كيف نفهم التاريخ من خلال النبوءات والدراسات المستقبلية؟


توجد علاقة نفسية واجتماعية شديدة الالتصاق بين الكوارث والأوبئة والأزمات التي تجتاح العالم أو أجزاء منه، وبين وجود نبوءة مسبقة بها من قبل. فمع كل أزمة عالمية أو مجتمعية عامة تحل بجزء من العالم، نلحظ انتشار أقوال بعض العرافين ونبوءاتهم عنها مسبقًا.

مثلما يلجأ الإسلاميون لنشر أحاديث آخر الزمان التي تعطي مؤشرًا على الإخبار بها. وهي كلها إسقاطات تخمينية، فالنبوءات تعطي مؤشرًا تلميحيًا يحتمل حدوث الشيء ونقيضه.

من المهم التفريق بين ظاهرة النبوءات بالأزمات وتوقعات علماء المستقبليات، فلهؤلاء مؤشرات مكانية وزمانية تخولهم بالتنبؤ بمسار الأحداث القريبة. والمميز أنها قبلية، أي تُعلن قبيل وقوع الحدث. في حين أن النبوءات الشعبية تأتي قبلية من العرافين، وبعدية من المعنيين بأحاديث نهاية العالم وأحداث آخر الزمان.

النبوءات 

تأخذ النبوءات أربعة أشكال، إذ تتكون في صور العرافين والعلامات الدينية عن آخر الزمان والرؤى والأحلام وأكاذيب حديثة منسوبة لمراجع وهمية قديمة. ومن أشهرها عربيًا  نبوءة حرب الخليج الثانية عام 1990، عندما أعلنت الأمم المتحدة محاصرة العراق اقتصاديًا.

فانتشر في المجتمع حديث نبوي نصه: «منعت العراق درهمها وقفيزها»، وفيه إشارة إلى حصار العراق اقتصاديًا من علامات الساعة.

أكيدٌ أن الأحاديث النبوية المخبرة بقرب نهاية العالم كثيرة، ولكن واضعي الأحاديث عبر الزمان أساؤوا استخدام بعضها.

أما عالميًا، فبعد وقوع أحداث 11 سبتمبر، انتشرت مقاطع من فلم أميركي أُنتج عام 1996 يتنبأ بأحداث إسقاط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقتل آلاف البشر وإلصاق التهمة بالمسلمين.

ويمكن عدّ هذه الأحداث من أهم ما حفّز الكتاب والمؤلفين على تتبع النبوءات والإشارات لقرب وقوعها في الروايات والخيال العلمي والأفلام والمسلسلات الكرتونية، مثل مسلسل «ذا سيمبسونز» (The Simpsons) الذي تُرمز له الكثير من النبوءات كانتخاب الرئيس ترمب وفيروس كورونا.

نبوءة نوستراداموس

يعد الفيروس أشهر وأهم حدث فتح مجالاً لاستعادة النبوءات حيث طفحت معلومات كثيرة تؤكد وجود نبوءات بالجائحة قبل حدوثها بسنوات؛ كان من أبرزها وأقدمها نبوءة نوستراداموس مؤلف كتاب «النبوءات».

ويعدّ أحد أشهر شخصيات القرن السادس عشر، إذ يتردد اسمه مع كل كارثة، ذلك لأن نبوءاته بالغة المدى وتمتد لمئات السنوات، فتعطي إشارات تقبل إسقاطها على كل حدث كبير.

ترجم «النبوءات» إلى عدة لغات منها العربية. واكتسب شعبية بتلك التلميحات والإيماءات عن كل وباء أو حادثة يمكن أن تنطبق عليها. بالإضافة إلى كتاب «بناء الكون ومصير الإنسان» لهشام طالب، الذي تضمن فصلاً بعنوان: «الإرهاب البيولوجي يقتل مليون إنسان عام 2020».

حيث نقل عن كتاب «ساعتنا الأخيرة»  لعالم الفلك البريطاني مارتن ريس أن عام 2020 هو عام الخطأ البيولوجي الذي سيتسبب بمقتل مليون إنسان بتدبير أشرار أو زلة بشرية.

وانتشر نصٌّ ملفقٌّ نُسب لكتاب مخطوط صنعه أحد العيارين وسماه «أخبار الزمان» ونسبه إلى مؤلف سماه إبراهيم بن سالوقيه. وأكد فيه بقرب وقوع الوباء، بما نصه: «حتى إذا تساوى الرقمان 20 مع 20 وتفشى مرض الزمان منع الحجيج…» وهذه طرفة واضحة، ولكنها أشغلت بعض الباحثين في التراث للرد عليها.

بالإضافة لذلك، انتشر مقطع فيديو يظهر فيه بيل گيتس متنبئًا بظهور فيروس يقتل ملايين البشر، ضمن ندوة نفذتها الجمعية الطبية، مستندًا على دراسة أعدتها مؤسسة نمذجة الأمراض.

كما تداول الناس فلم «Contagion» من إخراج ستيفن سوديربرگ عام 2011، وذلك لأن الفلم تحدث عن انتشار فيروس يحل بالعالم ويفتك بملايين البشر.

مقاومة الواقع بالنبوءات

تنتشر في المجتمعات أيضًا رؤى وأحلام تبشر بزوال الكوارث والأزمات والأوبئة خلال أيام وأسابيع. ومن آخرها رؤى زوال جائحة كورونا بعد شهر رمضان لعام 2020، وهي أمنيات شعبية في المنام، وتأتي غالبًا بسبب التذمر من الواقع والعجز عن تغييره، أي مقاومته بالرؤى والأحلام.

والملاحظة البارزة في جميع النبوءات، أن الناس لا يتداولونها إلا بعد وقوعها، مما يمنحها سمة الشعبوية، وينفي عنها السمة العلمية. وذلك لأن مراكز الدراسات المستقبلية المعنية برصد النبوءات تشترط وجود معايير ومؤشرات تسمح ببناء منهجية للتنبؤ بأحداث مستقبلية قريبة لا بعيدة.

في حين يمكن توظيف أكثر النبوءات المتداولة الصادرة من عرافين أو خبراء عبارة عن جمل انطباعية عند وقوع حدث ينطبق على جانب منها بالتفسير لا بالنص، سواء بعد سنة أو مئات السنوات.

وتقع هذه الاهتمامات الشعبية في سياق ولع الإنسان العادي بمعرفة التنبؤ بالمستقبل، كتفسير الأحلام وقراءة الكف ومعرفة الأبراج، وعنايته أيضًا بمعرفة النبوءات المستقبلية حتى بعد وقوعها مثل الحالات المشار إليها؛ وهي غالبًا لا تأتي بنية الاستعداد لأية تحولات متوقعة، بل من منطلق ولعٍ بالمعرفة، فليس من شيم الثقافة الشعبية الاستعداد للتحولات المستقبلية المعلومة، ولا المجهولة.

لماذا علينا أن نقرأ المستقبل؟

يزخم  الفضاء الشعبي اليوم بأدب نهاية العالم وروايات وأفلام الخيال العلمي التي تتنبأ بحلول كارثة كونية تقضي على البشر، مع غياب تام للدراسات المستقبلية. وهذا مؤشر على تأخر الوعي الشعبي والمؤسسي بأهمية تحسين تقييم الواقع وتزويد الرأي العام بمعلومات دقيقة، وكذا بناء صورة ذهنية تبقي عنصر الثقة في المجتمع.

من الجانب الآخر، كثُرت الدراسات ومراكز الأبحاث المعنية بمستقبل العالم، واشتدت تنبؤاتها في ظل التغيرات السريعة في جميع المجالات، وخاصة التنبؤ بقدرات التقنية على تغيير العالم الجديد من حيث مستقبل الوظائف وتغول التقنية في المجتمع والاقتصاد وأشكال الحروب ومستقبل الطب والحمض النووي والزراعة والصناعة.

وبُغية إحلال العلم محل الخرافات، آن الأوان لدعم انتشار مراكز الدراسات المستقبلية عربيًا، وتأهيل خبراء في علم المستقبليات.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×