كيف نجد السعادة في عصرنا الحالي؟

نعيش في عالم تتوفر فيه سبل الراحة والرفاهية لإسعاد الإنسان، مع ذلك يكتنفنا الحزن والاكتئاب، ونعجز عن إيجاد سبيلنا نحو السعادة.

زاد التطور التقني والذكاء الاصطناعي من رفاهية الفرد. فهو يقتني مختلف الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات والحواسيب بأنواعها. وبمجرد لمسة يحصل على المعلومة التي يريدها بغير جهد يذكر بعدما كان يُقلب المجلدات. وبمجرد لمسة يقتني أجمل الملابس ويحصل على أفضل العروض التسويقية. ورغم هذا كله لا يجد السعادة وما ينفك ينتابه القلق والتوجس وتغمره أمواج الكآبة والحزن. 

من هذه الزاوية ينظر باومان إلى الحداثة في صورتها التقنية كوعدٍ بزيادة متصلة في السعادة. فمجتمعاتنا الاستهلاكية لا ترى قيمة أسمى من الحياة السعيدة حيث السعادة دنيوية غير مؤجلة ولا مجال للتعاسة والحزن فيها، أي أشبه بـ«الفردوس الأرضي». 

ولا ينفي الفيلسوف الفرنسي أندريه سبونفيل أن التكنولوجيا استطاعت خلق شيء من السعادة. فمثلًا يمكن للإنسان تحميل كل الموسيقا التي يحب على جهازه الخاص، وبذا تكون التكنولوجيا أسعدته بمنحه ما يريد. لكن مع الوقت لن تكفيه هذه السعادة. فبعد وجود الموسيقا في جهازه أصبحت ضمن المتوفر ولم يعد يشعر بإغراء السعي إليها.

أما أستاذ الفلسفة المصري، فؤاد زكريا، فيؤكد أنَّ المغالاة في الإيمان بنتائج العلوم التقنية وصل حد الاعتقاد بأن المعرفة العلمية الدقيقة وحدها القادرة على الأخذ بيد البشرية في طريق السعادة والكمال. فالحداثة تجاهلت ما يمكن للفن أو الشعر أو الأدب تقديمه لنا، بل صيَّرت الإبداع الثقافي سلعةً خاضعة لمعايير السوق الاستهلاكية.

هكذا، مع اللهث المتواصل سعيًا لمواكبة التطور التقني غير المسبوق، يرتفع منسوب القلق والتوتر ويفتقد الإنسان للأمان. فتصبح حياته أشبه بلعبة الأفعى الدورانية في سعيها وراء نقاط من الفاكهة، تأكلها فتكبر وتكبر حتى تأكل نفسها في النهاية.

التخلي عن الملذات

لا تأتي السعادة الإنسانية بالامتلاك والازدياد من متع الدنيا الزائلة، بل بالتقليل منها قدر الإمكان لنجد خلاصنا في الغنى الروحي. وتكمن الحكمة في التحلل من الرغبات، فلا شيء يستحق التشبث والبقاء في قيده. فهذا العالم سريع التبدل والتغير وكل شيء فيه زائل.

غرور نارسيس في عصر الفراغ

يتعرف كل جيل على نفسه من خلال شخصية أسطورية أو خرافية كبرى بعد قراءتها وفقًا لإشكالات اللحظة، و شخصية نارسيس كما يقول جيل ليبوفيتسكي في

25 يونيو، 2020

يصوِّر الكِنِدي حال المنغمس في اللذات المادية طلبًا للسعادة كحال رُكاب المركب الذين قصدوا غابة ظنًّا أنها محلهم. لكن بعدَ استلذاذهم بطيباتها وخيراتها فوجئوا بعرضيتها وأنها دار آلامٍ ونغص ونكد. وحين قرروا العودة إلى محلهم الأول وجدوا صاحب المركب ميتًا، أما الناجون فلم يسلموا من الأمراض ومنهم من قضى ساعةَ إبحارِ المركب. فكان الانشغال بالحسيات ومشاغل الدنيا الآفة الحقيقية التي قضت على الركَّاب.

وقد لخص دي بور فلسفة الكندي ونظرته لمفهوم التغير والزوال: «والحق أنه لا دوام لشيء في هذا العالم، عالم الكون والفساد الذي يسلب منا في أية لحظة كل ما هو عزيز لدينا من مقتنياته. ولا ثبات ولا دوام إلا في عالم العقل. فإذا أردنا أن تقر أعيننا ببقاء مقتنياتنا، وأن لا يسلب منا ما هو حبيب إلى نفوسنا، وجب علينا أن نُقْبِل على خيرات العقل الدائمة، وعلى تقوى الله.»

يعرِّف ابن سينا العوام من الناس بمن يسبق إلى ذهنهم أن اللذات الحسية هي اللذات القوية المسببة للسعادة. ويبرهن على بطلان هذه الفكرة قائلًا: «نرفض قول القائل بأن السعادة هي اللذة الحسية، إذ من يبصر حال الملائكة وما فوقها يدرك أن حالها ألذ وأبهج وأنعم من حال الأنعام.»

نيل السعادة العقلية والأخلاقية 

يقرن مسكويه المتشبثين بالشهوات ومن يرونها طريق السعادة الوحيد بمرتبة الحيوانات. إذ بسلوكهم طريق الملذات يظلمون أنفسهم الكريمة: «وسيظهر عند ذلك أنّ من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية وجعلها غايته وأقصى سعادته، فقد رضي بأخس العبودية لأخس الموالي. لأنّه يصيّر نفسه الكريمة عبدًا للنفس الدنيئة التي يناسب بها الخنازير والخنافس والديدان وخسائس الحيوانات.»

ما يقرره مسكويه حول حقيقة السعادة أنها لا تُنال في المتع واللذات الحسية إنما في الحكمة بصورتيها النظرية والعملية. وتتمثل الحكمة النظرية في الآراء الصحيحة، والحكمة العملية في الهيئة الفاضلة التي تصدر عنها الأفعال الجميلة. بهذين الأمرين بعث الله الأنبياء للناس، والشريعة الآتية من عند الله لا تأمل إلا الخير وأسباب السعادة.

ويؤكد ابن رشد مفهوم مسكويه للسعادة، إذ يرى أنَّ ما يميز الإنسان عن الحيوان هي النفس الناطقة بشقيها النظري والعملي. وعليه تتحقق السعادة في كمال جوهر الإنسان حيث تعلو فضائل العلم والمعرفة فتتغلب إنسانية المرء على حيوانيته. 

إذ:

يحسب الناس السعادة فقط في كثرة الأولاد والإخوان والحسب والنسب والمال. ويغفلون عن حقيقة حُسْن العقل والشيخوخة التي لا تتحقق إلا إذا أيقنا بوجود غاية عليا من وراء أفعالنا ننفرد بها دون الحيوانات. Click To Tweet

وبهذا يدعو ابن رشد إلى العلم والدرس كسبيلٍ إلى السعادة.

ويربط الفارابي بين السعادة والأخلاق. فالتحلي بالفضائل الأخلاقية يخلق السعادة، كما يراها أيضًا ثمرة العقل والتفكير. فعندما يُعْمِل الإنسان عقله سيميز بين الحسن والقبيح من الأشياء، فيتجنب القبيح ويتخلق بالحسن.

إصلاح النفس الحزينة

وفقًا للكندي يمكن للإنسان تجاوز الشقاء الذي يتملكه من خلال إصلاح النفس والالتفاتِ لها من جملة الخيرات. ويتحقق ذلك بتجنب الشر ومسبباته الجالبة للحزن، ومنها الحسد الذي نحمله للأصدقاء أو الأعداء. فالحسد من مهلكات النفسِ ومجلبٌ للأحزان. ويعتني الكندي بتهذيب النفس، ويرى أن إصلاحها أوجب من إصلاح الجسد: « فإنّا بأنفسنا نحنُ ما نحنُ، لا بأجسامنا.»

وتقتضي حكمة الكندي منا اليوم الإقرار بأننا لا نثبت هويتنا بما نملك. فنحن لسنا صور الإنستقرام ورحلات السفر والمقاهي والمطاعم وأحدث الأزياء والتقنیات. بل تتمثل هویتنا في أنفسنا التي تحوي حب الله والناس والمسارعة في الطاعات والمحاولة الدؤوبة لتنقية قلوبنا من آفة الحسد والتنافس المؤذي.

الاستهلاكيةالسعادةالفلسفةالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية