لماذا نحتاج الطب النفسي في كرة القدم؟

تشير الدراسات إلى مدى انتشار الأمراض النفسية بين لاعبي كرة القدم، مع ذلك يرفض كثير من مدراء الفرق ومدربيها وجود الطبيب النفسي.

عقب فوز منتخب مصر الأولمبي ببطولة أمم إفريقيا للشباب، صرح المدير الفني للمنتخب شوقي غريب عن وسيلة تحفيزه للاعبي المنتخب قبل كل مباراة. 

تلك الوسيلة لم تكن سوى مقولة أحمد عز في فلم «الممر»: «إحنا مش هندافع إحنا هنهاجم». زعم شوقي غريب بأنَّ تلك الجملة كانت كفيلة بتغيير عقلية اللاعبين من الدفاع إلى الهجوم وإرباك الفريق الخصم، ففازوا بالبطولة.   

تحوَّل التصريح إلى سلاح يُشهره الجمهور ساخرًا كل مرة يخفق فيها شوقي غريب. لكن بصرف النظر عن السخرية، يضعنا هذا التصريح أمام تساؤلات عدة أهمها: كيف يُحفَّز الرياضيون قبل البطولات الكبرى؟ وهل ما فعله كابتن شوقي غريب تلجأ إليه الأندية والمنتخبات الأوربية؟

لماذا الطب النفسي الرياضي ضرورة؟

من المهم التفرقة بين الدافع والاستجابة العاطفية. ففي بعض الحالات، يحاول المدربون رفع مستويات التحفيز قدر الإمكان قبل المباراة باللعب على مشاعر اللاعبين وعواطفهم. وتسمى بـ «الاستجابة العاطفية».

بينما يُعرَّف التحفيز بأنه عملية توجه السلوكيات نحو تحقيق هدف أو تلبية حاجة محددة. وبما أنَّ لكل فرد طبيعة مختلفة عن الآخر ستختلف المحفزات المناسبة لتنشيط دوافعه. ففريق كرة القدم يضم ثلاثين لاعبًا بشخصيات وخلفيات مختلفة. لهذا يحتاج الفريق إلى متخصص يعرف كيفية التعامل مع كل شخص على حدة، ثمَّ توليد دافع مشترك للجميع نحو تحقيق هدف النادي.

وتوضح الدراسات مدى انتشار الأمراض النفسية بين اللاعبين. ففي بحث شمل خمسمائة وأربعين لاعب كرة قدم محترف في خمس دول أوربية، بلَّغ 43% من اللاعبين في النرويج عن إصابتهم بأعراض القلق أو الاكتئاب، وأظهر 74% منهم سلوكًا غذائيًا سيئًا. وفي إسبانيا أظهر 33% من اللاعبين أعراض اضطراب النوم. أما في فنلندا وفرنسا والسويد فارتبط تدهور الحياة الشخصية وعدم الرضا الوظيفي بالضيق والاكتئاب وإدمان الكحول.

وفي عام 2017، استعرضت أبحاث أُجريت على مائتي واثنين وستين لاعب كرة قدم محترف أن اللاعبين المصابين بجروح خطيرة كانوا الأكثر عرضة للإصابة بأمراض عقلية في الأشهر الإثني عشر التالية للإصابة. وذلك بنسبة ضعفين إلى سبعة مقارنةً بلاعبي كرة القدم غير المصابين.

كما أُجريت دراسة في مصر عام 2016 تشمل مائة رياضي مصري في أندية القاهرة والجيزة. هدفت إلى توفير نظرة أكثر شمولاً حول انتشار الأمراض النفسية بين الرياضيين في مصر.

وباعتماد المقابلة السريرية المنظمة تبيَّن تشخيص 31.6% من المشاركين بمرض نفسي. بينما أبلغ 34.7% عن تاريخ مرضي نفسي سابق. وحمل لاعبو الفنون القتالية أعلى معدل لاضطراب التكيف (48%)، بينما حمل لاعبو رياضة القوى أعلى معدل لتعاطي المخدرات (12%).

ماذا نعني بعلم النفس الرياضي؟

وفقًا لجمعية علم النفس الأميركية (APA)، يعزز علم النفس الرياضي المعرفة النفسية واستخدام المهارات للحصول على الأداء الأمثل من الرياضيين. يضاف إليها تعزيز الجوانب التنموية والاجتماعية للمشاركة الرياضية، والقضايا النظامية المرتبطة بالبيئات الرياضية والمنظمات.

قضى دكتور تيم أوبراين نحو عقد من الزمن داخل أروقة نادي أرسنال كطبيب نفسي. ويؤكد أهمية العلاج النفسي في مساعدة اللاعبين على تخطي العقبات الشخصية والمجتمعية المحيطة بهم. فالضغوط الداخلية والخارجية التي يتعرض لها اللاعب أثناء المباراة وبعدها تزداد يومًا بعد يوم. مما يُثقل كاهل اللاعبين ويشتت أذهانهم أثناء التدريبات والمباريات.

«يمكن للاعب كرة القدم اللعب لمدة تسعين دقيقة أو أكثر. أجل هي لعبة تكتيكية وبدنية وتقنية، لكنها أيضًا لعبة نفسية وتتطلب ذهنًا حاضرًا طوال الوقت. فقط تخيَّل السرعة التي تُلعب بها كرة القدم في الدوري الإنقليزي الممتاز والقرارات التي يتعين على اللاعبين اتخاذها. فهم يتخذون باستمرار قرارات غير واعية وبسرعة كبيرة، وفي كثير من الأحيان بطريقة إبداعية.»

قواعد عشق كرة القدم الأربعون

قضيتُ معظم الأوقات الممتعة في حياتي في متابعة كرة القدم، ما بين حضور المباريات أو النقاش برفقة الأصدقاء أو البحث والتقصي بغرض الكتابة. واكتشفت أن

16 يوليو، 2020

كما أشار أيضًا إلى أهمية المرونة واكتسابها، إذ تساعد مرونة الفريق على تماسكه وتحقيق الأهداف المرجوة منه. وتتحقق المرونة من توفير مناخ نفسي سليم يقوم على شعور اللاعبين بالانتماء إلى فريق واحد. 

موقف المدربين القدامى 

يقف الطب النفسي الرياضي بين عالمين. فهناك عالم المدربين القدامى من لا يرون أهمية في الطب النفسي الرياضي. ويُرجع أولاء المدربون رأيهم إلى تعاملهم مع الضغوطات وهم لاعبون في الماضي دون الحاجة إلى معالج نفسي. أما في عالم الرياضة الحديث فالأمر مختلف. إذ تهتم أکادیمیات الناشئين في الأندية بوجود معالج نفسي لمساعدة الشباب على تخطي العقبات الذهنية والمجتمعية التي يمرون بها.

لكن في عالم الاحتراف، لا تزال وجهة النظر القديمة تجاه الطب النفسي الرياضي حاضرة بقوة. فعندما سُئل المدرب الإيطالي كلاوديو رانييري، الحاصل على لقب الدوري الإنقليزي الممتاز مع نادي ليستر سيتي عام 2016، عن كيفية ضمان استعداد لاعبيه ذهنيًا للدفاع عن اللقب، جاءت إجابته مفاجئة:

«في الحياة، عليك أن تكون قويًا.» وبسؤاله هل يكون ذلك عن طريق العلاج النفسي؟ أجاب «لا.»

وفي مقابلة صحفية، أصرَّ المعالج النفسي كين واي، الذي عمل رفقة كلاوديو رانييري في نادي ليستر سيتي في موسم تحقيق اللقب، على أنَّ فضل التتويج يعود للاعبين وليس له. لكن نجاحهم بالتأكيد جاء مبنيًا على أسس التميز العقلي والبدني.

وذكر كين واي المهاجم جيمي فاردي مثالًا على التحسن العقلي الذي استفاد منه الفريق، وأقرَّ بمعاناة اللاعب من إيمانه بنفسه في الماضي. لكن بعد العلاج عاد وسجل أربعَ وعشرين هدفًا ونال لقب أفضل لاعب كرة قدم في العام من اتحاد كُتَّاب كرة القدم.

لكن بعد شهر من تعليقات رانييري، أبلغ نادي ليستر كين واي قرار الاستغناء عن خدماته. بعدها عانى الفريق وفقد لقب الدوري بعد إنهائه الموسم بحلوله في الترتيب التاسع.

وصمة في الرياضة العربية 

يخطو عالم كرة القدم العالمية ببطء نحو تقبُّل الطب النفسي الرياضي، وفي عالمنا العربي لم نتعلم السير بعد. لا يزال اللجوء إلى  الطب النفسي وصمة  في بلادنا العربية. ويؤكد على ذلك الدكتور إبراهيم مجدي حسين، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، والطبيب النفسي السابق لنادي الزمالك المصري.

«كل فرق العالم بها أطباء نفسيون، لكن تظل التجربة بعيدة عن التطبيق في مصر نظرًا للفهم الخاطئ لكلمة طبيب نفسي. كانت لي تجربة مع نادي الزمالك وقت تولي المهندس رؤوف جاسر الإدارة. كنت أعمل مع المدير الفني فييرا ورحَّب جدًا بتطبيق فكرة وجود طبيب نفسي في الفريق. لكن نظرًا لخوف اللاعبين وحتى لا يُقال عنهم “لاعبون مجانين”، فشلت الفكرة.»

في الاستوديو التحليلي عقب تعادل المنتخب المصري في لقائين متتاليين ضمن تصفيات كأس إفريقيا 2021 سأل المحاور عن سبب البداية غير الموفقة للمنتخب. فردَّ الكابتن محمد عمر السبب إلى غياب الطبيب النفسي في الجهاز الفني للفرق والمنتخبات العربية. إذ يؤدي الطبيب دورًا بالغ الأهمية في مواقف كهذه، ويساعد اللاعبين على تخطي الخوف من المنافسين. كما أشار إلى إصابات يعانيها اللاعبون إثر عوامل نفسية في المقام الأول.

وما يجري في مصر يجري في باقي الدول العربية، إذ لا تزال الدول الأخرى بعيدة عن الطب النفسي الرياضي. وإن إستعانت بعض الفرق بأطباء نفسيين فذلك قبل المباريات الهامة فقط. فمثلًا تستعين إدارة الهلال السعودي بالطبيب النفسي الشهير طارق الحبيب قبل المباريات الهامة سواء كانت محلية أو دولية.

محاولات عربية فردية

لا تزال محاولات الاتجاه للطب النفسي الرياضي في عالمنا العربي فردية. قد يستعين منتخب أو فريق عربي بطبيب نفسي قبل بطولة هامة ولمباريات عدة فقط  بناءً على رغبة مدرب الفريق وليس بالضرورة من اتحاد اللعبة نفسه. 

قبيل كأس العالم للأندية الذي أقيم في المغرب عام 2015 استعان فريق المغرب التطواني بطبيب نفسي. وجاء التعاقد بناءً على رغبة المدرب عزيز العامري، كونها المرة الاولى التي يخوض فيها الفريق البطولة.

وفي كأس العالم المنصرم الذي أُقيم في روسيا عام 2018 شارك العرب بأربعة منتخبات لأول مرة في تاريخ المونديال منذ انطلاقه. فكان يجدر بهذه المنتخبات تعيين طبيب نفسي لتأهيل اللاعبين نفسيًا حيث يشارك أغلب لاعبيها في حدث كهذا لأول مرة. وعدا المنتخب السعودي، لم تستعن منتخبات مصر وتونس والمغرب بطبيب نفسي.

صرَّح عادل عزت، رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم آنذاك، بتعاقد المنتخب مع طبيب نفسي ضمن طاقم الإعداد في مونديال روسيا. وأكَّد إيمانه بأهمية الطب النفسي في تهيئة اللاعبين لهذا الحدث الضخم.

تصحيح المسار في كرة القدم

في لعبة كرة القدم تحديدًا لا يزال الطب النفسي الرياضي يخطو خطوات بطيئة. لكن بدأت الأندية والاتحادات تأخذ خطوات نحو تصحيح المسار.

فقبل كأس العالم 2018، عيَّن الاتحاد الإنقليزي الأسترالية بيبا جرانق كرئيس للأفراد وتطوير الفريق. وتمثَّلت وظيفتها في بناء المرونة أثناء مواجهة الضغوط النفسية التي عانت منها فرق إنقلترا السابقة.

وصلت إنقلترا إلى نصف نهائي كأس العالم 2018 في روسيا، ثم إلى النهائي الثاني في تاريخها في بطولة يورو 2020. ورغم عدم تحقيق الفريق اللقب، كان تأثير جرانق محل تقدير من الجميع في إنقلترا. وأشار لاعب خط الوسط إريك داير إلى دورها قائلًا: «أعتقد أن الكثير من العمل الذي قمنا به معها  قبل بدء بطولة كأس العالم 2018 كان مفيدًا للغاية.»

وتضمن النهج النفسي جلوس اللاعبين معًا في مجموعات صغيرة لمشاركة تجاربهم الحياتية ومخاوفهم وكشف الحقائق الحميمة حول شخصياتهم ودوافعهم. وأشار مدير الفريق الفني قاريث ساوثقيت إلى مساهمة هذا النهج في بناء الثقة بين أعضاء الفريق وتفهُّم كل لاعب للآخر. 

الصحة النفسية في الرياضات الأخرى 

بالمقارنة تولي رياضات أخرى الطب النفسي أهمية قصوى. إذ تستعين فرق كرة القدم الأميركية بأخصائيين نفسيين لرعاية اللاعبين وتدريبهم على المهارات العقلية. ويعيِّن كل فريق طبيب سريري معتمد للصحة السلوكية يقضي من ثمانية إلى اثنتي عشرة ساعة أسبوعيًّا في منشأة الفريق.

يتولى الإخصائي النفسي تثقيف اللاعبين والمدربين حول الصحة العقلية واكتشاف ومعالجة مشكلاتها. كما يضع للاعبين خطط التعامل مع أزمات الصحة العقلية. وتعمل نقابة لاعبي كرة القدم الأميركية «NFLPA» أيضًا على تطوير جهودها لمنع الانتحار، إضافة إلى تقديم برامج تعليمية للاعبين وعائلاتهم وموظفي الفريق.

ويعد اللاعبون في الرياضات الفردية الأكثر انفتاحًا بالحديث حول الصحة النفسية. ففي بطولة الأولمبياد الأخيرة صدمت بطلة الجمباز اللاعبة سيمون بايلز العالم بقرار انسحابها من المشاركة لأسباب نفسية. ليست اللاعبة الأولمبية الأولى التي تسلط الضوء على هذا الموضوع، إذ سبقها السباح الأميركي العالمي مايكل فيلبس.

كان السباح الأولمبي مايكل فيلبس على قمة العالم بعد هيمنته على أولمبياد 2008 في بكين. لكن تضررت صورة البطل بعد تصويره يدخن الحشيش عام 2009، واعتقاله لاحقًا للقيادة تحت تأثير المسكرات عام 2014. وأسفر الاعتقال عن حظره من المنافسة الرياضية لمدة ستة أشهر.

توجه فيلبس إلى عيادة لإعادة التأهيل في ولاية أريزونا، وطلب المساعدة من معالج للاكتئاب والقلق وأفكار الانتحار. بعدها عاد إلى دورة الألعاب الأولمبية عام 2016 في ريو دي جانيرو وأصبح أكثر الرياضيين تتويجًا على الإطلاق بحصوله على ثمان وعشرين ميدالية، ثلاث وعشرون منها ذهبية. ويركز فيلبس اليوم على تربية ثلاثة أولاد مع زوجته نيكول، والدعوة لتعزيز موارد الصحة العقلية.

وفي مايو 2019، شارك فيلبس تغريدة حول رحلته مع العلاج النفسي قائلًا:

«عانيت من القلق والاكتئاب وتساءلت عما إذا كنت أرغب في البقاء على قيد الحياة أو لا. عندما بلغت هذا الحضيض قررت طلب المساعدة من معالج مرخص. وفي النهاية ساعد قراري في إنقاذ حياتي. ليس عليك انتظار الأمور تسوء حتى تتصرف.»

مسؤولية مدير الفريق تجاه لاعبيه

يتبين لنا كيف للطب النفسي أن يساعد لاعبي كرة القدم في التغلب على التشويشات العقلية وتحسين أدائهم.

في حين يُعد التركيز على الأداء حجر الزاوية في علم النفس الرياضي، يظل مجرد جزء مما يفعله الأطباء النفسيون اليوم لدعم الرياضيين. Click To Tweet

فالطب النفسي الرياضي مسؤولٌ أيضًا عن مساعدة الرياضيين على التعامل مع القضايا الشخصية، ومعالجة مشاكل الصحة العقلية كالقلق والاكتئاب واضطرابات الأكل.

لا مانع من عرض شوقي غريب وغيره من مدراء الفرق الأفلام الوطنية على لاعبيهم كمحفز عاطفي، لكن يجب على إدارات الفرق الرياضية التحلي بوعي أعمق من هذا بكثير. فتولى الأمور إلى أصحاب الخبرة والعلم في مساعدة لاعبي الفريق على تحقيق الفوز والبطولات، والحفاظ على صحتهم النفسية والعقلية.

الرياضةالصحة النفسيةكرة القدمالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية