كيف تخدعك شركات التقنية كمستهلك

مقابل الجهد الذي تبذله شركات التّواصل الاجتماعي لدفعنا لقضاء ساعات أطول على منصّاتها، كم من الوقت والجهد تمنحه لحماية المستخدم؟

جاري التحميل

13 أكتوبر، 2021

وأنت تقرأ رسالتي، حاول ألّا تلتفت للتنبيهات المتسارعة على هاتفك: تعليقٌ على آخر منشوراتك، أو مقطع جديد من ثمانية. عوضًا عن ذلك، فكّر بالطّرق التي تستخدمها التّطبيقات لتبقيك مرتبطًا بها في البيت والعمل والدّراسة. تأمّل كيف نقلت تفاصيل حياتك الصحية والاجتماعيّة وغيرها إلى تطبيقات تستمر في طلب المعلومة تلو الأخرى. وأكثر من هذا، في استخدامك لهذه الأجهزة والتطبيقات، ألا يفاجئك التقرير الأسبوعي بأنك تقضي أربع ساعات -أو ربما أكثر- على هاتفك؟

في حرب مُعلنة بين شركات التقنية الكبرى، يستمر التنافس عمّن يقدم أفضل تجربة مستخدم، أوامر صوتية وذكاء اصطناعي يفهم اللغات الطبيعية. آخرها قبل أسابيع، حينما أعلن الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرگ إطلاق نظارة ذكيّة بالتّعاون بين المنصة وشركة البصريّات الشّهيرة «راي بان». تتيح النظارة التقاط الصور ومشاركتها على منصات شركة فيسبوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، وتلتقط الأوامر الصّوتيّة من المستخدم وتمكّنه من تصفّح حساباته في تلك المواقع. 

تقدّم فيسبوك النّظارة كآخر ابتكاراتها الهادفة إلى تحسين تجربة مستخدميها. ويبقى علينا ألّا ننسى حقيقة كوننا ثانويّين لفيسبوك ومثيلاتها من شركات التّواصل الاجتماعي. فنحن المستخدمون نستعمل هذه المنصّات مجانًا، بينما يدفع الزبائن للشركات مقابل الإعلانات. بمعنى آخر، لا يُعقل أن تشغل راحة وصحّة المستخدم النّفسيّة والجسدية أولويّة هذه الشّركات، بل إنها على استعداد لفعل أي شيء لإبقائك منغمسًا باستخدامها.

إذن، هل من تخوّفات تحيط بآخر إصدارات فيسبوك؟

الحقيقة أن فيسبوك تمتلك من البيانات ما لم تستطع حكومات ودول عظمى جمعه. فكيف سيكون المستقبل إن كان بوسعك امتلاك نظارات جيمس بوند، لتسمع وتوثّق كل ما يحيط بك طيلة الوقت؟  

كخطوة استباقية، أعلنت فيسبوك سياسة الخصوصيّة والاستخدام الخاصّة بالنظارة لتقول للناس: لا تخافوا، بياناتكم في أمان، لن نتجسّس عليكم! ولن نستخدم بياناتكم لبث أي إعلان مدفوع على النظارة. لكن شروط وأحكام التطبيقات الأخرى مفروضة حتمًا. فهل بات تقنين الإعلانات أمراً نمتنّ فيه هذه الشّركات؟

لكن السؤال لا يتوقف عند البيانات فقط، بل في حدود الخصوصية الفردية التي تستمر تجارب المستخدم في توسيع نطاقها أكثر فأكثر بهدف الربح. الآن صار ممكنًا التصوير خلسة، وتوثيق مظاهر حياتنا وبيوتنا وشوارعنا. تُخلي فيسبوك ومثيلاتها من الشّركات مسؤولياتها القانونيّة تجاه مستخدميها من خلال توقيعك على اتفاقية شروط الاستخدام والخصوصية، اتفاقية طويلة وتقنيّة ومعقّدة، غالبًا ما نوافق عليها كما العادة دون أن نقرأ فعلًا، ولا أن ندرك ما يترتب عليها.

هل فيسبوك الوحيد المذنب؟

من الخدع التي تنتهجها شركات التّواصل الاجتماعي «الأنماط السوداء» (Dark Patterns) التي يخبرني عنها محمد كيّالي. فهذه الأنماط تسهّل مثلًا الاشتراك بخدمة معينة، ثم تجعل عملية إلغاء الاشتراك معقّدة. أو يُضلّل المستخدم في قوائم طويلة وخيارات كثيرة، ليتأخر وصوله للخدمة المطلوبة وتطول مدة تصفحه الموقع.

ولو جرّبت تغيير إعدادات هاتفك بحيث تقنن مدة الاستخدام يوميًا، فلنقل ساعتين. سيصلك تنبيه انقضاء الساعتين، لكن خيار تجاهل التقنين موجود دومًا أسفل الشاشة، يعاكسك لتضغط عليه. على أيّة حال، لم علينا أن ننتظر الخوارزميّة لتذكّرنا بأننا قضينا من الوقت ما يكفي عليها؟ وهل تعفي هذه التّنبيهات شركات التّواصل الاجتماعي من ذنب إدمانها؟ 

تحديثٌ آخر ظنناه لمصلحة عيوننا، لكنه جاء لأسباب جمالية فقط: نظام الألوان الليلي الداكن. إذ صرّح مدير تطوير المنتج في تطبيق سبوتيفاي للموسيقا، ميشيل قادر، أن الشركة اختارت خلفية داكنة كوضعها القياسي بعد اختبار تصميمات مختلفة على مستخدميها الذين اختاروا هذه الألوان المظلمة بأغلبية ساحقة.

بينما تشير دراسة نشرتها المجلة الطبية البريطانية عام 2018 إلى انتشار إجهاد العين الرقمي (DES) بين ما يزيد عن نصف مستخدمي الحواسيب. ووفقًا للتقرير الأوروبي لإجهاد العين لعام 2016، يعاني حوالي 80% من جيل الألفية من أعراض إجهاد العين الرقمي بسبب استخدام الأجهزة الرقمية.

بالتنويهات والاستطرادات، تستمر شركات التقنية والبث الرقمي والتواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية بإلقاء المسؤولية على عاتق المستخدم نفسه، يأتي تحديثٌ أحيانًا بعد ضغط مجتمعي كبير، كقوانين الخصوصية، وأحيانًا لأسباب جمالية بحتة. وفي سوقٍ حرة، لا يبقى عندنا كمستخدمين إلا حرية الاستخدام نفسها، لنغيّر تجاربنا من داخلها ونعي بشكل شاملٍ أثر الاستخدام على صحتنا النفسية والجسدية. لكن أيكفي ذلك لحماية خصوصيتنا من أن تصير، كما فلم «ذا ترومان شو» معروضة على الملأ؟

ندعوكم لقراءة النشرة البريدية لبرنماج بكرة، من خلال الاشتراك في قائمتنا البريدية لتصلك على الإيميل كل أربعاء. بإمكانك التسجيل في قائمتنا من خلال thmanyah.com/newsletters.

روابط:

اخر الحلقات

بودكاست بُكرة

هل نستطيع العيش بلا لعب

وفقًا لاختصاصيّ اللعب جيف هاري، يظنُّ البالغون أنَّ اللعب يضيع الوقت. لكنّ الواقع على العكس، إذ يحسّن اللهو من الصحة النفسيّة للكبار.
أحمد الحافي
بودكاست بُكرة . ريادة الأعمال

ما تحتاجه لتحويل المصاعب لفرص

إن كنت شابّاً تواجه المصاعب والتحديات والمخاوف حيال إمكاناتك وقدراتك ومكانتك في المستقبل فهذه الحلقة لك.
أحمد الحافي
بودكاست بُكرة

لمَ عليك ألّا ترمي هاتفك بعد تلفه

يتخلص الفرد سنويًا مما يعادل سبعة كيلو گرامات من الأجهزة الإلكترونية، ما يتسبّب بأثر بيئي مهول تنقله الدّول الغنيّة إلى تلك الأقلّ حظّاً.
جنان الهاملي
بودكاست بُكرة

السّياحة التي ستغيّر شكل المستقبل

تسبر «السّياحة المستدامة» ذلك العمق في الترحال، متفرعةً لعدة مدارس ومفاهيم. إحداها «السّياحة المجتمعية» التي تحاول أن تخرجك عما هو مألوف لك، وتجنبك تجربة السائح التقليدي. 
سارة أبو الرّب
بودكاست بُكرة

هل يتحرّر الفن من سلطة المتحف

في هذه الحلقة من بودكاست بكرة، تحدّثنا الأكاديمية مها السّنان عن مستقبل الفن والتراث في العالم العربي والجهود المبذولة في حمايته. 
سارة أبو الرّب
بودكاست بُكرة

أول العلم خيال

أثبت العلم دور الخيال العلمي في تعزيز الإبداع في الطفولة من خلال توظيفه في التّعليم، ولكنّه مفقود في المدارس. فكيف يمكننا توظيفه؟
سارة أبو الرّب