ما وراء وجود مقرات إقليمية للشركات الأجنبية في السعودية؟

ما الحيثيات وراء إلزام الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الحكومة بوجود مقر إقليمي لها في السعودية؟ منذ زمن طويل والحكومة السعودية تسند عقودها

رغم كل التفسيرات والآراء على الصعيدين المحلي والدولي حول قرار إيقاف تعاقد الجهات الحكومية مع الشركات الأجنبية التي ليس لها مقر إقليمي في السعودية بدايةً من عام 2024،  فثمة  آثار اقتصادية مركبة ستعود حتمًا بمنافع مالية وتنظيمية وثقافية على الاقتصاد السعودي.

لكن ما الحيثيات وراء إلزام الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الحكومة بوجود مقر إقليمي لها في السعودية؟ 

تخفيض إنفاق الميزانية العامة وقطاع الأسر

منذ زمن طويل والحكومة السعودية تسند عقودها ومشترياتها إلى شركات سعودية وفق أنماط مختلفة ومتنوعة، وفي ذات الوقت تسند الشركات المحلية الفائزة بتلك العقود أعمالها إلى طرف ثالث محلي أو أجنبي بشكل مباشر أو غير مباشر. 

ومما لا شك فيه أن من أدبيات النفقات الحكومية الاقتصادية والتنموية، نقل سلسلة المنافع المرجوة من الإنفاق العام إلى عمق الاقتصاد، عبر زيادة معدل إشغال العقارات التجارية ونقل الخبرات إلى المجتمع الاقتصادي المحلي وتنمية المحتوى المحلي وتمرير جزء من المكاسب المالية إلى النظام المصرفي الوطني.

أو على الأقل إبقاء تلك المكاسب المالية فترة من الزمن قبل رحيلها إلى موطن تلك الشركات في صورة تدفقات نقدية من العملات الصعبة.

 كل تلك المنافع المركبة ستظهر في صورة بيئة أعمال مجدية لجميع الأطراف.

عند التنقيب داخل الميزانية العامة وبالنظر إلى حجم الإنفاق الجاري أو ما يعرف بالمصاريف التشغيلية للحكومة وعقود المشتريات الحكومية العامة، لا سيما في مجال الصحة والأدوية، نجد الفاتورة مرتفعة. وتتخطى ثلث الميزانية إذا ما استبعدنا فاتورة الرواتب المباشرة للموظفين العموميين.

ويمكننا الإشارة إلى أن بنود المصاريف التشغيلية تميل إلى الثبات عند مستويات إنفاق مرتفعة، ولم تتأثر بتذبذب أسعار النفط عبر الأعوام. لكن فواتير الإنفاق الرأسمالي أو ما يسمى بالمشاريع الجديدة ترتبط بمدى وضع أسعار النفط. وتتراوح عادةً ما بين 17% إلى 22% من الميزانية العامة.

أما لدى تفحص فاتورة الواردات من خلال الجمارك، نجد أن الاقتصاد السعودي يعتمد كثيرًا على الاستهلاك الخارجي سواء من القطاع العام أو الخاص وقطاع الأسر. ويقدر حجم فاتورة الواردات السلعية 47% من إجمالي الإنفاق الفعلي من الميزانية العامة والذي يمثل تسربًا نقديًّا مرتفعًا يتدفق إلى خارج البلاد.

رفع كفاءة الائتمان للمشتريات الحكومية

أما عند معاملة المشتريات الحكومية وفق منظور محاسبي ومالي، لا سيما الإدارة المالية، فإن وجود الشركات الأجنبية بعيدةً عن السوق السعودي يحرم الاقتصاد من منافع كثيرة. 

خصوصًا زيادة حق الانتفاع من منافع الحسابات المدينة أو الائتمانية القائمة على أساس الثقة، مثل توفر السلع والخدمات على أساس الانتفاع بالخدمة أو السلعة على أن يتم السداد لاحقًا، على الأخص في فاتورة المشتريات الدائمة ذات الطلب المتكرر. استدامة كهذه لا تتحقق مع وجود وسيط أو تمثيل ضعيف من الشركة الأم.

كذلك فالقرار يقلل من مخاطر تذبذب التوريد ويقلص من حاجة الحكومة إلى زيادة معدل المخزون العام، فتعتمد على سلسلة الإمداد النشط بين الجهات الحكومية والشركات الدولية. لا سيما في ظل إعادة تمويل أعمال الحكومة من خلال المصارف التجارية وزيادة فعالية الأداء المالي في اقتصاديات الاستثمار وزيادة جاذبية السوق المحلي للاستثمار الأجنبي بطريقة غير مباشرة.

وهو ما سيظهر لاحقًا في تحليل الأسواق الداخلية، مع إبداء الشركات المهتمة رغبتها بدخول السوق السعودي مستقبلًا ضمن برامج الاستثمار الأجنبي.

إن التغيرات الراديكالية في منهجية تطوير وتحسين الأداء الحكومي تسير وفق مسارات سريعة تسابق الزمن. وذلك بهدف الاستفادة من حالة الركود الاقتصادي الذي يعيشه العالم وتعديل كثيرٍ من الأسس التي يصعب تعديلها في فترات النمو أو الازدهار الاقتصادي.

وعلى الأغلب فسيكون لإرساء إجراءات هيكلية في مثل هذا التوقيت انعكاسات ومنافع مزدوجة في القفز بالأداء وزيادة المنافع على الاقتصاد.

إزالة العوائق اللوجستية أمام الشركات الأجنبية

يعزى ضعف جودة بعض المنتجات أو عدم موافقة سياسات وشروط الخدمات للشركة في السوق المحلي وتباينها في كفاءة مستوى الخدمة عن مثيلتها في البلد الأم للشركة إلى سوء تطبيق تلك السياسات محليًّا من الوسطاء التجاريين. مما يجعل من شروط التفاوض مع الشركات الأجنبية خارج حدود البلاد إحدى التحديات التي ترفع فاتورة المشتريات والعقود بشكل عام. 

وفي نفس السياق نجد أنَّ السوق السعودي غير مكتشف من الشركات الأجنبية التي تحصل أرباحًا مرتفعة عبر الوسطاء أو المكاتب الإقليمية خارج السعودية. فوجود مكتب إقليمي داخل السعودية يفتح فرصًا غير محدودة من تقليل التكاليف على الشركات الأجنبية عبر الاستفادة من خدمات الشركات المحلية المتاحة ومن الخدمات اللوجستية المحلية.

كذلك سيتيح وجود المكتب الإقليمي تكوين علاقات تجارية تصبو نحو الدخول في مشاريع مشتركة والاندماج في سلسلة القيمة المحلية، والذي يعد ركنًا أساسيًّا في تشكل عناصر الارتباط بسلسلتي القيمة الإقليمية والعالمية. لا سيما أنَّ السعودية تمتلك مدنًا صناعية وبنية لوجستية لم تكتشف حتى اليوم.

ويعزى عدم اكتشاف السوق السعوديّ إلى نمط الإدارة السابق. إذ كانت أعمال الحكومة تسند إلى القطاع الخاص الوطني، وبدوره ينفذها وفق مصالح مؤقتة مع الشركات الأجنبية وتنتهي العلاقة بانتهاء العقد. أما اليوم، فتعدّ الشراكات والاستدامة من أسس منهجية الإدارة المطبقة في البلاد، وذلك على جميع الأصعدة.

وعليه فقرار وقف التعاقدات قرارٌ تنظيميّ بآثار اقتصادية تتماشى مع أهم محاور رؤية 2030 الرامية إلى جعل الاقتصاد الوطني مزدهرًا. وذلك عبر زيادة زخم تواجد الشركات الأجنبية في الاقتصاد السعودي، والذي بدوره يعزز من أداء ميزان المدفوعات والتجارة بشكل مزدوج.

إذ تتجسد منافع هذا القرار حتى لدى الجانب الأجنبي حين تستفيد مصانعه وشركاته من التحفيز الاستثماري واستقرار أسعار الصرف وسهولة التصدير إلى المحيط الإقليمي، مما يرفع  النشاط الاقتصادي الكلي للبلاد. 

الرأسمالية
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية