كيف تطلب المساعدة وتحصل عليها

أقول دائمًا ولا مزاح في ذلك: طلب المساعدة يشبه خلع الأضراس. لا أعلم متى كانت المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الصراع الرهيب بداخلي...

أقول دائمًا ولا مزاح في ذلك: طلب المساعدة يشبه خلع الأضراس. لا أعلم متى كانت المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الصراع الرهيب بداخلي.

ربما كانت في إحدى رحلات التسوق ومحاولتي القفز للوصول إلى رفّ بعيد والارتطام في طريقي بالعلب الزجاجية وكسرها. أو لربما بعد تسلّم تقييمي السنوي من مديري وتوضيحه إحدى نقاط ضعفي: «أنت لا تطلبين المساعدة في الوقت المناسب». أو عندما تسببت بإصابة بليغة في ظهري بسبب حمل صناديق الكتب الثقيلة، وحدي أيضًا.

القائمة تطول. وللأسف، ليس لديّ أو لديكم الوقت لمراجعتها.

دوّن المخاوف التي تعيقك

عندما أردت التعامل مع مشكلتي للمرة الأولى، قررت الجلوس وكتابة كل ما يمنعني من طلب المساعدة. تنوعت الأسباب، لكنّ الخوف كان عمودها الأساسي: الخوف من الرفض في حال توجهت للآخرين، والخوف من فقدان السيطرة

وأركز هنا على الخوف من فقدان السيطرة. لأنني منذ اللحظة التي جذبت فيها كفي من كفّ والدتي وخطوت عدة خطوات بعيدة عنها، وأنا أمضي في الحياة أتعلم مهاراتها لأتقن السيطرة عليها وحدي.

لستُ وحدي في هذا التصور: تعاملي مع الأشياء بمفردي هي طريقتي للاحتفاظ بالسيطرة، وفي اللحظة التي أقرر فيها طلب المساعدة من أحد أتخلى عن هذه السيطرة طواعية. يشبه الأمر تسليم دفّة القيادة مؤقتًا، لكن الخوف يقودني إلى الشعور بالتخلي عنها تمامًا لهذا الشخص أو الأشخاص.

كذلك، فطلب المساعدة يقتطع من شعوري بفخر الإنجاز، ويغذي شعوري الفطري بالضعف عندما أفشل في إتمام مهمة بنفسي. أي، بكلمات أخرى، أشعر بدخولي في علاقة اعتمادية مع الآخر، علاقة تتطلب مني تقديم المساعدة الفورية كردّ للجميل.

ويضاف للتشكيلة أعلاه، الخوف من تعكير صفو الآخرين واقتحام وقتهم الخاصّ. فكلنا نركض في أعمالنا ودوائرنا الخاصة ونقاتل للحفاظ على غنائمنا من الحياة.

حُفِر في دواخلنا أن الاعتماد على الذات وحلّ مشاكلنا بأنفسنا وتغطية كافة احتياجاتنا هي الطريق الصحيحة نحو تحقيق الاكتفاء والاكتمال في الحياة، لكنّ الواقع لا يعترف بهذا. في الواقع نحن نحتاج بعضنا البعض للمساعدة والدعم. وإحدى قدراتنا الخارقة تعلم مهارة طلب المساعدة.

لذلك، قضيت وقتًا طويلًا في كتابة أسبابي واكتشافها، وفي كل مرّة كنت أتساءل وأرد على نفسي: ماذا بعد؟ كيف يمكنك تجاوز هذا الخوف؟ والأهم من ذلك: هل يساعدني تخيل الطرف الآخر وهو يطلب المساعدة؟

من هنا يولد تعاطفي الصادق مع الآخر، فأحاول قدر الإمكان توجيه هذا التفهم والعطف لنفسي.

تحرَّر من «وهم الشفافية» و«العمى غير المقصود»

عندما عثرت على هذين المصطلحين للمرة الأولى، شعرت كمن عثر على كنز يشرح مشاعري ويفسرها. «وهم الشفافية» مصطلح يشرح ظاهرة نفسية اجتماعية يقصد بها مبالغة المرء في تقديره لمدى معرفة وفهم الآخرين لحالته العقلية الشخصية في لحظة معيّنة. وفي حالتي هذه: معرفة الآخرين بحاجتي إلى المساعدة بلا توضيح مني. 

تجتمع هذه الحالة مع حالة مقابلة تسمّى «العمى غير المقصود». وتحدث عندما يركز الإنسان على جزء محدد من الصورة دون الالتفات لكافة التفاصيل. 

ففي زاوية من الصورة أجلس ممتعضة وأشعر بالسوء من عدم قدرتي على طلب المساعدة، وأظن بأن هذا الانزعاج له صوت مسموع يصل للطرف الآخر. وفي الزاوية الأخرى من الصورة، الآخرون في لحظة عمى غير مقصودة عن احتياجي المساعدة. وهكذا يمضي بنا الوقت ونحن عالقون في هذا النزاع الصامت بلا نتيجة.

كيف تطلب المساعدة على النحو الأمثل؟ 

عثرت على الإجابة في كتاب «التعزيز: كيف تجعل الناس يساعدونك؟» (Reinforcements: How to Get People to Help You) والذي تحدثت فيه الأخصائية النفسية الاجتماعية، هايدي قرانت، عن الطريقة المثلى لطلب المساعدة من الآخرين وتحقيق التوازن في ذلك. وصلت للكتاب من فيديو تيد شهير قدّمته قرانت، وناقشت فيه باختصار معضلتنا القديمة في طلب المساعدة.

توجز قرانت طريقتها المثالية في أربعة عناصر، تبدأ بالتأكيد على توضيح ما ترغب به حتى تتفادى العمى غير المقصود من الآخرين. 

أي أنّي حتى أطلب المساعدة، أحتاج التعبير بكلمات واضحة عمّا أحتاجه من الآخر من خلال تحديد الكيفية والإطار الزمني. كذلك أنا بحاجة لتذكير الشخص الذي توجهت إليه بسبب اختياري له. هذا السؤال سيفكر به الآخر حتمًا، ومن الجيد الاستعداد بإجابة واضحة تعزز شعوره بالمسؤولية. والأهم من هذا كلّه، التوجّه بالطلب بلطف والاستعداد للرفض وقبوله. 

عندما اخترت الحديث بهذه الطريقة، وجدتني أفتح حوارًا صحيًا مع الآخرين. ففي بعض الأحيان، لا يمكنهم تقديم المساعدة بالصورة التي طلبتها، لكنهم يقترحون عليَّ طرقًا أخرى اتبعهوها أنفسهم، أو يرشدونني لمن سيقدم المساعدة بالشكل الأمثل.

ودائمًا ما تشعرهم هذه المساحة المرنة التي تركتها لهم بالراحة والحماس. فليس ثمة أحكام مسبقة أو انزعاج من تأخرهم عن مساعدتي أو رفضهم طلبي بلطف. وحتى يكتمل  هذا التواصل، أعود إليهم دائمًا لشكرهم والحديث عن العقبات التي اجتزتها بفضل مساعدتهم. أشبه برفع التقرير النهائي بعد إقفال مشروع عمل، أعود للأطراف العاملة وأبلغهم بما أنجزناه معًا.

تحتاج هذه السلسلة من التفاعلات الإنسانية الكثير من المران والتجربة. وفي كل تجربة أذكر نفسي بالمكان الذي بدأت منه، وأراقب كل خلل حتى عالجته -مبدئيًا.

كوّن طرقًا مختلفة لطلب المساعدة 

لا يشبه طلب المساعدة في العمل طلبها في الحياة الشخصية. ومع الوقت كوّنت قائمة ذهنية بالطرق التي أتبعها مع زملاء العمل أو أفراد العائلة والأصدقاء. ومؤخرًا أضفت للقائمة طلب المساعدة المختصة على صورة مرشدة للحياة.

في العمل تعلّمت أنَّ طلب المساعدة يجب أن يأتي باكرًا. تسلمت مهمّة لم أفهم تفاصيلها؟ أكتب مباشرة رسالة إلكترونية أو أتصل هاتفيًا بمن طلبها للاستيضاح. استصعبت معلومة تعيق تقدمي في مشروع جماعي؟ أرتب لاجتماع مع الشركاء ونقضي عدة دقائق في عصفٍ ذهني مثمر.

مع الممارسة، كشف لي التجرؤ على طلب المساعدة مواطن قوتي وضعفي. أعرف الآن أنني أنغمس كثيرًا في البحث والقراءة، وأهمل متابعة المراسلات. ومن هنا طلبت المساعدة من الزملاء بتذكيري، وأتحت لهم أيضًا فرصة المتابعة بأنفسهم دون العودة إليّ.

في حياتي الشخصية ومع عائلتي، أدرك مدى انشغالي في العمل أغلب الوقت، ومن آنٍ لآخر، أحتاج للمساعدة في الترفيه عن نفسي والخروج وتجربة الفعاليات الممتعة. مع طلبي المساعدة مرة بعد أخرى، تخلصت من حواجز كثيرة بيني وبين دائرتي المقربة، ووجدت أفرادها أكثر ولاءً مما توقعت.

في رحلتي هذه أدركت استحالة تجنب طلب المساعدة، وأن الوقت دائمًا مناسب لفعل ذلك بدلًا من المقاومة والاستسلام في مواجهة الإحباط. أن أقول لنفسي «لا يمكنني القيام بذلك وحدي» أفضل من قولي «لا يمكنني أبدًا القيام بذلك.». Click To Tweet

الاعتماد على الذاتالخوفالشفافيةالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية