لماذا عليك أن تدرس علم الأعصاب؟


لأسيل باعبدالله
13 يناير، 2019
  • فنجان فاز بجائزة الإعلام الجديد من وزارة الإعلام السعودية 2017

    كل يوم أحد. ضيف معي أنا عبدالرحمن أبومالح. في بودكاست فنجان، سنأخذ من كل مذاق رشفة. لا معايير، ولا مواضيع محددة، لكن الأكيد، هنا كثير من المتعة والفائدة.


ثلاث أسئلة لا تسألها أبدًا. لا تسأل طالب عن موعد تخرجه، ولا آنسة عن متى تقرر الزواج، ولا تسألني عن تخصصي الدراسي. ليس لأني عميل استخباراتي مزدوج أو شيء من هذا القبيل، بل لأن المحادثة التي تتبع هذا السؤال دائماً ما تكون مرتجلة وعشوائية. في هذا المقال سأوضح خمسة أسباب دفعتني لاختيار هذا التخصص و سأستعين بهذه المقالة في كل مرة أشرح فيها لماذا اخترت دراسة علم الأعصاب.

خذ قلبي أو يدي أو عيني، وسأظل أنا أنا

في البداية، قد يخبرك أحدهم أن علم الأعصاب يُعنى بدراسة مختلف جوانب الجهاز العصبي كمكوناته ووظيفته وأمراضه. لكن هذا التعريف محدود للغاية؛ لأن الجهاز العصبي ليس كالأعضاء الأخرى التي يمكن دراستها والتحقق من وظائفها دون الاكتراث بالسلوك. فما يحاول علماء الأعصاب فهمه هو عن العلاقة بين السلوك الذي يبديه الإنسان أو الحيوان عمومًا -من تفكير ومشاعر وقرارات- وبين المكونات الحيوية للجهاز العصبي بكل ما يندرج تحتها من وظائف وأمراض.

خذ قلبي أو يدي أو عيني وسأظل أنا أنا. لكن حين تأخذ مني دماغي، فسأشعر بأن جسدي لم يعد سوى جثة هامدة بلا قيمة. هذا يجعل الدماغ بمثابة “البطاقة التعريفية” التي لم تفك أسرارها بعد -وربما تفك أسرارها في يومٍ ما-. أن تسخّر حياتك ووقتك لدراسة وفهم هذا العضو يعني أن تدرس جوهر الإنسان وسلوكه ودوافعه وعلاقة كل هذا بالمجتمع الذي نعيش فيه. الغوص في علم الأعصاب هو غوص في فهم الإنسان بكل ماتعنيه الكلمة من معنى. على الأقل بالنسبة لي، هذا ما يجعلني متحمسًا دائماً لدراسة الدماغ.

على الرغم من المسافة بين علم الأعصاب وبين العلوم الأخرى التي تسعى لفهم الإنسان وتحليل سلوكه (سواء علم النفس السلوكي أو علم الاجتماع… الخ)، إلّا أن علم الأعصاب يسلك طريقًا شموليًا لا يسعى لفك شفرة الإنسان فحسب بل فك شفرة الجهاز العصبي لدى الكائنات الحية عمومًا. هذا لا يجعلنا قادرين على فهم الإنسان فحسب بل على فهم علاقته وموضعه في هذا الكون الطبيعي من باقي المخلوقات الحية.

منطقة وسطى تتقاطع مع كثير من التخصصات

فبعد أن كانت دراسة الجهاز العصبي حكرًا على متخصصي الأحياء والتشريح، أصبحت اليوم منطقة وسطى تتقاطع مع كثير من التخصصات العلمية بل والإنسانية. وهذا التقاطع مع الكثير من التخصصات عائد لأمرين: تقدم تقنيات القياس والرصد العلمي في المجالات الأخرى أو توسع دائرة علم الأعصاب لتشمل هذه الجوانب الأخرى.

فعلى سبيل المثال، لعلم النفس -كمجال أكاديمي مستقل- تاريخ طويل يمتد لقرنين من الزمان. ولكن مؤخرًا وبفضل استخدام تقنيات التصوير العصبي المختلفة كأشعة الرنين المغناطيسي و EEG و fNIRS وغيرها، أصبح بالإمكان بحث أسئلة علم النفس الكبرى بطريقة أكثر موضوعية وأكثر دقة.

والعكس ينطبق على علم الأحياء الوظيفية والتطورية حيث تمثل أدواتها خامة مهمة يستخدمها علماء الأعصاب لفهم الدماغ وفك أسراره. وأخيراً، لدينا مجموعة كبيرة من المجالات التي تتقاطع مع علم الأعصاب بطريقة عرضية. أي أنها مازالت مجالات مستقلة عن علم الأعصاب ولكنها -سواء بأسئلتها الكبرى أو بأدواتها- تمثل أداة هامة يستعين بها علماء الأعصاب.

على سبيل المثال، يتقاطع علم اللغويات مع علم الأعصاب في دراسة اللبنات الحيوية للغة كنموذج تواصل بين الحيوانات المعقدة والإنسان.

كما تتقاطع علوم الإنسان (الانثروبولوجي) -والتي تدرس تاريخ الإنسان وحاضره من جوانب مختلفة- مع علم الأعصاب في دراسة العلاقة بين الظروف البيئية الخارجية وبين تكون الجهاز العصبي وتطوره خصوصًا عند المجتمعات القديمة.

تتقاطع علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي مع علم الأعصاب في تقديم الأدوات التي تعيننا على دراسة العقل بوصفه نظامًا رمزيًا شبيهًا ببنية الحاسب الآلي بالإضافة إلى الاستفادة من النماذج الحيوية في الدماغ لتصميم حاسبات أكثر ذكاء. كما تتقاطع الفلسفة مع علم الأعصاب بشكل كبير في دراسة الحدود المعرفية والإدراكية للعقل وفي محاولة فهم وتفسير ظاهرة الوعي التي طالما أثار حيرة الفلاسفة القدماء والمحدثين.

بالإضافة إلى ذلك، لدينا علوم الاجتماع والعلوم السياسية والإدارية والتي تتقاطع مع علم الأعصاب في السعي نحو فهم وتفسير دوافع السلوك الاجتماعي (كالتحزب واتخاذ القرار) من وجهة نظر عصبية وكيفية استغلالها بشكل أمثل والانتباه لثغراتها. فعلم الأعصاب التسويقي -على سبيل المثال- يدرس أساسيات اتخاذ القرار في الدماغ وما الذي يمكن أن تفيدنا به هذه المعرفة في تصميم منتجات أفضل.

الدماغ منجم ضخم ومعقد مليء بالألغاز التي لم تفك شفرتها بعد

الدماغ البشري هو أعقد عضو في الكون المحسوس. فخلايا الدماغ التي تكاد تبلغ مئة مليار خلية متصلة فيما بينها بترليونات الوصلات العصبية بشكل يعتبر في غاية التنظيم والتعقيد. بل إننا نكتشف دومًا جوانب أكثر تعقيدًا داخل الخلية العصبية الواحدة كأسلوب تواصلها مع الخلايا الأخرى. وهذا كله يجعل الدماغ مجالًا خصبًا ويتقدم فهمنا له كلما تقدمت التقنية الحيوية إما في حجم الدقة أو في توسع استخدامها. ولأجل هذا التعقيد في تركيب النظام العصبي، يعمد العلماء دائمًا إلى دراسة السلوك في حيوانات أخرى كالبكتيريا أو ذباب الفاكهة أو الفئران والجرذان. لكن هذا لا يعني أي استنقاص بدراسة الجهاز العصبي عند الإنسان، ففي نهاية الأمر الجميع يريد أن يفهم ويعالج الإنسان. ولكن دراسة هذه الحيوانات بشكل مباشر تمكننا من حل شبكة معقدة من الأسباب والنتائج وبأدوات صارمة لا يمكن استخدامها أو تطبيقها على الإنسان.

العالم يعاني

حوالي ربع سكان العالم يعانون من مشاكل نفسية، أو عقلية، أو عصبية بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. محليًا، ترتفع النسبة إلى أرقام أكبر بكثير تتراوح من 30% إلى 39% (بناءً على عدد من الدراسات المحلية). ويأتي على رأس قائمة الأمراض النفسية، مرض الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم. وعلى قائمة الأمراض العصبية، لدينا الجلطة الدماغية والمنتشرة بشكل كبير حيث تشير التقديرات إلى وجود حالة في المملكة بمعدل كل 15 دقيقة، أو بما يقدر بعشرين ألف حالة سنويًا. ناهيك عن انتشار أمراض الشيخوخة كألزهايمر والباركنسون وغيرها مما يعرف بأمراض الخرف. هذه الأرقام الهائلة للأمراض النفسية والعصبية تعني أن هناك حاجة ماسة لمتخصصين لخوض غمار هذا العلم وكشف ألغازه لأن النتائج سيكون لها تأثير مباشر في تحسين حياة الآخرين ورفع المعاناة عنهم. هذا الأمر تعكسه الميزانيات التي ترصدها الحكومات والمؤسسات البحثية للأمراض العصبية والنفسية والتي تشهد كذلك زيادات مطردة.

الأبحاث تتطلب مهارات منوعة ومتجددة

دراسة علم الأعصاب ليست كغيرها من التخصصات وذلك لأن الأدوات المستخدمة متغيرة دومًا وتتغير مع تغير التقنية الحيوية. فأجهزة قياس نشاط الدماغ عند الإنسان تنتج كمية ضخمة من البيانات التي لا تتناسب معها الأساليب التقليدية لتحليلها. والأمر ذاته ينطبق على أجهزة القياس والتصوير المستخدمة في المعامل التي تستخدم حيوانات أخرى.

وأخيرًا، ومع تقدم التقنيات الجينية، أصبحت التقنية الحيوية المتعلقة بتحليل الجينات أدوات في متناول كثير من علماء الأعصاب وذلك لدراسة العلاقة بين الجينات وبين السلوك. أضف إلى كل هذا المهارات البرمجية والتي تجعل من كل المهارات السابقة ممكنة. هذه البيئة البحثية قد لا تتوفر بنفس التنوع في علوم أخرى، وهذا ما يجعل خريجي علم الأعصاب قادرون على العمل في طيف واسع من الأعمال من إجراء التجارب العلمية إلى تحليل البيانات بأساليب إبداعية إلى كتابة البحوث.

أتمنى أن تكون هذه الأسباب كافية لجعلكم تحبون علم الأعصاب، ولو بنظرة من بعيد.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×