كل شيء قابلٌ للبيع، حتى الحقائق

لحسين الإسماعيل
13 فبراير، 2019

لو سُئِلنا عن السعر اللازم لبيع مبادئنا، ستجيب نسبةٌ معتبرةٌ منا بلا شك أن مبادئها ليست للبيع. فالحقيقةُ لا تُقدَّر بثمن، وهي تتسامى عن كلّ ما هو زائلٌ في عالمنا. بيعنا لمبادئنا يعني بيعنا لذواتنا. بل قد يُستَهجَن السؤال من أساسه؛ كيف لأحدٍ أن يجرؤ على ربط الحقيقة بالمال؟ أَوَليسا متنافيين جذريًّا؟

يشكّل هذا السؤال أحدَ محاور الحلقة الثانية في الموسم الأول من مسلسل Black Mirror، وهي الحلقة المعنونة بـ: Fifteen Million Merits، أو خمسة عشر مليون نقطة جدارة. ففي نهاية الحلقة، يوضع بطلها بينغ مادسن تحت خيارين: إما التوكيد على مضامين خطابه الثوريّ ومواجهة العواقب، أو قبول العرض المُقَدّم إليه لتسليع الخطاب نفسه ومن ثم الصعود درجةً على السلم الاجتماعي. لا أظنني الوحيد الذي صُدِم بالنهاية، ولا أنني الوحيد الذي أعاد مشاهدة الحلقة مرارًا لفهم العالم الذي تدور فيه أحداثها بشكلٍ أعمق.

في السطور القادمة محاولةٌ شخصيةٌ لفهم تسلسل تلك الأحداث وما توارى خلف إيحاءاتها المتعددة، خصوصًا وأنها إحدى أكثر الحلقات تكاملًا في بنية عالمها. أجدني مدفوعًا للكتابة عنها لسببين رئيسيين: أولًا، أحب الكتابة عن الأشياء التي أحبّها. ثانيًا، أظن أنها إحدى أكثر الحلقات المساء فهمها.

يمكن تلخيص أهم أحداث الحلقة كما يلي:

يسمعُ بينغ غناء آبي -البطلة الثانية- أثناء تواجدهما في دورة المياه. ولأنه وقع في غرامها مذ رآها للمرة الأولى صباح ذلك اليوم، شكّل غناؤها مدخلًا مناسبًا لتبادل أطراف الحديث معها.

ففي أول فرصة سانحة، عرّف بنفسه وصار يسألها ما إذا كانت تفكر بالمشاركة في برنامج Hot Shot، وهو برنامجٌ لاستقبال المواهب المختلفة على غرار America’s Got Talent. تجيب آبي أنها ليست مغنيةً جيدةً للدرجة التي تؤهلها للمنافسة أولًا، وأنها لا تمتلك نقاط جدارةٍ كافيةٍ لشراء تذكرة المشاركة ثانيًا. يخبرها بينغ عن استعداده لشراء التذكرة وإهدائها لها، وتوافق آبي بعد تردد.

يرافق بينغ آبي حتى يبلغان كواليس البرنامج. تُجبر آبي على شرب عصير “الإذعان” بحجة أنه سيريح أعصابها كيلا تُذعر حين وقوفها أمام الحكام والجمهور. ما إن وقفتْ آبي على خشبة المسرح حتى بدأ ريث، وهو أحد الحكام ومالك شبكة الأفلام الإباحية، بالتحرش جنسيًا بآبي، مطالبًا بأن تريه نهديها. ووسط ضحكات الجمهور على مطالبات ريث، يقرر الحكام تجاهل تعليقاته والاستماع لغنائها.

نالت آبي إعجاب الجميع بصوتها وجمالها، وبدا أن اختيارها للأغنية التي تعلمتها من أمها اختيارٌ موفّق. لكن بالرغم من ذلك، يخبرها هوب –وهو الحكم الرئيسي ومالك شبكة بثٍّ أخرى- أنهم في حالة اكتفاءٍ من المغنين. برغم إعجابهم بغنائها، فهي جيدةٌ جدًا وحسب، ولا مكان لها في قنواته. يتقدم ريث عندئذٍ بعرضه الخاص لآبي.

خبرها أن جمالها وبراءتها مناسبان لتكون نجمةً على شبكته، وأنها لن تضطر للعمل على الدراجة إذا قبلت. وافقه بقيّة الحكام بالطبع، مما جعل آبي أمام خيارين: إما أن تصبح نجمة أفلامٍ إباحيّة أو تعود لقضاء وقتها على الدراجة. وتحت تأثير عصير الإذعان، رضخت أمام ضغط الحكام والجمهور.

لم يكن بينغ متواجدًا خلف الكواليس أثناء لحظة اتخاذها للقرار، إذ كان قد أُبعِدَ لمّا حاول الاعتراض على عرض ريث. لم يعد يمتلك من ذكرياته مع آبي سوى بطريقٍ ورقيٍ كانت قد صنعته من مخلفات طعامها وأهدته إياه، بالإضافة لعلبة عصير الإذعان الذي شربته قبل رحيلها. نجده بعد ذلك قد عاد لحياته الروتينية بلا حماسٍ، وصار يقضي يومه في النوم والأكل والعمل على الدراجة.

حين عُرض إعلان الفيلم الإباحي الأول لآبي على الشاشة دون أن يتمكن بينغ من تخطّيه؛ لعدم امتلاكه نقاط جدارةٍ كافية، يثور ويصرخ ويباشر بتحطيم الشاشات حوله. في نهاية ذلك المشهد، يأخذ بينغ قطعةً زجاجيةً سقطت على الأرض جراء ثورته، وندرك حينها أنه بات يخطط لأمرٍ ما.

خلال الستة شهور التالية، يعمل بينغ جاهدًا لجمع خمسة عشر مليون نقطة جدارةٍ لشراء تذكرةٍ جديدةٍ والمشاركة في Hot Shot. وحين حان أوانه، تمكّن من التحايل على الموظفة التي ناولته عصير إذعانٍ خلف الكواليس، حيث أخرج من جيبه علبة العصير الذي شربته آبي مطمئنًا الموظفة أنه شرب عصير بالفعل في الغرفة السابقة.

بدأ بينغ عرضه على خشبة المسرح راقصًا، وتمكن من جذب أنظار الجميع قبل أن يُخرج القطعة الزجاجيّة من مخبئها ويضعها على الوريد برقبته، مهددًا أنه سيقتل نفسه ما لم يستمعوا إليه. بعد جدلٍ بسيط، يقرر الحكام الاستماع إليه وسط ضغط الجمهور. يلقي بينغ خطابًا يكيل فيه بالشتائم للجنة الحكّام والوضع الراهن، ناقدًا الظروف التي يعيشها الأفراد تحت وطأة كل وسائل التخدير التي تُبقيهم على حالهم. ولأنه يعتبر المُحكّمين جزءًا من النظام القائم، فقد توجه بالخطاب إليهم بشكلٍ رئيسي، متهمًا إياهم بزيادة الوضع سوءًا.

أنهى بينغ خطابه شاتمًا المُحكّمين نيابة عن نفسه وعن طبقته وعن الجميع. بعد فترة صمتٍ مطبق، يبدأ هوب بالقول أن خطاب بينغ أحد أكثر الخطابات عاطفيّةً مذ بدأ البرنامج. ووسط ذهول بينغ، يضيف هوب أنه يتفق مع أغلب ما ذَكَرَه بينغ، وأنهم بحاجةٍ فعلًا لمن يتجرأ على التفوه بالحقيقةِ بين الحين والآخر. عندئذٍ، يعرض هوب على بينغ أن ينضم لشبكة قنواته الخاصة، بحيث يصبح لبينغ برنامجه الخاص مرتين في الأسبوع مقابل أن يمتلك غرفة أكبر وألا يضطر للعمل على الدراجة مجددًا. في المشاهد التي تلي، نكتشف أن بينغ قبل العرض فعلًا.

هذه أحداث الحلقة ببساطة. كانت كتابة الملخص أمرًا أصعب مما توقعت، إذ كان عليّ أولًا اختيار الأحداث المفصليّة ومن ثم وضعها في سردٍ مفهومٍ لا يكرر ما أعتزم ذكره في التحليل أدناه. ولكن هذا السرد الموجز كان -للأسف- على حساب التفاصيل المهمة. فبرغم بساطة الحبكة الرئيسية إلى حدٍّ ما، احتوت الحلقة على العديد من الإشارات والإيحاءات التي جعلت عالمها أكثر منطقيّةً وتماسُكًا دون أن تسلب الانتباه بالضرورة عما يجري. لفهم هذا الادعاء بشكلٍ أفضل، سأعيد صياغة المشاهد الأولى من الحلقة بحيث أبرز بعض تفاصيلها الدقيقة.

في أولى مشاهد الحلقة، يظهر بينغ نائمًا في غرفةٍ معتمةٍ سرعان ما تضاءُ جدرانها بمشهدٍ ريفيٍّ كارتونيّ. يستيقظ بينغ على صياح الديك بذلك الريف. ما إن يعتدل بجلوسه على الفراش ويفتح عينيه حتى نشاهد ظهور شخصيّته الرقمية على الشاشة بعد تسجيل دخوله للشبكة، مرفقةً شخصيته بالرقم “15,002,944”، وهو عدد نقاط الجدارة التي يمتلكها.

يرفع بينغ يسراه ويقبض على الهواء ثم يسحب قبضته للأسفل كما لو كان يفتح ستارةً حقيقيّة، لنفاجأ بأن المشهد الكرتونيّ على الشاشة قد ارتفع بالفعل استجابةً لإيماءة بينغ. بدلًا من الريف الكارتونيّ، تلوح ساعة رقميّة تشير للسابعة والنصف صباحًا من يوم الثلاثاء.

يتوجه بينغ لدورة المياه فيستحم قبل أن يقف أمام المغتسل معتزمًا تنظيف أسنانه. يضغط بسبابته على المرآة فنكتشف أنها هي الأخرى شاشةٌ تحتوي على عدة خيارات. بصرف النظر عن كون نقاط جدارته قد ازدادت 149,655 نقطة دون سببٍ واضح، يتم تقديم إحدى أسس العالم الذي تدور الحلقة فيه: لكلَّ شيءٍ ثمنه، سواءً كان استخدام معجون الأسنان أو تخطّي الإعلانات الظاهرة على الشاشة.

نلاحظ في الجزء العلوي من الشاشة شريطًا “إخباريًّا” لا يعرض سوى ما يمكن تسميته بأخبار الـ showbiz، أو الأخبار المتعلقة بالبرامج الترفيهية ومشاهيرها، مما يعطي انطباعًا عن المحتوى الذي تُغذّى عقول الأفراد به مع مطلع يومهم. يضع بينغ بأذنيه سماعاتٍ صغيرة قبل أن يستقل المصعد للأسفل مع آخرين يرتدون ذات الزي الرمادي. في المشهد الذي يليه، يسير بينغ وسط أقرانه متوجهًا لدراجة التمرين الخاصة به، والتي تحمل الرقم 324.

ما إن يضع قدميه على الدواسات ويحركها حتى يبدأ باكتساب نقاط جدارة (ويبدو أن عدد نقاطه عاد لما كان من المفترض أن يكون عليه بعد خصم 2500 نقطة).

ما الذي يمكن لهذه المشاهد أن تخبرنا إياه؟ أو بالأحرى، ما أهمية كل هذه التفاصيل الدقيقة في سياق الحلقة؟

الحقيقة أنها تثير العديد من التساؤلات التي يمكن اعتبارها مدخلًا للثيمات الرئيسية في الحلقة. فلا شك مثلًا أن نقاط الجدارة والزيّ الرمادي الذي يرتديه الجميع يجعلاننا نتساءل عن علاقتهما بعالم الحلقة ككل، وهذا ما سأحاول استعراضه أدناه.

ولاختصار الوقت، بدلًا من الوصف المطوّل للمشاهد المختلفة، سأكتفي بإشاراتٍ بسيطةٍ لما أعتبره مهمًا فيها. وبالإضافة لذلك، برغم توفر ترجمةٍ عربيةٍ في نتفلكس للحلقة إلا أنني سأستخدم ترجمتي الخاصة من الإنجليزية إذا استدعى الأمر، فالترجمة الموجودة أخلّت –للأسف- بالعديد من المعاني المتوارية وراء المفردات، خصوصًا ما يتعلق منها بالفلسفة التي يتأسس عليها عالم الحلقة. ولأن استكشاف هذا العالم هو الهدف الرئيسي من هذه المقالة، فسأباشر استعراض الثيمات الرئيسية بدل الإطالة في المقدمة أكثر.

أين البقية؟

نلاحظ منذ البداية أن مجتمع الحلقة لا يمثل سوى جزءٍ بسيطٍ من مجتمعٍ أكبر. ففي هذا المجتمع، ليس هناك أي أطفالٍ أو مسنّين، ولا يبدو أن هناك أي مؤسسةٍ عائليةٍ من أي نوع. ولعل الاحتمال الأرجح –على الأقل في المشاهد الأولى- أن أحداث الحلقة تدور في سجنٍ أو ما شابه.

هذا الاحتمال مدعومٌ بصغر الغرفة التي يقطن فيها بينغ (والتي سيسمّيها في نهاية الحلقة بالزنزانةً)، كما أنها مدعومةٌ بالإعلان الظاهر في 8:17، والذي يحاول تحفيز المشاهدين عبر التوكيد على حقيقة أنّ النجوم الظاهرين على الشاشة كانوا في السابق مثلهم، يعملون جاهدين “لتأدية ما عليهم” للمجتمع ولحاضرٍ أفضل. سرعان ما يتبدد هذا الاحتمال، إذ نكتشف من خلال محادثة بينغ وآبي أن هذه المنشأة مجرد خيارٍ وحيد للأماكن التي يمكن للأفراد العمل بها بعد بلوغهم عامهم الحادي والعشرين. فكما تشير آبي، كانت ترغب بالعمل في نفس المكان الذي تعمل فيه أختها، ولكن لم يحالفها الحظ في إيجاد مكان شاغرٍ.

نكتشف من ذات المحادثة أيضًا وجودَ مؤسسةٍ عائليةٍ، ويبدو أنها لا تزال تقليديةً إلى حدٍّ ما. الاستنتاج الذي يمكن بلوغه من هذا الاستعراض الوجيز هو وجود حياةٍ من نوعٍ ما خارج هذا المكان، حيث لا يمثّل العمل هنا سوى مرحلةً يمرّ بها كل فردٍ من المجتمع. ما لا تجيبُ عليه الحلقة بشكلٍ قطعيٍّ هو ما إذا كان هناك وسيلةٌ أخرى للخروج من هذه الحال عدا امتلاك قناةٍ أو ما أشبه، إذ نجد أن العديد يتسابقون للمشاركة في البرامج المخصصة لأفراد طبقتهم (كالليمونيّ حين شارك في برنامجٍ مخصص لأصحاب الوزن الزائد).

ماذا عن المجتمع؟

لكن حتى أفراد مجتمع الحلقة ليسوا متساوين بطبيعة الحال. ففي المكان الذي تدور فيه أحداث الحلقة، يمكن القول أن مهام الأفراد مناطةٌ بقدراتهم الجسدية. فهناك الرماديون الذين يقضون يومهم على الدراجة، وهناك الليمونيّون الذين تُعزى إليهم مهام التنظيف وما شابهها.

من الجليِّ كذلك أن الرماديين أعلى درجةً، وهذا مدعومٌ أولًا بالطريقة التي يُعامَل فيها الليمونيّون (كما يفعل الجالس على يسار بينغ)، وبخفض رتبة الدرّاج الذي لم يتمكن من مواصلة العمل في بداية الحلقة. يمكن أيضًا طرح التساؤل عما إذا كان محكّمو Hot Shot الثلاثة ينتمون لطبقةٍ واحدةٍ أم أنّ لكلٍّ منهم طبقته الخاصة، وما إذا كانوا محكومين بأناسٍ فوقهم أم أن لهم السلطة العليا. كل ما يمكن استنتاجه بشكلٍ قطعي هو أن عالم الحلقة طبقيّ وأن بعض الطبقات محددة المهام.

الزيف الحقيقي

في خطاب بينغ الثوري ضد المحكّمين الثلاثة، نجده يشير باستمرارٍ لحاجته لشيءٍ حقيقيّ. لم تكن المرة الأولى التي تردُ فيها المفردة بالطبع، بل استخدمها بينغ أيضًا لوصف موهبة آبي الغنائية حين كان يحفزها للمشاركة: “لديكِ شيءٌ حقيقيّ”.

إذا لم يكن هذان الموضعان كافيين لاعتبار الحقيقة (والزيف بالمقابل) ثيمةً أساسيّة، فلعل تكرارها بمشتقاتها عشرين مرةً إضافيةً كفيلٌ بإثارة انتباهنا. وردت المفردة للمرة الأولى في 5:47 أثناء وصف التفاحة الخضراء بأنها “الشيء الحقيقيّ الوحيد تقريبًا” في آلة البيع، برغم أنها قد أُنبتتْ في صحنٍ بتريّ، أو الصحن المستخدم في إنبات البكتيريا.

إذا كانت حتى هذه الأطعمة شبه زائفة، فمن المنطقي استنتاج أنه لا شيء حقيقي، وهذا استنتاجٌ سليمٌ إلى حد كبير. فحتى نقاط الجدارة التي تقاسُ بها قيمة كل فردٍ ليست سوى عملةٍ كغيرها من العملات. وما يجعل الأمر أكثر سوءًا هو أن هذه النقاط تستخدمُ لشراء أمور زائفة، كلبسٍ جديدٍ للشخصيات الرقمية أو مشاهدة برامج تخديرية أو حتى ممارسة أي نوعٍ من الترفيه. بل يمكن الادعاء أن خطاب بينغ الثوريّ بحد ذاته قائمٌ على محاولة كشف الحقيقة المتوارية خلف زيف المظاهر بهذا العالم، الحقيقة خلف الألوان البراقة والأضواء الساطعة والعمل المستمر.

يمكن ملاحظة المقابلة بين الحقيقة والزيف في الحلقة عن طريق مقارنة بعض مشاهدها. فالبطريق الورقيّ الذي تصنعه آبي يصبح بطريقًا خزفيًا على طاولة بينغ، والمشهد الريفيّ الكارتونيّ على شاشات زنزانة بينغ يصبح إطلالةً على غابةً حقيقيّة بعد صعوده على السلم الاجتماعيّ، بل حتى زيف الأوهام والطموحات التي تغذيها البرامج الترفيهيّة يُقابَل بحقيقة أن الخروج من الوضع الذي يجد الأفراد أنفسهم فيه مرهونٌ بقرارات من هم أعلى منهم، دون أن يكون لجدارتهم تأثيرٌ حقيقيّ.

كل شيء قابل للتسليع

لكن الثيمة الأهم بحسب رأيي متعلقة بالنظام الاقتصادي القائم في عالم الحلقة. كما أسلفتُ ذكرًا، لكل شيءٍ في هذا العالم ثمنه. ترافق هذا التسليع فلسفةٌ استهلاكيّةٌ بحتةٌ لا تسوّق لنفسها عبر الإعلانات وحسب، بل تعاقب من لا يرغب بالتغذي بها عن طريق الخصم من نقاط جدارته.

ولا يعني التسليع بالضرورة مقايضة النقاط بشيءٍ آخر، بل نجده حتى في آلية اختيار المتسابقين في Hot Shot. فبرغم وصول آبي متأخرةً مقارنة بالآخرين، إلا أن الموظف تلقى تعليماتٍ باختيارها خلال دقائق من وصولها (تكرر الشيء ذاته تقريبًا في اختيار بينغ بسبب لون بشرته). يمكن الاستنتاج مبدئيًا، إذن، أن عالم الحلقة مشيّدٌ على قيم السوق.

لا يمكن بطبيعة الحال استعراض كل المشاهد التي تتجلى فيها هذه الفكرة، ولكن يمكن الإشارة لأهم تجلياتها: تسليع الحقيقة. لولا هذه الفكرة لما كانت نهاية الحلقة صادمةً بالشكل الذي كانت عليه ولما كان السعي وراء جمع نقاطِ الجدارة بتلك الأهميّة. قبول بينغ للعرض المقدم من هوب لم يكن مجرد رضوخٍ (ولنتذكر أن بينغ لم يشرب عصير الإذعان أصلًا) ولم يكن مبنيًّا على أمل تحسين أوضاع الآخرين، بل كان قرارًا واعيًا بأن يصبح جزءًا من النظام، بأن يساهم في تخدير الآخرين، بأن يزيد الأوضاع سوءًا.

لما تقدم هوب بالعرض، قال بالحرف أن الحقيقة لا تتوفر بالكمية المطلوبة، كما لو أنها سلعةٌ لا بد من تزويد الناس بها كغيرها من السلع. هذا يعني تخلي بينغ عن المبادئ التي دعا إليها في خطابه في مقابل تحسين حاله وحده.

كانت السطور السابقة محاولةً لاستكشاف عالمٍ معقد، عالمٍ يجبر المشاهد على التساؤل عن كل كبيرة وصغيرة. قد لا تكون كل التفاصيل التي أوردتُها صحيحة (خصوصًا وأن اختلاف نقاط جدارة بينغ في بداية الحلقة مؤشرٌ على أن الأخطاء واردة)، ولكنني أظنها كفيلةً لإعادة النظر في خفايا حلقةٍ عظيمةٍ كهذه.

أعرف أكثر:

الحلقة “54” من بودكاست ثمانية ¾، مع حسين إسماعيل، للحديث عن مقالته: “كل شيء قابلٌ للبيع، حتى الحقائق” المنشورة على موقع ثمانية.

تستطيع أن تستمع لها من خلال تطبيقات البودكاست على هاتف المحمول. نرشّح الاستماع للبودكاست عبر تطبيق Apple Podcasts على iPhone، وتطبيق Google Podcasts على أندوريد.

يهمنا تقييمكم للبودكاست على iTunes، ومعرفة رأيكم بالحلقات بمراسلتنا على البريد الإلكتروني: Ahlan@thmanyah.com، أو عبر حساب ثمانية على تويتر.

روابط الحلقة


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×