجي من طرف المُدينيين والمستثمرين.

كذلك سيفضي سوء توزيع التكتل لموارده القيِّمة إلى مشاكل كثيرة. على المستوى المالي يخاطر التكتل بهدر الدعم المالي المتبادل ضمن فروعه وبذا يخاطر بإضعاف هامش الربح. أما إداريًّا، سيفتقر التكتل إلى التركيز التنفيذي في العمليات التشغيلية مما يبطئ عملية اتخاذ القرار، إضافةً إلى غياب تمكين الفروع وتشتيت الحوافز الإدارية. 

كيف يمكن معالجة السلبيات؟ 

يكمن الحل الواضح والمباشر في تخلُّص تكتلات الشركات العائلية من العبء ببيع أصولها الفرعية (Divestment Plans). وبينما قد يؤدي البيع إلى استنزاف جهد إداري وفكّ التآزر في الخدمات المشتركة وتحمُّل التكلفة المرتفعة للخدمات الاستشارية القانونية والمحاسبية، فالمكاسب كثيرة وسهلة التحقيق. 

كذلك، فالعواقب الضريبية في دول الخليج العربية محدودة مقارنةً بالمناطق الأخرى حيث قد تعيق التعقيدات الضريبية إكمال الصفقات التجارية. 

هل نجحت ضريبة القيمة المضافة في ضبط الميزانية؟

عندما نُشر بيان الميزانية العامة لعام 2020 أواخر عام 2019، اقتصرت أقصى المخاوف والتحديات على النزعات التجارية بين الصين وأميركا، وانعكاس ذلك على النمو الاقتصادي

5 نوفمبر، 2020

ووفقًا للتقديرات، إذا ما طبّقت تكتلات الشركات العائلية في دول الخليج العربية استراتيجية بيع الأصول الفرعية ستعزز من إجمالي الأرباح بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15%. كذلك سيرفع التحسن في مقياس الشفافية من التقييم المؤسسي لتلك التكتلات، مما سيزيد من تعزيز إجمالي الأرباح المذكور بنسبة 10% إضافية.

هل ستخضع التكتلات لمصلحة الاقتصاد الوطني؟ 

مع تطور الرؤية الاقتصادية في دول الخليج العربية، ستزداد حدة الضغوط على تكتلات الشركات العائلية فيها. وحينها سيكون السؤال الوحيد المطروح إذا ما ستعيد تلك التكتلات هيكلتها الداخلية طوعًا أو جبرًا. بالطبع ينصب الخيار الأول في صالح الاقتصاد الوطني. إذ يُفضَّل إخضاع تلك التكتلات نفسها لتقييم ذاتي قاسٍ، تعيد بعده ترتيب هيكلتها التنفيذية والتنظيمية على نحوٍ صارم ودقيق

لكن مع تقاعس القطاع الخاص عن المبادرة بإعادة هيكلة مؤسساته على نطاق واسع، قد يصبح من الضروري اتخاذ الخطوات القانونية والتنظيمية في سبيل تطوير أداء الاقتصاد الوطني. 

وبالتأكيد ثمة أمثلة ناجحة على الدور الحكومي في إعادة الهيكلة الاقتصادية وتشكيلها. من تلك الأمثلة عمليات دمج المصارف الكبرى في السعودية والإمارات مما صنع كيانات قادرة على التنافس في الاقتصاد العولمي. مثالٌ آخر نراه في إغلاق السعودية آلاف متاجر الهواتف النقالة بعد تطبيق «قانون السعودة» الصارم في عام 2016.

فإن لم تنفع الجزرة في إقناع القطاع الخاص بالإصلاح الاقتصادي على المدى القريب، لربما ستنفع العصا. 

الاقتصادالشركاتدول الخليج العربيةالرأسمالية
مقالات حرةمقالات حرة